مدى فعالية قواعد المسؤولية الجنائية الدولية في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحةThe effectiveness of the rules of international criminal responsibility in the protection of the natural environment During armed conflicts
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

N°28 Vol 15- 2018

مدى فعالية قواعد المسؤولية الجنائية الدولية في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة

The effectiveness of the rules of international criminal responsibility in the protection of the natural environment During armed conflicts
102-118

آمنة أمحمدي بوزينة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

تعتبر البيئة الطبيعية هدفا حيويا أثناء الحروب، توجه إليها العمليات العدائية بشكل مباشر، وفي معظم الحروب لم تراعأطراف النزاع قواعد الحماية المكفولة للبيئة في القانون الدولي، خاصة مع تطور الأسلحة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الجيو فيزيائية والأساليب التي تستغل تزايد النزاعات الدولية المعاصرة. وبالرجوع إلى القواعد المتعلقة بالمسؤولية الدولية في القانون الدولي عامة والقانون الدولي الإنساني خاصة عن الانتهاكات الضارة بالبيئة في فترة النزاع المسلح، فلا يوجد أدنى شك في تحريكها وفقا لقواعد القانون الدولي العام فيما يخص مسؤولية الدولة المخالفة في حالة الإخلال أو عدم احترام الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على أشخاصه، وبذلك تساهم أحكام المسؤولية بدرجة كبيرة في حماية البيئة.

الكلمات المفاتيح: حماية البيئة الطبيعية، الضرر الجسيم، المسؤولية الجنائية، المسؤولية المدنية.

L’environnement naturel est une cible vitale des hostilités lors des guerres. Dans la quasi-totalité des conflits armés, les règles de la protection de l’environnement en droit international ne sont pas respectées. La situation se complique avec le développement et la diffusion des armes de destruction massive et les armes géophysiques. En se référant au droit international général et au droit international humanitaire, tout acte provoque une dérogation préjudiciable à l’environnement, pendant un conflit armé notamment, entraine indubitablement la responsabilité internationale de l’état à l’origine de cet acte. La responsabilité de l’état, dans ce cas, est fondée sur la violation ou de non-respect des obligations imposées par le droit international à ses sujets, en contribuant ainsi de manière significative à la protection de l'environnement.

Mots clés : Protection de l'environnement naturel, Dommages graves, Responsabilité pénale, Responsabilité civile.

The natural environment is avital target during the war. The hostilities are directed directly at them. In most wars, the parties of the conflict have not taken into account the rules of protection of the environment in international law, especially with the development of weapons and methods Including international weapons of mass destruction and geo-physical weapons. There is no doubt that the rules on international responsibility in international law in general and international humanitarian law in particular for violations  to the environment in the period of armed conflict are taken into account in accordance with the rules of public international law with regard to the responsibility of the wrongdoing State in case of non respect of  the obligations imposed by international law, thereby contributing significantly to the protection of the environment.

Keywords:Natural environment protection, Serious damage, Criminal liability, Civil liability.

مقدمة

يعتبر موضوع حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحةمن أهم المواضيع التي شغلت المجتمع الدولي، وذلك نظرا للانتهاكات التي تتعرض لها أثناء الحروب مما جعل قضية حمايتها مسألة ضرورية، كونها تتعلق بحياة السكان المدنيين وبقائهم، ولهذا سعى المجتمع الدولي إلى ضبط أحكام وقواعد للسيطرة على الوضع وضمان أقصى حماية لهم.

تترتب المسؤولية الدولية في حالة قيام شخص من أشخاص القانون الدولي العام بفعل ألحق ضررا بشخص آخر من أشخاص القانون الدولي العام سواءً كان مشروعاً أو غير مشروع، أما بالنسبة للمسؤولية الدولية عن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، والذي يسفر عن أضرار بيئية فيعتبر عمل غير مشروع، وتقوم المسؤولية الدولية اتجاه الشخص القائم بالفعل سواء كانت هذه المسؤولية ذات آثار قانونية أو آثار غير قانونية.

   وبالرجوع إلى القواعد المتعلقة بالمسؤولية الدولية في القانون الدولي عامة والقانون الدولي الإنساني خاصة عن الانتهاكات الضارة بالبيئة في فترة النزاع المسلح، فلا يوجد أدنى شك في إمكانيةتحريكها وفقا لقواعد القانون الدولي العام فيما يخص مسؤولية الدولة المخالفة في حالة الإخلال أو عدم احترام الالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على أشخاصه، وبذلك تساهم أحكام المسؤولية بدرجة كبيرة في حماية البيئة (1).

     وعليه، فإن لموضوع البحث هذا أهمية بالغة في تعزيز نظام المسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاك حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، خاصة في ظل الانتهاكات المتكررة لأحكام حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، هذا وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقيات والقوانين واللوائح الخاصة بحماية البيئة تعتبر واجبة التطبيق زمن السلم والحرب، ونظرا للأضرار الجسيمة المحدقة بالبيئة بسبب أثار الحروب والأسلحة المستخدمة فيها توجب إقرار تدابير وإجراءات فعالة لحماية البيئة.

وعليه يتبادر إلى ذهننا الإشكال التالي: عن مدى فعالية قواعد المسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاك حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة؟

لمعالجة هذا الموضوع، والإجابة عن الإشكالية السابقة، سوف نتبع المنهج التحليلي بشكل أساسي والقائم على إيراد المبادئ والنصوص القانونية الخاصة بالمسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاك حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، ودراسة مدى توافقها مع بعضها وكذا بيان مدى تطبيقها واقعيا، هذا إضافة إلى إتباع المنهج التاريخي للوقوف على الإجراءات والظروف التاريخية التي ساهمت في تطور قواعد المسؤولية الجنائية الدولية عن انتهاك حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة وانتقالها من مجرد أعراف إلى قوانين مدونة في مواثيق دولية جماعية تلتزم بها أطراف النزاع.

وعليه بعد استقرار مبدأ المسؤولية عن الأضرار البيئية أثناء النزاعات المسلحة وذلك من خلال القواعد المتضمنة أحكام القانون الدولي الإنساني الخاصة بمعاقبة مرتكبي ومقترفي الجرائم البيئية، من هذا المنطلق سوف نتعرض للمسؤولية الجنائية عن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة في المبحث الأول، ونشير في الثاني لقمع المحكمة الجنائية الدولية الانتهاكات الجسيمة ضد البيئة الطبيعية.

المبحث الأول

المسؤولية الجنائية عن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة

تتقرر المسؤولية الجنائية في حالة ارتكاب أعمال غير مشروعة في زمن النزاع المسلح بطريقة عمدية، فتنشأ عنها جزاءات في حق كل من قام بأعمال غير مشروعة، وفي هذا الإطار يمكن القول إنه يعتبر التجريم على انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني من بين أكثر الجوانب تحديدا فيالقانون الدولي المعاصر(2).

المطلب الأول: مضمون المسؤولية الجنائية عن انتهاك القواعد القانونية لحماية البيئة

لقد ورد في المادة 3من اتفاقية لاهاي الرابعة 1907والمادة 91من البرتوكول الأول: "أن الأطراف المتحاربة ستكون مسؤولة عن كل الأعمال التي يرتكبها أشخاص منتمون إلى قواتها المسلحة"، أي أن الأفراد يمكن مساءلتهم عن الجرائم الدولية، حتى أن مؤتمر القـرم قرر مسؤولية الأفراد في عام 1945حيث ورد فيه "يتعرض كل مجرمي الحرب للعقوبات العادلة والسريعة"(3).

ومن جهتها قررت المادة 91من البروتوكول الأول لعام 1977أن شن هجوم عشوائي عمدا يصيب الأعيان المدنية وكذا هجوم على الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة عن معرفة بأن مثل هذا الهجوم أيضا يسبب خسائر بالغة في الأرواح أو الإصابات بالأشخاص المدنيين أو أضرارا للأعيان المدنية تعتبر انتهاكات جسيمة(4).

 ويمكن الوقوف أيضا على نصوص اتفاقية أخرى كالمواد 49، 50، 129، 145من اتفاقيات جنيف الأربعة على التوالي لعام 1949التي تنص على أنه: "تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف أحد المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية...".

 كما أن نصوص الاتفاقية التي اعتبرت الاستخدام المبالغ فيه للقوة التي لا تبررها الضرورة العسكرية، يشكل انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني أو جرائم حرب كالمادتين 53، 147من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949والتي تنص على أن تدمير ممتلكات العدو على نحو لا تبرره الضرورة العسكرية يعد انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني(5).

أما في مجال حماية البيئة بشكل خاص، فإنه من المؤسف أن المادتين 35/3، 55من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977لم تنصا صراحة على اعتبار الاعتداء على البيئة يشكل انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني أو جرام الحرب كالمادتين 53و147من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، كما أن المادة 85/3من البرتوكول ذاته التي اعتبرت الاعتداء على الأعيان المدنية والأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان على قيد الحياة والاعتداء على الأشغال المحتوية على قوى خطرة تشكل انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني أو جريمة حرب، لم تشر إلى اعتبار الاعتداء على البيئة الطبيعية كما هو الحال بالنسبة للأعيان السابقة انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني، وهذا يعني على حد تعبير البعض أنه على الرغم من أن الدول أطراف النزاع ملزمة باتخاذ كافة الإجراءات لوقف انتهاك هذه المواد (المادتين 53/3و55من البروتوكولالأول لعام 1977) إلا أنها غير ملزمة بالمثول أمام المحكمة في حال انتهاكها فعلا.

