الأنا الناقدة وجدل المعنى واللامعنى
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 09 أكتوبر 2009 N°09 Octobre 2009

الأنا الناقدة وجدل المعنى واللامعنى
pp : 135 - 143

نورة هدلي
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

في الوعي بإشكالية المعنى واللامعنى :

يبدو أنّ تاريخ البشريّة هو سعي متجدّد إلى فهم العالم ونزوع لا محدود إلى تغييره، إنه بحث عن موقع في خضمّ الموجود حينا، وهو رفض لمنزلة سائدة أحيانا أخرى، والدافع إلى ذلك كلّه حاجة ملحّة من داخل الذّات للبحث عن المعنى أو العزم على إنشائه، فالوعي النّقديّ المعاصر يعيش أزمة ارتداد حقيقيّ حول ذاته، ممّا يدعوه إلى ضرورة  العودة  إلى مساءلة الذّات العارفة، والعمل على بلورة مفاهيم تعطي كيانه الوجود والماهية التّي هو جدير بـها، ففي سؤاله عن المعنى واللاّمعنى، يعتمد النّاقد المعاصر على التّمكّن من لعبة المصادفة والضّرورة، وعلى بيان الرّابطة بين التّاريخ والذاتية المتمردة لمن ينكرون تلك اللّعبة وتلك الرّابطة، فقد كان اهتمام النّاقد موجّها إلى مساءلة التّقليد السّائد الذي جعل من العلاقة بين النقد والتّاريخ علاقة انتفائيّة، وهو ذات التّقليد الذي يجعل المعنى إمّا حيازة النّاقد وإمّا مباطنة لتاريخ كونيّ، فـ"الأنا المعاصرة" تواجه فلسفتين متعارضتين: واحدة تؤكّد موضوعيّة واستقلاليّة القيم، وأخرى تسلّم بمعقوليّة خفيّة سارية في أشياء العالم، تعطي أسبقيّة وجوديّة فاعلة للجنس، قوامها استقلاليّة الإيروس لإضفاء المعنى.

فهل وجود النقد في عصر العولمة هو وجود دالّ ؟، وهل إنتاج المعنى/ القيم في حدّ ذاته دلالة على وجود في حالة امتلاء وتحقّق أم في حالة وجود باهت، في غفلة وغفوة، في إطاراللاّمعنى؟.

هل يمكن القول بأنّ النقد المعاصر لم يعد يعرف كيف يقول ولا ماذا يقول ولا متى يقول في زمن اللّامقول، اللاّمعقول، اللاّمفكّر فيه ؟. وهل هناك أسوأ من أن يحقّق الاكتمال النظريّ عن طريق تحويل اللاّمعنى ـ من حيث هو استفراغ كلّيّ لكلّ جدوى إنسانيّة أو أخلاقيّة ـ إلى معنى ؟.

على هذا يمكن القول بوجود وضع متناقض يعيشه النّقد المعاصر، فكلّما أراد أن يفضح الأوهام ويقضي على التّشويهات التّي يتعرّض لها الإبداع الإنساني، و يتعرّض لها الإنسان في وجوده، والقيمة التّي يمنحها لنفسه وللأشياء التّي تحيط به " كلّما وجد نفسه هو أيضا كنوع من التّشويه الذي يحوّل الأوهام إلى حقائق والاستعارات الميتة إلى قيم ومبادئ" (1). فإلى أيّ مدى يكون مشروع تأويلية نقدية، في تساؤل النصوص عن مدى قابليّتها للتعرية والتفسير واستنطاقها في مواطن ضعفها ونقاط تحوّلها مشروعا ممكنا وقابلا للتّحقق ؟. إذ تبقى قضيّة المعنى والقيمة مطلبا نقديّا في ظلّ تلاشي المعنى ووصول القيم إلى الحافة بحضور اللاّمعنى والفارغ من كلّ معنى والمضاد للمعنى.

فكيف يمكن للناقد أن يبحث عن المعنى داخل النصوص دون أن يضع في اعتباره التّحوّل الذي شهده نظام الخطاب، فاللغة لم تعد إطار تحقق الذاتية ومسكن الإبداع والكينونة، بل أصبحت سلطة ورغبة وجنسا ومحرّمات ومتضادات وبدايات ونـهايات، أصبحت قائم مقام بدل الواقع ومقام غفلة وغفوة.

