روح التفلسف عند أبي الوليد ابن رشد – بحث في الدلالة والأبعاد- The spirit of philosophy from the point of view of Averroes - Look for sense and dimensions –
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

N°28 Vol 15- 2018

روح التفلسف عند أبي الوليد ابن رشد – بحث في الدلالة والأبعاد-

The spirit of philosophy from the point of view of Averroes - Look for sense and dimensions –
pp 258-269

نبيلة العمزاوي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

يحاول هذا البحث طرح مكانة التفلسف عند الفيلسوف القرطبي أبي الوليد بن رشد من خلال دراسة تحليلية لكتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال"، كاشفا دور هذه الروح في أفق تمثلاتنا الإسلامية، ببيان البعد الدلالي الوظيفي للفلسفة والبث في شرعيتها، قصد ردم الهوة بين المعرفي اليوناني والإسلامي وتَجاوز المساعي التقريبية لفلاسفة الإسلام من منطلق أنموذجه الفكري، والبحث في منتهاه وقف عند أبعاد هذه الروح وعلاقتها بالدين في الفكر العربي من خلال المطارحة العلمانية للمفكر اللبناني فرح أنطون. بُغية الخروج من نمطية الفهم التلفيقي إلى فهم أكثر وعيّ للمتن الرشدي في سياق داخلي يخدمه النص وخارجي مرتبط بالتاريخ.

الكلمات المفاتيح: الفلسفة، الحكمة، التأويل، النموذج الأرسطي، النموذج الكلامي.

 

 

La présente étude tend à dévoiler le statut de la philosophie chez le philosophe Averroès (Abû Walid Muhammad Ibn' Rushd), à travers une analyse de son livre « Fasl Al Maqual»(Le Discours décisif) qui met en évidence les marques de sa philosophie dans nos représentations islamiques, en démontrant le concept fonctionnel de la philosophie. Ainsi, l’interstice créé suite au contact avec la pensée grecque est réduit et les démarches approximatives de certains philosophes penchées sur l’Islam, sont dépassées. La présente étude met à la fin l’accent sur les proportions de cet esprit philosophique et la relation entre la philosophie et la Charia dans la pensée arabe et ce à travers la thèse laïque du théoricien libanais Farah Antoine. Cette démarche a donc pour objectif d’échapper à la compréhension superficielle et de s’imprégner d’une conscience approfondie dans un contexte idéologique entretenu par le texte et le contexte externe lié à l’Histoire.

Mots clés :Philosophie, Sagesse, Interprétation, Paradigme d’Aristote, Paradigme théologique. La laïcité

The present study tends to reveal the status of the philosophy from the point of view of the philosopher Averroes (Abû Walid Muhammad Ibn ' Rushd), through an analysis of his book "Fasl Al Maqual" (The decisive Speech) which highlights the marks of his philosophy in our Islamic convictions, so that demonstrating the functional concept of the philosophy through the notion of interpretation. So, the gap created further to the contact with the Greek thought is reduced and the rough initiatives of many other philosophers are overtaken. The present study focuses in the end on the proportions of this philosophic spirit and the relation between the philosophy and the Sharia in the Arabic thought and through the laic theory of the Lebanese theorist Farah Antoine. This approach thus aims to escape the superficial understanding and to become impregnated with a consciousness gone deeper into an ideological context maintained by the text and context connected to the history.

Keywords:Philosophy, Wisdom, Interpretation, Aristotle’s paradigm, Theological paradigm. Secularism

Quelques mots à propos de :  نبيلة العمزاوي

جامعة محمد لمين دباغين -سطيف2lamzaouiNnlamzaoui@gmail.com

فاتحة: بحث في سياق الإشكال

إن المتأمل في الدراسة التي خصّها أبو الوليد ابن رشد Abû Walid Muhammad Ibn' Rushdبمسمى فصل المقال تثير الكثير من التساؤلات، ولعل أبرزها التساؤل حول السياق الذي جاء فيه إشكال فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، وضمن أيّ شروط برز؟سؤال يحمل الكثير من الارتياب اعتبره فيلسوفنا سؤالا مشروعا لا يشكل إهانة إلى الشريعة، بل أراد من ذلك أن يُسائل الشرع، مثل أي شيء آخر قابل للمساءلة. هذه المساءلة التشكيكية قادت أبو الوليد نحو البحث في تراث الخطاب الشرعي، وتقديم قراءة واسعة لحجم الخصومات الفكرية والفلسفية وطبيعتها المحركة، تلك الخصومات التي تصدى لها أبي حامد الغزالي Abi Hamid alghazaliبما صاغه من فكر سنّي لازم الأشعرية، رام به طرد الفكر الفلسفي ليتلمس مشروعية هذا الفكر داخل القول الشرعي بحثا عن الحق الذي لا ينكشف إلا من خلال التأويل.