    والحقيقة أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كان أكثر توفيقا في هذا الشأن، إذ اعتبرت المادة 8/ب/4من نظام روما لعام 1998، أن الاعتداء على البيئة يشكل جريمة حرب، فقد نصت هذه المادة على أن: تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر بتبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية ..... يشكل جريمة حرب"، وكان هذا نتيجة التطور الحاصل في القانون الدولي الإنساني الذي نتج عنه ظهور المحكمة الجنائية الدولية، وعلى الرغم من ذلك فإن القضاء الدولي لم يرتب حتى الآن إلا المسؤولية الجنائية على الأفراد الطبيعيين وحدهم، فإنه من المتوقع خاصة بعد دخول النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ أن تصدر أحكاما دولية تدين الدول جنائيا(6)، كأشخاص اعتباريين إلى جانب الأفراد الطبيعيين، بسبب الجرائم التي تقترفها قواتها المسلحة خاصة وأنقواعد القانون الدولي الإنساني، في المواد 3من لائحة لاهاي لعام 1907والمادة 90من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والمادة 77/2/ أ – بمن نظام روما التي تعطي هذه المحكمة الجنائية الدولية حق فرض عقوبات جنائية، تلائم طبيعة الأشخاص الاعتبارية كالغرامة والمصادرة، وهيالإمكانية التي توفر حماية أكثر فاعلية لقواعد القانون الدولي الإنساني، ومنها قواعد حماية البيئة أثناءالنزاعات المسلحة(7).

المطلب الثاني: شروط انعقاد المسؤولية الجنائية عن الإضرار بالبيئة أثناء النزاعات المسلحة

لانعقاد المسؤولية عن الأضرار البيئية أثناء النزاعات المسلحة، يجب توافر ثلاثة شروط هي:

الفرع الأول: وجود قاعدة قانونية إنسانية اتفاقية أو عرفية تحمي البيئة

لا تنعقد مسؤولية أطراف النزاع عن الأضرار التي تلحق بالبيئةأثناء النزاعات المسلحة، إلا إذا وجدت قواعد قانونية في القانون الدولي الإنساني تجرم الاعتداء على البيئة، وهذا شرط طبيعي لانعقاد المسؤولية القانونية، ينطلق من القاعدة الأساسية في كافة التشريعات الجنائية الدولية والوطنية وهي قاعدة لا جريمة إلا بنص.

والحقيقة أنه بالرغم من الجهود التي بذلتها الأجهزة المختصة في الأمم المتحدة لتدوين قواعد القانون الدولي الجنائي العرفي أو إعداد اتفاقيات دولية لتحديد الجرائم الدولية تطبيقا لمبدأ لا جريمة إلا بنص، إلا أنها مع ذلك لم تنل نصيبها من التحديد والوضوح مثلما هو الحال عليه في التشريعات الوطنية، ولعل السبب في ذلك يعود إلى افتقار القانون الدولي إلى سلطة تشريعية مركزية تفرض إرادتها على الدول بهذا الخصوص ولأن القانون الدولي الجنائي مازال في مرحلة التطور؛ فيأتي تحديد الجريمة نتيجة لذلك توفيقا لوجهات نظر متباينة؛ مما يجعل الباب مفتوحا للقضاء باللجوء إلى التفسير الواسع والقياس، لسد النقص في القانون بأشكال لا تقرها التشريعات الجنائية الوطنية التي تطبق مبدأ لا جريمة إلا بنص تطبيقا صارما، وفقا لما قررته المادة 6/ب من نظام محكمة نورنمبورغ لعام 1946.

وفي مجال تجريم الاعتداء على البيئة أثناء النزاعات المسلحة، فإنه على الرغم من أن الاتفاقيات الإنسانية لم تتضمن صراحة النص على تجريم هذا الفعل، إلا أن وجود نصوص دولية صريحة تحمي البيئة أثناء النزاعات المسلحة، خاصة المادتين 35/3و55من البرتوكول، يدل على نية المشرع الإنساني حماية البيئة المحيطة بالعمليات العدائية من الأضرار الجسيمة التي تلحقها، وتجريم أي فعل يترتب عليه إلحاق أذى خطير بها.

الفرع الثاني: ارتكاب عمل مخالف لقواعد القانون الدولي

يتمثل الشرط الثاني من شروط انعقاد المسؤولية القانونية عن الأضرار البيئية في وقوع انتهاك يمثل إخلال بالتزام دولي ثابت في حقه سواء كان مصدر هذا الالتزام قاعدة اتفاقية أو عرفية أو مبدأ من مبادئ القانون الدولي الإنساني(8)، ومنها قاعدة حماية البيئة، كالتدمير الشامل للأعيان المدنية أو إحراق الغطاء النباتي لمساحات شاسعة من الغابات هو الذي يشكل العنصر الموضوعي للفعل غير المشروع دوليا.

ويبدو أن المشرع الإنساني في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949والبرتوكولات لعام 1977، قد استخدم مصطلح الانتهاك للدلالة على الأفعال التي يرتكبها أطراف النزاع على نحو غير مطابق لما تتطلبه قواعد القانون الدولي الإنساني والتي ترتب مسؤوليتها القانونية، وهو المصطلح الذي استخدمه النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية في المادة 36/2، في حين أن اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907، قد استخدمت مصطلح الإخلال.

ويلاحظ أن وقوع انتهاك لقواعد حماية البيئة، باعتباره العنصر الموضوعي للفعل غير المشروع دوليا، لا يقتصر على الدول أطراف النزاع وحدها باعتبارها مسؤولة عن أفعال قواتها المسلحة، وإنما تقوم المنظمات المنشقة في النزاعات المسلحة الداخلية وحركات التحرير الوطنية أيضا بانتهاك هذه القواعد، مع ملاحظة أن البرتوكول الثاني لعام 1977الخاص بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، لم يتضمن قواعد تحمي البيئة خلال هذا النوع من النزعات المسلحة، على غرار المواد 35/3و55من البرتوكول الأول لعام 1977، مما يعني أن الاعتداء على البيئة من قبل أطراف النزاع المسلح الداخلي أمر مباح وغير مجرم، وهو من المآخذ التي تسجل على البرتوكول الثاني، وكان الأجدر به أن يتضمن نصا مماثلا للمواد 35/3و55من البرتوكول الأول، التي تفرض صراحة حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة الدولية، حتى لا تبقى مسألة حماية البيئة خلال الحروب الأهلية موضوع اجتهاد(9).

الفرع الثالث: حدوث ضرر جسيم للبيئة

   تنشأ المسؤولية الجنائيةفي مواجهة الفرد الطبيعي عندما يقوم هذا الأخير بارتكاب أفعال جسيمة وفقا للقانون الدولي ولاسيما القواعد المنصوصعليها في القانون الدولي الإنساني والتي تدخل في قائمة الانتهاكات الجسيمة التي تلحق أضرارا بالغةبالقيم الإنسانية، وإنقواعد القانون الدولي الإنساني أتت في مضامينها العديد من الأفعال التي توصف بالجرائم الدولية وذلك حسب نوع الجريمة المرتكبة وهذا ما سنتطرق إليه فيما يلي:

1- ارتباط المسؤولية الجنائية بالانتهاكات الجسيمة

لا يكفي لانعقاد المسؤولية القانونية في نطاق القانون الدولي الإنساني انتهاك أطراف النزاع المسلح قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، وإنما لابد من حدوث ضرر جسيم للبيئة لانعقاد مسؤولية هؤلاء الأطراف القانونية، ويقصد بالضرر هنا المساس بحق أو بمصلحة مشروعة لأحد أشخاص القانون الدولي العام، ويشترط في هذا الضرر أن يكون فعليا بمعنى أن يكون هناك إخلال حقيقي بحقوق الدولة التي تشكو من هذا الضرر(10).

    ويشترط في الضرر أن يكون نتيجة مباشرة للفعل أو الامتناع عن الفعل الذي يشكل إخلالا بالتزام دولي ويستوي في الضرر أن يكون ماديا أو معنويا، بهذا لكي تسأل الدولة عن اعتدائها على البيئة أثناء النزاعات المسلحة يجب أن يكون هناك ضرر واقع فعليا أو ماديا وجسيم(11).

ويلاحظ أن المادة 3من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907والمادة 91من البرتوكول الأول لعام 1977، لم تشيرا صراحة إلى ضرورة حدوث أضرار نتيجة انتهاك أطراف النزاع لقواعد القانون الدولي الإنساني لانعقاد المسؤولية القانونية، فقد أكتفت هذه المواد بتقرير مسؤولية أطراف النزاع المدنية والجنائية عند انتهاك أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني، غير أن نصوص الاتفاقية الإنسانية التي تحمي البيئة بصورة مباشرة أثناء النزاعات المسلحة وهي المادتان 35/3و55من البرتوكول الأول، قد أشارتا إلى الأضرار البيئية كشرط لانعقاد المسؤولية القانونية، وعليه يمكن أن نستخلص من هذه النصوص معالم المسؤولية القانونية الناجمة عن انتهاك قواعد حماية البيئة على النحو التالي :

-لا تنعقد مسؤولية أطراف النزاع بمجرد انتهاك قواعد حماية البيئة، بل لابد من حدوث أضرار بيئية.

- لا يكفي أي ضرر بيئي ناجم عن انتهاك قواعد حماية البيئة لانعقاد المسؤولية القانونية، بل لابد من توافر مواصفات خاصة بهذا الضرر البيئي، وهي:

§   أن يكون ضررا بيئيا بالغا، كالضرر الذي يسبب مشاكل صحية للسكان المدنيين.

§  أن يكون ضررا بيئيا واسع الانتشار يمتد إلى عدة كيلومترات على الأقل.

§  أن يكون ضررا بيئيا طويل الأمد يمتد لعدة شهور أو لعدّة فصول في السنة.

  وعليه، متى توفرت هذه المعايير الثلاثة ثبت الضرر وترتب عنه إلزامية جبره، ومن ثم فإن استخدام أي وسيلة أو أسلوب حربي يلحق أضرارا واسعة الانتشار وطويلة الأمد بالبيئة يعد استخداما محظورا، ويرتب المسؤولية القانونية سواء تم هذا الاستخدام بقصد أو بدون قصد، ما دام بالإمكان توقع هذه النتيجة التي لحقت بالبيئة.