فهل يمكن للنقد أن يمارس النقد خارج تربة النصّ/ اللّغة، وخارج الخارج / ميتا واقع؟، وكيف يمكن له أن يخرج المعنى من رقابة مبدأ المردودية والنجاعة الذي يهدف إلى إخضاع المنظومة الإنسانيّة إلى أنظمة الأشياء؟، ثم كيف له أن ينتشل المعنى من اعتباطيّة العلاقة بين الدّال والمدلول وبين الكلمات والأشياء؟، أن يخرج النقد من التيه والاغتراب، على أنّ هذا يتطلّب ضربا من النفي والسّلب وحركة السّلب هذه ضروريّة لاكتساب حقيقة الوجود وامتلاك القيم؟، فهل الحلّ في الحقيقة التاريخيّة الاجتماعيّة والسياسيّة أم في المعنى الجماليّ الفني؟، وهل يتمّ ذلك عن طريق الذّوق أم عن طريق الموضوعيّة العلميّة ؟، أي عن طريق قواعد ومناهج؟، وهل الآليّة في ذلك التّأويل أم التّفكيك..؟، ألا يمكن أن نقول إنّ النّقد يحاول ـ بشكل أو بآخر ـ أن يهيمن بسلطة الحضور المسكون بالمعنى وبالمؤسّسة و بالإيديولوجية؟.

إنّ ما يستحق النظر اليوم في كلّ الممارسات النقديّة، هو التوقف عن هذا السّبات الأنتروبولوجيّ على حدّ تعبير ميشال فوكو، والتوجّه نحو الظفر بمسألة المعنى والتحصّن بمطلب القيمة، فأيّ معنى سيحمله معنى "المعنى" في هذا الإطار من البحث؟، هل هوالطبيعيّ النفسيّ الاجتماعيّ؟ أم هو المثاليّ ( المعنى/ القيمة : فكرة مسبقة أو قوة متعالية )؟، أم هو النفعيّ (المعنى/ القيمة : في العمل)؟ أم هو الوجوديّ  السّارتريّ أم النتشويّ ؟.

فما مشروعيّة القول بضرورة انعراج النقد المعاصر؟، كيف يمكن للانعراج أن يكون شرط وجود النقد المعاصر؟، هل هو الانعراج عن عولمة تـهدف إلى كونيّة المماثلة لا كونيّة الاختلاف ؟، أم هو خلق موضوعات في لحظات غيابـها، خلق موضوعات المعنى/ القيمة في غياب المعنى، "ذلك أنّ ما نشهده من تداعيّات متلاحقة، في عالم اليوم، يعطي الانطباع بأنّ الإنسان كقيمة وجوديّة، ينحو في سيرورة انتقاله أو شطحاته التّاريخيّة نحو إفراغ الأشياء من دلالاتـها ليتحوّل وجوده نفسه إلى مجرّد شكل أو صورة بالمعنى البلاغيّ للكلمة"(2).

فهل سيتجاوز الناقد المعاصر التوتّر الحاصل بين "الإيروس" كأفق غائيّ للحياة وللوجود، و"اللّوغوس" الذي أصبح اليوم يتشكّل لا من أجل أن يختار بل من أجل أن يقبل؟، هل سيتمكن من استعادة الرّابط الأنطولوجيّ بينهما بحيث يتمّ التّوفيق بين ما هو "لوغوسي" في الإنسان وما هو "إيروسيّ فيه" ؟.

"إنّ ما يبدو طفحا للحياة واكتمالا للرّغبات أو "الإيروس" في المجتمع الحديث، لا يسفر سوى عن توالد الميل القويّ للموت (Tendance dominante thanatologique)، وذلك بالنظر إلى أنّ "الطاناطوس" (الموت) هو خضوع النظام للفوضى. وهو الميل لخلق التّساوي بين كلّ شيء : إنه الميل لنفي كلّ استثناء، حتى لو كان الثمن الفادح لهذا النفي هو نفي الفرق بين حدّ الموت وحدّ الحياة" (3)، ونفي الحدّ بين الجميل والقبيح، الجيّد والرّديء. فهل يمكن أن نقول أنّ الكونيّ القيميّ يهلك  داخل العولميّ ؟.

