النص الادبي من منظور بشر بن المعتمر(قراءة في صحيفته)
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 04 جوان 2006 N°04 Juin 2006

النص الادبي من منظور بشر بن المعتمر(قراءة في صحيفته)
pp : 7 - 18

إبراهيم صدقة
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يروم المقال تحديد تصور بشر بن المعتمر للنص الأدبي ,و ذلك من خلال الأفكار التي وردت في صحيفته, التي اشتملت على توجيهات عدة:منها ما يتعلق بالتعلم, ومنها ما يخص صناعة النص الأدبي والصورة التي يكون عليها,مضمونا وأسلوبا,والشروط النفسية والمعرفية التي يجب أن تتوفر في المشىء, والأوقات التي تستجيب فيها نفسه لصناعة النصوص وإنشائها.

ويتحدد تصور بشر بن المعتمر للنص الأدبي من خلال تطرقه إلى مرحلة التعهد, وبعض المفاهيم التي تنطوي عليها صحيفته, وقضية اللفظ المعنى وقدرة الصانع على إحداث الائتلاف بينهما...               

هذه هي الأفكار التي تحاول هذه القراءة استجلاءها وتأويلها وفق الغرض المرام.

L’artikle aspire a’ dèfinir la conception de BiShr Ibn-Mu ‘tamir du texte littéraire ; a’ partir du contenu de son œuvre. On Y trouve plusieur idées directrices : la didactique, l’élaboration du texte littéraire et ses configuration formelle et stylistique, les conditions psychotiques et épistémologiques que le créateur doit réunir et les moments favorable a’ la création littéraire..

BiShr ibn al-Mu’ tamir perçoit le texte littéraire à partir d’un arrét sur la période de révision, de quelques concepts fondant son œuvre, du problème du signifiant et du signifié et du pouvoir du créateur à réussir la combinaison entre les deux..  

Voilà ce que propose cet effort d’interprétation, conformément au mode de lecture approprié.

 توطئة:

تعد صحيفة بشر بن المتمر(ت.210هـ)(*)من الاصول المعرفية العربية التي تناولت الكثير منالافكاروالقضايا الخاصة بعمليتي: التعلم والابداع. وقد لفتت انتباه الدارسين في ميدا ن الدراساتالادبيةوالنقدية, قدماء ومحدثين. وكان الجاحظ اول من تلقاها باعجاب وابكار, ليجعل منها اسسا للدراسة البلاغية والدراسة الادبية, لا تزال معالمها باقية الى يوم الناس هذا, لانها تتناول الاسس الفعلية التي تنهض عليها صناعة النصوص الادبية,المتمثلة في صانع النص والكيفية التي ينبغيان يشكل بها نصوصه البداعية.

فقد يبذل صانع النصجهدا كبيرا في المحاولة والمعاودة, ولكنه لا يهتدي الى تحبيرنص فيه من المقومات ما يجلب الانتباه ويغذي العواطف والعقول. وقد يبذل صانع اخر جهدا اقل, ومع ذلك يكونعطاؤه اكثر واحسن من عطاء الاول.فرب ساعة افضل من عمل ساعات طوال,و اية ذلك ان نفس الصانع لاتستجيب في كل الاوقات لصناعة النصوص, ومن هنا عليه ان يستغل الاوقات التي تكون فيها نفسه قابلة لهذه الاستجابة,ومتى ادرك ذلك درت عليه مالا تدره اوقات اخرى تكون فيها نفسه في مناى عن هذه الاستجابة.هذه العلاقة – علاقة استجابة النفس واختيار الوقت بصناعة النص – نالت الحظ الاوفى في صحيفة بشر.

وقد بدا لي, وانا اقوم بقراءة هذه الصحيفة, انها تتمفصل الى ثلاثة تمفصلات عامة تتضافر فيما بينها لتكون تصورا معينا للنص الادبي,ورؤية تفردية للكيفية  التي ينبغي ان يتشكل بها.

وتتمثل هذه التمفصلات في تخصيصه حيزا في الصحيفة للحديث عن مرحلة التعهد ودورها في تحبيك النص, وفي العدول عن الطريقة المتبعة في عملية التعلم, وفي ضرورة الائتلاف بين اللفظ والمعنى.