2-غموض معيار الضرر الجسيم للبيئة

   أثارت التعابير التي اعتمدتها النصوص السابقة حول الضرر الذي يصيب البيئة الطبيعيةتساؤلات خلال مراحل المفاوضات التي أدت إلى اعتماد البروتوكول الأول لعام 1977واتفاقيات إنمؤد لعام 1976، وقد اعتمدت بشأنها تفسيرات عديدة، وتثير هاتان المعاهدتان بعض الأسئلة الحساسةبالنسبة للتفسير خاصة أنهما تقدّمان معنى مختلفا لبعض المصطلحات التي ترد في كل منهما، وكذافالمعنى الذي يقصد في المادة الأولى من اتفاقية 0976من عبارة واسعة الانتشار وطويلة الأمدلا تتطابق مع المعنى الذي يقصد من هذه المصطلحات في البروتوكول الأول(12).

   إضافة إلى أن المعاهدتين الدوليتين السالف ذكرهما تحضران نوعين مختلفين من العدوانعلى البيئة، لكنهما تعطيان معنى مختلفا لبعض المصطلحات كون عبارة "بالغة وواسعة الانتشاروطويلة الأمد" لا يتطابق مع المعنى المقصود في نص الاتفاقيتين(13).

     غير أن هذه المعايير والتفسيرات_ معيار اتساع الانتشار_ تعرضت إلى انتقادات شديدة على أساس أنها تضعف الحماية المقررة للبيئة، أثناء استخدام القوة المسلحة في إطار النزاع المسلح أو لمجرد محاولة المساس المتعمد بالبيئة لأعراض عسكرية أو عدائية، بالإضافة إلى أنها تتسمبتعقيدات كثيرة(14).

   وبانعقاد المؤتمر الدبلوماسي 1974-1977، فإن فريق العمل قد اقترح مصطلح توازن -النظام الإيكولوجي، ولكن هذا المعيار استبعد نظرًا لأنه واسع جدًا، وتم استبداله بمعيار البالغ واسعالانتشار وطويل الأمد.

   وأثيرت مناقشات طويلة خلال الأعمال التحضيرية للبروتوكول الأول لعام 1977فيما يخص العناصر الثلاثة للصيغة التي تبنتّها المادتان 35و 55من حيث ظرف المدة أو مساحة المنطقةالتي تعرضت للأضرار، وخطورة الضرر اللاحق بالبيئة، فبعض الممثلين قد اقترح أنه لكي يؤخذ بمعيارالضرر بعين الاعتبار، فيجب أن تدوم هذه الأضرار عدة سنوات )عشرون أو ثلاثون سنة علىالأقل(، والبعض الآخر رأى أن تدمير مساحات أثناء الحرب العالمية الأولى في فرنسا يخرج عن مجالتطبيق هذا الحظر(15)، وفي مجال آخر نجد أن بعض الوفود اقترحت أن المدة يمكن أن تصل إلى عشرسنوات أو أكثر.

    والوارد في نصوص اتفاقيات دولية أخرى فإن هذا الفهم للمعايير الواردة بنص المادة الأولىمن الاتفاقية هو الذي ساد أيضا بالنسبة لنص المادة 35فقرة 3والمادة 55من البروتوكول الأول لعام1977(16).

   زيادة على هذا، فإن المعيار الوارد في البروتوكول الأول لعام 1977أوسع بكثير من اتفاقية 1976، لأن الأعمال التحضيرية أخضعت هذا المعيار إلى الأضرار بصحة أو بقاء السكان، وأنهاتدوم لأكثر من عشر سنوات، وتجدر الإشارة كذلك أن جانبا من الفقه يرى بأن هذه المعايير مقيدةجدًا.

    فمفهوم الضرر الجسيم بعناصره الثلاثة هو الذي يصبح المعيار الذي يعتمد عليه لتطبيققواعد الحرب، هذا من جهة أولى، أما من جهة ثانية فإن ظرف المدة والخطورة والانتشار يجب توفرهاكلها ليترتب تطبيق أحكام البروتوكول الأول لعام 1977.

   أما الصيغة المستعملة في اتفاقية 1976فإنه يكفي توفر أحد الشروط لتطبيق هذهالقواعد، وبالتالي هذا يسمح لا محالة باستبعاد أضرار جسيمة قد تلحق بالبيئة دون أن يسأـل مرتكبها، أو ترتيب مسؤولية دولية عن هذه الأفعال التي لحقت بالبيئة(17).

    وهذا يؤدي إلى نتيجة حتمية وهي صعوبة إثبات وتطبيق المسؤولية الدولية على مرتكبي هذهالانتهاكات الجسيمة التي قد تمس بالبيئة، وهكذا يظهر جليا بأن التفسير الدقيق لمعيار الضرر الجسيمالذي يصيب البيئة بعناصره الثلاثة هو معيار مقيد جدا وشديد، وأضحى من الضروري إضافة معيارآخر أكثر مرونة(18).

3- الحاجة إلى معيار أكثر دقة لتحديد طبيعة الضرر البيئية الذي تقوم بموجبه المسؤولية الجنائية

    إن التفسير الضيق لقواعد الاتفاقيتين فيما يتعلق بمعيار الضرر البالغ، الواسع الانتشار،وطويل الأمد، من الممكن اعتباره الآن أنه متجاوز نظرا لأنه غير محدد بصفة دقيقة، مما يعطيه طابعامتغيرا نسبيا، ومتطورا ويكون تقديره لكل هيئة مختصة(19).

    ومما يسترعي الانتباه في هذا الصدد أنه بعد الأضرار التي لحقت بالبيئة الطبيعية بعد حربالخليج، قام الجدل بخصوص اتفاقية تغيير البيئة لعام 1976، فبعض المختصين انتقد هذه الاتفاقيةلأنها لا تنظم سوى استخدام التقنيات المستقبلية وتبعد عن مجال تطبيقها الأضرار اللاحقة بالبيئةبسبب وسائل الحرب التقليدية، ولهذا الغرض ولتعديل نص الاتفاقية في ضوء ما استجد من أحداثطالبت بعض الدول الدعوة لعقد مؤتمر بشأن المراجعة.

   ويمكن القول أن المعيار الذي يعد فيه الضرر البيئي محظورا طبقا لأحكام القانون الدوليالإنساني يجب تحديده في ضوء اعتبارات بحماية البيئة وحاجتها المتغيرة، مع الأخذ بعين الاعتبار تقدمالدراسات العلمية، ومن المأمول أن تدفع هذه الكوارث التي حلت بالبيئة مؤخرا اعتماد بروتوكولجديد يأخذ بعين الاعتبار هذه المستجدات، وهذا ما يسهل عملية تحديد وإثبات المتسبب فيالأضرار البيئية الناجمة عن انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني في مجال حماية البيئة(20).

الفرع الرابع: توفر القصد الجنائي لقيام المسؤولية

يعد هذا الشرط خاصا بانعقاد المسؤولية الجنائية فقط، فالمسؤولية المدنية تنعقد في نطاقالقانون الدولي الإنساني وغيرها من التشريعات الجنائية الدولية والداخلية، بمجرد انتهاك أطراف النزاع لقواعد حماية البيئة وحدوث أضرار بيئية جسيمة على النحو السابق بغض النظر عن توفر أو عدم توفر القصد الجنائي، بمعنى أن أطراف النزاع المسلح تسأل مدنيا عن الأضرار البيئية الجسيمة الناجمة عن انتهاكها لقواعد القانون الدولي الإنساني، حتى ولو لم يتوافر لديها القصد الجنائي باستخدام وسائل وأساليب قتالية تلحق بالبيئة تلك الأضرار، بل يكفي أن يتوقع طرف النزاع أو كان بمقدوره أن يتوقع بأن استخدام تلك الوسائل والأساليب القتالية سوف ينجم عنها أضرار بيئية جسيمة.

أما مسؤولية أطراف النزاع الجنائية، فإنها لا تنعقد ولا يعد طرف النزاع مرتكبا لانتهاك جسيم ضد البيئة وغيرها من الفئات المحمية، إلا إذا كان قد تعمد حصول تلك الأضرار (المادة 11/4و85من البرتوكول الأول) بمعنى أن طرف النزاع كان يقصد باستخدامه الوسائل والأساليب إلحاق أضرار بيئية بالغة وواسعة الانتشار وطويلة الأمد ( المادة 35/3و55من البرتوكول الأول).

   وإذا علمنا أن القصد الجنائي لا يقوم إلا بعلم الجاني بمكونات الجريمة التي حددها القانون،فإذا انتفى هذا العلم وهو ما يطلق عليه الجهل أو الغلط في الوقائع والقانون، انتفى بذلك القصدالجنائي.

    بينما يساءل المرؤوسون دائما في حالة انتهاكهم لقواعد حماية البيئة، فيجب توافر عنصر العلم لكي يساءل مرتكب عن الانتهاكات، غير أن الانتهاكاتالخطيرة لقواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يفترض فيه العلم، فالتنصل والتذرع بحجة عدمالعلم في حالة المساءلة الجنائية على الجرائم التي ترتكب ضد البيئة أثناء سير العمليات القتالية، لايعفي الجناة من المسؤولية الجنائية، وهذا ما أقرته المادة 83من البروتوكول الملحق باتفاقيات جنيفوالتي ألزمت الأطراف السامية المتعاقدة في الفقرة الأولى بنشر نصوص الاتفاقيات الإنسانية حتىتصبح معروفة لأفراد القوات المسلحة، وفرضت في الفقرة الثانية على أية سلطة عسكرية أو مدنيةتضطلع أثناء النزاع المسلح بمسؤوليات تتعلق بتطبيق الاتفاقيات الإنسانية أن تكون على إلمام تامبنصوص هذه المواثيق(21).

