الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي
pp : 91 - 104

عمر زرفاوي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

من التيارات الفكرية النشطة في الساحة الثقافية العربية، تيارات ثلاثة يصطلح عليها "محمد صدقي الدجاني" بـ : تيار الانغماس، وتيار الانكماش، وتيار الاستجابة الفاعلة، ولا مراء في أن الغذامي أقرب ما يكون إلى تيار الاستجابة الفاعلة، فهو"صوت يجمع بين الثقافة العربية الأصيلة التي نـهل من معينها القراح دون أن ينكفئ عليها، والثقافة الغربية الحديثة التي خاض غمارها دون أن ينجرف في تيارها أو يقع في إسارها. [جامعا] بين حدّ الأصالة وحدّ المعاصرة في توليفة سوية وبـهية، مجسّدا بذلك نموذج المثّقف العربي المتفتح الذي يشرع نوافذه للرّياح اللواقح، دون أن يقتلع من مكانه أو يغيب عن زمانه، حسب المقولة الطاغورية (*) الأثيرة لدى الباحث"(1). فـَ"الغَذْمُ لغة:يُغَذَّمُ الشيءُ يُغْتَذَمُ غَذْمَا وَاغْتذَمَ الشيءَ أَكَلَه بِنَهْمَة، وَغَذِمَهُ غَذْمَا أَكَلَهُ بِشدّة وإفراط وشهوة، وَتَغَذَّمَ الشيءَ : اغْتَذَمَهُ وَيقَالُ: هُو يَغْتَذِمُ كُلَّ شَيء إذَا كَانَ كَثيِرَ الأَكْلَ، وَبِئرٌ غُذَمَةٌ : كَثيرةُ المَاءِ (2)، والغذامي هوكلّ ذلك؛ القارئ النهم للتراث والحداثة، التراث كبئرلا تنضب، والحداثة كشهوة لا تشبع.

 "وَأَلْقِ في غَذِيمةِ فُلانِ مَا شِئْتَ أَيْ في رُحْبِ صَدْرِه" (3).

وسنلقي بـهذه التساؤلات حول مشروع "الغذامي"النقدي إلى صدره الرحب كأحد الأقطاب المؤسسين لفكرالاختلاف في ثقافتنا العربية، فتكون أسئلة على الأسئلة، وما إخالُ الدكتور الغذامي إلاّ فاسحا صدره للرأي الآخر و"النص المضاد" (**)، وهوالحداثي بامتياز، والمنافح عن "ثقافة الأسئلة" (***) بمنأى عن كلّ تزمت أو تعنت (4). ففي مقاربته لوجه أمريكا الثقافي قال الغذامي : "إذا كان "بريخت" يقول : "إن أفضل شيء في أمريكا هو أنّنا نفهمها"، فإنّني أقول : "إن أفضل شيء في أمريكا هو أنّنا نستطيع أن نسيء فهمها، ولا نخاف."(5)، ولعل "أجمل ما في الغذامي هوأنّنا نستطيع أن نسيء فهمه، ولا نقع في سوء الفهم"، حتى وإن كان سوء الفهم طريقا إلى الفهم

ليس من السهل على أية مقاربة نقدية الإحاطة بمشروع الغذامي النقدي، ويعزى ذلك إلى عديد الأسباب، منها ما يتعلق بالمشروع نفسه، ومنها ما يتعلق بالناقد في حد ذاته، فالمشروع ظل يتنامى من النقد الألسني إلى النقد الثقافي، ويتجدد من الداخل في كل يظن أنه أصابه الكساد وأوشك على الإفلاس، هذا فضلا عن اتساع رقعته (أربعة عشر مؤلّفا)، وتجاور التنظير والتطبيق في معظم ما أنجز الناقد حتى أضحيا صنوين لا يفترقان .

زد على ذلك تشابك مشروعه الثقافي مع تحولات العولمة بكشوفاتـها المعرفية وفتوحاتـها العلمية (****)، ولن تكون هذه الأسباب مشجبا يعلّق عليها فشل الدراسة، بل يسعى صاحبها إلى تتبع مواطن الهنّات والعثرات المنهجية في تمثل منجز النظرية النقدية الحديثة، وتبيان مدى نجاح الناقد في التوفيق بينها وبين المنابع التراثية، خاصة وقد تفرق أهل النظروالمعرفة حول تصنيف المشروع، فأكد فريق أنه بدأ بالنقد الألسني وانتهى إلى النقد الثقافي، وقال ثان إنه بدأ بالنقد الثقافي وانتهى إليه، وأقر ثالث أن ما أنجز أقرب ما يكون إلى النقد الموضوعاتي.

 

وأمّا الناقد فهو رحالة دؤوب على شاكلة رولان بارتRoland Barthes  وجيل دولوز، فبقدر ما نـهل الغذامي من إنجازات الناقد الفرنسي رولان بارت Roland Barthesالنقدية فقد شابـهه في تنقلاته بين مختلف المدارس النقدية والتيارات الفكرية، بداية بالتراث والنقد الألسني، مرورا بالتفكيكية الفرنسية (البارتية أو الدريدرية) أو الأمريكية (جماعة ييل) (*****)، ووصولا إلى النقد الثقافي وإفرازات النظرية النقدية زمن العولمة. شأنه في ذلك شأن رولان بارت Roland Barthes الذي يقول عنه جون أبديك John Updike: "انتقل رولان بارت من الوجودية والماركسية إلى التحليل النفسي للماهيّات وإلى النظريات اللسانية لفرديناند دي سوسيرSAUSSURE  F.DE ، ومؤخرا التحق بالإناسة الجديدة لكلود ليفي ستروس" (6).

