مساهمة البعد الثقافي في سيرورة الجلد
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 12 جويلية 2010 N°12 Juillet 2010

مساهمة البعد الثقافي في سيرورة الجلد
pp : 8 - 16

محمد الصغير شرفي / زهية غنية حافري
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يُعد مفهوم الثقافة من المفاهيم المحورية في الدراسات الحالية وقد أقرّ الباحثون على أهميتها وتأثيرها، خاصة في مجال العلوم النفسية. يصرح Linton(1999) بأن من أعظم الانجازات العلمية في العصر الحالي هو الاعتراف بتأثير الثقافة، ولم يكن يفهم المختصون النفسانيون أن كل الأشخاص وهم من ضمنهم، انشئوا في جو ثقافي محدد يتفاعلون معه. وأصبح في الآونة الأخيرة وعي متزايد بضرورة الاهتمام بالجانب الثقافي وإدراجه كبعد له اعتباره ووزنه في الدراسات حول الصدمة من جميع جوانبها كما ارتكزت الاهتمامات مؤخرا بالجلد في علاقته بالثقافة وظهرت عدة مفاهيم في المجال. فالثقافة باعتبارها محل وحيز للتمثيلات الفردية والجماعية تعتبر بمثابة المدعم والسند للنفس وتكوّن عاملا مهما من عوامل الحماية، تساعد الفرد على تسيير تجاربه التي يعيشها خاصة منها المرعبة وتسمح له بمواجهة الصدمات بالارتكاز على ثلاث أبعاد اتفقت الدراسات على أهميتها في تشكيل أي ثقافة من الثقافات من دين وسند جماعي كقيمة من القيم الثقافية إضافة للعادات والتقاليد، هذه الأبعاد التي لها قدرتها على توفير "المعنى" و"الرابط" لتساهم بالتالي في سيرورة الجلد. والثقافة كما أوضحها  Cyrulnik(2003) تنفخ على جمر الجلد وتدعم عوامله بالقوة، فهي تحتوي الفرد وتحيط به.

الكلمات المفتاحية: الجلد ـ الثقافة ـ الدين ـ السند الجماعي ـ العادات والتقاليد.

Ralph Linton a déclaré que  l'une des acquisitions scientifiques les plus importantes des temps modernes est  la reconnaissance du fait de la culture…Jusqu'à ces tout derniers temps, les psychologues mêmes n'étaient pas parvenus à comprendre que tous les êtres humains, à commencer par eux-mêmes, se constituent et fonctionnent dans un environnement qui est pour l'essentiel culturellement déterminé. La place de la culture dans les études sur le traumatisme psychique  a pris une importance croissante au cours des dernières années, Avec l'apparition  notamment  des concepts  dans le contexte des relations entre résilience et culture.  Et en tant que lieu des représentations individuelles et collectives, la culture sert d’ étayage  au psychique et présente un facteur de protection  essentiel, elle aide la personne a gérer ces expériences terrifiantes et lui permet ainsi de surmonter les traumatismes en s'appuyant sur trois dimensions qui s' avère très importantes   dans la constitution de  la culture comme le soulignent  les recherches faites dans le domaine, il s'agit de  la religion et  le soutien social en tant que valeur culturelle et aussi les coutumes et les  traditions. Ces dimensions  qui contribuent dans le  processus de résilience peuvent  procurer "le sens" et "le lien" et "c'est à la culture de souffler sur les braises de la résilience  comme la bien préciser   Boris Cyrulnik.

Mots clés:

Resilience – Culture – religion – soutien social - coutumes et  traditions

تدعى تلك القدرة على بناء حياة جديدة وتجاوز الظروف المعاكسة بامتصاص الصدمة والتقدم نحو الأمام بالجلد . وهو مفهوم فيزيائي تم استعارته في العلوم الإنسانية حيث يأخذ معنى أكثر اتساعا . والجلد كما يعرفه Cyrulnik (1999) عبارة عن استراتيجية المقاومة ضد المصائب والألم وانتزاع للذة العيش .