هذه التمفصلات التي خصص لها بشر فضاء لاعطاء مفاهيم جديدة لها, ومن خلال بعض المصطلحات الواردة في الصحيفة, هي المدار والمحور الذي يدور حوله المقال من اجل اعطاء تصور شامل للنص الادبي وكيف ينهض بهصانعه.

 اولا: مرحلة التعهد لدى بشر واثرها في تحديد هوية النص:

تطرق بشر بن المعتمر,في صحيفته, الى الطرق التي يتبعها صانع النص الادبي وما يجب ان يكون عليه الادب في حقيقته المثلى,مؤكدا على ان تعاطي الصنعة  يرجع في اساسه الى "الطبيعة " و "العرق". واذا اتتفيا من الانسان انتفت الصناعة.الا ان "طناع" صانع النص لا تكون دائما مواتية له ومساعدة على التعبير عن افكاره وما يدور بخلده, بل احيانا يستعصى عليه الكلام ويجافيه القول,حتى ولو كان ذا طابع اصيل.في هذه الحالة نرى بشرا ينصحه بعدم الضجر, وبترك ذلك الى وقت اخر يكون فيه الذهن مرتاحا والنفس هادئة والاجابة حاضرة, يقول: ((فان ابتليت بان تتكلف القول, وتتعاطى الصنعة, ولم تسمح لك الطباع في اول وهلة وتعاصى عليك بعد اجالة الفكر, فلا تعجل ولا تضجر, ودعة بياض يومك وسواد ليلتك, وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك,فانك لا تعدم الاجابة والموتاة, ان كانت هناك طبيعة,او جريت من الصناعة على عرق))(1).

إن" الابتلاء" الذي يرومه بشر, يعني المعاناة الأدبية. فإذا كان الإنسان يعاني أدبا باطنيا,فذلك يعني انه صاحب طبع وذو ملكة أدبية. إلا أن هذه الملكة لا بد لها من "مران " وممارسة ودربة. ومن هنا فان بشرا يريد أن يشير إلى أن هناك علاقة وطيدة بين صانع النص الأدبي ونصه المصنوع,فكلما كان التناسب بينهما قويا كانت العملية الإبداعية جيدة ومفيدة. وقد كان بشر حريصا على أن يكون النص الأدبي ايجابيا. ولذلك ينصح الأديب بان يترك العملية الإبداعية إلى وقت أخر, إذا استعصى عليه ذلك في المرة الأولى.لان النص الأدبي لا يكون له وجود إلا إذا شعر الأديب بان هناك انقيادا معينا من طبعه يجذبه نحو تعاطي القول. أما إذا لم يكن لديه هذا الشعور والإحساس فان تناسب بينهما يكون منعدما ومن ثم تنعدم معه ولادة النص.

أن الصناعة لا تتم إلا إذا كانت هناك مشاركة بين الصانع والشيء المصنوع وإلا ترك هذه الصناعة إلى أخرى. ولذلك نرى بشرا ينصح الصانع قائلا له:((إن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك, وأخفها عليك فانك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا و بينكما نسب, والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله))(2).

أن صانع النص يتعامل مع اللغة, وهي مادة بعيدة عنه. وأثناء الصناعة يحاول أن يقرب هذا البعيد منه, وذلك بالبحث عن الألفاظ المناسبة لمقامه, فينتقي منها أفضلها وأكثرها لائمة. ولهذا شبه صانع النص بصانع الأشياء الجامدة, فكلاهما يتعامل مع مادة أجنبية عنه. فالمعدن منفصل عن الصنع, والخشب منفصل أيضا عن النجار, ورغم ذلك فان الصناعة تتم بطريقة جيدة وتخرج في أحسن صورة, لان التناسب بين الطرفين موجود والحنين بينهما قائم.

إلا أن صانع نفسه قد يصيبه, أحيانا, بعض الفتور والضعف فيصبح معها غير قادر على الصناعة والإبداع. وفي هذه الحلة عليه أن يترك هذه الصناعة إلى صناعات أخرى. ولذلك نجد بشرا يذكر الأديب(الصانع) بالحالات النفسية التي تكون فيها نفسه راغبة في التعبير والكتابة. وذلك باغتنامه كل الفرص حتى ولو كانت قليلة.يقول((خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك, فان قليل تلك الساعة أكرم جوهرا واشرف حسبا وأحسن في الإسماع, وأحلى في الصدور,واسلم من فاحش الخطأ, واجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف ومعنى بديع. واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة))(3).

