محاولة توضيح دور النموذج جروحية ـ جلد
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 12 جويلية 2010 N°12 Juillet 2010

محاولة توضيح دور النموذج جروحية ـ جلد
pp : 27 - 35

عبد الحميد كربوش / عبد الوافي زهير بوسنة
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

أصبحت الصدمة النفسية مشكل صحة عمومية في الكثير من البلدان، نظرا للكوارث العديدة التي ما فتئت تظهر، بالإضافة إلى الآفات الاجتماعية والمشاكل العاطفية . فعبارة مقاومة نفسية أو جلد résilienceالتي قال بـها روتير Rutter، تشرح كيفية مواجهة الفرد لصعوبات الحياة بشتى أنواعها .

بالنسبة للكثير من الباحثين، فملاحظة الجلد خلال تطور فكرة الانتحار مثلا، يسمح بفهم التفاعلات المعقدة التي تؤدي بالفرد لهذا السلوك . إن الجلد هو القدرة على رد الفعل في موقف محنة أو شدة، إذ يعتبر كنابض لأنه يساعد الفرد على القفز أو الارتداد إزاء وضعية صعبة. والأفراد لا يستجيبون بالطريقة نفسها عند مواجهة أزمة أو وضعية صعبة، ولا تكون عملية الارتداد بالقوة والشدة نفسها . فالجلد عامل محدد للقدرة على مواجهة الوضعيات الصعبة التي تتغير من فرد لآخر .

لقد جاءت هذه المداخلة لتوضيح النموذج ''جروحية ـ جلد'' بتساؤل مفاده : متى تكون للفرد القدرة على مواجهة الصدمة النفسية ؟ وماهي العوامل المساعدة على ذلك ؟ .

1 ـ تعريف الصدمة النفسية :

هي حدث في الحياة يتحدد بشدته، وبالعجز الذي يلحقه بالفرد، كما يتحدد بالاستجابة الملائمة حياله . كما يثير هذا الحدث اضطرابا وآثارا دائمة في التنظيم النفسي قد تكون مولدة للمرض . إن تعبير صدمة من التعابير المستعملة قديما في الطب والجراحة، وتدل كلمة Traumaعلى الجرح في اليونانية. ومن مرادفاتـها في الفرنسية Traumatismeالمخصصة على الأدق للحديث عن الآثار التي يتركها جرح ناتج عن مصدر خارجي . تطلق تسمية صدمة على تجربة معاشة، تتحمل معها الحياة النفسية ـ وخلال وقت قصير نسبيا ـ زيادة كبيرة جدا من الإثارة، لدرجة أن إرضائها بالوسائل السوية والمألوفة ينتهي بالفشل .

وهذا ما ينجر عنه ـ لا محالة ـ اضطرابات دائمة تعيق قيام الطاقة الحيوية بوظيفتها حسب سيقموند فرويد ( لابلانش وبنتاليس 1987 ص 301) .

لقد كانت الصدمة في البداية توصف كحدث ذاتي من تاريخ الشخص بإمكانه تحديد الفترة التي حدثت فيها .  فالصدمة إذن هي أي حادث يهاجم الفرد ويخلق تغيرات في الشخصية أو مرض عضوي إذا لم يتم التحكم فيه والتعامل معه بشدة، وقد ينتج عن ذلك سرعة وفعالية. لذلك تعد كحادث خارجي وغير متوقع يفجر الكيان الإنساني (لابلانش وبنتاليس 1987 ص 300) . أما تيفريد هوبر فيطلق كلمة صدمة نفسية على كل تجربة أدت إلى أثر حاد نتيجة للرعب أو القلق أو الخجل أو الألم النفسي ( نيفريد هوبر 1995 ص 167) .

إن للصدمة النفسية نقطة بداية واضحة مرتبطة بالحدث الذي ولدها، لذلك يمكن طرح السؤال القائل : لماذا لا يتأثر كل الناس الذين عايشوا نفس الحدث الصدمي ؟ . وعلى ذلك تجد من الناس من يعايش الحدث كحالة خطيرة تـهدد حياته ويتولد لديه الضغط النفسي، لكن يتغلب عليه في الأخير ويتكيف مع الموقف الجديد، بينما آخرون يغوصون في تلك القصة التي أرعبتهم .