كما يقدم  Vanistendael(1996) من جهته تعريفا للجلد على أنه القدرة على النجاح والتطور ايجابيا بطريقة مقبولة اجتماعيا بالرغم من تعرضه لحالة من الضغط أو الشدة التي يفترض أن تحمل في طياتـها خطورة شديدة و مآل سلبي . وأوضح  Fisher (1994) مفهوم سيرورة الجلد باستعمال دلالات تناقضية بحيث يرى ''بأن كل وضعية متطرفة ـ والتي تكون بمثابة سيرورة تـهديمية للحياة ـ تخزن وبطريقة تناقضية حياة كامنة تكون ضمنيا في الحيز الذي يقع به الانقطاع، ويحدث به تحطم الحياة . حيث يسمح النابض المتخف والمحجوب بإعادة الوثب والقفز باتخاذه من الحاجز لوحة قفز، ومن الضعف غنى، ومن الوهن قوة ومن المستحيل العديد من الإمكانيات'' .

وإن كانت الدراسات حول الجلد تعتبر حديثة نسبيا بداياتـها ترجع إلى 1970 لكن هذا لا يمنع من أنه يضرب بجذوره في أعماق البشرية، وهو مفهوم واسع كانت فكرته كلية التواجد، وموجودة منذ زمن بعيد من خلال ما ذكر في الأساطير وفي الكتب المقدسة والأدبيات والقصص العالمية التي كانت تحاك حول الموضوع كنقطة ايجابية في الوجود الإنساني وكحقيقة يمكن ملاحظتها . وقد تولد المفهوم بفضل علم النفس الاجتماعي الأمريكي؛ ترجع فكرته إلى ما أشار إليه Paul Claudel  بالمرونة الأمريكية؛ والذي يعبر عنه كطبع أمريكي متأصل (Octave.Gakuba, 2001) ويرىIonescu(2008) بأن هذه الجذور الثقافية للجلد هو ما أعطى انطلاقة ودفعة لعلم النفس الايجابي في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الانجلوسوكسونية . لكنه يرفض الرؤية  التي تحصر الجلد في الطبع الأمريكي ليؤكد على أنـها ميزة عالمية كانت دائما موجودة لدى كل الشعوب، لكنها غير معروفة لسببين وهو ما يؤكد عليهMichel Manciaux  (2001) بقوله : ''لأنه لم يكن يتوفر لدينا مصطلح للتعبير عنه في العديد من اللغات، ولأن النظرة سواء في مجال البحث أو العلاج والتكفل كانت متجهة ولعقود من الزمن للأعراض والنتائج السلبية .

ويعتبر الجلد بمثابة مقاربة جديدة ترتكز على المصادر التي تتوفر لدى الفرد جاءت لتكمل الأبحاث التي أقيمت حول الهشاشة (2003) Marie Anaut. هذه المصادر المتنوعة التي يستقي الفرد منها مخزونه من القوة، وهو ما تذهب إليه Amandine Theis  (2006) إذ تقرّ بأنه لا يمكن اعتبار الجلد كدلالة عن الخصائص الفردية وحسب ما يعطيه طابعا اختزاليا بحتا، بل يجب الأخذ بعين الاعتبار الواقع الخارجي، والتفاعل المستمر بين العناصر البنائية الداخلية والكمونات البيئية . فالفرد ينمو في تفاعله مع محيطه الأسري والمحيط الخارج أسري، وفي تفاعل ثابت بين حقيقته الداخلية وحقيقته الخارجية. ومن خلال هذين السجلين يتم إسناد سيرورة الجلد، لتشير بالتالي إلى عوامل الحماية التي تسعى لمساعدة الأفراد باستنفاذ مصادرهم الداخلية والاجتماعية، الثقافية والدينية .. لإعادة توازنـهم والتي يمكن إدراجها تحت بعدين اثنين :

ـ بعد عمودي يمثله نموذج La Casita، يختص بالفرد ويهتم بالحاجيات الأساسية الضرورية للجسم، ويمتد ليشمل المجال العاطفي والمجال الروحي .

