شعـر الإخوانيات في معتقل بوسوي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 14 جوان 2011 N°14 Juin 2011

شعـر الإخوانيات في معتقل بوسوي

بلقاسم دكدوك
  • Auteurs
  • Texte intégral

  إن الاخوانيات فن من فنون الأدب العربي القديم، إذ أن الإنسان بأخيه ولذا كان الشعراء يهتمون بها سواء   أكانت تعزية، أم عتابا، أم شوقا أم مراسلات عادية، وكل ذلك لربط أواصر القربى، ووشائجها والمحافظة على أصول الإخاء، وتمتين دعائم العلائق الأخوية .والسجناء أحوج الناس إلى هذا التكاتف، وتلك الأخوة، لأنهم سجنوا من أجل قضية واحدة، ومن طرف   استعمار واحد لا يفرق بين هذا وذاك ولذا كان هؤلاء السجناء في مستوى الموقف، فكونوا صالونا أدبيا اسموا "الندوة الأدبية" ليكون ملتقى تلاقح الأفكار، وتنافح الأرواح وتبادل المشاعر، وإيصال صوتهم إلى العالم الخارجي.

ولا عجب في ذلك فهم أبناء جمعية واحدة ـ عموما ـ جمعية العلماء المسلمين ويعملون في سلك واحد وهو التعليم، كما أنهم أبناء الريف المحبون للصداقة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والمخلصون إذا أحبوا، ومن هؤلاء الشعراء الذين كونوا هذه الندوة: أحمد سحنون، أحمد عروة، أحمد شقار الثعالبي، خالد بن يطو، عمر شكيري، محمد الشبوكي، مصباح الحويذق وغيرهم.

وسموا هذه الإخوانيات بالهدايا ورقموها حسب الترتيب الزمني لها، وهي في الحقيقة أسلوب من أساليب التكتل ضد المستعمر داخل السجون والمعتقلات وأسلوب من أساليب الحوار في مسرح الحياة اليومية وراء القضبان، وخلف الجدران.

وهي عبارة عن أشعار تتكلم عن أواصر الود، والإخاء، فيها الحنين إلى الاخوان والعتاب على بادرة صديق، والشكوى من فراق آخر، (إنها حديث القلب للقلب، وهمسات المحب للمحبوب، فيها يغيب الكبر، ويصغر التعالي، وتشمخ المحبة، والثقة، ويتألق عطاء النفس) [2]، كما كانت مثيرا لكوامن النفس، وتعبيرا على آلام الحبس وتذكيرا بمأساة وطنهم.

والقارئ لهذه الإخوانيات ـ الهدايا ـ يجدها على خط واحد هو الخط المأسوي، التراجيدي، رغم ضعف الناحية الفنية، وعدم ارتفاع هذه المقطوعات [3] إلى مستوى المأساة الحقيقية لهؤلاء الشعراء.

ومن ناحية أخرى نستطيع القول إن هذه الاخوانيات قد التزمت التقاليد العريقة للمقطوعة الشعرية في السجون، إذ كانت عبارة عن نفثات تصدر أوان الضيق، وتتلاشى حين زواله، كما أنها تمتاز بالصدق والانثيال العاطفي، والتركيز على الموضوع الكلي ولذا كانت من بين الشعر الذي عبر عن حياة السجناء، ونقل إلينا ذواتهم، في بساطة كلية، ووضوح تام، وذلك لأن مثل هذه الإخوانيات (تعبير صاف لاقيد يقيده، ولاحد يحده، عن كل نزعات النفس) [4].

والمتصفح لهذه الاخوانيات يجدها مرتبة، كما أسلفنا الذكر، ولذا فإني سألتزم هذا الترتيب الزمني، الذي توخاه أصحابه، في كتابة هداياهم كما يحلو لهم أن يسموها ـ الإخوانيات ـ وأول من ابتدأ هذه الاخوانيات

حسبما ورد في المخطوطة، هو الشيخ أحمد سحنون[5]"حيث كان يوجه ــ "الهدايا"ــ الشعرية إلى كل من

يأنس كمون البذور الشعرية في نفسه من إخوانه الملتفين حوله لينمي هذه البذور، فتخرج براعمها وتؤتي

ثمارها، وتضيف إلى أسرة الشعر أعضاء جديدة تعتز بهم دولة الأدب" [6]وكما يبدو من هذا التعليق أن غرض هذه الهدايا كذلك غرض أدبي، فني، ترويحي، إضافة إلى ما سبق، وهو أشبه بصالونات الأدب في الآداب العالمية.