ليس مرد ذلك إلى خطورة الكارثة أو لشدة الضغط النفسي المتولد عنها، بل إلى الكيفية التي عايش بـها الفرد الكارثة مما يجعل منها صدمة نفسية دائمة أو عابرة . إن المرجعية النفسية لهؤلاء، من عقيدة وتقاليد عائلية واجتماعية ومختلف مكتسباتـهم التعليمية والثقافية عموما، مكنتهم من التكيف بفضل توظيف معارفهم الأساسية السابقة .

2 ـ أنواع الصدمات :

أ ـ الصدمات الأساسية :

إنـها الصدمات التي لها علاقة بالخبرات المؤلمة أو تلك التي تخرج عن المألوف، والتي تعترض الفرد في نموه، وتكون لها آثارا نفسية عميقة لا يمكن أن تحدثها صدمات أخرى (دويدار عبد الفتاح 1986 ص 60) .

ب ـ صدمة الميلاد :

الميلاد حدث تـهتز له نفس الطفل ويصيبها القلق الشديد، هذا الأخير يصبح أصل قلق لاحق وتطبع به الانفعالية . لهذا فصدمة الميلاد هي بمثابة صدمة الانفصال عن الأم حسب أوتو رونك ( Rank.O 1976 p 10) . ويعتبر فرويد صدمة الولادة وما يصاحبها من إحساس الوليد بالاختناق المرادف لضيق الموت، بمثابة أولى تجارب القلق بالنسبة للإنسان (النابلسي محمد أحمد 1994 ص 24) .

ج ـ صدمة البلوغ :

إنـها تضاهي صدمة الميلاد لأن الطفل عند البلوغ يعرف جسمه تغيرات، ويشعر بمشاعر لم تكن من قبل . كما يأتي بتصرفات يحس على إثرها أنه مختلف، وتظهر استجابات لها تأثيرات هائلة على النفس وتظل بقية العمر ( الحنفي عبد المنعم 1994ص125) .

  إن الضغط النفسي عقب الصدمة يبدأ من الخوف الشديد ليصل إلى حالة الرعب والذهول، مع سيرورة الأعراض النفسية والجسمية رغم مضي شهر عليها . كما قد تمتد على مدى عدة سنوات، تجعلنا نصف الحالة ضمن اضطراب الشدة عقب الصدمة أو ضغوط ما بعد الصدمة أو الإجهاد ما بعد الصدمة .

إن الحديث عن إجهاد ما بعد الصدمة يقتضي الوقوف على مراحله الثلاث :

ـ الحدث المرعب:

يتجلى في الحوادث الأكثر شيوعا مثل كوارث الحروب وحوادث القتل والاغتصاب الجنسي، بالإضافة إلى الكوارث البيئية كالحرائق والزلازل والفيضانات والبراكين .. وغيرها . هذا ما ينتج عنه الجرحى والقتلى وفقدان السكن، بالتالي يظهر التشرد والانقطاع المفاجئ للتواصل الأسري . ضف إلى ذلك انقطاع المدد بمستلزمات الحياة، فتتولد مشاعر التهديد والخوف الشديد .

ـ صعق الحواس :

إن قوة وشدة المنبه بصفة فجائية هي صعق للحواس، ففي حالة الزلزال فإن فجائية العوارض المحسوسة وشدتـها هي صعق لأعضاء الحس المركزي، وذلك على إثر سماع الصوت المدوي كأنه انفجار قوي وبعيد وارتجاج الأرض مت تحت الأقدام واختلال توازن الوقوف .

ـ الضغط النفسي :

حالة الضغط النفسي مهمة جدا، فهي التي تـهيج الفرد وتجعله في حالة استنفار أمام خطر يهدد حياته، وتتمثل في رد فعل بيولوجي وفيزيولوجي ونفسي، ينتج عن افرازات شحنات من الأدرينالين التي تعطي من الناحية الفيزيولوجية تسارع نبضات القلب وانتفاخ في القصبات الهوائية وعمق التنفس .