ـ بعد أفقي يختص بالبيئة المحيطة حيث يدعّم جلد الفرد بالجلد الذي تظهره الأسرة هذا الأخير الذي يدعّم بالجلد الجماعوي والمجتمعي، كأغشية متراصة تلف الفرد وتحميه حيث تؤثر الصدمة بأكثر قوة كلما مست الغلاف الأكثر قربا بالنسبة للفرد (Delage,2003) .

ويبقى أن سيرورة الجلد سيرورة معقدة يصعب تحليلها، تتدخل فيها العديد من العوامل ويمكن تناولها من زوايا مختلفة حسب ما تصبو إليه الدراسة والبحث والميدان التطبيقي والمنهجية المتبعة . وقد اتسعت الدراسات في هذا المجال لتشمل فئة الشباب والراشدين وحتى المسنين بعد أن كانت ترتكز على الأطفال فقط كي تطول بعد ذلك الأسرة، الجماعات، والمجتمع بأكمله . كما أصبحت تـهتم بالعديد من المجالات مع ظهور العديد من المفاهيم المرتبطة بالجلد منها مفاهيم الجلد في علاقته بالثقافة . هذه الأخيرة التي ارتكزت الاهتمامات حولها في العشرية الأخيرة من خلال وحدة البحث حول الثقافة والصحة العقلية (URCSM)  سنة 2000. وأول من أشار إلى ذلك نذكر Alejandro Portesالذي اهتم بالجلد من جانبه الاثنوغرافي من خلال دراسته الطولية على جماعة من المنفيين الكوبين إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ليصل إلى استنتاج أن الوعي بالاختلافات الاثنية والثقافية تحفز الأفراد للدخول في منافسة مباشرة مع باقي الجماعات باتخاذ الثقافة أرضية للانطلاق والحركة ما يساهم في تطوير الجلد لديهم .

     والمفهوم الثاني الذي يذكر في سياق العلاقة بين الجلد والثقافة هو مفهوم الجلد الجماعوي والذي تمت الإشارة إليه بطرق مختلفة، ولم يتفق على تقديم تعريف محدد له، ليتخذ ثلاث اتجاهات متباينة؛ فبينما يشير إليه البعض على أنه قدرة التجمع على مقاومة الضغوط، فإن آخرين يعتبرونه كقدرة على الاحتواء الذي يرتكز على السرعة والقدرة على الاسترداد، ليرى فيه الاتجاه الثالث بأنه قدرة النظام الاجتماعي على الإبداع وليس فقط المقاومة . ويعتبر الباحثون أن الجلد الجماعوي راجع للمخزون الفردي والاجتماعي حيث يعتبره  Levi Lopezو Claus Ehlers(2002) كمتغير تابع للثقافة نابع عن تدخل عوامل ثقافية حددها العالمان في ثلاث عوامل ضرورية تتمثل في :

ـ توفر التزام أعضاء الأسرة النواة والممتدة .

ـ توفر نفوذ وسلطة للأفراد الأكثر سنا في التجمع .

ـ تثمين العلاقات بين شخصية لذاتـها وتقييمها بحيث لا تتخذ كوسيلة لبلوغ أهداف معينة أو لتحقيق مطامح يبتغيها .

أما المفهوم الثالث فيتمثل في الجلد الثقافي والمرتبط باستمرار تواجد حضارة ما رغم ضغوطات التثقيف . وأول دراسة اهتمت بـهذا المجال دراسات Peter Elssasوكذا دراسة Jordan Ionescuالتي يجريها حاليا في Guyaneعلى المجتمعات الأمريكوهندية .