أي أن لصناعة النص أوقات معينة, وان النص الأدبي في نظر بشر, هو ذلك القول الذي يخلو من أي فحش أو خطا, كونه"غرة ". وان "الشرف "الذي وصف به بشر مادة النص الأدبي, يوحي لنا بأنها,ينبغي أن تكون من نوع خاص. وكأنه يريد أن يفاضل بين النصوص التي تتم عن طريق "التكلف والمعاودة "وبين التي تتم عن طريق الاستجابة النفسية عندما تطاوعها ريشة الأديب.

إن الإنسان لا يعاب إذا لم يصنع نصا أدبيا, أو لم يكن من صانعي النصوص, وإنما يعاب إذا ادعى الصناعة ولكنه لم يكن متقنا لها كل الإتقان وحاذقا لها كل الحذق.ولهذا يلح بشر على الإتقان والحذق والطبع فيقول:((فانك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ذلك احد.فان أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لشانك, بصيرا بما عليك وما لك, عابك من أنت اقل عيبا منه, ورأى من هو دونك انه فوقك))(4).

إن النص االادبي- حسب هذا المفهوم- يتحول عند الملتقى إلى سلاح يدافع به صاحبه عن نفسه أو يهلك به. ومن هنا نفهم كيف كان القدماء يركزون على "الطبع"وجودة "الصنعة"وما يجب توفره لدى كل من الصانع والمتلقي.

هذا التصور الصناعي للنص لدى بشر بن المعتمر- كما هو لدى غيره من النقاد الذين جاءوا من بعده- قائم على القدرة التي تحصل للأديب بعد"الطبع"واختيار الاوقات المناسبة لعملية الصناعة. وهذه القدرة يكتسبها من تجارب السلف ومهارتهم.لان المعرفة لا يتم تراكمها في ذهن الاديب الا اذا تزود من ثقافة السابقين وقابل بين نصوصهم المختلفة ووازن بينهما, وادرك سر قوتها وضعفها.هذه المعرفة هي التي جعلت بشرا يقف موقفا غير مستحسن من ابراهيم بن مخرمة السكوني, وهو يعلم فتيان قومه, اذا قال لهم بشر((اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا))(5).لان الكلام الذي سمعه من هذا المعلم لم يكن في النزلة التي ينبغي ان يكون عليها, خاصة وان المقام مقام تعليم الناشئة فن الخطابة وكيفية انشاء نصوصها واذاعتها في المستمعين.

ان صناعة النصوص قائمة على تلاقح الخبرات وتدافعها وانصهار بعضها في بعض. فخبرة بشر,هنا, في توليد النصوص وصناعتها لم يستفد منها الفتيان فقط, بل معلمهم كذلك, وذلك حينما قال((انا احوج الى هذا من هؤلاء الفتيان))(6).وهذا يعني انه اقل تجربة وخبرة من بشر,وان تجربة هذا الاخير برزت في صحيفته التي قدمها لهذا المعلم الذي استفاد منها وتزود بزادها.فكانت, هذه الصحيفة, خيرا عم جميع المشتغلين في مجال العلم والمعرفة العامة وصانعي النصوص الادبية ومتلقيها. وبهذه الطريقة تنتقل المعرفة والثقافة  الى ذاكرة الخلف, ومن ثم يتم التواصل المعرفي بين الاجيال, وتبقى المحافظة على الاصول قائمة, مع اضفاء بعض المستجدات حتى تبقى الصناعة القولية محافظة كذلك على قواعدها واسسها الصارمة التي تميزها من بقية الصناعات الاخرى. وبهذه الطريقة تكون الذاكرة عبارة عن خزان للمعرفة, كونها عاملا من العوامل التي يتخذها الاديب اساسا في عملية صناعة النصوص. لان((الذاكرة لا تخزن الصور فحسب,وانما تصهر وتغير من طبيعتها لتشكل منها انماط جديدة))(7).ومن هنا تلعب الذاكرة دورا كبيرا في تزويد الاديب بالانفعالات والمشاعر والاحاسيس التي تعد رصيدا تنهض عليه النصوص الادبية.