يشكل الجهاز الإجرائي فسيفساء نقدية وخليطا من الأدوات المنهجية تضرب بأطنابـها في التراث العربي تارة، وتنهل من حاضر النظرية النقدية الحديثة تارة أخرى، فكان المنهج بالنسبة له مفتاح خرائط النصوص الذي بفضله يمكن تحديد تضاريسها، بل قل مبضعا يشرّح أجساد النصوص،  ولأن المشروع يتوزع بين الإطار المرجعي والإجراء المنهجي والمنظومة المصطلحية والإطار التطبيقي، فإننا سنحاول البدء بأول إصدارات الناقد، كتاب "الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، نقد لنموذج إنساني معاصر".

01 ـ الخطيئة والتكفيروأغلوطة الموضوعية النقدية :

وُلِدَ الغذامي ناقدا مع باكورة إنتاجه النقدي كتاب "الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج معاصر"، والصادر في منتصف العقد التاسع من القرن العشرين (1985م)، وقد عدّ الكتاب آنذاك من قبيل العموميات التي كان الوسط الثقافي العربي يتقبلها، وقد استطاع من خلاله الناقد تلّقف آخر المنجزات النقدية وعرض أجد مبتكرات الحداثة وما بعدها في المجال النقدي. ولعل ما بذله ـ ويبذله ـ من جهود يشكّل حلقة ضمن سلسلة جهود نقادنا الأوائل لإرساء معالم تلك النظرية المنشودة، النظرية التي ظل الأكاديميون العرب ينتظرون بشغف كبير وضوح معالمها منذ بشّر الناقد اليمني عبد العزيز المقالح بمشروع بنيوية عربية، وهو يقارب جهود الناقد المصري كمال أبي ديب في قراءة الشعر العربي القديم، وفي قراءة الغذامي لنصوص أخرى من العصر الحديث استمرار لمشروع قراءة تراثنا الشعري الذي بدأ مع طه حسين وتواصل مع أدونيس وكمال أبو ديب، ولا يعني ذلك أن مشروع قراءة التراث الشعري مدار الحديث واحديّ الرؤى والآليات الإجرائية التي اختلفت من ناقد لآخر.

يمثل عنوان الكتاب ثنائية تحكم شعر حمزة شحاتة ـ من وجهة نظر صاحب المشروع ـ وقد تضمن الكتاب دعوة صريحة إلى القطيعة مع النقد السائد آنذاك، وتركيز الجهود على الوظيفة الشعرية للغة الكفيلة بتمييز جيّد النصوص من رديئها، فكان أن فصّل الناقد الحديث حول آراء رومان جاكبسون  Roman Jakobsonفي الرسالة الأدبية، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي عمّم مصطلح الشعرية، ورولان بارت الذي مارس البنيوية قبل أن يهجرها إلى التفكيك والنقد الإبداعي (7).

وتجدرالإشارة هنا إلى ذلك الخرق النقدي في تأصيل مصطلح Poetic، فالغذامي أصّل  المصطلح في أصل وضعه بكلمة الشاعرية، مما جعل المصطلح البديل: "ينصرف إلى حضور المبدع، بما يتعارض تماما مع مبدأ النظرية الفلسفي الذي أرسى قواعده رومان جاكبسونRoman Jakobson  وهو ما فصّل فيه القول محمد عبد المطلب بربط الشاعرية بالمبدع والشعرية بالصياغة" (8).

ويعثرالقارئ للكتاب على منظومة مصطلحية بديلة، فقد أطلق على منهج جاك دريداJacques Derrida  مصطلح النحوية، وجعل الأثر بالمفهوم الدريدي بديلا للإشارة عند سوسير، والتكرارية بديلا للتناص، فمصطلح الأثر الذي خصه الناقد بحديث مسهب يعبّر بجلاء عن الاضطراب المفاهيمي، "فهو تارة بديل للإشارة لدى دي سوسير F. DE SAUSSURE، وتارة أخرى التشكيل الناتج عن الكتابة، وهو تارة ثالثة لغز غير قابل للتحجيم، ولكنه ينبثق من قلب النص كقوة تشكل بـها الكتابة، كما أنه سابق على النص ولاحق به ومحاين له، وهو فيما يحسبه الناقد سحر البيان الذي أشار إليه القول النبوي الشريف" (9).

وسيلحظ القارئ البون الشاسع بين دلالة تلك المصطلحات في أرض النشأة وبين تلك البدائل التي قدمها الناقد، فما علاقة الأثر بالمفهوم الدريدي بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا"، إعجابا منه بقصيدة عمرو بن الأهتم يا ترى؟، أليس مصطلح الأثر بالمفهوم الدريدي وشيج الصلة بالتراث اليهودي كسائرالمصطلحات الدريدية الأخرى، التشتيت، الانتشار، الاختلاف، الهوة ..

وبقدر ما جمع الناقد بين البنيوية والسيميولوجيا والتفكيكية عرّج باتجاه جاك لاكان Jacques Lacan  : "الذي حاول التوفيق بين السيميولوجيا والقراءة النفسية، مؤكدا أن النص بنية لاشعورية، وألتوسير الذي خلط بينها وبين الفكر الماركسي، وجاك دريدا الذي أنكر وجود البنية، مؤكدا أن النص مجموعة لا متناهية من لحظات الحضور والغياب، نافيا ـ في الوقت نفسه ـ أولوية المعنى" (10). وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن مشروعية الجمع بين البنيوية كاتجاه حداثي أسس لمقولة النسق المغلق وبين السيميائية والتفكيكية كاتجاهين من اتجاهات ما بعد الحداثة الداعية إلى تقويض النسق وتـهشيمه، ألم يقع في ما يعرف بالتوفيق التلفيق والحلول الترقيعية وأنصاف الحلول التي كثيرا ما ركن إليها الفكر النقدي العربي، شأنه في ذلك شأن كمال أبو ديب الذي حاول عبثا التوفيق بين بنيوية شتراوس وبنيوية غولدمان، وقد جاءت الثانية لتتجاوز الأولى؟.