ويتم الاهتمام بالجلد في علاقته بالثقافة أيضا من خلال تظاهره حسب السياق الثقافي وعوامل الحماية، حيث يتم تشجيع بعض السلوكات ومكافأتـها دون غيرها كاللجوء إلى المساندة الاجتماعية في الثقافات العربية وتشجيع الاستقلالية في الثقافات الغربية، وفي حين يسعى الأمريكيون إلى العمل على مصدر الضغط والتأثير عليه فإن التايلنديين يلجئون إلى تجنب الضغط كوسيلة للمقاومة . وهو ما تنبه إليه Tobie Nathan(2006) إذ قام بتطوير ـ من خلال اتجاهه الاثنوتحليلي ـ طرق علاجية بالاستناد إلى ثقافة الشعوب للتكفل بأفرادها كما تقدم Ionescuبما يسمى بـ "الجلد بالمساعدة" للتشجيع على تطوير الجلد بالاستناد إلى ثقافة الفرد .

وهناك اتجاه آخر للبحث حاليا يسعى لتقصي العوامل الثقافية المشجعة على الجلد وفيه ترتبط الثقافة بالجلد بمظهرين أساسين : من جهة معايير الثقافة التي تحدد التفاعلات بين الفرد والبيئة المحيطة، والتي تعمل على تشجيع أو تطوير عوامل الحماية، ومن جهة أخرى التظاهرات الثقافية على المستوى الفردي من خلال اللجوء لتطبيق العادات، المراسيم، الطقوس، اللغة Dion Stout, Kiplling(2003) .

وقد عمل Johnsonفي دراسته على 15 أسرة جلودة من أصل أفروأمريكية، مكسيكية، بورتوريكا، الجنوب الأسيوي، أمريكوهندية، على وضع عشرة ميكانيزمات بديهية تعتبر الأولى والثانية منها أكثر فعالية في تطوير الجلد . يتمثل الميكانيزم الأول فيما يشبهه بالسفينة المقدسة، حيث يلجأ أفراد الأسرة أو الجماعة للإبحار ضد العاصفة في سعي لتجاوز المحن والظروف المعاكسة بالاستناد إلى الدين والمعتقدات، العادات والتقاليد، أساطير ثقافتهم وطقوسهم، وكل ما يبرز جانبهم الروحي، أما الميكانيزم الثاني فيتمثل في الاعتراف بأهمية الأسرة الممتدة والأفراد المحيطين بـهم؛ والذين يقدمون حبهم غير المشروط  ودعمهم المادي والعاطفي Ionescu(2008) . وهو ما سنكرس له مداخلتنا هذه بالارتكاز على ثلاث أبعاد اتفقت الدراسات على أهميتها في تشكيل أية ثقافة من الثقافات . أولها الدين وهو كما يقول السيد نجم بأنه كان المنبع الأول إن لم نقل الوحيد للثقافة قديماً وما يزال لحد الآن المنبع الأساسي والمرتكز الأهم للثقافة خاصة لدى الشعوب العربية، ثانيها العادات والتقاليد، وأخيرا السند الاجتماعي أو الروح الجماعية كقيمة من القيم الثقافية . وعلى الرغم من أن لكل من هذه الأبعاد الثلاث شكلا ومضمونا قد يختلف فيه عن غيره، إلا أن المتفق عليه أنـها جزء من كل ثقافة عرفها التاريخ رغم الاختلاف بين مجتمع وآخر. وتكوّن عاملا مهما من عوامل الحماية، ويرى John Hawkes  في Mike Harcourt(2006) أنه لا يمكن اعتبار الثقافة كبعد حمائي وحسب، بل كعمود ترتكز عليه جميع الأبعاد الأخرى . وتكوّن عاملا مهما من عوامل الحماية، واتفق الباحثون في المجال على قدرة هذا البعد على توفير "المعنى" و"الرابط" وهو ما أشار إليه Vanistendael(1996) في نموذجه La Casitaوهو أيضا ما أكد عليه Cyrulnikكضرورة لحياكة القدرة على الاسترداد والمواجهة وتطوير الجلد .