في جدل "الأنا" الناقدة :

فماذا عن صوغنا لإشكالنا المعرفيّ المتمثل في "الأنا الناقدة وجدل المعنى واللاّمعنى"، هل تفيد الأنا معنى التحقّق والعينيّة ؟، أم تفيد معنى التشكيك في التحقّق من جهة، وفي سلطة الناقد على نقده من جهة أخرى؟، والسّؤال هو على  حدّ تعبير موريس مرلوبنتي: "كيف أمكن لكلمة "أنا" أن تصبح في صيغة الجمع، وكيف يمكن أن نصوغ فكرة عن الأنا، وكيف يمكن الحديث عن أنا  آخر، وكيف يمكن للوعي الذي هو من حيث المبدأ معرفة بذاته، يوجد في صيغة الأنا، أن يدرك في صيغة الأنت،  ومن ثمة في عالم الهم"(4).

فهل تعني عودتنا لهذه "الأنا" الناقدة أنّنا نشرّع تدخّل الخارج في تشكيل الخطاب المعرفيّ النقديّ ؟ " فإذا كان الخارج مصدر التّفكير وكان هذا الأخير ما ينفك عن كونه مرتبطا به، فكيف لا يبرزالخارج أو يظهر في الدّاخل كشيء لا يفكّر فيه التّفكير ولا تكون له القدرة على التفكير فيه ؟ أوَ ليس اللاّمفكّر فيه، هوالآخر، في الخارج، إنما في أعماق التفكير كاستحالة له، تلك الاستحالة التي تطفو إلى الخارج أو تحدث به تجاويف" (5). هل نبحث عن إيجاد صورة لها يفترض أنـها تتماشى ومجموعة من المنظومات الاجتماعيّة والسّياسيّة والعولميّة ؟، هل يعني ذلك أنّ "الأنا" الناقدة قد نشأت داخل الأنساق المكوّنة لعلاقات القوى المتعدّدة التّي فرضت أفعالا وأفكارا وأقوالا، تحوّلت عبر الزّمن إلى قوانين ملزمة على حدّ تعبير ميشال فوكو؟، أو داخل النفوذ العولميّ التقنيّ؟. إذ يرى التحليل النفسيّ الفرويديّ أنّ "الأنا" قد نشأ تحت تأثير العالم الخارجيّ الواقعيّ من الهو، وهو يعمل وفقا لمبدأ الواقع .. ويتصف الجزء الدّاخليّ من الأنا ـ الذّي يشتمل خاصّة على العمليّات الفكريّة ـ بأنه قبل شعوريّ، وهي خاصيّة يتصف بـها الأنا وحده، بمعنى أنّ العمليّات الفكريّة يسهل انتقالها إلى الشعور،  وأن تعبّر عن نفسها بواسطة وظيفة الكلام"(6). وحينما تحضر"الأنا" عنصرا في البنية التخاطبيّة للنصّ النقديّ يتحوّل المتن المعرفيّ بذلك إلى منطقة لإفراغ المعنى/ القيمة من حيث تجريد ليبيدو الهو من طاقته الجنسيّة بالتسامي به، وهذا التسامي في جوهره يقوم  على عقلنة المكبوتات.

"الإيروس" و"اللوغوس" وجدل المعنى واللاّمعنى :

فكيف نفهم انشغال الدّراسات النقديّة المعاصرة بخارج النصّ، صورة الغلاف، المقدّمات، الهوامش.. ؟، ثم كيف نبرز أنّ الاهتمام بصورة الغلاف على وجه الخصوص يعدّ نمطا من أنماط التأثر بنظام العولمة، وهو نظام أشكال وأشياء وأشلاء، والواضح أنّ هذا الطّرح يؤكّد أنّ الشكل كان هو منطلق صياغة كلّ خطاب حول العالم والأشياء. لأنّ الشكل هو الجانب المرئيّ، وهوالمقيم حضوريّا وعيانيّا في المدى المدرك بالحواس. "وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الإنسان لم يتجاوز على ما يبدو هذه السّلطة البدئيّة التّي مارست من خلال الأشكال تشريطها الحاسم للوعي الإنسانيّ وسلوكه التواصليّ" (7). فكيف يـمكن للناقـد أن يفهم هذا التواصل بين الكيان اللّغويّ والكيان المرئي واللّامرئيّ ؟"، وكيف تكون اللاّعلاقة علاقة إذن" (8) ؟، وكيف تكون صورة الغلاف ضروريّة لقراءة النصّ؟، ألا تعدّ الصورة منطقة مبهمة عن الآخر/ الأنا الناقدة، الأنا المؤلّف، والآخر لمتقبّل؟، وما حظّ نظريّة التّلقي في هذا المقام؟.

