الأصول النيتشوية لنظريات النقد الما بعد حداثية من الهوية والتطابق إلى المنظورية ...
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

N°09 Octobre 2009

الأصول النيتشوية لنظريات النقد الما بعد حداثية من الهوية والتطابق إلى المنظورية ...


pp : 144 - 164

عبد الرزاق بلعقروز
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

''إنني أعرف مصيري، ذات يوم سوف يرتبط اسمي بذكرى شيء مرعب

يرتبط اسمي بكارثة لم يسبق لها مثيل تماما، يرتبط بأشد تصادم عميق للضمائر

وبإدانة حاسمة لكل ما سبق الاعتقاد فيه مما هو ضحل

إنني لست رجلا إنني ديناميت''.

نيتشه ـ هذا الإنسان

ساد الاعتقاد بأن العقل الفلسفي لم يكتسب صفة العقلانية إلا يوم تخلى عن التأويل المثيولوجي للظوهر والأشياء، وأحل مكانـها ذهنية التدليل والتعليل، وقد شكل هذا الاعتقاد لدى الفلاسفة حافزا نحو استنطاق العالم باسم العقل ومقولاته، لأنه يجنبنا زيف الحواس، ويتعالى عن العالم المحسوس ليدرك الحقيقة العقلية المجردة، هذا ما رسخ منذ اللحظة السقراطية ووريثتها الأفلاطونية فيما بعد، والأفلاطونية المقصودة لا تحيل إلى أفلاطون التاريخي الذي يعد الحلقة التأسيسية من حلقاتـها، إنما هي نزعة فلسفية تتأسس على  الثقة والتمركز حول اللوغوس، وهو الضامن للمعنى، وبما أن نيتشه يعتقد بضرورة نزع القناع عن هذا الوهم بوصفه غطاء تتنكر به المصالح الوضيعة والأنانية، فإن هذه الحقيقة التي أطلقها تعد إعلانا عن تصدع جميع الضمانات التي كانت تسمح بتعقل العالم، وإطاحة بجميع الماهيات والثوابت.

بناء على هذا مثلت اللحظة النيتشوية منعطفا نوعيا في تاريخ الثقافة الغربية بصفة عامة، والحديثة منها بصفة خاصة، وتكمن نوعيتها في كونـها لم تقدم رؤية تراكمية كإثراء وتعميق، أو تواصل لتطورالوعي الفلسفي الغربي، بل غيرت تماما طريقة إدراك المعنى وبدلت إستراتيجية التأويل، لقد توجهت مطارق النقد النيتشوي إلى القيم الثقافية الغربية التي قام عليها كل التراث الفلسفي، كالثقة في العقل، وشعارات التقدم والحداثة والعلم، وتفاؤلات الأنوار وغيرها.

وما تختص به إستراتيجية النقد النيتشوي هو تجاوز التأويل من مضائقه النصية والأدبية إلى فضاءات النقد الثقافي، أو بعبارة أفصح: تأويل لغة الحقيقة والقيم الثقافية الحداثية نفسها باعتبارها رموزا وأقنعة تغلف تأويلات سابقة وقيما مستبطنة، للحفاظ على نوع معين من الحياة وداخل بنية صراعية معقدة.

وكانت النتيجة من وراء هذا كلّه هو تفجير لغة الأنساق المعرفية من الداخل والإطاحة بالإمبراطوريات الفلسفية الحاقدة على الحياة. وإرساء إستراتيجية مختلفة في التفكيروالتأويل، يحلو لنيتشه أن يسميها بالمنظورية المعرفية Perspective ولعل النسبية المعرفية والأخلاقية لعالم ما بعد الحداثة Postmodernité ونزعة الشك في إمكان تمييز الصدق من الكذب (الحقيقة من الزيف) تجد نموذجها الأول في فكر نيتشه العدمي جذريا، ولذلك عدّ فريدريك نيتشه المصدر الرئيس في القرن التاسع عشر للأفكار التي تميز الوضع ما بعد الحداثي في تمظهره الفلسفي والأدبي. الشاهد الأكبر على هذا كله هو الجينيالوجيا النيتشوية التي تتواصل في ثقافة ما بعد الحداثة عبر خطوط متفرعة منها :