وقد توصلت العديد من الدراسات إلى استخراج أهم عوامل الحماية التي تتوفر للفرد في إطار ثقافته والمتمثلة في "التوجه الديني أو الروحي وتقاسم نفس القيم، المراسيم التي تقام على مستوى الأسرة أو الجماعة، وكذا التقاليد والأعراف والروتين اليومي، وهي كلها عوامل تسعى لمواجهة خلل التنظيم الذي يصيب الفرد (Martin et al, 2005) .

كما توصلت Claudia Clarindo-Oliveira(2006) من خلال دراستها على عدد من الجماعات من ثقافات مختلفة إلى أن ''للدين والعقيدة وكذا العادات والتقاليد دورها الرئيسي في المساعدة على الاستمرار في إعطاء معنى للحياة .. فالدين (Religion) والتي اشتقت من اللاتينية re-ligare  تعني إعادة الرابط؛ إقامة الروابط ؛ إقامة الارتباط .. فالمعنى الديني الذي يتم إعطاءه للأحداث له دوره المهم وتأثيره على سيرورة التكيف والتي تكون بمثابة أرضية لتطور الجلد .

وفي الإطار الدراسي نفسه تعتبر (2005) Vatz Laarousi et Rachedi  بأن الدين من أقوى مكونات الجلد، فهو بمثابة قوة أساسية لتجاوز الحداد منذ البداية, فهو بالتالي يلعب دورا مهما في دينامية الجلد . وعندما يجد الفرد مخرجا لتفسير ما حدث له، وعندما تتوفر لديه الكلمات أو العبارات لما يمر به للاستدلال بـها، فإن ذلك سيساهم في إعطاء معنى لمعاناته ولما حدث له . والآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا المقام كثيرة، والمأثورات الشعبية والمقولات ليست بالقليلة . ''فالدين هو ما يساعد على بناء الجماعات وتماسكها وهو ما يساهم في التخفيف من المعاناة النفسية'' (Rey-Von Allmen,1993) . والقدرة على إيجاد المعنى إنما يمر من خلال الإيمان والعقيدة فهو يساهم للخروج من حالة الغموض والخلل الذي يلف الفرد المصدوم (Manciaux, 2003) .

وتضيف Vatz Laarousiقائلة بأنه لا يجب تجاهل محور آخر قد يظهر لدى البعض كشيء تافه لكنه يمثل عنصرا مهما يتمسك به الأفراد ويساعدهم على تجاوز المحن والصدمات من خلال البحث عن المعنى من خلاله؛ ألا وهي العادات والتقاليد . وهو ما أظهرته في دراساتـها، حيث يتم اللجوء إلى هذه النقاط كأرضية يرتكز عليها للقيام بامتصاص فكرة ما حدث له من خلال المحاولة لإيجاد المعنى كصيغة أولية، أو كشكل أولي لبداية انطلاق سيرورة الجلد (كاللجوء إلى الإطعام وإخراج الصدقات في شعوبنا مثلا؛ ما يساعدهم على الإحساس بالطمأنينة والأمان) .

كما يكوّن التفاعل الاجتماعي والروح الجماعية عاملا مهما من عوامل الحماية بما يوفره من تخفيض للضغوط . ويعتقد Thoits  في Dufour(2000) بأن الدعم الاجتماعي يحمي الفرد بالعمل على تغيير وإزالة المصادر الأولية للضغوط والوضعية، وكذا معنى الوضعية والاستجابة الانفعالية للوضعية، ما يعزز تقدير الذات والإحساس بالتحكم .