المبحث الثاني:قمع المحكمة الجنائية الدولية الانتهاكات الجسيمة ضد البيئة الطبيعية

نظرا لتزايد حجم الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وحاجة المجتمع الدولي إلى آليات أكثر فاعلية للسيطرة على الوضع والتخفيف من حجم هذه الانتهاكات التي باتت تهدد حياة الأشخاص والمجتمعات نظرا لتعسف الدول والأشخاص في عدم التقيد بنصوص الاتفاقيات والقوانين التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وحرياتهم مما يضمن لهم استمرارية الحياة ودوامها، وعلى هذا الأساس انصرف رأي المجتمع الدولي إلى ضرورة إنشاء محكمة جنائية دولية يكون لها صلاحية النظر في مختلف الانتهاكات التي تطال القانون الدولي الإنساني، وهو ما تجسد في المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما سنبرزه تفصيلا فيما يلي:

المطلب الأول:تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية في حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة

إن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة يترتب عنها قيام مسؤولية دولية لكل من قام بهذا الفعل غير المشروع سواء كانت مسؤولية مدنية اتجاه الدولة أو مسؤولية جنائية اتجاه الأفراد القائمين بهذه الأعمال. فقد نصت المادة 3من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907والمادة 91من البرتوكول الأول لعام 1977، على مسؤولية الدول مدنيا وجنائيا عن الأعمال التي تشكل مخالفات أو جرائم حرب والتي يقترفها أفراد القوات المسلحة التابعة لها، وعلى هذا الأساس سنتعرض للمسؤولية المدنية وللمسؤولية الجنائية كصورتين من صور المسؤولية الدولية الناجمة عنانتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة.

الفرع الأول: مساهمة المحكمة الجنائية الدولية في حماية البيئة الطبيعية

اعتبرت المحكمة الجنائية الدوليةحسب المادة 08الفقرة 2(ب) أن أي عمل من شأنه أن يسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو إصابات بين المدنيين أو إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية بما فيها المياه ويكون إفراطه واضحا بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية(22).

وعليه، فإن الاتفاقيات المتعلقة بحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة تبقى مجرد حبر على الورق سواء المتعلقة باتفاقيات جنيف الأربعة أو البروتوكولين الملحقين بها لعام 1977، ما لم تكن مدعمة بآلية ردعية وهي المحكمة الجنائية الدولية بالإضافة إلى الآليات الأخرى، وهذا هو الباب الذي اتخذه نفاذ القانون الدولي بصفة عامة والقانون الدولي الإنساني بصفة خاصة للتشكيك في وجود كون هذا القانون، وما يبقى على المحكمة الجنائية الدولية إلا تفعيل دورها واجتياز كل المعوقات لإنقاذ القانون الدولي الإنساني بصفة عامة، والقواعد التي تحمي المياه والموارد المائية بصفة خاصة(23).

وعليه، فإن نظام العقوبات الوارد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يحمل في طياته العديد من الأمور الإيجابية التي تساهم في إثراء القانون الدولي الإنساني بصفة عامة والمياه والموارد المائية بصفة خاصة، وذلك من خلال تنوع العقوبات بين العقوبات السالبة للحرية، والعقوبات المالية، بالرغم من معارضة البعض لعقوبة الإعدام خاصة من الدول الأوربية لتمسكها بعدم شرعية هذه العقوبة، كما تشكل العقوبات المالية إنصافا للضحايا من جهة ويضع حد استفادة الجناة من عائداتهم نتيجة الجرائم المرتكبة من طرفهم، مع إقراره بنظام ومبدأ جبر الضرر بالنسبة للجرائم الشديدة الخطورة الصادرة عن الأشخاص بصفتهم الفردية، ووضع مبادئ توجيهية بشأن تفعيل التعويض عن الجرائم الفردية والجماعية(24).

الفرع الثاني: نتائج أعمال المحكمة الجنائية الدولية الدائمة في مجال حماية البيئة الطبيعية

دخل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 1جويلية2002، وبدأت المحكمة في مباشرة عملها والنظر في مختلف القضايا، وعليه سنتطرق إلى أهم القضايا المعالجة والتي لها علاقة بانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني بصفة عامة والمياه والموارد المائية بصفة خاصة.

1-القضيةالمحالة من طرف جمهورية الكونغو الديمقراطية (الزائير سابقا) 2004

تلقى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية رسالة من رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية في مارس 2004، يدعو بموجبها إلى تدخل المحكمة الجنائية لغرض محاكمة مرتكبي الجرائم بالمنطقة، وعليه قامت التحقيقات بأمر من المدعي العام بالمحكمة "لويس مورنيو أوكامبو".

ومن بين الأحكام التي أصدرتها المحكمة ما تعلق بإصدار مذكرة اتهام بحق "لوبانغا"، وأجلت محاكمته على أساس أنه زعيم الحزب الكونغولي ومن حقه الحصول على محاكمة نزيهة وهو المتهم بارتكاب عدة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة بما يتعلق بالانتهاكات التي مست المدنيين وأعيانهم المدنية كموارد المياه وكذا تجويع السكان وحرمانهم من أدنى ظروف العيش كالغذاء، ولم يتم محاكمته نهائيا بعد وذلك للاستئناف في القضية انتظارا لظهور أدلة جديدة، ونفس الحال بالنسبة ل "جيرمان كاتانغا" و"تغو دجولوماثيو" المتهمين بنفس الجرائم.

2-القضية المحالة من طرف جمهورية إفريقيا الوسطى 2005

تعتبر جمهورية إفريقيا الوسطى من الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد توقيعها على هذا النظام في 30نوفمبر من عام 1998، وصادقت عليه في 14أكتوبر 2001، وبناءا على ذلك أحالت جمهورية إفريقيا الوسطى الأوضاع التي آلت إليها بموجب رسالة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وذلك للنظر في الجرائم التي ارتكبت فوق هذا الإقليم من الدولة.

و من أبرز الاتهامات التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية هي مذكرة اتهام بحق "جان بيير بيمباقومبر" المرشح الذي خسر الانتخابات الرئاسية، وتم إلقاء القبض عليه في دولة بلجيكا، على أساس مذكرة توقيف تحت ختم أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في اتصال مع لجنة التحقيق في حالة دولة إفريقيا الوسطى وهو متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية كالقتل والتعذيب عن طريق تجويع السكان وحرمانهم من المياه، وجرائم الحرب كالقتل وتدمير ممتلكات المدنيين بما في ذلك موارد المياه والمنشآت المائية، والتي وقعت ما بين أكتوبر 2002ومارس 2003في إقليم جمهورية إفريقيا الوسطى(25).

3-قضية إحالة مجلس الأمن الأوضاع في إقليم دارفور (السودان) إلى المحكمة الجنائية الدولية

أصدر مجلس الأمن قرارا يحمل الرقم 1593، القاضي بإحالة الوضع في "دارفور" إلى المحكمة الجنائية الدولية وذلك طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة 13من النظام الأساسي للمحكمة.

ونظرا لنشوب عدة نزاعات في هذا الإقليم والذي خلف عدة قتلى ومشردين اضطر مجلس الأمن إلى التدخل وأصدر القرار 1564الصادر بتاريخ 18سبتمبر 2004، القاضي بإنشاء لجنة تحقيق للتأكد من الجرائم الواقعة وهوية مرتكبها وقد وافقت السودان على هذه اللجنة وباشرت عملها في 25أكتوبر 2004، وأحالت تقريرها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي تضمن مجموعة من الجرائم التي ارتكبها أشخاص من الحكومة السودانية، وأحال الأمين العام بدوره التقرير النهائي للجنة التحقيق إلى مجلس الأمن في 31جانفي2005(26).

وبعد هذا التقرير النهائي الذي قدمته لجنة التحقيق، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1593القاضي بإحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومن أبرز الاتهامات الموجهة من طرف هذه الأخيرة ما وجه إلى الرئيس الحالي لدولة السودان "عمر حسن البشير" لارتكابه عدة جرائم كجرائم الحرب بهجومه على السكان المدنيين وأعيانهم المدنية كموارد المياه والمنشآت المائية والجرائم ضد الإنسانية وذلك بالقتل والتعذيب عن طريق تجويع السكان وحرمانهم من المياه والغذاء بالإضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية والتي لم تجد دليلا كافيا يؤكدها.

وعليه، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمر اعتقال بحق الرئيس السوداني "عمر حسن البشير" بهذه التهم الموجهة له، واستئنافه للقضية، وإعادة صدور قرار توقيف ثان في مارس 2010.

ويعتبر "عمر حسن البشير" أول رئيس دولة لا يزال في السلطة بعد صدور مذكرة في حقه من طرف المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لكون هذه الأخيرة لا تملك قوة شرعية وإنما تعتمد بالأساس على السلطات المحلية للدول المصادقة على معاهدات إنشاء المحكمة في تنفيذ أوامر الاعتقال، وهذا ما يفسر زيارة الرئيس عمر البشير لعدة دول ليست طرفا في المعاهدة(27).

المطلب الثاني: آثار المسؤولية الجنائية عن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناءالنزاعات المسلحة

   إن أطراف النزاع تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي تصيب البيئة أثناء سير العمليات العدائية،خاصة إذا كانت تلك الأضرار قد حدثت نتيجة الانتهاك الفاضح لقواعد الحماية المقررة في القانونالدولي الإنساني للبيئة، أو غيرها من الفئات المحمية الأخرى، فتلك الأفعال تؤدي إلى ترتيب نوعيمن الآثار في العقبات القانونية:

1-عقبة قانونية بين الدولة المنتهكة لتلك القواعد والدولة المتضررة، تلتزم بمقتضاها الأولىبإزالة الضرر الناجم عن هذا الانتهاك أو التعويض عنه وهو ما يسمى بالمسؤولية المدنية.

2-عقبة قانونية بين الدولة المنتهكة المرتكبة لجريمة الحرب أو الانتهاك الجسيم لقواعد القانونالدولي الإنساني، والجماعة الدولية بأكملها، والتي تتطلب معاقبة المنتهك لقواعد القانونالدولي الإنساني، ولا سيما المنتهك لقواعد حماية البيئة وذلك لأن البيئة تعتبر من القيم التيتهم الجماعة الدولية بأسرها، مما يترتب عنها المساءلة الجنائية.

