الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي

  • Auteurs
  • Texte intégral

من التيارات الفكرية النشطة في الساحة الثقافية العربية، تيارات ثلاثة يصطلح عليها "محمد صدقي الدجاني" بـ : تيار الانغماس، وتيار الانكماش، وتيار الاستجابة الفاعلة، ولا مراء في أن الغذامي أقرب ما يكون إلى تيار الاستجابة الفاعلة، فهو"صوت يجمع بين الثقافة العربية الأصيلة التي نـهل من معينها القراح دون أن ينكفئ عليها، والثقافة الغربية الحديثة التي خاض غمارها دون أن ينجرف في تيارها أو يقع في إسارها. [جامعا] بين حدّ الأصالة وحدّ المعاصرة في توليفة سوية وبـهية، مجسّدا بذلك نموذج المثّقف العربي المتفتح الذي يشرع نوافذه للرّياح اللواقح، دون أن يقتلع من مكانه أو يغيب عن زمانه، حسب المقولة الطاغورية (*) الأثيرة لدى الباحث"(1). فـَ"الغَذْمُ لغة:يُغَذَّمُ الشيءُ يُغْتَذَمُ غَذْمَا وَاغْتذَمَ الشيءَ أَكَلَه بِنَهْمَة، وَغَذِمَهُ غَذْمَا أَكَلَهُ بِشدّة وإفراط وشهوة، وَتَغَذَّمَ الشيءَ : اغْتَذَمَهُ وَيقَالُ: هُو يَغْتَذِمُ كُلَّ شَيء إذَا كَانَ كَثيِرَ الأَكْلَ، وَبِئرٌ غُذَمَةٌ : كَثيرةُ المَاءِ (2)، والغذامي هوكلّ ذلك؛ القارئ النهم للتراث والحداثة، التراث كبئرلا تنضب، والحداثة كشهوة لا تشبع.

 "وَأَلْقِ في غَذِيمةِ فُلانِ مَا شِئْتَ أَيْ في رُحْبِ صَدْرِه" (3).

وسنلقي بـهذه التساؤلات حول مشروع "الغذامي"النقدي إلى صدره الرحب كأحد الأقطاب المؤسسين لفكرالاختلاف في ثقافتنا العربية، فتكون أسئلة على الأسئلة، وما إخالُ الدكتور الغذامي إلاّ فاسحا صدره للرأي الآخر و"النص المضاد" (**)، وهوالحداثي بامتياز، والمنافح عن "ثقافة الأسئلة" (***) بمنأى عن كلّ تزمت أو تعنت (4). ففي مقاربته لوجه أمريكا الثقافي قال الغذامي : "إذا كان "بريخت" يقول : "إن أفضل شيء في أمريكا هو أنّنا نفهمها"، فإنّني أقول : "إن أفضل شيء في أمريكا هو أنّنا نستطيع أن نسيء فهمها، ولا نخاف."(5)، ولعل "أجمل ما في الغذامي هوأنّنا نستطيع أن نسيء فهمه، ولا نقع في سوء الفهم"، حتى وإن كان سوء الفهم طريقا إلى الفهم

ليس من السهل على أية مقاربة نقدية الإحاطة بمشروع الغذامي النقدي، ويعزى ذلك إلى عديد الأسباب، منها ما يتعلق بالمشروع نفسه، ومنها ما يتعلق بالناقد في حد ذاته، فالمشروع ظل يتنامى من النقد الألسني إلى النقد الثقافي، ويتجدد من الداخل في كل يظن أنه أصابه الكساد وأوشك على الإفلاس، هذا فضلا عن اتساع رقعته (أربعة عشر مؤلّفا)، وتجاور التنظير والتطبيق في معظم ما أنجز الناقد حتى أضحيا صنوين لا يفترقان .

زد على ذلك تشابك مشروعه الثقافي مع تحولات العولمة بكشوفاتـها المعرفية وفتوحاتـها العلمية (****)، ولن تكون هذه الأسباب مشجبا يعلّق عليها فشل الدراسة، بل يسعى صاحبها إلى تتبع مواطن الهنّات والعثرات المنهجية في تمثل منجز النظرية النقدية الحديثة، وتبيان مدى نجاح الناقد في التوفيق بينها وبين المنابع التراثية، خاصة وقد تفرق أهل النظروالمعرفة حول تصنيف المشروع، فأكد فريق أنه بدأ بالنقد الألسني وانتهى إلى النقد الثقافي، وقال ثان إنه بدأ بالنقد الثقافي وانتهى إليه، وأقر ثالث أن ما أنجز أقرب ما يكون إلى النقد الموضوعاتي.