ويؤكد Boucher et Lapriseفي Le Bossé, Dufort(2001) وبقوة على ضرورة المساندة لمواجهة الصدمات، بحيث تظهر الاضطرابات والأعراض عند الأفراد الذين ينقصهم الدعم الاجتماعي، بينما تغيب عند أولئك الذين يلقون الدعم والمساندة. وكباقي الباحثين يشير Cyrulnik(1999) على أن القدرات الكامنة الخاصة بالفرد لا يمكنها أن تبرز وتتطور إلا بفضل مساندة المحيطين به، وبفضل حياكة الروابط بين الفرد / البيئة المحيطة . وهو ما يولد لدى الفرد إحساسا بالانتماء القوي ليتوفر له من خلاله المعنى . حيث يعطي الانتماء إلى جماعة متماسكة إحساسا بالأمان بما يوفره للفرد من عناصر يتعرف إليها، فهي تكون معالم هويته وهو أيضا عامل مهم في سيرورة الجلد . ثم إن تقاسم التجارب نفسها مع الجماعة يساهم ويساعد على تسهيل إيجاد معنى للأحداث الحياتية الجديدة التي يتعرضون لها (Martin et al, 2005) . فتطور الفرد كما تشير Duboisيرجع للتواصل المستمر بين هذا الأخير وبيئته المحيطة، والتحليل في هذا المستوى لا يحدث على خط مستقيم بل على مستوى النظام المكون وهو ما ذهب اليه ToussignantفيVan Hooland  (2005) إذ يرى بأن الجلد ينتج عن تفاعل بين مستويات مختلفة من النسق؛ الأسرة، التجمع والثقافة . كما سعى إلى استكشاف الطابع النسقي للجلد، ويرى الباحث أن ذلك يصبح ممكنا بتحليل التفاعل لمختلف النظم التي تحيط بالفرد, إن كان على مستوى تحليل الخصائص الداخلية للفرد (ontosystème) كما على مستوى الأسرة (microsystème)، مستوى التجمعات (éxosystème) وأيضا على مستوى (macrosystème) ، هذا الأخير الذي يعبر عن الحويصلة الثقافية التي يعيش الفرد بداخلها. و يرى Enza Moral(2007) بأن توفر الدعم في هذه المستوى والاحتكام لمن هم أكبر سنا والإحساس بوجود التماسك والتكافل بين الأفراد، مع احترام القوانين الأخلاقية الموجودة ضمن التجمع، واللجوء إلى ميكانيزمات الدعم الاجتماعي، والانتماء إلى نظم اجتماعية يتأثر بقيمها ومواقفها، والتماثل لجماعة الانتماء الذي يولد المساندة العاطفية، هي عوامل تساهم في تشجيع سيرورة الجلد والتي يتم تنشيط حركيتها بفضل مساهمة البعد الثقافي من خلال جانبين اثنين :

ـ جانب نفسي بنائي؛ لأن التركيب النفسي للفرد مرتبط بالمميزات الثقافية التي ينتمي إليها كحقيقة أكدتـها الدراسات الأنثروثقافية، وهو ما حدده مالك بن نبي أيضا في رؤيته لمفهوم الثقافة والتي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي . يتمّ اكتسابـها خلال مراحل النمو تدخل في بناء شخصيته القاعدية على حد تعبير Kardiner، وتؤثر تأثيرا واضحا في بناء مداركه وتفكيره وفي اعتقاده، إذ يقوم الفرد في احتكاكه بمجتمعه الذي ينمو فيه باستدخال نوع من الإشراط والذي سينشئ شخصية نوعية سيتقاسمها مع باقي أفراد ثقافته. هذه الأخيرة تظهر على المستوى الفردي في الطبقات الشعورية واللاشعورية للفرد مثلها مثل الشخصية الفردية يظهر أثرها على المستوى النفسي والانفعالي والسلوكي Pellemans  (1998) .

ـ ومن جانب ما يتلقاه من مساندة خارجية في البيئة المحيطة وهو ما أشرنا إليه بإسهاب في الفقرات السابقة .