3 ـ النموذج جروحية ـ جلد :

أ ـ تعريف الجلد Résilience:

يعرف نوربير سيلامي الجلد على أنه مقاومة الفرد أو الجماعة لعوامل وجودية صعبة، بالتالي القدرة على العيش والنمو رغم الظروف الغير ملائمة أو الكارثية ( Sillamy.N 1999 p 226) . بالنسبة للكثير من الباحثين، فإن ملاحظة الجلد خلال تطور فكرة الانتحار مثلا يسمح بفهم التفاعلات المعقدة التي يؤدى إلى الانتحار. فالجلد هو القدرة على رد الفعل في موقف محنة أو شدة، حيث يمكن اعتباره كنابض لأنه تساعد الفرد على القفز والارتداد إزاء الوضعية الصعبة . فالأفراد لا يستجيبون بالطريقة نفسها عند مواجهة أزمة أو وضعية صعبة، ولا تكون عملية الارتداد بنفس القوة والشدة. فالبعض يظهر نوع من السهولة في رد فعلهم، أما البعض الآخر فيجد صعوبات كبيرة في ذلك . إن المقاومة النفسية عامل محدد للقدرة على مواجهة الوضعيات الصعبة التي تتغير من فرد لآخر. فبعض الباحثين يتساءلون عمن لديه القدرة على الارتداد وتبعا لأي عوامل ؟ .

ب ـ عناصر الجلد :

تتشكل القدرة على مواجهة أي خسارة هامة على مدى الحياة، وهي نتيجة تفاعل أربع عناصر

ـ الأولى : هي شخصية، تساعد على تطور عوامل الحماية أو عوامل الخطر حسب الوسائل الداخلية الموجودة .

ـ الثانية : تعد نمائية، تحدد قدرة الأفراد على بناء علاقات تعلق مع أفراد آخرين مهمين .

ـ الثالثة : اجتماعية، يظهر من خلالها أن بعض الأفراد يعانون من وضعيات مرهقة متراكمة أكثر من غيرهم .

ـ الرابعة : بيولوجية، تحدد تأثر الأفراد إزاء بعض مشاكل الصحة العقلية، حيث إن الكثير من المراجع التي تناولت المراهقين والشباب الراشدين المنتحرين، تطرقت إلى مدى تأثير العائلة على الصحة العقلية .

فأبحاث برينت سنة 1996 أظهرت أن الأطفال الذين حاولوا الانتحار مثلا، تجد في عائلاتـهم سوابق الانتحار المحقق ( Séguin.M et Huan.P 1999 p35) .

ج ـ الجروحية وعواملها :

تعرف الجروحية على أنـها مميزات حالة فرد معين، تساعد على ارتفاع خطر الإصابة بمرض ما في وجود عامل مسبب . فمصطلح انجراحية في اللغة العربية يعني حالة ما هو قابل للجرح (المنجد في اللغة العربية المعاصرة . ص 190) ، فالأفراد القابلين للانجراح هم الأفراد المهيئون وراثيا، بيولوجيا، أو نفسيا للإصابة بالمرض . كما أن بعض الأشخاص تجدهم حساسين لمصادر الإجهاد البسيطة، في مقابل ذلك تجد البعض الآخر لديه القدرة على مسايرة الوسط رغم أنه معرض لمصادر إجهادية حادة .

فالقابلية للانجراح يقابلها في اللغة الفرنسية الصفة vulnerableوالتي تنعت الشخص الذي يمكن أن يصاب، المصاب جسديا أو ذهنيا، أي الهش . (Grand dictionnaire de la langue française p 1170) .

هناك مجموعة من العوامل تحدد القدرة على مواجهة الوضعيات الصعبة، وهي عوامل شخصية، نمائية، وسطية وبيولوجية. حيث أنـها تتدخل في مختلف مراحل الحياة بواسطة الحماية، العلاج، الإحاطة العاطفية، والتي مصدرها الوسط العائلي والاجتماعي . فبعض الأفراد يعيشون أكثر من غيرهم تجارب صعبة، قد يجدون منافذ لها لأنـهم عاشوا نجاحات مهمة في حياتـهم، بالإضافة إلى أنـهم وجدوا في محيطهم أفرادا يكنون لهم مشاعر الثقة والثبات والحماية . حسب رويتر Rutterلفهم ظاهرة المقاومة النفسية لا بد من الأخذ بعين الاعتبار سياق النمو. بالتالي يمكن تحديد عناصر المقاومة الفردية سواء أكانت متينة أو هشة بواسطة علاقات التعلق التي بناها الفرد خلال فترة النمو، بالإضافة إلى تراكم الحوادث في حياته ومدى تأثير المرض العقلي .