ان التعلم ومجالسة العلماء واهل البنيان, والاستماع الى الحكماء امر ضروري لكل صانعي النصوص ومتلقيها, اذا ارادوا عصمة بيانهم من الفساد وحمايته انفسهم من الخطل والخطا.

ثانيا: مفهم النص لدى بشر:

يبدو ان بشر اراد بصحيفته هاته, ان يرشد الادباء الى الكيفية التي يكون عليها اسلوب النص ووحداته, بطريقة علمية تضبط النصوص وتجعلها تفرغ في قالب موحد يخضع له كل من يتعاطى صناعة النصوص. خاصة اذا عرفنا ان المقام الذي قدمت فيه هو مقام تعليم وتعلم. وغرض بشر هو تطوير هذه الطريقة, والرفع من شانها وعدم تركها لاناس لا يدركون مجالها. والدليل على ذلك انه لم تعجبه طريقة ابراهيم بن جبلة في تعليم الفتيان فن الخطابة. وصنيع بشر في تقويم طريقة هذا المعلم دليل على انه مدرك ادراكا جيدا مجال هذه الصناعة, وانه جدير بهذا التوجيه. كان بشرا يريد ان يقول, ان الانسان لا يستطيع الخوض في مجال من مجالات الكتابة او التعلم الا اذا كان اهلا له. وهذا التاهيل لا يتم الا بالتعلم. وفي هذا كله ما يشي بجدوى التعلم. والنص الادبي لا يمكن ان يكون له وجود الا بالتعلم. لان في التعلم خروجا عن التقاليد البالية والطرق المبتذلة. والدليل على ذلك ان النص الادبي الذي يفضله بشر هو الذي يكون((اكرم جوهرا,واشرف حسبا, واحن في الاسماع,واحلى في الصدور, واسلم من فاحش الاخطاء واجلب لكل عين غرة))(8).لان هذه الخصائص:"الشرف" و"الحسن" و"الحلاوة" و"الخلو من فاحش الاخطاء",والاهتمام بما هو"غرة", اي افض واحسن,هي خصائص النص الادبي, وهي التي تفرق بينه وبين النص غير الادبي.

والنص الذي يكون على هذه الطبيعة,ووفق هذه الخصائص لا بد من ان يكون لصانعه تعلم خاص يمكنه من البحث عن المقومات الفنية التي تنشرح اليها الصدور وتستحسنها الاسماع. لان الشرف الذي يقصده بشر, ليس معناه  تلك القيم الاخلاقية العالية فقط, التي يكون عليها افرفد المجتمع, بل المقصود بها,كذلك, تلك القيم الفنية التي تسمو بالكلام وتجعله في منزلة رفيعة.فالنص الادبي اذا, كلام رفيع المنزلة ذو وظيفة تاثيرية خاصة, واسلوبه ينبغي((ان يكون مقبولا قصدا, وخفيفا على اللسان سهلا, وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه))(9).

يشير بشر,هنا , إلى ان الكلام الجيد , هو الذي يكون معبرا تعبيرا صادقا عما يشعر به صانعه , و بطريقة عفوية , حتى يكون الأسلوب "خفيفا على اللسان سهلا " لأن الخفة و السهولة مصدرهما التلقائية إذا هي سبب جودة الكلام و سهولته و عكس السهولة  "التوعر"  , الذي يحذر منه بشر و يجعله سببا في رداءة الكلام , إذ يقول:((وإياك والتوعر,فان التوعر يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك, ويشين الفاظك))(10).لأن قيمة النص لا تتحدد بالأفكار والمعاني, بقدر ما تتحدد في طريقة التعبير عنها.

والملاحظة أن بشرا يفرق بين "التوعر"و "التعقيد",وكان المقصود بالتوعر,التكلف في البحث عن الألفاظ الغريبة التي تفضي بالملتقى الى"التعقيد",الذي يكون سببا في العزوف عنه.فالتوعر يحول دون تأدية النص وظيفته التأثيرية لأنه كلما كان النص مستغلاقا ملما كانت النفوس منه أنفر وأعزف, وأنها لا تنجذب إلا((مع الشهوة والمحبة))(11).ولا تتلاءم إلا مع الاشياء التي لها من المدلولات ما يجعلها تنسجم معها. فيؤكد بشر, بهذه الإشارة , على المراسلة, أي على النص باعتباره عملية إنتاجية تستقبله نفوس تقوم بتحلله وتفكيك دواله, لتصل الى فهم خطابه. والتعقيد يحول دون فهم الخطاب. ومن ثم يكون"التوعر"سببا في"تشيين"الألفاظ والمعاني.