تفكيك الميتافيزيقا أو التفكيكية مع دريدا  j-Derrida

العودة إلى الوراء أو الاستذكار مع هيدجر  Heidegger

الأركيولوجيا والتأريخ للجسد على النحو الذي طوره فوكو  Foucault

لذلك فإننا سنسائل في مداخلتنا هذه الإشكالية التالية : كيف قرأ نيتشه لغة العقلانية النقدية؟، ما مدى مشروعية إرجاع نظريات النقد ما بعد الحداثية كالتفكيكية والأركيولوجية إلى الأصول النيتشوية؟،  وإذا كانت هناك لقاءات فما حقيقتها؟، ما هو حجم التأثير النيتشوي على منظورات التأويل الما بعد حداثية ؟،  هذه هي الأسئلة التي سنعمل على مقاربتها من خلال هذه المحاولة.

1 ـ نظرية النقد عند نيتشه : من التشريع الإبستمولوجي إلى التقويم الجينيالوجي :

لا يمكن فهم النصّ النيتشوي تحليلا وتوظيفا أو باعتباره إستراتيجية  بديلة في النقد، ما لم يوضع في السياق الفلسفي والسجالي مع تجربة شائعة في تاريخ النقد الفلسفي، هي التجربة النقدية الكانطية، لأنه مع كانط ولدت مرحلة جديدة للنقد تمثلت في تجاوز المعنى  المتداول، أي ذلك الذي يتوجه بالنقد إلى التناقض بين الأفكار أو الكشف عن عدم مطابقة النتائج للمقدمات داخل النسق. إن المنعرج الكانطي يتوجه إلى ملكة إنتاج المعرفة ذاتـها، أي العقل بحد ذاته، وبمعزل عن المعارف التي ينحو إليها، يقول كانط : ''إنني أفهم بذلك نقدا لا للكتب والسساتيم (أي الأنظمة)، بل بقدرة العقل بعامة بالنسبة إلى جميع المعارف التي يمكن أن ينزع إليها بمعزل عن أي تجربة، وبالتالي الفصل في إمكان أو لا إمكان الميتافيزيقا بعامة، وتعيين مصادرها، ونطاقها وحدودها'' (1). على ضوء هذا النص يبدو النقد متجاوزا للمكتوب والمنطوق والمعرفي، بل يذهب إلى ملكة العقل ذاتـها، فهو لا يتعلق بمجال موضوعات خاصة به يعمق معرفتنا بـها، بل هو معرفة العقل بنفسه، ومن ثمة فإن النقد لا يروم توسيع معارفنا العقلية وإنما البحث لها عن مشروعية، وما خلصت إليه هذه التجربة هو أن المعرفة اليقينية تقتضي التقاء مقولات الفاهمة أوالأطر القبلية بما هي صورة المعرفة بالحدوسات الحسية التي هي مادتـها، إنه التقاء القبلي بالبعدي، الفاهمة بالحساسية، وكل تجاوز لمقولات العقل المحض خارج إطار التجربة أو محاولة سحبها على عالم الأشياء في ذاتـها، يسقط العقل في التناقضات.

والخلاصة المنهجية التي ننتهي إليها أن النقد كما طوّره كانط يعمل على امتحان قدرات العقل عندما يتجاوزالفاهمة، وبالتالي يتجاوز كل تجربة ممكنة، فهو نقد لكل الميتافيزيائيات الدغمائية التي تدعي معرفة الأشياء في ذاتـها متجاوزة المشروط إلى اللامشروط، وهذه الإستراتيجية الجديدة في تأويل الأنساق الفلسفية جعلت دارسي الفلسفة يماثلونـها بتجربة كوبرنيكوس في علم الفلك، إنه النقد الذي من الواجب أن يخضع له كل شيء، فلا يمكن للدين أن يتعلل بقداسته، أو الشريعة برفعتها، وما دام كلاهما يثير شبهات مشروعة فلا يمكن أن يبلغا ذلك الطموح أو التقدير الصادق إلا بالمرور عبر مملكة العقل ذاته. إنه الشعار الذي رفعه كانط زمن الأنوار.

لكن السؤال المركزي الذي نريد استشكاله داخل هذا السياق هو: كيف قرأ نيتشه التجربة النقدية الكانطية؟. ولماذا كان يصرّح دائما في الكثير من شذراته بأننا "لسنا نقديين" على الطريقة الكانطية ؟. ما مبرّر النظر إلى هذا النقد على أنه محدود و قاصر؟.