عامل النمو:

تعد صلات التعلق من السمات المركزية التي تحدد العلاقات الفردية وكذا النمو النفسي الاجتماعي، وأي خلل على صعيد هذه الصلات يؤدي إلى ارتفاع درجة الجروحية للاكتئاب . لقد بينت الدراسات أن فقدان أحد الأبوين خلال مرحلة الطفولة يؤدي إلى ارتفاع درجة الجروحية . فنظرية التعلق، تظهر أن نوعية العلاقة الأبوية تبشر بنوعية العلاقات مع الأقران في المستقبل . بالتالي فعدم القدرة على تكوين صلات عاطفية مستقرة تغمرها الحماية بسبب وضعية عائلية مضطربة، يجعل الفرد في وضع هش منعدم الحماية، ويخلق له صعوبات لا تسمح بتطوير علاقات حميمة في سن الرشد .

يعتبر بولبي Bowlby.j  مختلف علاقات التعلق خلال مرحلة النمو غير مستقلة عن بعضها . والكثير من الدراسات التي كانت لكل من بريترتون Bretherthon et al 1989وكون Cohn، وكذا جورج وسلمون George et Solomon 1989، أكدت فرضية الانتقال المباشر لنوعية علاقة التعلق من الأب إلى الابن. ووصلت بعض الدراسات الأخرى لكل من أرمسدن وغرينبرغ 1987 Armsden et Greenbergوكذا كريتندن Crittenden 1994إلى حد الربط بين نوعية علاقة التعلق الأولى، والكيفية التي يسلك بـها الأفراد فيما بعد، وذلك في علاقاتـهم الاجتماعية ومع أزواجهم .

فحسب فول زندورن Vanljzendoorn 1995تشرح نظريات التعلق إمكانيات تحول علاقات التعلق كلما كان هناك تغيير. كما أن نمط التعلق قد يتغير خلال عملية النضج، حيث يصبح الفرد قادرا على تنظيم وإدماج المعلومات المعقدة اللازمة لنموه، هذا ما يؤدي إلى حدوث تغيرات في طريقة تصوره لنفسه وللآخرين حسب بيردسلي Beardslee. إن التعلق في حد ذاته غير مستقر لدى الأفراد الناشئين في ظل أسر منشقة، أين نجد الانفصال متعدد الأوجه والانتحار . لذلك نلاحظ أن خطر الانتحار مرتفع لدى المراهقين الذين يعانون نقصا في الاستقرار العائلي .

تعد نظرية التعلق مرجعية هامة لشرح جروحية بعض الأفراد الذين يعيشون صعوبات التكيف، بسبب فقدان مهم . فتجارب الانفصال والنبذ تضع الفرد في وضعية منعدمة الحماية تجعله يشك في قيمته الذاتية، وهذا ما يؤدي إلى خلق صعوبات تحول دون الوصول إلى بناء صلات تعلق مستقرة يحكمها طابع الحماية . كما أن عدم القدرة على الإحساس بالارتباط الحميم بالآخرين، يخلق جملة من الترددات والشكوك إزاء معنى الحياة. وعلى هذا السياق تؤدي صعوبات التعلق إلى ارتفاع درجة الجروحية إزاء الحلقات الاكتئابية . فالجو العائلي يشكل عامل تأثير مهم يسمح بارتفاع أو انخفاض خطر ظهور السلوكات الانتحارية لدى الشبان حسب أدمس Adams 1982. حيث تم إحصاء العديد من الوضعيات العائلية التي تتميز بالعلاقات الفوضوية، العنف والاعتداء الجسمي والجنسي، تعاطي الكحول، أو إدمان الآباء، عدم التوافق العائلي والسلوكات الانتحارية لدى الآباء حسب فاربرو Fareberow 1985.