 

وأمّا الناقد فهو رحالة دؤوب على شاكلة رولان بارتRoland Barthes  وجيل دولوز، فبقدر ما نـهل الغذامي من إنجازات الناقد الفرنسي رولان بارت Roland Barthesالنقدية فقد شابـهه في تنقلاته بين مختلف المدارس النقدية والتيارات الفكرية، بداية بالتراث والنقد الألسني، مرورا بالتفكيكية الفرنسية (البارتية أو الدريدرية) أو الأمريكية (جماعة ييل) (*****)، ووصولا إلى النقد الثقافي وإفرازات النظرية النقدية زمن العولمة. شأنه في ذلك شأن رولان بارت Roland Barthes الذي يقول عنه جون أبديك John Updike: "انتقل رولان بارت من الوجودية والماركسية إلى التحليل النفسي للماهيّات وإلى النظريات اللسانية لفرديناند دي سوسيرSAUSSURE  F.DE ، ومؤخرا التحق بالإناسة الجديدة لكلود ليفي ستروس" (6).

يشكل الجهاز الإجرائي فسيفساء نقدية وخليطا من الأدوات المنهجية تضرب بأطنابـها في التراث العربي تارة، وتنهل من حاضر النظرية النقدية الحديثة تارة أخرى، فكان المنهج بالنسبة له مفتاح خرائط النصوص الذي بفضله يمكن تحديد تضاريسها، بل قل مبضعا يشرّح أجساد النصوص،  ولأن المشروع يتوزع بين الإطار المرجعي والإجراء المنهجي والمنظومة المصطلحية والإطار التطبيقي، فإننا سنحاول البدء بأول إصدارات الناقد، كتاب "الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية، نقد لنموذج إنساني معاصر".

01 ـ الخطيئة والتكفيروأغلوطة الموضوعية النقدية :

وُلِدَ الغذامي ناقدا مع باكورة إنتاجه النقدي كتاب "الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لنموذج معاصر"، والصادر في منتصف العقد التاسع من القرن العشرين (1985م)، وقد عدّ الكتاب آنذاك من قبيل العموميات التي كان الوسط الثقافي العربي يتقبلها، وقد استطاع من خلاله الناقد تلّقف آخر المنجزات النقدية وعرض أجد مبتكرات الحداثة وما بعدها في المجال النقدي. ولعل ما بذله ـ ويبذله ـ من جهود يشكّل حلقة ضمن سلسلة جهود نقادنا الأوائل لإرساء معالم تلك النظرية المنشودة، النظرية التي ظل الأكاديميون العرب ينتظرون بشغف كبير وضوح معالمها منذ بشّر الناقد اليمني عبد العزيز المقالح بمشروع بنيوية عربية، وهو يقارب جهود الناقد المصري كمال أبي ديب في قراءة الشعر العربي القديم، وفي قراءة الغذامي لنصوص أخرى من العصر الحديث استمرار لمشروع قراءة تراثنا الشعري الذي بدأ مع طه حسين وتواصل مع أدونيس وكمال أبو ديب، ولا يعني ذلك أن مشروع قراءة التراث الشعري مدار الحديث واحديّ الرؤى والآليات الإجرائية التي اختلفت من ناقد لآخر.

يمثل عنوان الكتاب ثنائية تحكم شعر حمزة شحاتة ـ من وجهة نظر صاحب المشروع ـ وقد تضمن الكتاب دعوة صريحة إلى القطيعة مع النقد السائد آنذاك، وتركيز الجهود على الوظيفة الشعرية للغة الكفيلة بتمييز جيّد النصوص من رديئها، فكان أن فصّل الناقد الحديث حول آراء رومان جاكبسون  Roman Jakobsonفي الرسالة الأدبية، وتزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov الذي عمّم مصطلح الشعرية، ورولان بارت الذي مارس البنيوية قبل أن يهجرها إلى التفكيك والنقد الإبداعي (7).

وتجدرالإشارة هنا إلى ذلك الخرق النقدي في تأصيل مصطلح Poetic، فالغذامي أصّل  المصطلح في أصل وضعه بكلمة الشاعرية، مما جعل المصطلح البديل: "ينصرف إلى حضور المبدع، بما يتعارض تماما مع مبدأ النظرية الفلسفي الذي أرسى قواعده رومان جاكبسونRoman Jakobson  وهو ما فصّل فيه القول محمد عبد المطلب بربط الشاعرية بالمبدع والشعرية بالصياغة" (8).