يهاجم نيتشه منهج النقد عند كانط ويكشف ثغراته وقصوره وتناقضاته ومحدوديته، فمن جهة ما هومتناقض يطرح نيتشه علامة تساؤل عن المفارقة المستبطنة خلف المتن الفلسفي الكانطي، فالعقل الذي زلزل جمود العلماء والميتافيزيقيين المذهبي في مشروعه "نقد العقل المحض" يستعيد المطلقات التي كان يبدو أن العقل النظري قد هدمها، وكأن العقل الناقد يتخلى عن حقه في التحليل عندما يتعلق الأمر بالحاجة الدينية والأخلاقية، فهو يبدأ تبعا لهذا بما ينتقده.

والعرض الآخر على تناقض النقد الكانطي، هوكيف يمكن للعقل أن يكون ناقدا وموضوع نقد في الوقت عينه ؟. كيف يمكن أن ينشطر إلى قسمين : أحدهما ينتقد والآخر يخضع للنقد؟ ثمة إذن تناقض في النقد الكانطي؟، ''فلقد استخلص كانط أن النقد يجب أن يكون نقدا للعقل بواسطة العقل، أليس هذا هو التناقض الكانطي؟، أن يجعل من العقل المحكمة والمتهم في الوقت ذاته ؟  تشكيله كقاض  وكطرف، حاكم و محكوم ؟'' (2).

ثم إن النقد لا يقول شيئا طالما يتحرك على أرض الإيمان بالمعرفة الحقة، والأخلاق الحقة، ولم يطرح سؤال الحقيقة بالذات أو الأخلاق بالذات، لقد تصور كانط النقد كقوة يجب أن تتناول كل الطموحات إلى المعرفة والحقيقة، لكن ليس المعرفة بحد ذاتـها، والطابع غيرالقابل للنقد هو هذه الأقانيم الثلاثة : المعرفة الحقيقية، الدين الحقيقي، الأخلاق الحقيقية.

وفضلا عن هذه الثغرات أوالتناقضات، فإن منهج القراءة لدى نيتشه لا يتفحص لغة الأنساق الفلسفية لذاتـها أو معانيها المعلنة، بل ينظرإليها كأعراض تحيل إلى نزعة من نزعات الحياة، أو جملة من القواعد الأخلاقية التي تمثل شرط إمكان المعرفة والحقيقة، فما هو نظري ينبني دائما على مصادرات عملية، والدوافع الحيوية والأحكام المعيارية هي جذور المقولات العقلية حتى أكثرها إيغالا في الصورية والتجريد، النموذج التطبيقي لذلك هوكانط،''فحتى يخلق مكانا لإمبراطوريته الأخلاقية سعى إلى إجبار طرح عالم غير قابل للبرهنة، عالم ما وراء المنطق، من أجل هذا على وجه التحديد احتاج كانط إلى نقد العقل النظري'' (3).

وفي مقابل المشروع الكانطي والمبادئ الصورية التي تكوّن شروطا بسيطة لوقائع مزعومة، يطرح نيتشه أسلوبا جديدا في النقد والتقويم، أسلوب يعمق السؤال حول الأصل التكويني للأشياء، للعقل ومقولاته، للإدراك ومقولاته أيضا ؟. ما هي قوى العقل والإدراك ؟، ما هي الإرادة التي تختبئ في العقل وخلف المقولات؟، هذه هي الطريقة التي تحقق النقد الحقيقي، إنه المنهج الجينيالوجي بتقنياته الإجرائية ومبادئه التقويمية؟، لذلك اعتبر جيل دولوز أن أحد الحوافزالأساسية للمشروع النقدي النيتشوي هو أن كانط لم يقم بالنقد الحقيقي، لأنه لم يطرح مشكلته بتعابير القيم، نحن إذن إزاء استراتيجية جديدة في النقد تستبدل السؤال الإبستمولوجي الكانطي. كيف؟ بالسؤال الجينيالوجي، لماذا؟، ليس المهم هو كيف تكون الأحكام التأليفية القبلية ممكنة أو ضرورية، بل الأهم هوالسؤال: لماذا يكون الاعتقاد في مثل هذه الأحكام ضروريا ؟، فالجينيالوجيا  باعتبارها مبدأ تأويل تـهدف إلى الإجابة  عن سؤال من ينشئ القيمة؟، من يقف خلف مفاهيم العقلانية والتقدم والحرية ؟، ما نوع القوى التي تقف وراءها ؟.