وعلى نطاق نظري يرى براون Brown 1985أن غياب التبادلات المهمة على الصعيد العاطفي مع الآباء، يؤثر على الإحساس بتقدير الذات، حيث إن الحرمان يؤدي إلى فتور في الحياة الانفعالية، وهو ما نجده كسمة شخصية لدى الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في الشخصية وسلوكات اندفاعية . وترتبط تجارب عدم الاستقرار، الانفصال والنبذ مع علاقات التعلق في سائر حياة الفرد. إنـها تسعى إلى تقوية أو إضعاف القدرة على التكيف ( Séguin.M et Huan.P 1999 p38) .

عامل المحيط :

لعل تسلسل مجموعة من الظروف الصعبة، تجعل حياة الطفل في حالة جروحية يرتفع على إثرها احتمال الوضعيات المؤلمة، وتؤدي بدورها إلى مشاكل تصيب الصحة العقلية وبعدها إلى سلوكات انتحارية . هذه الظروف لابد لها أن تستمر في تأثيرها ليبقى الفرد يعاني من حالة جروحية .

لقد شرح مجموعة من الباحثين وعلى رأسهم براون Brownسنة 1986 الميل الاكتئابي على سبيل النمو المعرفي للأفراد، وكذا إدراكهم للتعاسة أو الشقاء . فالنسبة لهم قد لا يكون سبب الاكتئاب تراكم حوادث مؤلمة أو حادث واحد فقط . إنما يرجع إلى كيفية إدراك الفرد لهذا الحادث . حيث إن الشخص الذي يظن فعلا أنه قد ينتج عن الحادث فشل ذريع ومخيف، قد يكون معرضا للاكتئاب أكثر من ذلك الذي يرى الحادث من زاوية تعلم أو كوضعية عابرة . هذا الأخير قد يجد مخرجا وينجح في مسايرة مشاكله . لذلك يلاحظ لدى الأفراد مجموعة سلوكات تتضاعف على إثرها الصراعات على المستوى العلائقي خاصة، وتظهر المشاكل المهنية وكذا المدرسية . وهذا في حال الفرد القابل للانجراح، والذي يسعى في غالب الأحيان ليكون ضحية الإجهاد الذي يعيشه . فالفرد كلما عاش خلال طفولته تجارب مؤلمة كالفقدان أو إصابات الهجر، كلما كانت له صعوبات لتعديل مسار وجوده. لأن هذه التجارب تخلق إحساسا بعدم القدرة على تحمل مسؤوليات الحياة برمتها . وعلى هذا السياق تتراكم الحواجز في طريق الفرد لأنه لم يستطع تطوير قدراته الشخصية، بـهدف التحكم في زمام الأمر حسب آريس Harrisسنة 1986 ( Séguin.M et Huan.P 1999 p38) .

عامل المرض العقلي :

حسب غوفن Mc Guffinومعاونوه (1991) لا يمكن رد السببية المرضية للاكتئاب إلى الجروحية البيولوجية فقط أو عامل المزاج، إنما إلى تفاعل عوامل النمو برمتها كما أشاد روتر Rutterسنة 1985 ، والعوامل النفسية الاجتماعية حسب براون وآريس Brown et Harris، والتي قد تسبب قابلية للانجراح للاكتئاب . كما يظهر أن تفاعل العوامل الوراثية أو النمائية يؤثر على السلوكات الشخصية، بالتالي يرتفع احتمال التواجد في وضعيات صعبة في الحياة حسب بيبنغتون Bebbingtonومعاونيه سنة 1988 .

تطرق كل من براون Brownسنة 1988 وكذا أريس Harrisسنة 1986 إلى الأفراد المغامرين الذين يضعون أنفسهم في وضعيات صعبة تؤهلهم أكثر فأكثر ليكونوا قابلين للانجراح للمرض . نقطة انطلاق هذه الوضعيات في غالب الأحيان إشكالية الفقدان، أو الرفض والنبذ الخطير خلال مرحلة الطفولة، حيث يكون الطفل منهمكا في علاقات تعلق ايجابية، فصعوبات إنشاء علاقات تعلق ايجابية قد تتواصل طوال الحياة، وينتج عنها عدم رضا متواصل بالإضافة إلى إخفاقات علائقية متكررة، تجعل هذه الأخيرة الفرد في غالب الأحيان قابلا للانجراح .