نحن في سياق الحديث عن فلسفة التواصل من اللاّتواصل، فلسفة إخراج المعنى من اللاّمعنى ( فوضى المرئيّ)، مزج وتوتر بين القيمة الفنيّة (داخل النصّ) والقيمة الاقتصاديّة (الغلاف)، فهل يمكن أن تتحوّل فوضى هذا المزج بين المعنى واللاّمعنى إلى معنى ؟، وأيّ دلالة يحملها معنى هذا المعنى، هل هو هذا التعالق بين الخارج والدّاخل، بين الوعي واللاّوعي، بين الشّعور واللاّشعور، بين الرّغبة والجنون، بين الأنا والأنا الأعلى والهو، بين "الإيروس" و"اللّوغوس"،" حيث تصبح المتعة والرّغبة هما كلّ الإنسان، ويصبح الإنسان هو ( اللاّشيء الكلّي) Le rien total. ويترتب عن ذلك تحوّل "الخواء إلى ابتكار اجتماعيّ متجدّد، وإلى نوع من البداهة الضّروريّة للدّيناميكيّة الإنتاجيّة التي تساهم فيها التقنية بشكل ضمنيّ أو معلن"(9). فهل يلتذّ المتقبّل من إبداعيّة النصّ أم من إبداعيّة إيروسيّة تفاعليّة ترضي المكبوت فيه، وتحقّق له السّعادة في وفاقها مع الطّبيعة.

فكيف يتحوّل التواصل بين الأنا/ المؤلّف والآخرالمتقبّل وعتبة النّصّ (الغلاف) إلى مقام تأويليّ لمجموعة من العناصر المتداخلة، لغويّة ومرئيّة ( الألوان، الخطوط، الفراغات ..) قد تعبّر عن إبستميّة الآخرلا المؤلّف فقط بل أيضا الناشر من جهة، واسم مقدّم المؤلّف من جهة أخرى، فقد يتحقّق النصّ معنى وقيمة لا من داخله بل من خارجه، من قيمة العلم القلم المقدّم من جهة، ومن القيمة والمعنى الماديّ المؤسساتيّ للناشر الذي يريد أن يكون نصّ السّلطة هو نصّه، فتصبح العتبة بذلك الفضاء الذي تنتظم فيه الذّوات وتنشط وتتموقع لذّة وتحريضا وإثارة وسلطة وجنسا وجسدا، فالحثّ على المتعة وتقوية الإثارة بحيث تترابط مع بعضها البعض، تجعل المتقبّل في لحظة غياب "اللّوغوس" في وطن" الإيروس"، وتصبح هاهنا السّعادة تعني الغياب، أن تغيب عن نفسك وتسلّم أخيرا لكلّ الرّغبات" فيبدو جليّا للعيان إذن أنّ مبدأ اللّذة دون غيره هو الذّي يحدّد هدف الحياة، وتتحكّم منذ البداية بعمليّات الجهاز النفسيّ" (10).