ويعثرالقارئ للكتاب على منظومة مصطلحية بديلة، فقد أطلق على منهج جاك دريداJacques Derrida  مصطلح النحوية، وجعل الأثر بالمفهوم الدريدي بديلا للإشارة عند سوسير، والتكرارية بديلا للتناص، فمصطلح الأثر الذي خصه الناقد بحديث مسهب يعبّر بجلاء عن الاضطراب المفاهيمي، "فهو تارة بديل للإشارة لدى دي سوسير F. DE SAUSSURE، وتارة أخرى التشكيل الناتج عن الكتابة، وهو تارة ثالثة لغز غير قابل للتحجيم، ولكنه ينبثق من قلب النص كقوة تشكل بـها الكتابة، كما أنه سابق على النص ولاحق به ومحاين له، وهو فيما يحسبه الناقد سحر البيان الذي أشار إليه القول النبوي الشريف" (9).

وسيلحظ القارئ البون الشاسع بين دلالة تلك المصطلحات في أرض النشأة وبين تلك البدائل التي قدمها الناقد، فما علاقة الأثر بالمفهوم الدريدي بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا"، إعجابا منه بقصيدة عمرو بن الأهتم يا ترى؟، أليس مصطلح الأثر بالمفهوم الدريدي وشيج الصلة بالتراث اليهودي كسائرالمصطلحات الدريدية الأخرى، التشتيت، الانتشار، الاختلاف، الهوة ..

وبقدر ما جمع الناقد بين البنيوية والسيميولوجيا والتفكيكية عرّج باتجاه جاك لاكان Jacques Lacan  : "الذي حاول التوفيق بين السيميولوجيا والقراءة النفسية، مؤكدا أن النص بنية لاشعورية، وألتوسير الذي خلط بينها وبين الفكر الماركسي، وجاك دريدا الذي أنكر وجود البنية، مؤكدا أن النص مجموعة لا متناهية من لحظات الحضور والغياب، نافيا ـ في الوقت نفسه ـ أولوية المعنى" (10). وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن مشروعية الجمع بين البنيوية كاتجاه حداثي أسس لمقولة النسق المغلق وبين السيميائية والتفكيكية كاتجاهين من اتجاهات ما بعد الحداثة الداعية إلى تقويض النسق وتـهشيمه، ألم يقع في ما يعرف بالتوفيق التلفيق والحلول الترقيعية وأنصاف الحلول التي كثيرا ما ركن إليها الفكر النقدي العربي، شأنه في ذلك شأن كمال أبو ديب الذي حاول عبثا التوفيق بين بنيوية شتراوس وبنيوية غولدمان، وقد جاءت الثانية لتتجاوز الأولى؟.

وإذا استندنا إلى مقولة الجابري الشائعة: "إن طبيعة النصّ هي التي تفرض المنهج" (11)، نتساءل مرة أخرى عن مدى مراعاة الغذامي لطبيعة النصوص التي اختارها لتكون الإطار التطبيقي لمشروعه، وهل استدعت نصوص حمزة شحاتة ذات الطابع الفني الخالي من الرمزية ما سماه الناقد بالنقد الألسني الذي هو حصيلة المزج بين البنيوية والسيمائية والتشريحية؟، وهل وفق في الجانب التطبيقي كما وفق ـ على حد رؤية إبراهيم محمود خليل ـ في الجانب النظري ؟.

يقول الناقد : "وأنا شخصيا في كتاب الخطيئة والتكفير اعتمدت التشريحية، وهي مدرسة جديدة جاءت وأعقبت البنيوية، لكنني بعملي أقوم بمزج ما بين البنيوية والسيميولوجية والتشريحية، مستعينا على ذلك بالمفهومات العربية الموجودة عند ابن جني والجرجاني والقرطاجني"(12)، فالناقد يقر بأنّ التفكيكية أعقبت البنيوية وجاءت لتتجاوزها إن على مستوى المرجع أو المصطلح أو الإجراء، ولا يعني أن المزج كإستراتيجية منهجية غير مشروع بل إن غير المشروع هو المزج بين المتناقضات، ولم يقف عند تركيب ما يسميه بالنقد الألسني، ولكن تعدّاه ليمزج ويركب بين النقد الألسني وما سماه المفهومات العربية الموجودة عند ابن جني والجرجاني والقرطاجني، فكيف نوفق بينهما ولا نقع في التلفيق والتباين بين التراث والحداثة أجلى من نار على علم ؟، فالجرجاني بالنسبة للناقد بنيوي تارة عرف البنية وأسس لها قبل شتراوس ودي سوسير وجاك لاكان، وتارة أخرى تفكيكي أسس للاختلاف قبل جاك دريدا، فهل يا ترى كان الجرجاني بنيويا كما أكد من شايعه ككمال أبي ديب أم تفكيكي من الدرجة الأولى كما أكد هو؟.