ومن هذا السياق؛ كان التفكير الفلسفي في إطار الشريعة إحدى المسائل الكبرى في الثقافة الإسلامية والمعلم البارز لجدل الأنا بالآخر، التي تعدّ علاقة ملتبسة وجدّ معقدة، يكمن التعقيد فيها كون الغير الذي هو الحكمة بمثابة الجزء المريب المهدد لذاتيتنا الإسلامية، ليكون بذلك هذا الإقرار بمثابة إلزام أنطولوجي ناتج عن قابلية الأنا الإسلامي الذي وقع تحت وطأة الغير الذي يهاجمه، وهنا نقترح في هذا السياق تبيان حقيقة هذه الروح المغايرة في أفق تمثلاتنا التي يؤطرها الشرع، وقد أخذ هذا الإشكال ثلاث مناحي الأول؛ منحى الدمج. والثاني؛ منح الفصل.والثالث؛ منحىالفصل مع وحدة الغاية وهو ما وقف عليه ابن رشد شرحا وتفصيلا في كتابه الفصل، لنتساءل على ضوء هذا التحليل مع ابن رشد:" هل روح الحكمة مبثوثة في ثنايا الشريعة ولها ما يبررها أمّ لا؟ وللإجابة عن ذلك اقتضى التحليل تبيان العناصر الآتية:

Ø                       روح التفلسف؛ من منطق المفهوم إلى منطق الوظيفة.

Ø                       روح التفلسف في الشريعة: في بيان حدود الاتصال والانفصال.

Ø                       الأبعاد الفكرية لإشكال حضور الحكمة في الشريعة عند ابن رشد في الفكر العربي.

أولا: روح التفلسف؛ من منطق المفهوم إلى منطق الوظيفة.

هدفنا في هذا المقام تبيان دلالة التفلسف عند أبو الوليد ابن رشد (1)والخصوصية التعريفية التي خصّه بها ضمن السّياق العام للثقافة اليونانية والإسلامية، فمفردة الفلسفة Philosophieبالفرنسية والإنجليزية Philosophyوباللاتينية Philosophiaمشتقة من اليونانية وأصلها فيلا سوفيا ومعناه محبة الحكمة، وتطلق على العلم بحقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح (2). وقد أبان الأصالة اليونانية للمفهوم أبو نصر الفارابي Abu Nasr al farabi(3) حين قال أن:‹‹ اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفا ومعناه ايثار الحكمة. وهو في لسانهم مركب من فيلا ومن سوفيا، ففيلا الايثار وسوفيا الحكمة. والفيلسوف مشتق من الفلسفة، وهو على مذهب لسانهم فيلو سوفوس. فان هذا التغيير هو كتغيير كثير من الاشتقاقات عندهم، ومعناه المؤثر للحكمة. والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة›› (4).وهو ما أبرزه فيلسوفنا أبو الوليد في الحدّ التعريفي للفلسفة محافظا بذلك على دلالتها اليونانية الأرسطية وهي: ‹‹ علم الوجود بما هو موجود›› (5). وصيغة بما هو موجود تجرد الموجود وتعريه من كل صفاته غيرجوهرية عندما يُعرض أمام الفيلسوف. وعليه فإن هذا العلم المسمى في المدونة الأرسطية حكمة هو: ‹‹ الذي يفحص عن الحق بإطلاق›› (6).والعلم الذي ارتضاه في ذلك ابن رشد في هذا المقام هو العلم بمعناه الأرسطي لعلم الفلسفة، وهو معرفة الكلي والشامل والضروري بإدراك علل الأشياء وأسبابها، غير أن ما يؤخذ على تعريف ابن رشد للتفلسف من منظور"محمد المصباحي" Mohamed Ali Mesbahi)7(هو ربطه الفلسفة بالبرهان؛ هذا الربط الذي أدى إلى تصور الفلسفة علما خالصا ممّا أبعدها عن الجدل والسفسطة والخلق وأغلقها في التفسير(8). وإن كان ابن رشد قد وازن بين الفلسفة أي علم الوجود بما هو موجود وحكمتي الجدل والسفسطة لا من باب الغاية والموضوع   وإنما من باب اهتمامها وتعاطيهما للموجود العام، والنظر له نظرة كلية، وإذا عقدنا مقارنة بين الجدل والحكمة مثلا نقول؛ أن الحكمة تسعى إلى معرفة الموجودات بأقصى أسبابها خلاف الجدل الذي على النقيض من ذلك يسعى للغلبة، موضوعها -أي الفلسفةكما قلنا سابقا -الموجود بإطلاق خلاف الجدل الذي لا موضوع خاص به ويُنظر له من باب الشهرة فقط (9).