وفي الأخير نضم رأينا إلى ما أكد عليه Laplantine  في قوله : ''بعدما أظهرته النتائج الموضوعية والايجابية حول نجاعة إدماج البعد الثقافي في التناولات الحالية، فإنه ليس فقط من المهم أو مثير للاهتمام أن نـهتم بـهذا البعد، فقد بات واضحا أنه أصبح ضرورة علمية'' . Jodelet(2006) . كما نؤكد على ضرورة إدماج البعد الثقافي في تناولات الجلد، فهو يفتح آفاق جديدة يمكن الاعتماد عليها لتجاوز الصدمات خاصة مع ما يتعرض له الفرد في عصرنا الحالي من صدمات متلاحقة إن كان على المستوى الفردي، الأسري أو على المستوى الجماعوي والمجتمعي إن لم نقل العالمي، بالرغم من التطور التكنولوجي الحاصل، هذا الأخير الذي يجب استغلاله من جانبه الايجابي وأيضا من جانبه الثقافي . ونشير هنا إلى ما ظهر من عوامل ثقافية متطورة للحماية كاللجوء المتزايد للأفراد من كل الفئات إلى فضاءات السيبار والانترنت والأصدقاء الخيالين (الافتراضيين) كمدعمين للجلد لتجاوز ما يتعرضون له من شدائد وصدمات . وهو ما يفتح الباب واسعا للأبحاث المستقبلية التي تساير العصر الذي نعيشه، وكذا بالبحث عن طرق تكيفية للثقافة المحلية وبما يتماشى مع مبادئنا وقيمنا الثقافية وهويتنا الإسلامية، لنمر بالتالي من الجلد الفردي إلى الجلد الثقافي خاصة مع ما نشهده من ضغوطات التثقيف والغزو الثقافي .

Bibliographie :

1- ANAUT Marie, 2003, La résilience,surmonter les traumatismes, Paris ,Nathan.

2- CLARINDO-OLIVEIRA Cláudia, 2006, Les éléments de résilience chez les demandeurs d’asile et réfugiés politiques,Psychologie Interculturelle, Université René Descartes, Paris V –Paris http://www.fafich.ufmg.br/~memorandum/a10/clarindo.htm

3-CLAUS Ehlers, LOPEZ Levi, 2002,Violence and community, terms in conflit:An ecologicalapproch to resilience,Journal of social Distress and Homeless.

4-CYRULNIK Boris,(2003). Le murmure des fantômes. Paris: Édition Odile Jacob.

5-CYRULNIK Boris, 1999, merveilleux malheur, Paris: Édition Odile Jacob.

6- DELAGE Michel, 2002, Aide à la résilience familiale dans les situations traumatiques, dans la revue  Thérapie familiale Vol 23, N°3, Genève.

7-DION STOUT Madeleine et KIPLING Gregory, 2003, Peuples autochtones, résilience et séquelles du régime des pensionnats, Collection recherche de la Fondation autochtone de guérison, Ottawa (Ontario). http://www.ahf.ca

8-DUBOIS Magali, 2004,  Approche compréhensive des attentes psychosociales des victimes d’agression, le journal international de victimologie,Année 2,n°3.

9- DUFOUR .H. M, NADEAU.L, et BERTRAND. K, 2000, Les facteurs de résilience chez les victimes d'abus sexuel:etat de la question, Université de Montréal, Québec, Canada,Elsevier Science Direct, Vol. 24, No. 6.

10- FISHER.G.N, 1994, Le ressort invisible; vivre l'extrême, Paris, Seuil.

11-GAKUBA Théogène-Octave, 2001,Les répercussions de la guerre et de l’exil sur l’identité de jeunes rwandais en France et en Suisse. Portail Santé Mentale et Cultures ,Centre Francoise Minkowska.

http://www.minkowska.com/rubrique.php3?idrubrique=15

12-HARCOURT Mike et al, 2006, Pour en finir avec l’incertitude et favoriser la résilience des collectivités, Rapport final du Comité consultatif externe sur les villes et les collectivités, Canada. http://www.infrastructure.gc.ca

13- IONESCU Serban , 2008, Résilience et culture ,in Les enfants d’aujourd’hui sont les parents de demain, le II Forum international « La securite psychologique, le trauma et résilience » Timisoara, Romania, Revue spécialisée dans la prévention et la maltraitance de l’enfant. n° 20-21.

14-JACQUES Paul, 2001, Trauma et culture de la mémoire collective à la reconstruction psychique,

15-JODELET Denise, 2006, Culture et pratiques de santé. Nouvelle Revue de Psychologie, n° 1.