فهل يتحوّل أفق الانتظار من متصوّر نقديّ أدبيّ، بما هو استعداد الجمهور ثقافيّا لتلقّي آثار الأدب، إلى متصوّر نفسيّ من حيث هو أفق انتظار إرضاء المكبوتات لدى المتقبّل، وإلى متصوّر إيديولوجيّ من حيث هو أدلجة "للإيروسيّ" داخل "لوغوسيّة" النصّ الإبداعيّ ؟، ويتحوّل الجسد هاهنا إلى وسيط بين عالم النصّ وعالم العولمة (الخارج) وهو بذلك لم يعد ما به يُدرك العالم كما ذهب إلى ذلك موريس مرلوبنتي، وإنما هو ما به تدرك السّلطة وتتأسّس قيمة اللاّمعنى في إفراغ الجسد من المعنى الإتيقيّ الأخلاقيّ، ذلك أنّ "ما نريد بيانه هو أنّ هياكل الإنتاج / الاستهلاك الرّاهنة تحمل الذّات على ممارسة مزدوجة مقترنة بتمثّل مفكّك لجسدها الخاصّ : تلك المتعلّقة بالجسد بما هو رأس مال، وتلك المتعلّقة بالجسد بما هو وثن، أو موضوع استهلاك، وفي كلتا الحالتين ما يتعيّن أخذه بعين الاعتبار، هو أنّ الجسد بعيد أن يكون مقصيّا أو منسيّا، فهو مستثمر" (11) نفسيّا ومعرفيّا واقتصاديا، فهل يمكن أن نعتبر العتبة حينها فضاء لقراءة الخارج وقد أعلن عن نفسه "لوغوسيّا" داخل فكرة الصّيرورة الزّمنيّة، فليس الخارج حدّا ثابتا في موضع بعينه لا يزول عنه، بل هو مادّة متحرّكة، في تقلّص وانقباض دائم، وهما حركتان ينتج عنهما ظهور ثنايا وانثناءات، ليس الدّاخل إلاّ الخارج ذاته، بل إنه بالضّبط داخل الخارج أو ثنايا الوجود والموجود في لحظة تشابك، إلى حدّ أننا مع نفس العالم الذّي يكلّم ذاته في اللّغة ويرى نفسه في الرّؤية، فهل يمكن أن نعتبر عتبة النصّ الفضاء الوجوديّ، أو قل المقام التواصليّ بين المتقبّل والمؤلّف، بين الأنا والآخر، الأنا لا بالمعنى الدّيكارتيّ : التمركز حول الذّات، بل بمعنى الانفتاح، بمعنى التسلّط، حينما تتخذ "الصورة" شكل الهيمنة على الآخر المتقبل بواسطة توليد المعنى وسحبه عليه، الأمر الذّي من خلاله يبدو الخارج/الصورة آليّة من آليّات الهيمنة لا على الآخر المتقبّل فقط، وإنّما على الأنا المؤلّف ذاته.

ألا يمكننا أن نقول إنّ صورة الغلاف تمثّل بعناصرها المختلفة حقائق فعليّة تؤثّث لنصّ ما الإنسان وتمنحه ثراء كالرّغبات والغرائز والجسد والجنون واللاّوعي؟، ثمّ كيف يمكن للآخرالمتلقّي قراءة فضاء الصّورة في أبعاده المتنوّعة دون أن يكون في سوء تفاهم معه، ألم يذهب فرويد إلى التأكيد على الجانب الخفيّ، ونقصد بذلك مفهوم اللاّشعور الذي يعمّق معرفتنا "بالأنا" ؟.

هل يمكن أن نقدّم متصوّرا آخر "للهو"، هو المؤلّف حينما يقبل الخارج عن نصّه بالرّفض، حينما يحوّل الخارج / العتبة إلى سياق ثقافيّ واجتماعيّ واقتصاديّ، ينقده داخل المتن الإبداعيّ ؟، وهل يمكن أن تعتبر "الأنا النّاقدة" الأنا الأعلى من حيث هو يمارس فعل المراقبة، ويفرض على المبدع نمطا من الكتابة يتماشى والطّقوس، طقوس الكتابة، طقوس المعنى الجماليّ الإبداعيّ من جهة،  وطقوس المعنى الخارج/ السّياق من جهة أخرى ؟، ولكن ألا يمكن أن نقول إنّ الرّغبة في النظام هي في الوقت نفسه، رغبة في الموت، "لأنّ الحياة انتهاك أبديّ للنظام، أو لنقل بشكل آخر إنّ الرّغبة في النظام هي المبرّر الأخلاقيّ الذّي يُسوّغ الإنسان من خلاله كلّ أفعاله" (12) ؟.

الناقـد الرقمـي وسـؤال التقنـية :

هل يمكن أن نقدّم تصوّرا آخر للنقد ؟،  هو نقد بالسّياق الوجوديّ الرّاهن ؟.