   لكن المسؤولية أثناء النزاعات المسلحة لا تقتصر على الآثار القانونية فقط فقد تقو الدولةالمتضررة بالانتقام لنفسها من الدولة التي انتهكت قواعد القانون الدولي الإنساني أثناء شن العمليةالحربية، ولا سيما قواعد حماية البيئة، فتقوم باتخاذ إجراءات معاكسة أو تدابير انتقامية ضدها، أو تقوم دولة أخرى غير طرف في النزاع المسلح عن طريق مجلس الأمن أو هيئات إقليمية أخرى بالتدخلالعسكري لوقف الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الإنساني(28).

   وهذا ما يقودنا لبحث الآثار القانونية للمسؤولية عن انتهاك قواعد حماية البيئة أثناءالنزاعات المسلحةلاعتبار جرائم البيئة أثناء النزاعات المسلحة هي جرائم حرب تترتب عنها المسؤولية الجنائية وهي في مواجهة الدول والأفراد وهم القادة العسكريون والمرؤوسون.

الفرع الأول: آثار مسؤولية الدول

   المسؤولية عن الأضرار البيئية تعتمد على طريقتين الطريقة الأولى ذات طابع وقائي الهدف منها منع وقوع الضرر أما الطريقة الأخرى فتهدف إلى إصلاح الضرر(29).

  فمسؤولية الدولة هي عبارة عن مسؤولية مدنية تلتزم بموجبها الدولة بأداء تعويض مادي أو معنوي نتيجة ارتكابها بصفتها أو بارتكاب أحد أشخاصها باسمها عمل غير مشروع في القانونالدولي ترتب عليه ضرر مادي أو معنوي لدولة أخري أو لرعاياها فقوام هذه المسؤولية التعويضوإصلاح الضرر(30).

   فالنتيجة الأساسية للمسؤولية الدولية هي إلزام الدولة المسؤولة بدفع التعويض، وقد أيدالاجتهاد الدولي هذا المبدأ الأساسي في العديد من المرات،فمن المبادئ الثابتة في القانون الدولي أن أطراف أي التزام دولي يستوجب التعويض المناسبلإخفاق الدولة في تنفيذ التزاماتها الدولية ولذلك يعتبر التعويض الفعلي والإيجابي لإصلاح الضررالحاصل، خاصة إذا ثبت إهمالها وعدم مبالاتها فهي ملزمة بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل القيام بانتهاك القواعد القانونية(31).

تترتب المسؤولية المدنية أثناء النزاعات المسلحة اتجاه الدولة الطرف في النزاع والتي تسببت في إحداث أضرار بيئية، فمن المبادئ الثابتة في القانون الدولي أن أطراف أي التزام دولي يستوجب التعويض المناسب، ولذلك يعتبر التعويض الفعلي والإيجابي لإصلاح الضرر الحاصل، خاصة إذا ثبت إهمال الدولة وعدم مبالاتها فهي ملزمة بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل القيام بانتهاك القواعد القانونية(32).

1. الالتزام بجبر الضررهو إيقاف السلوك غير المشروع الذي تسبب بالضرر والعودة إلى الوضع الطبيعي وفي هذه الحالة ينبغي على الدولة التي قامت بانتهاك البيئة وأحدثت ضررًا أن تبادر على الفور بإزالة هذه الأضرار وعدم الاستمرار في هذه الأعمال الحربية التي تسببت بهذا الضرر، وكذا اتخاذ جميع الضمانات التي تمنع تسرب المواد الخطيرة التي من شأنها إحداث آلام إضافية في حق البيئة، كما تضمنت جميع المشروعات تأكيد ضرورة التزام الدولة بإصلاح الضرر نتيجة إخلالها بالتزاماتها الدولية فقد نصت المادة الثالثة من مشروع المسؤولية الدولية الذي قدمته لجنة القانون الدولي إلى مؤتمر لاهاي للتقنين سنة 1930على أن "المسؤولية الدولية لدولة ما تفرض عليها التزامات بإصلاح الضرر الناتج عن عدم وفائها بالتزامات دولية"(33).

2. الرد العيني أو إعادة الحال إلى ما كان عليهيقصد بالرد العيني كأحد الصور المثلى للتعويض أي إعادة الأمور إلى طبيعتها الأولى قبل حدوث السلوك الضار وكأن شيئا لم يقع وبالتالي هو إعادة الحال إلى ما كان عليه، وبشكل عام يجدر الملاحظة أن الحكم يوقف مصدر الضرر ويكون مصحوبا في أغلب الأحيان بإعادة الحال إلى ما كان عليه بالنسبة لما وقع من أضرار وتأكيدا لهذا فإن الكتاب الأخضر الخاص بالتوجيهات الأوروبية في مجال الأنشطة البيئية قد أوصى بأن "إعادة الحال إلى ما كان عليه كتعويض عيني يمثل العلاج البيئي الوحيد الأكثر ملائمة"(34)، فالرد العيني هو أفضل صور التعويض قبولا للدول طالما كان ممكنا، حيث أنه يزيل كل أثر للسلوك الضار وخاصة في مجال الأضرار التي تصيب البيئة بصورة غير مشروعة، غير أنه في بعض الأحيان يستحيل الرد العيني نتيجة الأضرار التي لحقت بالبيئة كإتلاف الغابات والحرائق الكلية والتدمير الكلي للبيئة الصناعية، ففي هذه الحالة يلتجأ الطرف المتضرر إلى المطالبة بالتعويض المالي الذي يعادل قيمة إصلاح الضرر وفي ذلك ترى محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية مصنع شورزو: "أنه من مبادئ القانون الدولي إصلاح الضرر، حيث يتم بتعويض عادل للضرر الذي عانى منه مواطني الدول المتضررة نتيجة العمل المخالف للقانون الدولي..."(35).

3. التعويض المالي:يقصد بالتعويض المالي هو أن تقضي المحكمة بإلزام الدولة المرتكبة للسلوك غير المشروع بدفع مبالغ مالية تساعدها على إصلاح الأضرار التي أصابتها من تلك الأفعال غير المشروعة ولاسيما الأضرار التي تصيب البيئة وذلك في حالة استحالة الرد العيني أو عندما لا يكون كافيا(36).

والتعويض النقدي يجب أن يكون كاملا بمعنى يعبر عما لحق الدولة من أضرار مباشرة وما فاتها من كسب، لأنه ينبغي إزالة كافة آثار السلوك الضار أو غير المشروع وكأنه لم يحدث شيء، فهو يحاول أن يضاهي الرد العيني ولكن في صورة نقدية(37).

والسابقة الوحيدة التي تم فيها إلزام أحد أطراف النزاع المسلح بالتعويض عن الأضرار البيئة، هي سابقة إلزام العراق كطرف في حرب الخليج الثانية عام 1991، بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالكويت، وإن هذا القرار نجده قد خالف القواعد التي أقرتها قواعد المسؤولية الدولية التقليدية لتحميل العراق مسؤولية التعويض عن كافة الأضرار التي لحقت بالكويت، حتى تلك الأضرار التي نجمت عن الحلفاء أنفسهم، مما يجافي قواعد المساواة في المعاملة الثابتة في القانون الدولي الإنساني وغيره من القوانين(38).

الفرع الثاني: آثار المسؤولية في مواجهة القادة والرؤساء

    إن المسؤولية الجنائية للقادة العسكريين عن أفعال المرؤوسين تؤسس على إخفاق هؤلاء القادةفي إبراز الإجراءات الضرورية والمعقولة لمنع وقمع ارتكاب المخالفات، وهو ما استقر عليه في الوثائق وأحكامالقضاء الوطني والدوليفمسؤولية القادة والرؤساء تبدأ عن تلك الأعمال المخالفة لقوانين الحرب بصفة عامةواتفاقيات جنيف الإنسانية بصفة خاصة، ذلك أن الأوامر العسكرية التي تصدر عن القادةالعسكريين والرؤساء إلى المرؤوسين يتم تنفيذها من قبل الرتب الدنيا قدتكون مخالفة للقواعد الدولية ومن ثم عندما تضع الحرب أوزارها وتبدأ المساءلة القانونية عن تلك الأعمال سواء من قبل المجتمع الدولي أو الدولة المنتصرة أو الدولة التابع لها العسكري(39).

   ونلاحظ وجود نصوص اتفاقيات كثيرة في القانون الدولي الإنساني تقرر المسؤولية الجنائية عنانتهاكقواعد هذا القانون، فبالإضافة إلى المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907والمادة 90من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، اللتين أشارتا إلى أن الطرف المتحارب يكونمسؤولا أيضاعن جميع الأعمال التي يرتكبها أشخاص ينتمون إلى قواته المسلحة، يمكن الوقوف على نصوص اتفاقية أخرى كالمواد 49، 50، 129، 146من اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949التي تنص على أن تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف إحدى المخالفات الجسيمة لهذهالاتفاقية(40) .