16-LAAROUSI  VATZ .M & RACHEDI Lyliane, (2004), La résilience comme contribution sociale pour les jeunes et familles réfugiés, Thèmes Canadiens.

17-Le BOSSE Yann et DUFORT Francine,2001, Le pouvoir d’agir (empowerment) des personnes et des communautés. in Francine Dufort, Agir au cœur des communautés : la psychologie communautaire et le changement sociale. Presses Université Laval, Quebec

18-LEFORT Claude, 2000, préface de KARDINER .A, L'Individu dans sa société, (1939), traduit par Prigent T., Paris, Gallimard.

19-LINTON Ralph, 1999, Le fondement culturel de la personnalité,. Traduction de l’ouvrage anglais “The Cultural Background of Personality.” Traduit de l’Anglais par Andrée Lyotard. Préface de Jean-Claude Filloux , Paris  Éditions Dunod, Collection : Sciences de l’éducation

20-MANCIAUX Michel, 2003, La résilience en action, passeport pour la santé. Faire face aux difficultés et construire…,Actes de la journée régionale Faculté de Médecine Rockefeller – Lyon http://www.craes-crips.org

21-MANCIAUX Michel., 2001,La résilience, mythe ou réalité ? In : Manciaux M, ed. La résilience : résister et se construire.: Médecine et Hygiène, Genève

22-MARTIN.E, STEYAERT.M, DECCACHE.A, 2005, Favoriser la résilience de l’enfant migrant primo-arrivant et de sa famille … Rapport de recherche Projet UNISOL – UCL (Partie I), Projet soutenu par l’Université catholique de Louvain et le Fonds Houtman . http://www.md.ucl.ac.be/entites/esp/reso

23-MORALE Enza, 2007, Les approches basées sur la résilience, Centre National de la Recherche Scientifique CNRS et INIST.

http://www.mc gil.ca/psychiatry/transcultural/report.

24-NATHAN Tobie   & GRANDSARD Catherine,  2006, PTSD and fright disorders: rethinking trauma from an ethnopsychiatric perspective, Droits de diffusion et de reproduction réservés  - Centre Georges Devereux.

http://www.ethnopsychiatrie.net/TN&CG_PTSD.htm

25- PELLEMANS Paul, 1998, Le marketing qualitative : Perspective psychoscopique, De Boeck Université.

26- THEIS Amandine, 2006, Approche psychodynamique de la résilience,  Thése de Doctorat en Psychologie nouveau régime ;specilité psychologie clinique , sous la direction du Professeur Claude De Tuchey ,Université de Nancy 2.

27-VAN HOOLAND Michelle, 2005 ,La troisième personne maltraitance, résilience et interactions verbales, analyse psychosociolinguistique de témoignages: Maltraitance, résilience et interactions verbales. Analyse psychosociolinguistique de témoignages, Paris, L'Harmattan.

28-VANISTANDAEL Stefan, 1996, Bice,Genève.  http:// www.casita.fr .

29-VANISTANDAEL Stefan, 1996, La résilience ou le réalisme de l’espérance, Cahiers du BICE, Genève.

30-VANISTANDAEL Stefan, 2000 ,Résilience et spiritualité. Le réalisme de la foi, cahiers du BICE, Genève.

31- VERHAEGHE.J-C, et al, 2004, Pratiquer l'épistémologie : Un manuel d'initiation pour les maîtres et formateurs, De Boeck Université.

32- VON ALLMEN Rey, 1993, psychologie clinique et interrogations culturelles, Paris, L'Harmattan

Pour citer ce document

محمد الصغير شرفي / زهية غنية حافري, «مساهمة البعد الثقافي في سيرورة الجلد»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 12 جويلية 2010N°12 Juillet 2010
Papier : pp : 8 - 16,
Date Publication Sur Papier : 2010-07-01,
Date Pulication Electronique : 2012-05-23,
mis a jour le : 09/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=505.