وإذا استندنا إلى مقولة الجابري الشائعة: "إن طبيعة النصّ هي التي تفرض المنهج" (11)، نتساءل مرة أخرى عن مدى مراعاة الغذامي لطبيعة النصوص التي اختارها لتكون الإطار التطبيقي لمشروعه، وهل استدعت نصوص حمزة شحاتة ذات الطابع الفني الخالي من الرمزية ما سماه الناقد بالنقد الألسني الذي هو حصيلة المزج بين البنيوية والسيمائية والتشريحية؟، وهل وفق في الجانب التطبيقي كما وفق ـ على حد رؤية إبراهيم محمود خليل ـ في الجانب النظري ؟.

يقول الناقد : "وأنا شخصيا في كتاب الخطيئة والتكفير اعتمدت التشريحية، وهي مدرسة جديدة جاءت وأعقبت البنيوية، لكنني بعملي أقوم بمزج ما بين البنيوية والسيميولوجية والتشريحية، مستعينا على ذلك بالمفهومات العربية الموجودة عند ابن جني والجرجاني والقرطاجني"(12)، فالناقد يقر بأنّ التفكيكية أعقبت البنيوية وجاءت لتتجاوزها إن على مستوى المرجع أو المصطلح أو الإجراء، ولا يعني أن المزج كإستراتيجية منهجية غير مشروع بل إن غير المشروع هو المزج بين المتناقضات، ولم يقف عند تركيب ما يسميه بالنقد الألسني، ولكن تعدّاه ليمزج ويركب بين النقد الألسني وما سماه المفهومات العربية الموجودة عند ابن جني والجرجاني والقرطاجني، فكيف نوفق بينهما ولا نقع في التلفيق والتباين بين التراث والحداثة أجلى من نار على علم ؟، فالجرجاني بالنسبة للناقد بنيوي تارة عرف البنية وأسس لها قبل شتراوس ودي سوسير وجاك لاكان، وتارة أخرى تفكيكي أسس للاختلاف قبل جاك دريدا، فهل يا ترى كان الجرجاني بنيويا كما أكد من شايعه ككمال أبي ديب أم تفكيكي من الدرجة الأولى كما أكد هو؟.

وبقدرما استفاد الناقد من جهود بارت البنيوية، إلا أن المدونة النقدية بينهما اختلفت، فطبق الغذامي منهجه على الشعر العربي الحديث بينما انشغل بارت طيلة حياته تقريبا بالكتابة عن فنون النثر، وخاصة الفنون القصصية لأسباب تدخل في صميم عمله النقدي أو الكتابي، بينما كان الشعر العمودي مدوّنة في باكورة أعماله على وجه التحديد (13).

ومن خلال الإطار التطبيقي يقف القارئ على سمتين بارزتين هما الانطباعية والانتقائية، فقد حلم الناقد بالموضوعية فسقط في الانطباعية، فالتحليل الذي مارسه على النصوص لا يكاد يجاوزحدود الوصف والانطباع، فهو يمكن "أن يفيد النقاد أو الباحثين ذوي النزعة الانطباعية الشكلية أو النزعة التفكيكية، أما الباحثون والنقاد ذوو النزعة العلمية التفسيرية فلا يجدون هذه الفائدة" (14).

ومن الأمور التي تؤكد على سقوط الناقد في الانطباعية اعتماده في بعض الأحيان على أشياء من خارج النصّ يدلل بـها على ما ذهب إليه، كحياة حمزة شحاتة الشخصية، فالناقد وهو بصدد تبرير حكمه المتعلق بانتهاء الصراع بين قطبي الخطيئة والتكفير، الصراع الذي ينتهي لصالح التكفير، حيث يتوق الشاعر إلى العودة إلى الجنة التي هبط منها أول مرة، فيقول عنه: "ومازال يعاني ويصبر حتى قادته فطرته إلى جادة الزهد .. وهو ما انتهت إليه حياته في آخر عمره، حيث روت لي ابنته شيرين أنه انصرف حينئذ إلى مولاه، ينفق ساعات نـهاره بالعبادة والتسبيح .." (15).

وفي اختيار نصّ حمزة شحاتة دون غيره تبدو سمة الانتقائية، فكما سبق وأن ذكرنا أنه نص خال من الأبعاد الرمزية والدلالات الإيحائية، تغيب المواءمة بين النص المختار والمنهج المطبق، فكان النص ـ والحال هذه ـ وسيلة للتدليل على الكفاية المرجعية والإجرائية للمنهج، وإذا كان الغذامي ـ على رأي إبراهيم السّعافين ـ قد استطاع : " أن يضع يديه على المبادئ الأساسية لاتجاهات النقد الألسني وأصولها، إلا أنه لم يستطع أن يقنعنا في تطبيقه هذه المبادئ على النموذج حمزة شحاتة، إذ أقام منهجه على اتجاه نقدي له أسسه الفلسفية،أي أن صاحبه انطلق من موقع ورؤية تخالف ما عند الغذامي، فلعل محاولات الغذامي تذهب بعيدا في الانتقاء، وتكاد تفصل فصلا واضحا بين المنهج والممارسة" (16).

وهذا يعني غياب التفاعل بين الآراء النظرية وبين الخطوات المنهجية، هذا فضلا عن اعتبار الناقد مفاهيم وأسس النقد التفكيكي التي تعامل معها تصورات يقينية وأساليب رائجة لا تحتاج إلى نقاش أو تطويع أو تعديل، والتفكيكية تـهدف إلى تقويض اليقينيات أم هذا هو مآل التفكيك الذي يؤسس لدغمائية بديلة هي التفكيك مما يستلزم في النهاية تفكيك التفكيك.  