1. مسؤولية القادة العسكريين

يكون الرئيس مسؤولا عن انتهاك قواته لقواعد القانون الدولي الإنساني، وهي مسؤولية مباشرة لا يمكن التنصل منها تحت ظل أي ذريعة، لذا يجب على القائد اتخاذ كافة التدابير الضرورية لمنع كل الانتهاكات، وقد نصتالمــادة 28من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17يوليه 1998علىمسئولية القادة والرؤساء الآخرين، حيث جاء فيها أنه:"بالإضافة إلى ما هو منصوص عليه في هذا النظام الأساسي من أسباب أخرى للمسئولية الجنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة:

- 1يكون القائد العسكري أو الشخص القائم فعلاً بأعمال القائد العسكري مسئولاً مسئولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، أو تخضع لسلطته وسيطرته الفعليتين حسب الحالة، نتيجة لعدم ممارسة القائد العسكري أو الشخص سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة في الحالات التي يكون فيها القائد على علم أو معرفة أو كان باستطاعته العلم والمعرفة بجرائم مرؤوسيه ومع ذلك لم يقم باتخاذ التدابير اللازمة والمعقولة لمنع تلك الجرائم أو قمعها، ذلك أن مبدأ مسؤولية القادة والرؤساء عن جرائم مرؤوسيهم لا يقتصر فقط على تلك الجرائم التي يرتكبها المرؤوسون بناء على أوامر رؤسائهم (هذا هو التطبيق المباشر لمبدأ مسؤولية القادة والرؤساء عن جرائم مرؤوسيهم، وهو من الوضوح والسهولة بحيث لا يثير أي صعوبة في فهمه أو تصوره، بل يمتد ليشمل تلك الجرائم التي يرتكبها المرؤوسون بعلم الرئيس ولكن دون أن يقوم بما يلزم لمنع هذه الجرائم أو معاقبة مقترفيها (هذا هو التطبيق غير المباشر لمبدأ مسؤولية القادة والرؤساء).(41)

أ) إذا كان ذلك القائد العسكري أو الشخص قد علم أو يفترض أن يكون قد علم بقيام المرؤوس بارتكاب جرائم وانتهاكات لقواعد حماية البيئة بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين، بأن القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم، حتى ولو كان هؤلاء القادة والرؤساء لم يأمروا بارتكابها، بما أنهم كانوا على علم بها، ولم يقوموا بمنعها ومعاقبة مرتكبيها.

ب) إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

- 2فيما يتصل بعلاقة الرئيس والمرؤوس غير الوارد وصفها في الفقرة 1، يسأل الرئيس جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجة لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة.

أ ) إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أي معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم.

ب‌) إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسئولية والسيطرة الفعليتين للرئيس.

ج‌) إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة."

ويشترط في القائد العسكري لتحمل المسؤولية الجنائية أن يكون يعلم بأفعال مرؤوسيه ويتمتع بسلطة اتخاذ القرار ووجود نص قانوني إنساني(42).

أ / علم القائد العسكري بأفعال مرؤوسيه

حرص نظام روما الأساسي على ترسيخ هذه المسؤولية، حيث أشارات المادة 28/2إلى مسؤولية الرؤساء عن الأوامر التي يصدرونها لمرؤوسيهم وتؤدي إلى ارتكابهم جرائم دولية، وقد أشارت كذلك المادة 25/3/ب إلى تحمل الشخص المسؤولية كونه قد أمر أو أغرى بارتكاب أو حث على ارتكاب جريمة وقعت بالفعل أو شرع في ارتكابها.

 بالنظر إلى المادة 86فقرة 2والمادة 87فقرة 3من البروتوكول الأول لعام 1977أنه في حالة علم القائد العسكري بأن مرؤوسيه سيقومون بعمل يشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولم يقم بمنع ذلك أو امتناعه عن تنفيذ ذلك الالتزام أو إهماله بوقف ذلك العمل(43)، أي أن الجرائم التي ترتكب بالامتناع عن التدخل في أعمال المرؤوس جريمة لا تقل في خطورتها عن الجريمة ذاتها، ومرتكب هذه الجريمة أو هذا الامتناع يستأهل العقاب عليها، فعندما ترتكب أعمال القتل والاغتصاب وشتى أعمال الانتقام البشعة ولا تكون هناك محاولة جادة من القائد أو الرئيس لاكتشاف هذه الأعمال الإجرامية وقمعها(44)، فإن هذا القائد يصبح مسؤولًا كشريك أو فاعل أصلي عن ارتكاب جريمة حرب إذا توفر لديه عنصر العلم(45).

وتطبيقا لما سبق، فإن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية اتهم الرئيس البشير بارتكاب الجرائم الدولية في دارفور، واستطرد في شرح ذلك بأنه قد دبر ونفذ خطة لتدمير جزء كبير من مجموعات الغور والساليت والزغاوة لأسباب إثنية، وارتكب جرائم الاغتصاب، فالمدعى العام يشير إلى أن الرئيس السوداني لم يرتكب الأفعال المادية بشكل مباشر على النحو الذي تتطلبه المادة 25/3/أ، حيث قام بارتكاب تلك الجرائم عن طريق الآخرين (قوات الجنجويد)، ولم يستخدم السلطات المخولة له في منع ارتكاب الجرائم المنسوبة إليه على الرغم من توليه السلطة الفعلية والقانونية في البلاد.

ويفترض البعض أن هذه المسؤولية مسؤولية مادية تتوافر في حق الرئيس بمجرد ثبوت ارتكاب المرؤوسين لها؛ غير أن القواعد الجنائية تستلزم في أي جريمة على المستويين الوطني أو الدولي أن تقوم على الإسناد المعنوي، وبالتالي فإن فكرة المسؤولية المادية في محيط القانون الدولي ليس معترفا بها، والمجال الأنسب لإعمال هذه المسؤولية حينما يتخذ السلوك المادي للجريمة شكل الامتناع عن المسؤولية عن الأعمال التي يرتكبها المرؤوسون، ويتفق هذا الحكم مع ما تقرره المادة 7/3من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا سابقا والخاصة بمسؤولية الرؤساء أو القادة عن الأعمال التي يأتيها التابعون أو المرؤوسون(46).

ب/ سلطة القائد العسكري الفعلية على مرؤوسيه: إذا كان من الضروري أن يعلم القائد العسكري بأفعال مرؤوسيه، حتى يُسأل عن الانتهاكات التي يرتكبها أثناء سير العمليات العدائية، فلا بد أن تكون لهذا القائد العسكري سلطة فعلية تخول له منع حدوث تلك التجاوزات الخطيرة لقواعد الحماية المقررة في القانون الدولي الإنساني ومنها القواعد المقررة لحماية البيئة، وهذا ما تؤكده المادة 87الفقرة 1من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، أنه: « يتعين على الأطراف السامية المتعاقدة وعلى أطراف النزاع أن تكلف القادة العسكريين بمنع انتهاكات الاتفاقيات وهذا البروتوكول..."(47).

    ولا يشترط أن تكون هذه السلطة أو السيطرة التي يمتلكها الرئيس القائد تستند في وجودها إلى القانون، بل يكفي أن تكون موجودة في الواقع حتى دون أي سند من القانون، وجاء كلام محكمة يوغوسلافيا سابقا في الرد على أحد الدفوع الذي تقدم به المتهم الثاني ميوكك في حكم المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا الصادر في نوفمبر 1998من أنه لم يصدر أي قرار رسمي بتعيينه قائدا للسجن، لذلك فهو لا يتمتع بأي سلطة أو سيطرة على حراس السجن، لكن المحكمة رفضت هذا الدفاع، وقالت: إنه قد يحصل في بعض الأحيان أن ينهار النظام القانوني أو السياسي في دولة معينة –كما حصل في يوغوسلافيا- وهنا يجب النظر إلى السلطة الفعلية التي يتمتع بها المتهم والتي تتجلى في قدرته المادية في السيطرة على أفعال مرؤوسيه، وذلك دون النظر إلى وصفه الرسمي قائدا أو رئيسا، ومن الأدلة التي يمكن الركون إليها للقول بوجود هذه السلطة الفعلية شهادة الشهود بمن فيهم السجناء وحراس السجن في هذه القضية، الذين أفادوا بأن المتهم الثاني كان يعامل معاملة الرئيس، حيث كان الحراس يمتثلون لأوامره، كما يمكن النظر في سجلات السجن وملفاته لمعرفة إذا ما كان هذا الشخص يتمتع بأية سلطات تأديبية على مرؤوسيه وذلك تطبيقا لنص المادة 7/3من ميثاق المحكمة التي جاء فيها: "حقيقة كون الأفعال المجرمة طبقا لنظام هذه المحكمة قد تم ارتكابها بوساطة مرؤوس لن يعفي الرئيس من المسؤولية الجنائية إذ كان يعلم أو لديه من الأسباب ما يجعله يعلم أن مرؤوسه على وشك ارتكاب مثل هذا الفعل أو أنه ارتكب هذا الفعل بالفعل واخفق في اتخاذ الإجراءات اللازمة والمناسبة لمنع هذه الأفعال أو معاقبة مرتكبها بعد ذلك.

كذلك اعتبرت المحكمة أن الرئيس المدني قد يكون مسؤولا طبقا لمبدأ مسؤولية القادة والرؤساء عن جرائم مرؤوسيهم ما دام هذا الرئيس المدني يمارس نوعا من السلطة والسيطرة والتي عرّفتها المحكمة بأنها القدرة المادية على منع مرؤوسيه من ارتكاب الجرائم أو معاقبتهم بعد ذلك(48).

ج/ وجود نص قانوني إنساني: لا يعتبر الشخص فاعلا للجريمة إذا كان فعله ليس منصوصا عليه كجريمة في القانون الجنائي، وذلك قبل ارتكابه للفعل، وعليه لا يطبق عليه أي جزاء إذا لم يكن منصوص عليه في القانون الجنائي قبل ارتكاب الجريمة وتطبيقا لهذا المبدأ في القانون الدولي الإنساني فإننا نخلص أنه في حالة معاقبة الشخص الذي ارتكب الفعل يجب أن يكون القانون الدولي الإنساني يعاقب عليه(49)، ويعود تقنين هذه القاعدة إلى المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي الخاصة باحترام قوانين الحرب البرية لعام 1907التي جاء فيها أنه : " يكون المحارب الذي يخل بأحكام اللائحة المذكورة ملزما بالتعويض إذا دعت الحاجة، كما يكون مسؤولا عن جميع الأعمال التي يرتكبها أشخاص ينتمون إلى قواته المسلحة"(50).