إن الجروحية تقع وسط عناصر مختلفة، فوجود مرض في العائلة يؤدي إلى صعوبات تعيق نمو علاقات تعلق مستقرة . والفراق المبكر يسمح بتأسيس أرضية خصبة لتطور الأمراض العقلية في حالة ظهور مشكل ما .

خلاصة القول تفيد أن نموذج الجروحية ـ جلد يشرح قدرة الفرد على مواجهة الأحداث المؤلمة، حيث إن القدرة على مقاومة أي فقدان أو صعوبات، تتشكل عموما على مدى الحياة، وهي نتيجة لأربعة عوامل رئيسية : شخصية ـ نمائية ـ اجتماعية ـ وبيولوجية . فقابلية الانجراح النفسية لفرد ما أمام المشاكل المتعلقة بالحداد، هي عبارة عن مجموع العوامل الوراثية، البيولوجية، النفسية، والمحيطة ( Séguin.M et Huan.P 1999 p43) .

خاتمة :

لعل الانتشار المذهل للكوارث بأنواعها، بالإضافة إلى مختلف مشاكل الحياة وعلى رأسها الاجتماعية، ثم الاقتصادية، والسياسية، يجعل الفرد يسقط في دائرة الصدمات النفسية .

وتختلف هذه الأخيرة باختلاف زمرها، لكن تبقى مخلفاتـها وآثارها هي القاسم المشترك بينها . قد يكون الفرد معرضا لشتى الصدمات النفسية في حياته المليئة بالاهتزازات في عالم اليوم، بينما تتباين كيفية المواجهة من فرد لآخر .

لقد أثبتت الدراسات أن التنظيم النفسي بكل محدداته الوراثية والبيئية والاجتماعية، يلعب دورا مهما في الوقوف ضد المثيرات الخارجية التي تـهدد العضوية . ويأتي النموذج جروحية ـ جلد لشرح هذا الطرح، ويبرز قوة الارتداد أمام الأزمات وكيفية التعامل معها . كما يظهر هذا النموذج قابلية التأثر من فرد لآخر، وعمل المقاومة النفسية التي ترمي إلى إعادة التوازن إلى النظام النفسي .

إن وصول الباحثين إلى تفسير طرق مواجهة الصدمات على أساس النموذج جروحية ـ جلد، يعتبر سندا علميا بحيث يستدعي الأطباء والنفسانيين للرجوع إليه بغية فهم ميكانيزمات عمل النظام النفسي أمام الصدمات .




مراجع :

1 ـ الحنفي عبد المنعم (1994): موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، ط4 مكتبة مدبولي، القاهرة، مصر ص 125 .

2 ـ النابلسي محمد أحمد (1994): الصدمة النفسية، علم النفس الحروب والكوارث، دار النهضة، بيروت، لبنان ص 24 .

3 ـ دويدار عبد الفتاح (1986): الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي، ط ؟ . ص 60 .

4 ـ لابلانش وبنتاليس(1987): معجم مصطلحات التحليل النفسي، تر: مصطفى حجازي، ط02 ، بيروت، لبنان، ص 300-301 .

5 ـ نيفريد هوبر(1995) : مدخل إلى سيكولوجية الشخصية، تر: مصطفى عشوي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص 167 .

6- Séguin.M -Huan.P (1999) : Le suicide, comment prévenir, comment  intervenir  ? Les éditions Logiques. Québec p 33-43.

7- Sillamy.N(1999) : Dictionnaire de psychologie, Larousse HER . P 226 .

8-  Le grand dictionnaire encyclopédique de la langue française (1996), éditions de la connaissance, France p1170 .


Pour citer ce document

عبد الحميد كربوش / عبد الوافي زهير بوسنة, «محاولة توضيح دور النموذج جروحية ـ جلد»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 12 جويلية 2010N°12 Juillet 2010
Papier : pp : 27 - 35,
Date Publication Sur Papier : 2010-07-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-23,
mis a jour le : 28/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=502.