إن ثنائية الخطيئة والتكفير كثنائية ضدية هي نتيجة لثنائيات وبنيات صغرى وهي في حقيقة الأمر بعيدة كل البعد عن كونـها نتاج علاقات النص الداخلية وأنساقه، بل بنت ثقافة الناقد الدينية، فهي: " ليست بنيوية ولا سيميولوجية ولا تفكيكية وإنما هي فكرة أخلاقية ودينية، والمقابلات التي عقدها بين آدم وحمزة شحاتة، وبين المرأة التي يذكرها في شعره وحواء، مقابلات لا مسوّغ لها إلا القول مع إدريس جبري بأن ثقافة الناقد، ومرجعيّاته الأخلاقية والدينية في التعامل مع ثنائية الرجل / المرأة زحزحته إلى النقد الذي ينظّر له، إلى النقد الثقافي" (17).

ولعل الاحتكام إلى مرجعيّات الناقد الأخلاقية والدينية في التعامل مع هذه المهيمنة (الرجل / المرأة)، والتركيز على كشف هذه البنية تضع الناقد منذ البداية فيما يعرف بالموضوعاتية الساعية إلى: " إحداث قدر من التوازن بين الاتجاهات التقليدية والاتجاهات الحداثية، فهي تحافظ على علمية النقد، لكنها تفتق شرنقة النقد الداخلي وتقدر البعد الإيديولوجي والنفسي، وتمنح الناقد مساحة من الحرية تبرز قدراته الذاتية بدلا من التطبيق الأصم لقوالب نقدية معدة سلفا جعلت ساحة النقد العلمي مباحة لأدعياء النقد" (18).

وقد يقول قائل إن مطالبتنا الغذامي الالتزام بما تفرضه القواعد الصارمة للبنيوية في أصلها الغربي دعوة منا إلى وقوع الناقد في فخ المطابقة والانبطاح، وما مارسه الناقد هو اختلاف مع الآخر من خلال استثمار منجزاته بما يخدم السياق الحضاري العربي، فكان نجاحه على مستوى الخطاب، وفشل على مستوى الواقع، فكان تحقق الحداثة الشاملة رهين الخطاب النقدي وعناوينه. فلغة الخطاب النقدي الغذامي في كتابه " لغة ميلودرامية مارست العبور بتعبير جوفري هارتمان من لغة النقد العلمية المحكمة إلى لغة الإبداع الطفولية المداعبة، فكما حجب نص الناقد نص الشاعر حجبت لغة الناقد لغة النص الأصلية على هدى حجب التلمود للتوراة، وأفلاطون لسقراط، إن لغة الناقد الأصلية قد طغت على لغة النص الأصلية وطمست معالمه الأساسية، وشتّتت أبعاده المختلفة تحت شعار التمسك بالجديد والحديث، ومواكبة اتجاهات العصر، لا لضرورة علمية أو فنية اقتضتها طبيعة نصوص شحاتة" (19).

02 ـ تشريح النص : نحو نواة نقد موضوعاتي :

وفي كتابه " تشريح النص، مقاربات لنصوص شعرية معاصرة " يربط الناقد السابق باللاحق عن طريق مصطلح التشريح الذي  ارتضاه الناقد بديلا للمصطلح  الغربي، وليس ذلك فقط ما يربط بين الكتابين، بل إن الناقد حاول ربط مجاله التطبيقي بعضه ببعض من خلال استمرار تلك الثنائيات، ثنائية (الحاضر، المستقبل) مع نص الشابي "إرادة الحياة"، وثنائية (الحياة الموت) مع سائر النصوص الأخرى، وعن ذلك يقول محمود إبراهيم خليل: "أي إن هذه التوترات بين الماضي  والمستقبل (..) جعلت من إرادة الحياة نصا مترعا بالحركة، وتستوقفه قصيدة الكلمة الدارجة توظيفا جماليا لثنائية (الحياة، الموت) التي لا تبتعد بنا كثيرا عن ثنائية (الخطيئة، التكفير) في كتابه السابق" (20).

ويبدو أن الناقد لا يبحث عن بنية تحكم إبداع شاعر كما حصل مع حمزة شحاتة في الخطيئة والتكفير، بل يسعى هذه المرة إلى القبض على نسق عام يحكم الشعر العربي الحديث، فبعد أن يصل الناقد إلى تعيين شفرة معينة تحكم قصيدة كل شاعر، يحاول إيجاد النسق العام كمحصلة نـهائية لاجتماع تلك الشفرات، وفي كتابيه الأول والثاني لا يوفق الناقد في الوفاء لآليات منهجه الإجرائية، فقد حلم في الخطيئة والتكفير بالبنيوية فوقع في الانطباعية، وبالتشريحية ـ كما يفضل أن يصطلح عليها ـ في كتابه تشريح النص فسقط في الاتجاه الأسلوبي البنيوي كما نظر له ميشال ريفاتير، فاقتفى الناقد : "خطى النقاد الأسلوبيين البنيويين في تناولهم لأزمان الأفعال، فلا نكاد نظفر بتحليل أسلوبي لقصيدة من القصائد دون أن يعرض فيها المحلّل لذلك" (21).

ويذهب الناقد يوسف حامد جابرـ في سياق تقويمه للكتابين ـ إلى القول: "على الرغم من أن تشريح النص الذي تمت طباعته بعد سنتين من الخطيئة والتكفير يشكّل تطورا مقبولا في فهم أدوات البنيوية ومفاهيمها وطرائقها عند ( الغذامي )، كما نلمح جوانب مضيئة لم تستوف حقها من البحث، وتصلح لكي تكون نواة لنقد موضوعاتي"(22)، فثنائية (الحياة، الموت) تمثل التيمة المسيطرة في كتابه تشريح النص، وهو ثنائية تذكرنا بثنائية الخطيئة والتكفير.