ولعل أول مبادرة كانت التالية "إلى الأخ الوفي الشيخ خالد بن يطو[7]، اعترافا بوفائه، وتخليدا لصدق إخائه:

         وفائي لحبك يا "خالــــــد"             كحبك لي أبدا خالـــــــــــد [8]

         وسل ما بقلبــــك فهو الذي               بمــــــا أنا قائله شاهــــــد

         فقلبي وقلبك صيغا معـــــا              من الحب فليخسـإ الحاســـــــد

         وما يدعي الناس من حبهـــم               نفاق،  وإن جحد الجاحــــــــد

         فلا تعتــــرف بموداتـــم               فكـل لأغراضـــه صائـــــد

         ولا تغترر بابتسام امــــرئ              فمــن دونـــه قلبـــه الحاقــد

 ففجرت هذه المقطوعة ينابيع شعر خالد بن يطو، وهزته في الأعماق فما كان منه إلا أن رد على الشيخ أحمد سحنون بهذه المقطوعة مقدما لها بقوله "إلى القارئ الكريم التحفة الأولى لهذه الزهرة المتفتحة، ردا على التحية الشعرية الموجهة إليه" [9] .

سموت يا حب حتـــى          سموت بي في السمـــــاء

أنقذتني من جحيــــم           سئمت فيه بقائــــــــي

فاليأس حطم قلبــــي           وامتص مني دمائــــــي

وحين قدمت كأســــا          وجدت فيها شفائـــــــي

وحين أشرقت نـــورا           أبصرت فيه رجائــــــي

وكنت لي كصبــــاح          ودعت فيه مسائـــــــي

وتبدو الاعترافات في هذه المقطوعات جلية، لأنها وليدة الشعور المصطحب بالأمل، والقلق، والخوف، والرجاء، والحسرة، والألم هذا من جهة، ومن جهة ثانية تبدو مشاعر الحب، والاعتزاز بالصداقة، وبخاصة في أوقات الضعف البشري،..ولا عجب في ذلك لأن "العظماء هم الذين يقلقون القلق العظيم، ويتألمون الألم العبقري،....هؤلاء كانت عظمتهم مصدر قلقهم وألمهم" [10].وهل هناك أعظم من أن يقلق الإنسان على حريته

المهدورة، ووطنه السليب، وزوجه البعيدة. وأبنائه المشردين؟ إنها المأساة الكبرى التي تجعل الشعر يتفجر من

الصخر، فما بالك بشاعر رقيق الإحساس مشبوب العواطف!؟.

وبمجرد أن تفتحت تلك الزهرة عن أكمامها، حتى رآها الشيخ أحمد سحنون وأنبهر بها، فاهتز معجبا، مشجعا، مباركا هذا المولود الجديد في دنيا الشعر:

تفتح للآداب والشعـــر برعـــــم     فكلفــؤادبالمسـرة مفعـــم [11]

تفــتح في جـو تلبـد غيمــــــه       فأضحى ووجه الصبح كالليل مظلم

بمعتقل جهم المحيـــا مقطـــــب        فمـا فيـــه إلا ما يـوء ويؤلم

ولـــكن لســحـر العبــقرية قوة        عوائقها مــن نفسـها تتحطـم

فإن فاض شعرا رائقا قلب "خالد"وأصبح       حقــــا مـــا به كنت أحلم

فلا عجب أن يخلق الحب شاعــــرا        يظــل بألحــان الهوى يترنم

فصغ من أناشيد الهوى كل خالـد تكن          "خالــدا" حقا بمـا أنت تنظـم

وكانت هذه المقطوعة بمثابة إزالة الحجر عن فم النبع، فترقرق شعر خالد، وسال عيونا، تملأ أجواء المعتقل صفاء، وودا، وحنانا مبرزة آلامه، وآماله، ومذهبه الوجداني الصافي الذي يتلون بتلون الحياة في السجون، والمعتقلات، فتراه تارة عذبا، زلالا وطورا سوداويا، متشائما، متلبد الغيوم، تائها في دنيا الأحلام والرؤى، ويكون رده على الشيخ أحمد سحنون:

أنـت يـا ليـل بلسـم لجراحـي               وضياء أبصرت فيه وجــــــــودى [12]

<span style="font-family:arial, helvetica, sans-seri

Pour citer ce document

بلقاسم دكدوك, «شعـر الإخوانيات في معتقل بوسوي»

[En ligne] العدد 14 جوان 2011N°14 Juin 2011 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-06-13,
mis a jour le : 15/06/2012,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=525.