إنّ معنى سؤال المعنى في هذا السّياق هوالتّموقع داخل منظومة إبستمولوجيّة أو نصّ ثقافيّ في حالة امتلاء دلاليّ قيميّ جماليّ، هو تموقع يرى في الخارجِ العتبةَ لا فقط لفهم كينونة النصّ، بل لفهم كينونة العالم وقد تجلّى في صورة ما وراء الواقع، في صورة فضاء اللاّنـهائيّ، عتبة لفهم تواصل الأنا مع الخارج اللاّهوتي. حينها، ألا يمكن أن يفسّر الناقد الرقميّ جوهرالفعل التقنيّ المعرفيّ في توليد الصور الافتراضيّة، في تواصل المتضادّات، في تواصل المحرّمات، في تواصل الآخر والآخرة، والأخير ـ على أنه الوجه الآخر من الوجود، وجود الإنسان، وجه التعالي، وهذا التعالي في جوهره شوق إلى المطلق والخلود، فهل هو وجود سارتريّ أم نيتشويّ ؟، ذلك أنّ موت الإله هو أوّلا الحدث الذي يلاحظه نيتشه في حضارة التقنية، "ويمكن تفسير هذا الحدث مباشرة على أنّه زوال مفهوم الـ"الآخرة" من حقل ثقافتنا، إنّ موت الإله هو أوّلا موت الآخرة، إلغاء الإيمان بعالم آخر" (13).

إنّ التعارض بين العالم الأرضيّ والآخرة الذي عبّر عنه كلّ واحد في لغته، بحيث يتكلّم رجل الدين على المقدّس والمدنس، والفيلسوف على المحسوس والمثال، والناقد المعاصر على العالم الافتراضيّ الذي يعبّر في جوهره عن شوق إلى الخلود والمطلق، أفلا يعبّر هذا الشوق إلى اللاّمحدود عن بعد روحيّ لم يكن ليوجد لولا انتساب الإنسان إلى مرتبة من الوجود مفارقة لوجوده الحينيّ، في حضوراللاّمعنى والفارغ من كلّ قيمة أخلاقيّة؟، "فلئن مكّنت (التقنية) من الحدّ من سلطة اللاّهوت والميتافيزيقيا، أي من روح القيم التقليديّة، فإنـها غير قادرة على إبداع قيم جديدة، بل هي ضدّ كلّ ثقافة سامية ممكنة، وهي طمس للإحساس وللفرديّة" (14)، ولكأنّ الفعل التقنيّ هاهنا مطلب يقتضيه الوجود ذاته (المعنى)، بل ينتقل به الإنسان من الوجود المحدود مادة وزمانا ومكانا إلى وجود آخر، هو بمثابة الإشراقة (المعنى) التي تنير الإنسان وتسمو به منزلة، بخلق عالم افتراضيّ، الإنسان هو"إلهه"(اللاّمعنى)، "وينبغي إذن أن تبلغ العدميّة الحديثة ذروتـها بحيث تولّد إرادة التفوّق على الذّات وتتجاوزها بضرب من التسامي أو التعالي. لقد كان الإنسان دائما سجين الميتافيزيقيا والدّين والأخلاق، كان مغتربا، مكبّلا بأغلال وينبغي تحريره، لا من الآخرين بل من ذاته، وذلك ما أراد نيتشه تحقيقه من منطلق حرصه على وجود إنسان حقيقيّ" (15).

ولعلّ طلب المطلق في تكنولوجيا الصّورة يعبّر عن تطليق الأنا / الآخر لوجوده، لمحدوديّة عقله، أي رفض الماثل بالتوجّه نحو الدّاخل الخارج الغائب الحاضر. هذا الوجود الذّي يسلب منه "المعنى"، معنى وجوده، معنى الإنسان المبدع، الحرّ، ذلك أنّ التكنولوجيا المعاصرة تضفي صيغة عقلانيّة على ما يعانيه الإنسان من نقص في الحريّة، وتقيم البرهان على أنه يستحيل "تقنيّا" أن يكون الإنسان سيّد نفسه وأن يختار أسلوب حياته. وبالفعل، إنّ نقص الحريّة لا يطرح نفسه اليوم على أنه واقعة لا عقلانيّة أو واقعة ذات صبغة سياسيّة، وإنما يعبّر بالأحرى عن واقع أنّ الإنسان بات خاضعا لجهاز تقنيّ" (16). إنّ العقلنة في هذا المجال التقنيّ والأداتيّ، لن تفهم إلاّ في المعنى الفروديّ : عقلنة الكبت والسّيطرة عليه.