03 ـ الموقف من الحداثة والمغالطة التأصيلية :

يعد كتاب الموقف من الحداثة مراجعة شاملة للنقد الأدبي في الوسط الثقافي آنذاك، فحوى حديثا عن فكرة موت المؤلف التي تنسب لرولان بارت، إذ حاول الناقد تأصيل المقولة في التراث العربي، فعاد بـها إلى بيت المتنبي :

            أنامُ ملء جفوني عن شَواردِها          ويسهرُ الخلقُ جرّاهَا ويختصمُ

فمارس ليًا لعنق البيت الشعري قائلا : "ونعرف أن الشاردة دائما هي التي تعدو بعيدا عن صاحبها، ولوأمسكت بـها لم تعد شاردة، لكنها تظل شاردة لأنك غير قادر على الإمساك بـها، وتفننت عقلية المتنبي عن أن نصّه الشعري يمثل شوارد، وتظل خيولا سائبة، والناس فرسان يجرون وراءها كي يمسكوا بـها، ولكنهم لن يستطيعوا، ويسهر الخلق جراها ويختصم، ويظل الاختصام عليها من الناس، ولكنه هو ينام ملء جفونه، أي ينتهي دوره كمنشئ، ويبدأ دور القارئ .." (23).

والحقيقة أن الناقد يحاول أن يجد شرعية التوجه إلى الحداثة وتبرير ذلك من خلال العودة إلى التراث والتنقيب فيه عما يؤيد فكرته في صراعه مع أنصارالنقد التقليدي ومعارضي التجديد، ويمكن القول إن مدافعة الشاعر عن الحداثة والاختلاف إنما نتيجة لغياب الحوارالثقافي والاختلاف في وسط الناقد الثقافي، فإيراده لنماذج استحسن فيها المحافظون إبداع المجددين هو ارتداد للتوفيق بين التجديد ومعارضيه عبر صفحات التراث العربي.

إن فكرة موت المؤلف التي يقر الناقد نسبتها إلى الناقد الفرنسي رولان بارت، ترجع في أصلها إلى المخاض الفلسفي الغربي، وبالتحديد لمقولتي موت الإله عند فريدريك نيتشه، وموت الإنسان عند فوكو، موت الإله بإعلان نـهاية الوثوقية وتقويض الحقيقة المطلقة، وموت الإنسان بسيطرة البنية على الإنسان. وتأسيسا على ذلك فإنه لا لقاء بين مقولة موت المؤلف وبين بيت المتنبي.

وليس هذا فقط ما يدفع للتساؤل بل إن ربط الناقد بين حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبين ثنائية (الحضور والغياب) الدريدية باعث جديد للتساؤل عن وشائج الصلة بينهما، فالثنائية المذكورة بنتٌ بارةٌ ونتاج طبيعي لعلاقة التلمود بالتوراة في الفكر اليهودي، التلمود كنص ثاني والتوراة كنص أصلي، أو التوراة كنص ثاني والتلمود كنص ثالث.

ويضاف إلى ذلك إعادة الناقد لقضايا عديدة سبق له أن تناولها في كتابه الخطيئة والتكفير، كالحديث عن الدلالة والدور الجمالي للغة، فهو: " في سياق توضيحه للدلالة الضمنية يضطرأن يكررالتفرقة بين الإسقاط والإيحاء، وأشار في نـهاية المقال إلى أنواع المعاني السبعة التي توّصل إليها فنسنت ليتش، وواحد منها فقط يمثل الدلالة الصريحة، بينما الستة الأخرى تمثل الدلالة الضمنية " (24).

وفي رده على الألسني المتورط محمود أمين العالم ذكرنا الغذامي بمعارك النقد الحديث، فنصف الكتاب (ست مقالات) جاءت ردا على ما نعتها دعاوي الأستاذ العالم في كتابه " ثلاثية الرفض والهزيمة "، كاتـهامه البنيوية بإغفال المعنى والتركيز على الشكل فقط، مما حتم على الناقد إعادة بعض فقرات كتابه الخطيئة والتكفير المتعلقة بموقف رولان بارت من الدلالة الصريحة والدلالة الضمنية، ومفهوم السياق عند جاكبسون.

ولم يكتف الناقد بذلك بل مارس ما سماه علي حرب بالنفي المتبادل وإمبريالية المشاريع، عبر محاولته كشف التنافر بين المفاهيم النظرية لممارسات الأستاذ العالم النقدية وبين مدوّنته التطبيقية، روايات صنع الله إبراهيم، فأكد الناقد أن تلك الممارسات إسقاطات مفروضة على المدونة.

4 ـ الكتابة ضد الكتابة : ميلاد النقد الثقافي :

يحاول الغذامي تحقيق التماسك لمشروعه النقدي في كتبه السابقة الخطيئة والتكفير، وتشريح النص، والكتابة ضد الكتابة، من خلال استمرار حضور الثنائيات كمهيمنات أو تيمات، سواء أصنف الناقد ألسنيا أم موضوعاتيا ؟، ففيه يتم التذكير " ببعض الأفكار عن المرأة، وأنـها رمز الغواية التي تسلّم إلى الشيطان، وأحيانا ترمز إلى السعادة التي لابد منها" (25).

والمتمعن فيما يمكن أن يخلص إليه الكتاب من نتائج يدرك أنه أول لبنة يضعها الناقد في بناء صرح ما اصطلح عليه بالنقد النسوي، فالكتاب يمثل أول إطلالة جدية " على وضعيات المرأة في المخيال الجماعي العربي العام الذي قد يتمرأى في نص شعري تقليدي لحسين سرحان، أو في نص تفعيلي حديث لغازي القصيبي، لكنه لا ينكسر ويتحول بعمق إلا في نص حداثي المبنى والرؤية والدلالة كنص محمد جبر الحربي " (26).