وبقدرما استفاد الناقد من جهود بارت البنيوية، إلا أن المدونة النقدية بينهما اختلفت، فطبق الغذامي منهجه على الشعر العربي الحديث بينما انشغل بارت طيلة حياته تقريبا بالكتابة عن فنون النثر، وخاصة الفنون القصصية لأسباب تدخل في صميم عمله النقدي أو الكتابي، بينما كان الشعر العمودي مدوّنة في باكورة أعماله على وجه التحديد (13).

ومن خلال الإطار التطبيقي يقف القارئ على سمتين بارزتين هما الانطباعية والانتقائية، فقد حلم الناقد بالموضوعية فسقط في الانطباعية، فالتحليل الذي مارسه على النصوص لا يكاد يجاوزحدود الوصف والانطباع، فهو يمكن "أن يفيد النقاد أو الباحثين ذوي النزعة الانطباعية الشكلية أو النزعة التفكيكية، أما الباحثون والنقاد ذوو النزعة العلمية التفسيرية فلا يجدون هذه الفائدة" (14).

ومن الأمور التي تؤكد على سقوط الناقد في الانطباعية اعتماده في بعض الأحيان على أشياء من خارج النصّ يدلل بـها على ما ذهب إليه، كحياة حمزة شحاتة الشخصية، فالناقد وهو بصدد تبرير حكمه المتعلق بانتهاء الصراع بين قطبي الخطيئة والتكفير، الصراع الذي ينتهي لصالح التكفير، حيث يتوق الشاعر إلى العودة إلى الجنة التي هبط منها أول مرة، فيقول عنه: "ومازال يعاني ويصبر حتى قادته فطرته إلى جادة الزهد .. وهو ما انتهت إليه حياته في آخر عمره، حيث روت لي ابنته شيرين أنه انصرف حينئذ إلى مولاه، ينفق ساعات نـهاره بالعبادة والتسبيح .." (15).

وفي اختيار نصّ حمزة شحاتة دون غيره تبدو سمة الانتقائية، فكما سبق وأن ذكرنا أنه نص خال من الأبعاد الرمزية والدلالات الإيحائية، تغيب المواءمة بين النص المختار والمنهج المطبق، فكان النص ـ والحال هذه ـ وسيلة للتدليل على الكفاية المرجعية والإجرائية للمنهج، وإذا كان الغذامي ـ على رأي إبراهيم السّعافين ـ قد استطاع : " أن يضع يديه على المبادئ الأساسية لاتجاهات النقد الألسني وأصولها، إلا أنه لم يستطع أن يقنعنا في تطبيقه هذه المبادئ على النموذج حمزة شحاتة، إذ أقام منهجه على اتجاه نقدي له أسسه الفلسفية،أي أن صاحبه انطلق من موقع ورؤية تخالف ما عند الغذامي، فلعل محاولات الغذامي تذهب بعيدا في الانتقاء، وتكاد تفصل فصلا واضحا بين المنهج والممارسة" (16).

وهذا يعني غياب التفاعل بين الآراء النظرية وبين الخطوات المنهجية، هذا فضلا عن اعتبار الناقد مفاهيم وأسس النقد التفكيكي التي تعامل معها تصورات يقينية وأساليب رائجة لا تحتاج إلى نقاش أو تطويع أو تعديل، والتفكيكية تـهدف إلى تقويض اليقينيات أم هذا هو مآل التفكيك الذي يؤسس لدغمائية بديلة هي التفكيك مما يستلزم في النهاية تفكيك التفكيك.  

إن ثنائية الخطيئة والتكفير كثنائية ضدية هي نتيجة لثنائيات وبنيات صغرى وهي في حقيقة ال

Pour citer ce document

, « الثقافة العربية وعولمة النقد قراءة في مشروع النقد الألسني لعبد الله الغذامي»

[En ligne] العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 0000-00-00,
mis a jour le : 23/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=438.