وبتأسيس نيتشه النقد على أرض القيم يمكن الشروع في ممارسة النقد الحقيقي  بما هو نقد جينيالوجي يطبق على نصّ الثقافة والحداثة، بما فيها كل القيم الملازمة لهما، هذا هو معنى مغادرة النقد من مضائقه الإبستمولوجية والتشريعية، إلى فضاءات التقويم الجينيالوجي بخطواته ونتائجه على فروع الثقافة المتعددة.

2 ـ محددات النقد الجينيالوجي :

تنتمي مفردة الجينيالوجيا Généalogie في سياقها التكويني الأصلي إلى ميدان العلوم التاريخية، لكن ما يستدعي الملاحظة في الخطاب الفلسفي المعاصر هو استعارة هذا المفهوم لكن بحمولة دلالية و نقدية عنيفة، بخلاف معناها التاريخي الذي يهدف إلى إثبات النسب للأفراد أو المؤسسات والأفكار، خاصة بعد السبعينات، التيار الذي يعلن صراحة أم ضمنا انتماءه للخريطة الإشكالية التي دشنها نيتشه، حيث تخصص في نقد وتفكيك المفاهيم والأفكار وتقويض البدا هات واليقينيات الراسخة، ومرادنا في هذه المساحة من التحليل هو تقديم تعريف أولي إجرائي للجينيالوجيا على النحو الذي نجده عند نيتشه، لا في معناها الأصلي الذي ينتمي إلى ميدان العلوم التاريخية، فلقد طوّر نيتشه نموذجا في النقد الفلسفي رمى من خلاله إلى طرح تساؤلات جريئة حول أصل القيم والأحكام الأخلاقية كالخير والشر، وبالتالي إعادة النظر في مضامين القيم السائدة في الثقافة الغربية، لذلك فالمعنى الحرفي لكلمة الجينيالوجيا هو دراسة النشأة والتكوين لإثبات النسب والوصول عند الأصل، هذا ما يؤكده نيتشه نفسه في مقدمة كتابه الذي يحمل الكلمة عنوانا، فالأمر يتعلق بتأملات حول أصل الأحكام الخلقية المسبقة، لكن ليس المقصود هو إثبات أصل تاريخي أو تمجيد للأصول والبدايات، فمرمى التاريخ الجينيالوجي هو أبعد من الوقوف عند الأصل، لأن الجينيالوجي يعتد بالتاريخ أكثر مما يصغي للميتافيزيقا، وهذا الإصغاء للتاريخ جعل نيتشه يحدد مطلبا جديدا هو ''إننا في حاجة إلى نقد للقيم الأخلاقية، يجب أن نصل إلى وضع قيمة هذه القيم موضع تساؤل، وهنا تنقصنا معرفة شروط وظروف ظهورها وتطورها'' (4).

إذن وتبعا لهذا النص، فالجينيالوجيا تتحرك في خطين : إرجاع القيم إلى أصولها ثم تقويم تلك الأصول، فللفلسفة النقدية ـ تبعا لما سبق ذكره كما يحلل ذلك جيل دولوز ـ حركتان مترابطتان : نسبة كل شيء وكل أصل له بعض القيمة إلى قيم، لكن  كذلك نسبة هذه القيم إلى شيء يكون أصلها و يقرر قيمتها، فالجينيالوجيا تتلخص قي مقولتين: أصل القيم وقيمة الأصل في الوقت نفسه، فهي تتعارض مع الطابع المطلق للقيم كما تتعارض مع طابعها النسبي أيضا، إنـها تعني العنصر التفاضلي والاختلافي الماثل في بنية الأصل ذاته، لكن النقد الجينيالوجي يتمظهر كتقنيات أو كإجراءات بثلاثة مستويات استمر يطلقها من حين لآخر على تحليلاته النقدية :

النقد باعتباره فقها للغة.

النقد باعتباره علم أعراض.

النقد باعتباره عودة إلى الأصول وتصنيف لها.