فالمرأة في نص محمد الحربي تتمرد على تاريخها الطويل، تمرد على مستوى النص لا على مستوى الواقع، وانتقال من اللاّفاعلية مع قصائد غازي القصيبي إلى الفاعلية مع نص الحربي، إن هذا الأخير قدم لنا: "نموذجا يقوم على بعد أسطوري يضع المرأة بحيث يستمد منها قوى تجعله قادرا على الفعل،أي قصيدة "خديجة" تتحرر من شروط النماذج السابقة، لتتحقق داخل صورة مختلفة لامرأة جديدة لا تدفن تحت قدمي الرجل فتموت، ولا تكتفي بدور المعشوقة المدلّلة فتهمّش" (27).

ولا يعني تمهيد الناقد للنقد النسويّ اعتماده المنهج في كتابه هذا، بل إن الناقد ظل يرى في النقد الألسني منهجا تفرضه طبيعة النصوص محط الدراسة، على الرغم من انطلاقه المسبق من منظور نقدي معين يمزج ويركب فيه بين المتناقضات. أما ما تبقى من الكتاب فقد تضمن تعقيبات مؤلفي تلك النصوص.

05 ـ ثقافة الأسئلة والتكفير عن الخطيئة :

يواصل الغذامي في مؤلفه "ثقافة الأسئلة" المزج بين التنظير والتطبيق، بادئا كما فعل من قبل بالتنظير الذي تخلّلته دعوة إلى الأخذ بالجديد (النظرية النقدية الحديثة)، متخذا هذه المرّة من نصين لمحمود درويش مدونة تطبيقية، متوسلا بأدوات إجرائية تجمع بين النظر الأسلوبي والتحليل النفسي إلى جانب التحليل السيميولوجي، والتراث النقدي والبلاغي، وفيه يكرر: " أن الصوتيم هو النواة التي يقوم عليها النص، وهو العنصر المهيمن، وإلى جانب تقسيم القصيدة إلى وحدات ثنائية متضافرة نجده يلجأ إلى الموازنة بين نصين للشعر(..) وذلك للكشف عن التطور الأسلوبي في لغة درويش" (28)

وفيه أيضا يعود الناقد إلى ما كان قد بدأه في " الموقف من الحداثة "من مراجعة ونقد وتكفير عن خطايا ارتكبها في كتبه السابقة، فخصص المقالات الأخيرة : " للفكرة المتداولة في النقد البنيوي حول "موت المؤلف"، وتناول الوظيفة الأدبية في دراسة سمّاها كسرالثنائيات، وتحدث في إحدى مقالات الكتاب عن تفسيرالشعر بالشعر، وفي آخر تحدث عن النصوصيّة، أما ما يعرف بالنقد الألسني وتداخل النصوص" (29). وفي كل ذلك ما فتئ يلّح على ضرورة إرساء دعائم نظرية نقدية تنحت من صخر التراث وتغرف من بحر النظرية الغربية الحديثة، وهو بذلك لا يقرّ بالفوارق الحضارية بين الإبداع الإنساني، فالحداثة بالنسبة له ليست خصوصية أوروبية بل إرث إنساني، فما يناسب الأدب الغربيّ يناسب الأدب العربي ونقده.

وبقدرما نستعيد مع الناقد دعوته إلى الاختلاف والحوارالثقافي بين التيارات النقدية السائدة في وسطه الثقافي، نستعيد معارك الناقد مع النقد التقليدي وتصوراته البالية التي تزعم أن الأسئلة والإجابات الأهم طرحت وأجيب عنها من قبل.. وفي الماضي البعيد الذي أصبحت ثقافته مثلا أعلى تنبغي محاكاته أو القياس عليه فقط.

 06ـ  المشاكلة والاختلاف والبحث عن شرعية للحداثة :

بعد أن فصّل الغذامي الحديث عن النظرية النقدية الحديثة وحاول التأصيل لمنظومتها المصطلحية وأقلمة مفاهيمها في كتبه السابقة، خاصة "الموقف من الحداثة"، يركز هذه المرة جهوده النقدية في قراءة التراث العربي النقدي والبلاغي، مواصلا لما كان قد بدأه من البحث عن شرعية للحداثة. والكتاب أي المشاكلة والاختلاف مؤلّف من بابين؛ الأول مختص بما يجعل الملفوظ الكلامي نصا أدبيّا، تندرج تحته ثلاثة فصول، أحدها عن نظرية المعنى في النص والآخر عن العمودية (نسبة إلى عمود الشعر العربي)، والثالث حول النص المغلق والنص المفتوح أو النص المقروء والنص المكتوب عند"أمبرتو إيكو"ورولان بارت، بينما كان الباب الثاني تطبيقا لما تناوله في الباب الأول، وبقدر ما أعجب الناقد أشد الإعجاب بعبد القاهرالجرجاني لا لشيء إلا لأنه الناقد الحداثي بامتياز، بنيوي تارة وتفكيكي تارة أخرى، يصفه بالتناقض لجعله اللفظ تابعا للمعنى. وفي قراءته للنقد العربي القديم حاول أن يضبط معايير النقد البلاغي في مفهومين هما : المشاكلة والاختلاف، وانتقل في الفصل الثالث  إلى ما يجعل النص نصا عاطلا من الشاعرية أو الشعرية التي سبق وأن تحدث عنها مطوّلا في الخطيئة والتكفير باعتبارها معيارا وحيدا لأدبية الأدب.

ويؤكد الباحث شجاع مسلم العاني " أن البون شاسع بين مفهوم الخلاف لدى عبد القاهر الجرجاني ومفهوم الاختلاف لدى جاك دريدا، فهو عند الجرجاني لا يعني الضّد أو النقيض، وعبارة المعنى وخلافه، تعني كما نرى المعنى وغيره أوالحقيقة والمجاز، ولا تعني النقيض حصرا. وبـهذا فإن دلالة مصطلح الاختلاف لدى الجرجاني تختلف اختلافا بيّنا عنها لدى دريدا أو التفكيكيين" (30).