الكينـونة وجدل الداخـل والخــارج :

وجدت الذات الباحثة في إشكال "الأنا الناقدة وجدل المعنى واللاّمعنى أفقا فلسفيّا وجوديّا تطمح إليه، في إطار تموقعها الرّاهن المغترب نفسا وجسدا، ولعلّ الطابع الإشكاليّ لهذا الطّرح يعبّر عن حالة اللاّرضا وعن رغبة في بناء المعنى وتوليد الدّلالة من أجل الحدّ من الهوّة الفاصلة بين وجودنا الرّاهن وماهيتنا المأمولة، من أجل تقريب السّؤال المعرفيّ من السّؤال الإنسانيّ الوجوديّ، ومن أجل إرساء فلسفة التجاوز لكلّ القراءات التي من شأنـها أن تغيّب الإنسان في حديثها عن الإنسان، أن تغيّب الإنيّة والغيريّة داخل جدل الإنسانيّ، أن تغيّب الخطاب الكونيّ الذي يجسّم كونيّة التنوّع لا كونيّة المماثلة. وهي بذلك تنشئ المعنى في إرساء خطاب نقديّ إتيقيّ، يحصّل المعنى تحصيلا، ويبحث عن الإنسان المبدع من داخل اللاّإبداع. ذلك أنّ ما "يحدث مع العبور الكونيّ إلى العالميّ، هو في الآن واحـد تجانس وتبعثر إلى ما لا نـهاية. ليس المحليّ هو الذي يخلف المركزيّ، بل المتفكّك. ليس ما يزاح عن المركز هو من يخلف المركزيّ، بل المنحرف عن المركز. والتمييز والاستبعاد ليسا نتيجة طارئة، بل هما في منطق العولمة نفسه" (17).

لذلك تبرز أهميّة التدخّل النقديّ خارج النصّ، في سير الأحداث حتى تكون الأنا في حضرة الوجود وهو يتفكّك، وحتى يكون قادرا على الاضطلاع بمشروع إضفاء المعنى على العالم من أجل تغيير فهمنا له والإسهام في تجديده، خاصّة وأنّ التغيير عمليّة تشمل الذّهنيّات والأنفس. إنّ الطريقة الأمثل لفهم هذا التدخّل تتمثل بلا شكّ في فحص المشكل الذي عادة ما نطرحه اليوم بما هو السّؤال في صيغة : من أنا، لكن المرء لا يستطيع أن يجيب عن هذا السّؤال ضرورة بذكر اسمه أو نسبه. "إنّ إجابتنا تمثل اعترافات بما يعدّ هامّا بالأساس بالنسبة إلينا. أن أعرف من أكون يعني أن أعرف الموقع الذي أحتلّه. تتحدّد هويّتي عبر الالتزامات وضروب تحقّق الذّات التي تعيّن الإطار أو الأفق الذي تستطيع فيه" (18) إنشاء المعنى في إطار مقولة الاختلاف، إذ يشكّل وعي الأنا باختلافها الدّاخليّ بداية المعرفة التي تمثل نوعا خاصّا من أنواع القوة على المستوى الرّمزيّ، فحين تدرك الأنا اختلافها وتملك معرفتها بـهذا الاختلاف "فإنّها تبدأ في توظيف هذه المعرفة، بادئة أولى هذه المراحل بانقسامها إلى مُراقب ومراقَب لتحديد ذاتـها من وجود الآخر"(19)الثقافيّ/السّياقيّ الذي اكتسب معنى السّلطة التي تعادل في قوّتـها سلطة النصّ نفسه، وطغيان المعنى الثقافيّ يرد إلى انتمائه إلى الكتل الثقافيّة السّائدة، حيث تمثل عنصرا طاغيا على النشاط الفكريّ للأنا التي تنتمي إلى الثقافة نفسها، "ومع مرور الزّمن تتحوّل هذه العناصر إلى قوالب جاهزة مسلّم بـها في معظم الأحيان، وتصبح مادة جاهزة للاستهلاك من قبل المبدعين" (20)، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فما مشروعيّة الحديث عن العلاقة بين الثقافة والنسقيّة والنصّ في النقد العربيّ المعاصر؟.