أ ـ النقد الجينيالوجي باعتباره فقها للغة (فيلولوجيا) :

تعد العلاقة بين نيتشه والفيلولوجيا علاقة مبكرة، إذ هي في الحقيقة التخصص العلمي الذي كان ينتمي إليه، لكن ما يستوقف الاهتمام هو إخراج الفيلولوجيا من دائرة التخصصية الضيقة، وتوظيفها كتقنية منهجية لنقد الثقافة، فلقد اقترح نيتشه طريقة يدعو إلى الإقتداء بـها، يحق تسميتها بـفيلولوجيا النص، فمقارنته للنصوص التي كان يشتغل عليها خاصة في اللغات اليونانية القديمة، قد جعلته يعيد التفكير ويتساءل حول إمكانية وجود نص أصلي مكتمل المعنى، ويكون هو المصدر الحقيقي، إن النصوص هي تأويلات متناسلة لا تحيل إلى أية حقيقة، أو هي طبعات مزيدة ومنقحة ومستنسخة عن بعضها البعض.

 

فما يدعونه النص الأصلي إن هو إلا الوهم وليس الحقيقة، ''فالفيلولوجي  تبعا لما سبق ذكره هو ما يفيد بشكل عام فن إجادة القراءة، ومعرفة الكشف عن الوقائع دون تشويهها بواسطة التأويلات، ودونما أيضا فقداننا ونحن نناشد الفهم لكل الخصال من قبيل الحذر والتأني والدقة'' (5).

إن المنظورالفيلولوجي كإستراتيجية لدى الفيلسوف الفنان، يتأسس على النظر إلى الحقيقة باعتبارها فعلا إبداعيا، وبالتالي فهي ليست شيئا يوجد سلفا وعلينا العثور عليه أو الكشف عنه، فالحقيقة تبعا لهذه القراءة الفيلولوجية نوع من التقويم الفعالL'évaluation active، أي أنـها صيرورة من التأويلات غير المنهجية، يقول نيتشه : لقد علمتنا اشتقاقات الألفاظ، وعلّمنا تاريخ اللغة، أن ننظرإلى جميع المفاهيم في صيرورتـها، وأن نعتبرأن بعضها في طريق التكون ..''(6)، فمهمة الفيلولوجيا تتحدد باعتبارها فكا للرموزوكشفا عن القوى الكامنة خلف مقولة الثقافة، ومن هنا جاء النظر إلى الثقافة نفسها باعتبارها لغة، وأن جميع الظواهرليست سوى رموز لا تعبّر بل هي تدل وتعني، فهذه الفيلولوجيا الفاعلة تسعى لاكتشاف القوى الرابضة خلف قيم الحداثة، وبما أن اشتقاق الكلمات وفقه اللغة هو العلم الذي يهتم بتفسير النشاطات الفعلية التي تتحكم في الظاهرة الثقافية، فإننا نجد لديه تجاوزا للمعنى الذي تقوله الكلمات، وحصر الإهتمام بمن يمتلك سلطة الكلام، وبالقوى التي تتصارع في اللغة ومن خلالها، أي القوى التي تمتلك سلطة التأويل، وينتج عن هذا نشوء مشروع لتحليل لغوي واشتقاقي يطرح أسئلة لها وقع جديد على الأسماع: من يستخدم الكلمة؟، على من يجري تطبيقها؟، ماذا ينوي من وراء ذلك؟، ماذا يريد ذلك الذي يقول تلك الكلمة ؟، لذلك يجوز اعتبارأن أصل اللغة نفسه بمثابة فعل سلطة يصدر عن الحاكمين، يقولون هذا الشيء (هو كذا وكذا)، يربطون الشيء أو الحدث بكلمة فيتملكونـها، ومنه ''فالنظرية اللغوية النيتشوية تقيم علاقة بين الخطاب والعلاقات الاجتماعية والقيم المكونة لهذه العلاقات، اللغة لا جامع بينها وبين الحقيقة المثالية، أو الواقعية المسلم بـها، ليست أداة معرفة بل مخطط إلى مصلحة نظام بما معناه سلطة'' (7).