لأن بلاغة النص تتأتى للمتلقى بعد التحليل الأسلوبي له, وفي هذا المعنى يرى صلاح فضل((أن النص تتجلى فيه بنية كبرى ذات وحدة كلية شاملة. هذه البنية بالذات هي الموضوع التأويل البلاغي الذي يأتي في الدرجة بعد التحليل الأسلوبي للمتواليات فالنص وحدة معقدة من الخطاب,إذ لا يفهم منه مجرد الكتابة فحسب وإنما يفهم منه أيضا عملية إنتاج الخطاب في عمل محدد.فالخطاب يتجمع فيه أولا عمل تركيبي يجعل من القصيدة أو القصة وحدة شاملة لا يمكن قصرها على مجرد محصلة جمع عدد من الجمل والفقرات ثم يخضع هذا التركيب لعدد من القواعد الشكلية,أي لعملية تشفير لا باعتباره لغة, وإنما باعتباره خطابا يؤدي إلى وجود      ما نطلق عليه قصيدة أو غيرها))(12).

وإذا كانت صحيفة بشر خاصة بالعملية الإباعية,فإنها تشير إلى ما يجب أن يكون عليه النص من حسن ووضوح حتى يستطيع ان يقدم للقارئ المفاتيح الممكنة التي تجعله يظفر بخطابه, بعد التفاعل الذي يحدث بينه وبين نسيجه اللغوي الذي هو خاصيته المميزة. وهنا يمكن أن نستشهد بقل الجاحظ في تعريفه للنص الشعري في فيقوله:((فإنما الشعر صناعة, وضرب من النسج, وجنس من التصوير))(13).وهنا إشارة إلى أن النص قائم على الحذق والمهارة.لأن عملية التشفير تشبه عملية صناعة الاشياء, والطريقة التي يتبعها الصانع في صناعته.

ويخيل إلى أن نقادنا القدماء كانوا يتصورون أن النص الأدبي يصنع كما تصنع بقية الأشياء الاخرى-منزلية وغير منزلية- من عدة أشياء وقطع, كل قطعة في مكان معين, وهي تشكل مع أخواتها هذا الشيء المصنوع الذي ينتفع به الإنسان ماديا ومعنويا.فالاشياء المصنوعة مركبة من وحدات خاصة, والنص الأدبي مركب كذلك من وحدات خاصة, وهي الكلمات التي حيكت ونسجت بطريقة فنية, فتبدو هذه الوحدات متشابكة ومتواشجة كتشابك خيوط النسيج وتواشجها. وهذا هو المعنى الذي تومئ إليه عبارات الجاحظ:"صناعة"و"النسيج"و"التصوير".

  هذا الإحكام في الصنعة والنسج, هو الذي جعل النص الأدبي "فضيلة " ومزية خاصة لدى الجاحظ.

   ثالثا : قضية اللفظ والمعنى عند بشر ودورها في تشكل النص :

يعد بشر بن المعتمر من بين البيانيين الذين دشنوا الجدال والنقاش في موضوع اللفظ والمعنى وأعطوا أبعادا نقدية خاصة, مؤكدا على شرف المعنى وجمال اللفظ. إلا أن هذه الصفة لا تتحقق له إلا إذا راعى صانعه فكرة المنفعة والصواب, منفعة المتلقي واستحسانه لما يلقى إليه من كلام. وفي هذا المعنى يقول بشر((ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما, فمن حق المعنى الشريف,ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنها))(14).

   إن المدار في شرف اللفظ والمعنى, إنما هو مقيد بقدرة صانع النص في صدق شعوره وجودة تعبيره ومشاكلة اللفظ للمعنى الذي يومئ إليه. وأن الأساس كامن في الائتلاف بينهما لأن بشرا لا يشترط أن يكون المعنى دائما شريفا, ولكن الذي يروم المعنى الشريف عليه أن يختار له اللفظ الشريف, حتى لا يحدث التفاوت بين مستوى اللفظ ومستوى المعنى. والدليل على ذلك أنه يؤكد في موضع آخر من صحيفته,بأن ((المعنى ليس بشرف بأن يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة. إنما مدار الشرف على الصواب و إحراز المنفعة مع موافقة الحال, وما يجب لكل مقام  من مقام)(15).