إنّ الأنا الناقدة هي حصيلة خروج  دائم من بنية وتشاكل مستمرين مع بنيات أخر، أي إنّ الأنا ومن تظنه آخر/المؤلّف/الناشر/المتقبّل بنية واحدة لعمليّة مستمرّة تقوم بإنتاج المفاهيم المحدّدة للمعنى واللاّمعنى بشكل مستمر. إنّ الوجود بالمعنى الحديث هو الحركة التي يكون فيها الإنسان في العالم، ينخرط ضمن وضعيّة فيزيائيّة واجتماعيّة وثقافيّة تصبح نفسها وجهة نظره حول العالم. وكلّ انخراط هو ملتبس، إذ هو تأكيد للمعنى ونفي له، "كذلك فإنّ انخراطي في الطّبيعة والتاريخ هو في الوقت نفسه حدّ لوجهات نظري حول العالم وهو طريقتي الوحيدة للإقبال عليه ومعرفته وفعل شيء فيه" (21). وإذا ما أرادت الأنا الناقدة في أيّ مكان وزمان أن تبلغ ما يمكن أن يوجد أو ما هو موجود في الخارج، فلابدّ  لها أن تتجنّب التناقضات، داخل خطابـها. وهكذا فإنّ أيّ تأويل في سبيل معرفة نقديّة لما هو موجد داخل ثائيّة المعنى واللاّمعنى، يهدف ليس فقط إلى تجنب التناقضات بل أيضا إلى حلّها  لإرساء كينونة الإبداع/ الإنسان.

هـوامــش :

1 ـ زهير الخويلدي، حالة الفكر في حضارة اقرأ زمن العولمة، المقدّمة، ص1. انظر: موقع قوقل، مقال الفلسفة وسؤال اللامعنى .

2 ـ سعيد أراق، اللامعنى وأنظمة الاستفراغ الدّلاليّ، .http//www.ahewar.org

3 ـ المرجع نفسه .

4 ـ M.MERLEAU- PONTY, phénoménologie de la perception, ed, Gallimard, 1967, p400-401.

5 ـ جيل دلوز، المعرفة والسّلطة، تر: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، ط1 ، المغرب . 1987 ، ص 104 .

6 ـ عبد المنعم الحفني، المعجم الموسوعي للتحليل النفسي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995، ص 57 .

7 ـ سعيد أراق، اللامعنى وأنظمة الاستفراغ الدلالي، .http//www.ahewar.org

8 ـ جيل دلوز، المعرفة والسلطة، ص 73 .

9 ـ سعيد أراق، اللامعنى وأنظمة الاستفراغ الدلالي، .http//www.ahewar.org

10 ـ Sigmund Freud, Malaise dans la civilisation ,PUF,1971.

11 ـ Jean BAUDRILLERD, Société de consommation, Folilo-Essais, 1975,p 201.

12 ـ سعيد أراق، اللامعنى وأنظمة الاستفراغ الدلالي، .http//www.ahewar.org

13 ـ بيار هيبر سوفرين، زرادشت نيتشه، تر: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط 1، بيروت، 1994، ص 49 .

14 ـ نور الدين الشابي، نيتشه ونقد الحداثة، دار المعرفة للنشر، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بالقيروان، تونس، 2005، ص 305.

15 ـ المرجع نفسه، ص 370.

16 ـ سالم يفوت، هابرماس ومسألة التقنية، مقال أشرف عليه جبران الشداني، ص7. انظر : http//www.matar.matar.

17 ـ جان بودريان، السلطة الجهنمية، تر: بدر الدّين عرودكي، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 134 ، 2006، ص24

18 ـ Charles TAYLOR, les sources du moi, la formation de l identité moderne, ed. Seuil,1998,p 46.

19 ـ علاء عبد الهادي، شعرية الهوية ونقض فكرة الأصل، مجلة عالم الفكر، عدد36، سبتمبر 2007 ، ص 288.

20 ـ عبد الفتاح أحمد يوسف، استراتيجيّات القراءة في النقد الثقافي، مجلة عالم الفكر، عدد 36، سبتمبر 2007، ص 171.

21 ـ M.MERLEAU- PONTY, Sens et non- sens, ed, Nagel, 1966,142-144.

Pour citer ce document

نورة هدلي, «الأنا الناقدة وجدل المعنى واللامعنى»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009
Papier : pp : 135 - 143,
Date Publication Sur Papier : 2009-10-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 20/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=448.