نحن إذن إزاء فيلولوجيا لا تـهتم بالمسارالتاريخي لتكوّن المفاهيم أو نشوء الثقافات، فأنماط الثقافة تبعا للتحليل السابق ليست سوى تسميات، إن الهدف يروم الكشف عن الدوافع الحيوية خلف البنية الفوقية الثقافية، مادام التأويل هو نفسه ملمح على وضعية الجسد .. هكذا إذن يجري توظيف الفيلولوجيا كآلية مضادة للتأويل الأحادي المحرف لنص الواقع، وليست الفيلولوجيا سوى فن القراءة البطيئة التي تخترق الأقنعة وتفكك هيروغليفية نص الثقافة بـهدف إزالتها عن أفخاخها الدلالية والإنصات ببرودة إلى خطاب الأخلاق دون اتخاذ أي موقف مسبق منه، من جهة أخرى يتمثل التأويل الفيلولوجي في الانتقال من اللفظ الذي يستبطن منظورا أخلاقيا والمتواطئ مع نص الميتافيزيقا إلى الواقع في صيرورته التراجيدية.

ب ـ النقد الجينيالوجي باعتباره علم أعراض (سيميولوجيا) :

لا يقتصر النصّ الجينيالوجي على إعطاء قراءة أو تأويل جديد للنصّ الفلسفي، بل يقترح مفاتيح وأدوات لفهم تلك النصوص أوالكيانات المعرفية والأخلاقية، إن إستراتيجية القراءة ورهاناتـها في المنظورالنيتشوي ترى بأن ''كل الفلسفات ترجع المشكلات الوجودية إلى مشكلات قيمية، فيتحراها جميعا ليكتشف فيها التقويمات غيرالمفضوحة التي تشكل عصبها ويرى غريزة الحياة ناشطة في سائر نواحي الفلسفة'' (8). فالقراءة تبعا لهذا لا تتفحص الأنساق الفلسفية أبد

هوامــش :

1 ـ إيمانويل كانط، نقد العقل المحض، تر: موسى وهبة، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1، ص 16 .

2 ـ جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، تر: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، ص 117.

3 ـNietzsche : aurore, tard Par, Henri Albert, librairie Générale Française, Paris,1995

4 ـ فريدريك نيتشه: جينيالوجيا الأخلاق، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ص 10 .

5 ـ Jean grenier; Nietzsche, que sais-je PUF, 1994 p62.

6 ـ فريدريك نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ج1، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، المغرب، ص

7 ـ Henri levebvere, hegel, marx,nietzsche ou le royaume des ombre, Gasterman,1975,p174.

8 ـ أويغن فنك، فلسفة نيتشه، تر: إلياس يديوي، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ص 148 .

9 ـ فريدريك نيتشه، أفول الأصنام، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ص 58 .

10 ـ Nietzsche :le livre de philosophe,trd,par,angéle krimer marietti, édition, Flammarion, paris, 1991, p123.

11 ـ علي حرب، نقد النص، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط3، 2000 ، ص18 .

12 ـ بيير هيبر سوفرين، زرادشت نيتشه، تر: أسامة الحاج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994, ص 133 .

13 ـ علي حرب، الماهية والعلاقة نحو منطق تحويلي، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 1998، ص225 .

14 ـ Voir : jurgen Habermas : Le discoure philosophique de la modernité, Edition Gallimard ,Paris,  1988.

15 ـ أورده: دريفوس ورابينوف في كتاب ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، مركز الإنماء القومي، بيروت، ص 101.

16 ـ عبد الرزاق الدواي، حوار الفلسفة والعلم الأخلاق في مطالع الألفية الثالثة، دار المدارس، المغرب، ط1، 2004، ص197 .

17 ـ عبد السلام بنعبد العالي، ضد الراهن، دار توبقال للنشر، المغرب، ط1، 2005, ص73 .

* ـ أنظر: فريدريك نيتشه، ضد المسيح، تر: هنري ألبر، منشورات المركور دي فرونس، الشذرة رقم 61 .

18 ـ لورانس جين كيتي شين، نيتشه، تر: إمام عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2002، ص 171 .

19 ـ أنظر: المرجع السابق، ص 173.

20 ـ أنظر: محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات (فصول في الفكر الغربي المعاصر)، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2002، ص 233 .

Pour citer ce document

عبد الرزاق بلعقروز, «»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 09 أكتوبر 2009N°09 Octobre 2009
Papier : pp : 144 - 164,
Date Publication Sur Papier : 2011-01-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-07,
mis a jour le : 23/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=450.