   يتضح من كلام بشر,أن الشرف الذي يلح على توفره في الكلام, لا يكمن في القيمة الأخلاقية أو الإجتماعية,بقدر ما يكمن في القيمة الفنية, أي الرفع من مستوى الكلام والاعلاء من قييمته ومنزلته, وذلك بالا يتوخى صاحبه الدلالة اللغوية النازلة, وانما يتجاوز ذلك الى التاثير في الملتقي حتى يحرز المنفعة.

كما أن" الصواب "لا يعني إصابة المعنى وصحة التعبيرفقط, بل يعني كذلك انتقاء الألفاظ الدالة على حال المتكلم وغرضه والسمو بها حتى تلبى ما يتطلبه المقام, سواء أكان الكلام موجها إلى العامة أم إلى الخاصة. فالمزية تكمن في مراعاة المقام والطبقة التي يوجه إليها الكلام. وفي كل هذه الأحوال يجب أن يعطى الاهتمام للتناسب بين اللفظ والمعنى, وإلا لم تحصل المنفعة. ولهذا نجده يخاطب مشكل النص قائلا له((أن يكون لفظك رشيقا عذبا, وفخما سهلا, ويكون معناك ظاهرا مكشوفا, وقريبا معروفا, إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت, وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت))(16).

إن المقصود باللفظ,هنا, هو اللفظ من خلال سياقه التركيبي, اي وسائل التعبير كلها وليس اللفظ مفردا.ويبدو هذا من خلال سياق الصحيفة كلها التي تعالج الكيفية التي يجب أن يكون عليها النص الادبي, سواء اكان قصيدة امخطبة ام مقالة ام غيرذلك من فنون القول التي يتجاوز فيها صانعوها اصابة المعنى بالتركيب اللفظي المباشر, الى التشكيل الفني الموحي, حتى يكون كلامهم ضمن الدائرة البلاغية, ومن ثم يكون من صفوة البلاغيين.لان تشكيل الكلام تشكيلا بلاغيا يتطلب قدرة خاصة, وان الصانع البليغ تتجلى بلاغته في كيفية تشكيله للمعاني بحيث تناسب مستوى المخاطبين وافكارهم ومنطق عقولهم. وفي هذا المعنى يقول بشر((فان امكنك ان تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ولطف مداخلك, واقتدارك على نفسك, الى ان تفهم العامة معاني الخاصة, وتكسوها الالفاظ الواسطة التي لا تلطف على الدهماء(**) ولا تجفو على الاكفاء, فانت البليغ التام))(17).

ومن هنا تتجاوز قضية اللفظ والمعنى, لدى بشر بن المعتمر, دلالتها المعجمية الى البناء الفني والوسائل التعبيرية بعامة, وعلاقة كل ذلك بحال المتكلم والموقف الذي يكون عليه.

   هذا هو التصور الذي كان في ذهن بشر بن المعتمر- حسب تصوري الخاص- وهو بصدد تحبير صحيفته, وهو تصور قائم على الكيفية التي ينبغي ان تكون عليها النص الادبي في ائتلاف وحداته وترابط اجزائه, وتوظيف الكلمة في مكانها المناسب وعدم ارغامها في غير موقعها. ولنستمع اليه وهو يخاطب صانع النص وينصحه بعدم ارغام الالفاظ في غير اماكنها قائلا له اذا كانت((اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر الى قرارها والى حقها من اماكنها المقسومة لها...فلا تكرهها على اغتصاب الاماكن والنزول في غير اوطانها))(18).

  وهذا المبدا شبيه"نظرية النظم "عند عبد القاهر الجرجاني المؤسس على ضرورة انزال الالفاظ في اماكنها تبعا للوضع اللغوي النحوي السليم(19).

ويدعو بشر, هنا, الى انتقاء الالفاظ واستبدال بعضها ببعض, حتى تستقر في قرارها ومكمنها. لان للالفاظ حقولا خاصة, وكل حقل يتكون من مجموعة الفاظ تكون متقاربة في الدلالة. وعلى منتج النص ان يكون قاموسه اللغوي ثريا حتى يستطيع القيام بعملية الاستبدال بين الكلمات التي تشكل حقلا معينا.