والتياران النقديان المذكوران عند من يحسن تأويل الحديث يقابل أوّلهما البنيوية ويقابل ثانيهما التفكيكية، فالجرجاني انطلاقا من ذلك بنيوي هجر البنيوية إلى تحليل الخطاب، مما يجعل تصوراته النظرية قريبة إلى توجهات ما بعد الحداثة في النقد الأدبي، وهذا يعني أيضا أن الجرجاني أسس لمفهوم النص المكتوب من المنظور البارتي أو النص المفتوح من منظور إيكو.

07 ـ القصيدة والنص المضاد: في البدء كان التشكيك :

تنقل الغذامي في كتابه هذا بين موضوعات عديدة، بداية بالشعر الجاهلي وروايته، حيث عاد بنا الغذامي إلى مسائل ترجع إلى ابن سلام الجمحي وطبقات فحول الشعراء، وطه حسين والشعرالجاهلي، وهو بما ذهب إليه أقرب إلى طه حسين منه إلى ابن سلاّم، إذ سرعان ما يتذكر تشكيك عميد الأدب في بيتي امرئ القيس اللذين يتحدث فيهما عن الذئب، فيرجح أنـهما من قصيدة لامية لتأبط شرا، ووجودهما في معلقة حندج بن حجر بن آكل المرار الكندي هو من صنع الرواة، فامرؤ القيس رجل منشغل بثأر لا وقت له لالتقاء الذئب ولا للحديث عنه، و الغذامي  في كتابه المذكور يشكك من منظور تفكيكي في بيت طرفة بن العبد :

            وقوفا بـها صحبي عليّ مطيّهم       يقولون لا تـهلك أسى وتجلّد

والذي لا فرق بينه وبين بيت امرئ القيس إلا الكلمة الأخيرة (تجلّد)، وهي في معلقة امرئ القيس (وتجمّل)، فالبيت بالنسبة له غريب عن معلقة طرفة ولا يتماشى مع الوحدة النصوصية والبنية المتكاملة التي يتمتع بـها النص، فهو والحال هذه من وضع الرواة، وهنا تنبري مجموعة تساؤلات عن جدوى العودة للتشكيك في الشعر الجاهلي ؟. ألا يكفينا أننا صرنا ننظر إلى تراثنا نظرة الريب والشك، فيما يرى أعداؤنا تراثهم بنظرة الاعتزاز والرفعة ؟. هل في الشعر الجاهلي ما يمكن أن يكون مطية للشهرة والذيوع ؟.

وفي خاتمة الكتاب يقارب نصا لسعد الحميدين وفق مفهوم أفق التوقع الذي ينسب لهانز روبرت ياوس، وهو بذلك يريد أن يدرج نفسه ضمن جماعة كونسطانس التي تؤمن بجماليات التلقي، والغذامي في حقيقة الأمر: " لا يفصل في طريقة دراسته لديوان سعد الحميدي "وتنتحر النقوش أحيانا " بين النقد القائم على التلقي والنقد القائم على السيميولوجية، وما إن ينتهي الغذامي من تفصيل عنوان الديوان حتى يصل بنا إلى نتيجة وهي أن نص الحميدين يستنهض نفسه من خلال خيار ثنائي : الصوت أو الموت" (31).

 08 ـ خاتمة الدراسة :

إنّ الناقد السعودي عبدالله الغذامي من النقاد العرب الأوائل السباقين إلى الإفادة من إنجازات النظرية النقدية الغربية الحديثة في قراءة التراث العربي (شعره ونقده)، تأصيلا وتنظيرا وتحليلا، وهو بذلك يكون قد سلك طريقا مغايرا لجيله من النقاد العرب، فهو لم يهتم بقراءة التراث قدر اهتمامه به كمدوّنة يمكن استثمارها في عمليات تأصيل النظرية النقدية الغربية الحديثة، وأقلمة مفاهيمها وتبيئة مصطلحاتـها بما يخدم جهود التأسيس لـِ"نظرية نقدية عربية"، النظرية التي أضحت مشروعا وهميا متحققا في لغة الخطاب النقدي وعناوين المشاريع النقدية، فـ "نحو نظرية نقدية عربية" يقول صلاح فضل : "مقولة رائجة، تمثّل حلما جميلا وأملا يراودنا، يشبع حسّنا القومي المحبط، يستجيب لآفاق تطلعاتنا للمستقبل، وهي عبارة مغرية ومثيرة للأشواق" (32).

ولا يعني تتبع المزالق المنهجية في مشروع الناقد خلو جهده النقدي من المحاسن، كتماسك المشروع، وتحرك الناقد بين التراث والحداثة بقدرة فائقة، ولوأعلن الناقد وانخرط في النقد الموضوعاتي من البداية لتحاشى كل ذلك الشطط النقدي الذي أثاره مشروعه، بداية بالتركيب بين اتجاهات نقدية متباينة المرجع والإجراء كما حدث مع البنيوية والتفكيكية، مرورا بليّ أعناق النصوص التراثية وجعلها تدلل على الكفاية المرجعية والإجرائية للنقد الغربي، فالجرجاني بالنسبة للغذامي مرة بنيوي ومرة أخرى تفكيكي، ناهيك عن الاضطراب والانتقائية اللذين ميزا المشروع، فقد حلم الناقد في الخطيئة والتكفير بالبنيوية، فوقع في الانطباعية، وبالتفكيكية في تشريح النص فوقع في الاتجاه الأسلوبي البنيوي، وحاول التوفيق بين التراث والحداثة في المشاكلة والاختلاف فوقع في التلفيق، وهاهو في مشروع النقد الثقافي الذي أعلن من خلاله موت النقد الأدبي، ينقد الطاغية ويحمل الشعر العربي الضائقة الحضارية فأسس لنا طاغية جديدا سمي بالنقد الثقافي، فنقد الدغمائيات لا يولد إلا دغمائيات بديلة.