   وقد حرص النظام الأساسي لمحكمة يوغوسلافيا السابقة على تأكيد هذه المسؤولية بموجب المادتين 6و7حيث أشارت هاتان المادتان إلى أن ارتكاب الجريمة بناء على الأوامر الصادرة من رئيس تجب طاعته لا يعد سندا للدفاع عنه(51)، وفي هذا الصدد قرر المدعى العام في قضية ميلوسوفيتش أنه وباعتباره يمثل السلطة العليا في الصرب وبصفته الفردية يعد مسؤولا عن الجرائم التي ارتكبها أو التي امتنع عنها وارتكبها المرؤوسون التابعون له وتطبيقا لأحكام المادة 7/3من النظام الأساسي لمحكمة يوغوسلافيا، فالرئيس الأعلى تطبيقا للمادة السابقة يسأل عن الجرائم التي يرتكبها المرؤوسون إذا كان يعلم أو بوسعه أن يعلم أن مرؤوسيه بصدد ارتكاب أعمال أو الامتناع عن القيام بأعمال يستلزم القانون إتيانها و تعد جرائم دولية ولم يقم هذا الرئيس باتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون ارتكاب تلك الجرائم(52).

      كذلك، قضت المــادة (28) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في 17يوليه 1998بمسئولية القادة والرؤساء الآخرين عن أعمال مرؤوسيهم الذين يخضعون لسلطتهم وسيطرتهم الفعليين التي تدخل في اختصاص المحكمة نتيجة عدم ممارستهم سيطرتهم على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة، حيث جاء فيها ما يلي: "بالإضافة إلى ما هو منصوص عليه في هذا النظام الأساسي من أسباب أخرى للمسئولية الجنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة:

- 1يكون القائد العسكري أو الشخص القائم فعلاً بأعمال القائد العسكري مسئولاً مسئولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، أو تخضع لسلطته وسيطرته الفعليتين، حسب الحالة، نتيجة لعدم ممارسة القائد العسكري أو الشخص سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة، وحددت هذه المادة شروط تطبيق مسؤولية الرؤساء وضرورة توافر ثلاثة شروط لثبوتها، وهي :(53)

أ ) إذا كان ذلك القائد العسكري أو الشخص قد علم،  أو يفترض أن يكون قد علم،  بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين، بأن القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم.

ب) إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

- 2فيما يتصل بعلاقة الرئيس والمرؤوس غير الوارد وصفها في الفقرة 1، يسأل الرئيس جنائياً عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب مرؤوسين يخضعون لسلطته وسيطرته الفعليتين نتيجة لعدم ممارسة سيطرته على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة.

أ ) إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أية معلومات تبين بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم.

ب‌) إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسئولية والسيطرة الفعليتين للرئيس.

ج‌) إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة"(54).        

وتجدر الإشارة، إلى أن القائد العسكري لا يكون مسؤولا جنائيا عن جرائم مرؤوسيه إلا إذا كان لديه العلم الحقيقي كأن يثبت بالأدلة أنه كان موجودا أثناء ارتكاب الجرائم أو يفترض علمه من خلال الظروف أن هنالك انتهاكات خطيرة من قبل المرؤوسين ويتحقق ذلك إذا كانت الجرائم ترتكب على نطاق واسع ومنظم(55).

2. مسؤولية المرؤوسين العسكريين

لمساءلة المرؤوسين العسكريين عن الأعمال التي يرتكبونها والتي تصنف ضمن الانتهاكات الخطيرة لقواعد القانون الدولي الإنساني المشمولة بالحماية لاسيما الانتهاكات الخطيرة ضد السلامة البيئية أثناء سير العمليات العدائية بين الأطراف المتحاربة، يجب أن تتوفر عدة شروط في الحقيقة هي الشروط العامة التي يجب أن تتوفر في القصد الجنائي بشكل عام، وهي:

- علم المرؤوس بما يرتكب من أفعال أثناء النزاع المسلح يشكل جريمة يعاقب عليها القانون الدولي الإنساني والمتمثل في عنصر العلم.

- وأن المرؤوس كانت تتوجه إرادته إلى القيام بذلك الانتهاك بمحض إرادته دون وجود أي عنصر خارج نطاق إرادته وهو العنصر الثاني المتمثل في الإرادة.

 وإذا توافر هذان العنصران في المرؤوس العسكري أثناء قيامه بجريمة ضد البيئة والتي تعتبر جريمة حرب يتعرض للمساءلة القانونية ويتعرض للعقوبات الجزائية، جزاءً لما ارتكبه من أفعال غير مشروعة أثناء سير العمليات الحربية.

الخاتمة

انطلاقا مما سبق التعرض له من خلال دراستنا، خلصنا إلى أنه إذا كان مرمى الجهود السابقة يأتي من منطلق التسليم بأن للإنسان حقا طبيعيا وقانونيا في بيئة سليمة ومتوازنة وصحية وتضمن بقاءه واستمراره في كل وقت وفي كل مكان وزمان بما ففي ذلك زمن النزاع المسلح، من هذا المنطلق كان يجب التصدي لممارسات الدول التي تنتهك أحكام حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة والتي أثبت واقع الحروب أنها كثيرا ما تصيب البيئة بأضرار جسيمة سواء عن عمد أو غير عمد، ولذلك حاولنا التعرض لأحكام الحماية الواجبة للبيئة أثناء النزاع المسلح والتأكيد على ما يجب اتخاذه من تدابير وقائية علاجية وردعية من قبل أطراف النزاع لحماية البيئة وعدم التعرض لها بالاعتداء أو استخدامها للعدوان وإلا تتعرض للمساءلة باعتبار تلك الأعمال جريمة حرب توجب مساءلة مرتكبيها مهما كانت صفتهم وقد جاء هذا التوجه في البداية بطريقة غير مباشرة، إلا أن واقع النزاعات المسلحة المعاصرة فرض الاهتمام بحماية البيئة بطريقة مباشرة بوضع قواعد تضمن حصانتها من الاعتداء.

لكن رغم أن قواعد القانون الدولي الإنساني قد وفرت حماية للبيئة بطريقة غير مباشرة ابتداءً من إعلان سان بطرسبرغ عام 1868إلى غاية اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1494، إضافة إلى الأعراف الدولية المتبعة في القتال والتي حمت البيئة بطريقة ضمنية، كما ساهمت المعاهدات والاتفاقيات الدولية في القانون الدولي العام في فرض حماية للبيئة في زمن النزاع المسلح إلى جانب تدخل المنظمات الدولية لفرض رقابتها في مثل هذه الفترة لضمان السير الحسن للعمليات العدائية وعدم إلحاق أضرار بالبيئة.

إضافة إلى ذلك يعتبر الهجوم على البيئة جريمة حرب طبقا لنظام روما الأساسي مما يعرض الطرف الذي قام بهذا الهجوم إلى المساءلة الدولية وتحمل أثار المسؤولية القانونية من خلال تحمل الدولة المسؤولية المدنية من أجل تعويض الطرف المتضرر وتحمل أفراد القوات المسلحة المسؤولية الجزائية لما ارتكبوه من جرائم في حق البيئة، كما تتعرض الدولة القائمة بالضرر لتحمل أثار المسؤولية غير القانونية كالتدخل العسكري من أجل وقف الفعل غير المشروع.

ولتقييم مدى فعالية قواعد المسؤولية الدولية في قمع انتهاك قواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، فإنه يمكننا الجزم بعدم فعالية هذه القواعد في حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة لعدة أسباب، لذا نرى أنه يجب أن تتخذ الإصلاحات التالية لتفعيل قواعد حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة:

1-     إن عدد الانتهاكات التي لحقت بالبيئة خلال النزاعات المسلحة قد تضاعف بسبب زيادة الآثار التدميرية الجسيمة التي رتبتها الوسائل والأساليب التي تستعمل في القتال والتي تزداد قوتها التدميرية بتطور تكنولوجيا السلاح كالأسلحة النووية التي لم تحظر بموجب النصوص بشكل صريح، والتي أدى استعمالها إلى إلحاق أذى جسيم بكل أشكال الحياة على سطح الكرة الأرضية، من هنا يجب أن يواكب التطور في الأسلحة تطوير وتعديل في القواعد الإنسانية التي تحمي البيئة أثناء النزاعات المسلحة، وننوه في هذا الإطار إلى وجوب التفكير في وضع اتفاقية إنسانية خامسة حول حماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة باعتبار أن واقع النزاعات المسلحة أثبت عدم كفاية القواعد الإنسانية الحالية لحماية البيئة سواء تلك التي تضمنت أحكامها بصفة غير مباشرة حماية للبيئة أو تلك التي كرست قواعدها حماية مباشرة للبيئة، والتي وإن تضمنت في أحكامها حماية للبيئة إلا أنها اكتفت بالإشارة إلى بعض الانتهاكات التي تعتبر اعتداءا جسيما على البيئة وأهملت أشكالا أخرى برزت خلال النزاعات المعاصرة.

2-    كذلك من النقائص التي نسجلها على قواعد المسؤولية في الاتفاقيات الدولية الإنسانية أنها اشترطت لانعقاد المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالبيئة أن تكون أضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد، إلا أن إثبات هذه المسؤولية يصعب من الناحية الواقعية تحقيقه في معظم النزاعات المسلحة التي ألحقت بالبيئة أضرارا فادحة لكنها لم تصل إلى حد اعتبارها واسعة الانتشار وطويلة الأمد.

3-    بالإضافة إلى ذلك، فإن الدول غالبا ما تحاول الالتفاف على الاختصاص الجنائي الممنوح لها من قبل الاتفاقيات الإنسانية لتوفير حصانة لأفراد قواتها المسلحة ضد المساءلة الجنائية 3، ففي مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في مخيم اللاجئين الفلسطينيين بلبنان عام 1982، نجد أن إسرائيل حاولت التحايل لمنع مساءلة جنودها أمام هيئات أخرى بتشكيل لجنة تحقيق خاصة (لجنة كاهان) ليفلت جنودها من المساءلة، بل هي تحاول قدر الإمكان منحهم الحصانة الجنائية في مواجهة الانتهاكات الخطيرة التي يرتكبونها في مجال انتهاك أحكام حماية البيئة الطبيعية بالأراضي الفلسطينية وبخاصة تلك التي لحقت بقطاع غزة.