   واذا حدث ان اخذ مشكل النص الفاظا من حقول اخرى, فينبغي ان يحشد لها من القرائن و"الوسائط "ما يجعلها غير قلقة وغير نابية. ومن ثم يبتعد عن "الاتصاب "و "النزول في غير الاوطان ", ويحترز عن التعقيد في العبارة والخطا في المعنى.

   ومن هنا كانت اهمية الصحيفة, ولا تزال, موضع اهتمام وامتنان ودراسة من النقاد المحدثين, حين يدعون الى العودة اليها لاهميتها وصلاحية مبادئها للدراسات البلاغية والنقدية. من هؤلاء محمد محمد ابو موسى الذي يقول((وصحيفة بشر من الاصول البلاغية المهمة والتي تحتاج الى مزيد من المراجعة,لانها الهت الدارسين كثيرا من الافكار والقضايا من مثل القول بملاءمة اللفظ لمعناه كرما وخسة... ومثل القول بان شرف المعنى لا يعتقد به في تقدير النص والحكم عليه وانما المعقول في ذلك موافقة الحال, وما يجب لكل مقام. ثم القول في  تسهيل المعاني العالية وادنانها من الافهام العامة وحاجة ذلك الى البصر بسياسة المعنى والاقتدار في صياغته والسيطرة عليه))(20).

   وهكذا نلاحظ ان مضمون هذه الصحيفة لا يزال يستحوذ على عقول عدد غير قليل من افكار النقاد والباحثين من الجاحظ الى يوم الناس هذا, وان كل واحد يتناولها بطريقة خاصة, ويعرضها في كل مرة تحت نور جديد, وكانها لم تتناول الا بهذه الكيفية وبهذه القراءة. وان النص الادبي, في تصوره, ذو وشائح خاصة, عند ابداعه, تتوفر لبعض الناس ولا تتوفر لبعضهم الآخر, مما يشي بان العملية الابداعية,في نظره, تتطلب مقدرة خاصة وشروطا نفسية ومعرفية لدى المبدع.

                                            

مراجع:

(*)-بشر بن المعتمر صاحب البشرية,انتهت اليه رياسة المعتزلة ببغداد. وانفراد عن اصحابه في بعض المسائل. وكان نخاسا في الرقيق. ..(ينظر الجاحظ: البيان والتبيين,تح, عبد السلام محمد هارون, دار الجيل, بيروت,ج1,ص41, هامش رقم4).

    ويذكر عنه ابن النديم, انه كان شاعرا, واكثر شعره على المسمط والمزدوج, وقد ذكر له24 كتابا من الكتب النظمية.(ينظر, الفهرست,ص711).

1-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص138. وكذلك ابو هلال العسكري: الصناعتين, ص153.

 وابن رشيق القيرواني: العمدة,ج1,ص214.

2-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص138.

3-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص ص135-136.

4-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص138.

5-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص135.

6-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص135.

7-جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب, المركز الثقافي العربي,بيروت,ط3, 1992,ص90.

8-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص135.

9-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

10-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

11-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص138.

12-صلاح فضل:بلاغة الخطاب وعلم النص, علم المعرفة, الكويت, 1992, ص241.

13-الجاحظ: كتاب الحيوان,ج3,ص132.

14-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

15-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

16-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

(**)-الاصل في الدهماء: جماعة الناس. والدهماء: القذر. والدهمة السوداء. ومنه فردوس ادهم.وناقة دهماء: وقوله تعالى: "مدهامتان": اي سودوان من شدة الخضرة من الري.

(ينظر, مقاييس اللغة, وكذلك المعجم الوسيط, مادة(دهم).

17-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص136.

18-الجاحظ: البيان والتبيين,ج1,ص138.

19-ينظر,عبد القادر جرجاني:دلائل الاعجاز,صفحات:18, 118, 51.

20-محمد محمد ابو موسى: خصائص التراكيب,ص21.

Pour citer ce document

إبراهيم صدقة, «النص الادبي من منظور بشر بن المعتمر(قراءة في صحيفته)»

[En ligne] العدد 04 جوان 2006N°04 Juin 2006 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 7 - 18,
Date Publication Sur Papier : 2006-06-01,
Date Pulication Electronique : 2012-06-12,
mis a jour le : 12/02/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=511.