 

 

هوامــش :

 (*) ـ الأصل في تلك المقولة أن تنسب لطاغور، وهو ما يذكره الباحث عبد العالي بوطيب في مقاله : "إشكالية المنهج في الخطاب النقدي العربي الحديث"، مجلة "عالم الفكر". المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، م 23، ع1. 1994.

1 ـ نجيب العوفي، آفاق ما بعد الحداثة أم ما قبل الحداثة ؟ [تعقيب على مداخلة للدكتور"عبدالله الغذامي"]، مجلة فكر ونقد، س1، ع1، سبتمبر 1994، ص115

2 ـ ابن منظور . لسان العرب، تح : عامر أحمد حيدر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،2003، ص507 .

3 ـ المرجع نفسه، ص508.

(**) ـ كتاب للناقد بعنوان:"القصيدة والنص المضاد".

(***) ـ كتاب آخر للناقد بعنوان : "ثقافة الأسئلة، مقالات في النقد والنظرية".

4 ـ نجيب العوفي، آفاق ما بعد الحداثة ،أم ما قبل الحداثة ؟ ص115.

5 ـ عبد الله الغذامي، رحلة إلى جمهورية النظرية، مقاربات لوجه أمريكا الثقافي، مركز الإنماء الحضاري، حلب، سوريا، ط1، 1998، ص39.

(****) ـ ينخرط الباحث ويواكب تحولات النظرية النقدية في زمن العولمة من خلال كتابه "الثقافة التلفزيونية، سقوط النخبة وبروز الشعبي".

(*****) ـ هناك فروق جوهرية بين تفكبكية بارت وتفكيكية دريدا، الأولى تفكك لتبني من خلال الكتابة الثانية، أما الثانية فهي تفكك لتتفكك، والتفكيكية الفرنسية تختلف عن التفكيكية الأمريكية (جماعة ييل)اختلافا يخص اللغة النقدية، الفرنسية تستخدم لغة ميلودرامية والأمريكية تركن إلى اللغة العلمية.

6 ـ أزروال إبراهيم، حضور التحليل النفسي في المتن البارتي، مجلة فكر ونقد،ع15، دار النشر المغربية، الرباط، يناير1999، ص31 .

7 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، ط1، دار المسيرة، عمان، الأردن،2003، ص229 .

8 ـ عزت جاد، المصطلح النقدي بين المصريين والمغاربة، مجلة فصول، ع 62، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، صيف وخريف 2003،  ص78 .

9 ـ شجاع مسلم العاني، المغايرة والاختلاف، دراسة في التفكيك في النقد العربي، مجلة علامات في النقد، م11، ج41، النادي الأدبي، جدة، السعودية، سبتمبر2001، ص467 .

10 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك ، ص223 وص 224 .

11 ـ جهاد فاضل، حوار مع الدكتور محمد عابد الجابري، مجلة الجيل، ص90 .

12 ـ جهاد فاضل، أسئلة النقد، د ط، الدار العربية للكتاب، تونس / ليبيا، د ت، ص208 .

13 ـ إبراهيم السعافين، إشكالية القارئ في النقد الألسني، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 60 ـ 61، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص36 .

14 ـ سمير سعيد، مشكلات الحداثة في النقد العربي، ط1، الدار الثقافية للنشر، 2003، ص186.

15 ـ عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، قراءة في نموذج إنساني معاصر، ط1، النادي الأدبي الثقافي، 1985، ص257.

16 ـ  إبراهيم السعافين، إشكالية القارئ في النقد الألسني، مجلة الفكر العربي المعاصر، ص36 .

17 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، ص224 .

18 ـ محمد نجيب التلاوي، رؤى نقدية معاصرة، ط1، دار الهدى، المنيا، مصر، 2003، ص146 .

19 ـ سمير سعيد، مشكلات الحداثة في النقد العربي، ص188 .

20 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي من المحاكاة إلى التفكيك، ص225 .

21 ـ عدنان حسين قاسم، الاتجاه الأسلوبي البنيوي في نقد الشعر العربي، ط1، الدار العربية للنشر، مدينة نصر، 2001، ص308 وص 309 .

22 ـ يوسف حامد جابر، بنيوية عبد الله الغذامي، قراءة في بنيويتين، مجلة عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ص298 .

23 ـ عبد الله  الغذامي، الموقف من الحداثة ومسائل أخرى، ط2، ص74 .

24 ـ مختار أبو غالي، قراءة نقدية في كتاب الموقف من الحداثة، مجلة العربي، ع456، وزارة الثقافة والإعلام، الكويت، نوفمبر، 1996 ، ص107 .

25 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، ص229 .

26 ـ معجب الزهراني، النقد الثقافي نظرية جديدة أم إنجاز في مشروع متجدد، ضمن كتاب عبد الله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية، ط1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2003، ص137 .

27 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، ص229 .

28 ـ المرجع نفسه، ص230 .

29 ـ المرجع نفسه، ص231 .

30 ـ شجاع مسلم العاني، المغايرة والاختلاف، قراءة  في التفكيك في النقد العربي، مجلة علامات في النقد، ص489.

31 ـ إبراهيم محمود خليل، النقد الأدبي من المحاكاة إلى التفكيك، ص237 .

32 ـ صلاح فضل، مصطلح مغلوط، مجلة المنهل، م 57، ع 530، جدة، السعودية، فبراير/مارس. 1996، ص 14 ـ 15

Pour citer ce document

عمر زرفاوي, «الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 91 - 104,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 20/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=438.