4-    إن قيام الاتفاقيات الإنسانية بالإحالة إلى التشريعات الوطنية الجنائية للدول في فرض عقوبات جنائية ضد مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقواعد الإنسانية قد ساهم في التقليل من فعالية قواعد المسؤولية عن انتهاك حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة، كما أن العقوبات التي تفرضها الدول بموجب تشريعاتها الجنائية الوطنية،-هذا في حالة فرضها فعلا- هي في الحقيقة عقوبات صورية لا تتناسب مع جسامة الجرائم المرتكبةـ، مما يعني أن قواعد المسؤولية تتلاشى أمام التصادم الواقعي بين الحماية الوطنية لمنتهكي القواعد الإنسانية وبين الحماية الدولية لضحايا تلك النزاعات.

الهوامش

1.نصر الله سناء، الحماية القانونية للبيئة من التلوث في ضوء القانون الدولي الإنساني، منشورات البغدادي، الجزائر، 2013، ص. 110.

2.عمر سعد الله، القانون الدولي الإنساني (الممتلكات المحمية)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2008،ص. 115.

3.خالد طعمة صعفك الشمري، القانون الجنائي الدولي، الطبعة الثانية، بدون دار النشر، الكويت، 2005، ص. 40.

4.  إبراهيم محمد عناني، " الحماية القانونية للتراث الإنساني والبيئة وقت النزاعات المسلحة"، منشور ضمن المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت المؤتمر العلمي السنوي لكلية الحقوق "القانون الدولي الإنساني –آفاق وتحديات-، الجزء الثاني: القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والتراث والبيئة، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت -لبنان، 2005، ص. 58-59.

5.فيصل عريوة ، المسؤولية عن انتهاك قواعد حماية البيئة في القانون الدولي الإنساني، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في الحقوق، تخصص القانون الدولي والعلاقات الدولية، كلية الحقوق، جامعة الجزائر 01، الجزائر، 2011-2012، ص. 27. انظر أيضا: حسينصالحعبيد،القضاءالدوليالجنائي،دارالنهضةالعربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1977، ص. 148.

6. ناريمان عبد القادر، القانون الدولي الإنساني واتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها لحماية الممتلكات الثقافية زمن النزاع المسلح، في: القانون الدولي الإنساني آفاق وتحديات، أعداد مصطفى أحمد وآخرون، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2005، ص. 161.

7.فيصل عريوة، المرجع السابق، ص. 27-28.

8.  [1])– نجاة أحمد أحمد إبراهيم، المسؤولية الدولية عن انتهاكات ضوء القانون الدولي الإنساني، منشأة المعارف الإسكندرية، الإسكندرية، 2009، ص. 136.

9.  Alexander Kiss, les Protocoles additionnels aux Conventions de Genève de 1977 et La protection des biens de L’environnement Études et Essais sur le Droit international humanitaire, sur les principes de la Croix-Rouge, p 184.

10. سهيل حسين الفتلاوي، الإرهاب الدولي وشرعية المقاومة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الأردن، 2009، ص 202. أنظر أيضا: نجاة أحمد أحمد إبراهيم، المرجع السابق، ص. 139.

11. نصر الله سناء، المرجع السابق، ص. 119.

12.   لنوارفيصل،حمايةالبيئةالطبيعية أثناء النزاعاتالمسلحة، رسالةماجستير،كليةالحقوق،جامعةالجزائر، 2001،ص.  175.

13. عريوة فيصل، المرجعالسابق،ص. 33 -34.

14. صلاح الدين عامر، "حماية البيئة إبان النزاعات المسلحة في البحار"، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد (49)، الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1993، ص. 35.

15.  لنوارفيصل،المرجعالسابق، ص.  175-176.

16. صلاحالدينعامر،حمايةالبيئةإبانالنزاعاتالمسلحةفيالبحار،المرجعالسابق،ص.  36.

17. لنوارفيصل،المرجعالسابق،ص.176-177.

18. عريوة فيصل، المرجعالسابق، ص. 37.

19. أحمدبشارةموسى،المرجعالسابق،ص.  122.

20.عريوة فيصل، المرجعالسابق،ص. 39.

21.عمر سعد الله، القانون الدولي الإنساني، وثائق وآراء، الطبعة الأولى، دار مجدلاوي، الأردن، 2002،ص.  8.

22.  المادة (08 الفقرة 2/ب) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

23. المادة  (77) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

24. إمانويلديكو، تعريف الجزاءات التقليدية، نظامها وخصائصها، المجلة الدولية للصليب الأحمر، المجلة (90)، العدد  (870)، جوان 2008، ص. 37.

25. جيلالي الحسين، الانتهاكات الجنسية للقانون الدولي الإنساني خلال النزاعات المسلحة"، مذكرة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة حسبية بن بوعلي بالشلف،  2010-2011، ص. 151.

26.عمر محمود المخزومي، القانون الدولي الإنساني في ظل المحكمة الجنائية الدولية، الطبعة الأولى، دار الثقافة، عمان، 2008، ص. 382.

27. جيلالي الحسين، المرجع السابق، ص. 155.

28. عريوة فيصل، المرجعالسابق،ص. 55.

29.بنعليمراح،المسؤوليةالدوليةعنالتلوثعبرالحدود،رسالةدكتوراه،كليةالحقوق،بن عكنون،الجزائر، 2007-2006، ص.  169.

30. إبراهيمالدراجي، جريمةالعدوان ومدىالمسؤوليةالقانونيةعنها، الطبعة الأولى، منشوراتالحلبيالحقوقية، بيروت-لبنان، 2006، ص. 577.

31.كمال حماد،النزاعالمسلحفيالقانونالدوليالعام،المؤسسةالجامعيةللدراسةوالنشروالتوزيع،بيروت،لبنان،1997، ص.  40.

32.   كمال حماد، النزاع المسلح في القانون الدولي العام، المرجع السابق، ص. 40.

33. فيصل عريوة، المرجع السابق، ص. 59.

34. ياسر محمد فاروق المنياوي، المسؤولية المدنية الناشئة عن تلوث البيئة، الطبعة الثالثة، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2007، ص. 400.

35. فراس زهير جعفر الحسيني، المرجع السابق، ص. 306.

36.  نبيلة إسماعيل رسلان، المسؤولية المدنية عن أضرار البيئة، بدون طبعة، دار الجامعة الجديدة، مصر، 2007، ص. 115.

37. ياسر محمد فاروق المنياوي، المرجع السابق، ص. 409.

38. غسان الجندي، الوضع القانوني للأسلحة النووية، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، الأردن، 2000، ص. 157.

39. فراس زهير جعفر الحسيني، الحماية الدولية لموارد المياه والمنشآت المائية أثناء النزاعات المسلحة، الطبعة الأولى، دار الحلبي الحقوقية، لبنان، 2009، ص. 338.

40. عريوة فيصل، المرجعالسابق،ص. 65.

41.  ثقل سعد العجمي، "مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم الدولية التي يرتكبها مرؤوسوهم (مع دراسة لمحاكمة المسؤولين في النظام العراقي السابق)، مجلة الحقوق، العدد الثاني، السنة الثانية والثلاثون، الكويت، يونيو 2008، ص. 53-54.

42. علي عواد، العنف المفرط، قانون النزاعات المسلحة وحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، دار المؤلف، لبنان، 2001، ص. 82.

43.   أشرف عبد العزيز الزيات، المسؤولية الدولية لرؤساء الدول (دراسة تطبيقية على إحالة البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية)، دار النهضة العربية القاهرة، د.س.ن، ص. 208.

44. علي عواد، المرجع نفسه، ص. 207.

45. هورتنسيادي وتيجو تيرس بوسي، (العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والمحاكم الجنائية الدولية)، مختارات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المجلد (88)، العدد 861، مارس 2006، ص. 11.

46. أشرف عبد العزيز الزيات، المرجع السابق، ص. 208-209.

47. كريمة عبد الرحيم الطائي وحسين علي الدريدي، المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية أثناء النزاعات المسلحة، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، الأردن، 2009، ص. 104.

48.   ثقل سعد العجمي، "المرجع السابق، ص. 92-93.

49. عبد العزيز العيشاوي، أبحاث في القانون الدولي الجنائي، الجزء الأول، بدون طبعة، دار هومة، الجزائر، 2007، ص 134.

50.  Glaser .S, infraction internationale, paris, 1957, p 20.

51.ففي قضية ميلومير ستاكيتش أمام المحكمة (ICTYK)، أشار المدعى العام إلى انه يسمح باعتبار الشخص مسؤولا جنائيا سواء عن أفعاله كفرد (المادة 7/1) أو بوصفه قائدا مدنيا أو عسكريا مسؤولا عن تصرفات مرؤوسيه (المادة 7/3)، كما أشارت الدائرة الابتدائية إلى أن منصب القائد أو الرئيس يعد ظرفا مشددا لمسؤوليته الجنائية بموجب المادة (7/1). نقلا عن: شريف عتلم، القانون الدولي الإنساني، الطبعة السادسة،إصدار اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القاهرة، 2006، ص. 11.

52.    أشرف عبد العزيز الزيات، المرجع السابق، ص. 213.

53.   أشرف عبد العزيز الزيات، المرجع نفسه، ص. 161، 214.

54.  محمودالشريفبسيوني،المحكمةالجنائيةالدولية،نشأتها ونظامهاالأساسيمعدراسةتاريخللجانالتحقيقالدولية والمحاكمالجنائيةالخاصة،مطابعروز اليوسف، القاهرة، 2001، ص. 299.

55.    ثقل سعد العجمي، "المرجع السابق، ص. 111 وما بعدها.

Pour citer ce document

آمنة أمحمدي بوزينة, «مدى فعالية قواعد المسؤولية الجنائية الدولية في حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة»

[En ligne] العدد 28 مجلد 15-2018N°28 Vol 15- 2018 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : 102-118,
Date Publication Sur Papier : 2019-01-08,
Date Pulication Electronique : 2019-01-08,
mis a jour le : 09/01/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=4826.