بهذا النحو،يظهر أن التفلسف هو الشريعة الخاصة بالحكماء خلاف الشريعة العامّة (الدين) التي حددها الوحي الإلهي، والتي وُضعت بين دفتي المصحف، وعلى هذا: ‹‹ وجب لها التعظيم لأنها دالة على اللفظ المخلوق لله وعلى المعنى الذي ليس بمخلوق›› (10).  وهو ما صرح به في كتابه "تفسير ما بعد الطبيعة" قائلا: ‹‹ إن الشريعة الخاصة بالحكماء هي الفحص عن جميع الموجودات إذا كان الخالق لا يعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة الذي هو أشرف الأعمال عنده واحظاها لديه›› (11). نجد هنا أن ابن رشد يبين المعنى الخاص للشريعة كمقابل للمعنى العام ويمكن تلمس هذه الشريعة الخاصة بالعودة إلى نظرية العقل، التي تعكس لنا محاولة العقل الإنساني (العقل منّا) أي الإنسان الفيلسوف في الوصول إلى الذات المطلقة (الإلهية)،عبر مجاهدة عقلية بالصعود من المحسوس إلى المعقول ليصل الفرد إلى الله. ويقتضي هذا الاتصال امتلاءً معرفيا:‹‹ فما أظلم بين الإنسان وبين العلم الذي هو طريق إلى حصول هذا الكمال›› (12). وهنا نصل إلى أن الفلسفة هي: الشريعة الخاصة بالعلماء الناظرة في معطيات العالم انطلاقا من العقل خلاف الشريعة العامّة (الدين) التي هي تسليم وانقياد وخضوع لمعطيات النص المنزل بصورة بسيطة محضة.

ويمكن تحديد الدور المناط للتفلسف من خلال جملة من التصريحات التي قدمها ابن رشد والتي ترصد لنا الممارسة المعرفية للفلسفة، لا الممارسة الدلالية التي تقف بنا عند مستوى النص، لا مستوى الواقع، إذ هي هنا:‹‹ رغبة في معرفة الأشياء والواقع عن طريق قضايا وأحكام، أي أنها بحث في ضروب التطابق بين الأقوال والأشياء من أجل الوصول إلى الحقيقة لا إلى المعنى كما هو في الممارسة الدلالية›› (13). والأول نستهله من كتابه الفصل الذي أشار فيه إلى فعل الفلسفة الذي هو ‹‹ النظر العقلي في الموجودات›› (14).وعليه فالخطاب الفلسفي عند ابن رشد  يشتغل على الكلي والنظري والمعقول والمطلق، قصد إدراك المبادئ الأولى والقصوى واهتمام ابن رشد بالمستوى النظري كان لهدفتأسيس قول علمي في ثنايا بعض الرؤىالإسلامية:" الرؤية الكلامية" التي حرمّت الطبيعة والعقل من أي فعل خاص بهما، وهو ما مثله موقف الغزالي(15) بعدم حاجة العالم الإسلامي للعلوم الوضعية إلاّ في حدود ضيقة للغاية، عندما تصبح  فيها هذه العلوم خادمة للعلوم المتعلقة بالعبادة والمعاملة، وهو ما يظهر في إنكاره لمبادئ كالذاتية والسببية، مقابل القول بالعرضية والإمكان، إن من شأن هذه الرؤية الكلامية للعالم أن تنسف كل إمكانية لقيام علم عام للوجود ، وعلوم خاصة بالطبيعة والعقل (16).

كما أن المنظور الكلامي في صيغته السينوية -ابن سينا Ibn sina/ - (17)Avicenneعلى المستوى المعرفي والأنطولوجي قام بتوسيع صلاحيات العقل الفعال- الوجودية والمعرفية- إلى درجة أن صار هذا العقل واهبا للصور بالمعنيين الأنطولوجي والمعرفي، وهو ما يفضي إلى تعطيل الطبيعة والإنسان وسلبهما فعلهما ومعقوليتهما الذاتية، فتصير الطبيعة مجرد مناسبة لتدخل صورة، والعقل البشري مجرد مُطّلع وقارئ في مرآة العقل الفعال (18). كما أن القول الصوفي ناحية أخرى يذهب للإقرار بإمكانية الوحدة بالمبدأ الأول أو حتى إمكانية إدراكه إدراكا مباشرا في هذه الحياة، وهي بذلك لا تقر بالسير الذاتي للطبيعة، وبقدرة الإنسان على كشف قوانينها، وإنما يرى في الطبيعة تجليا من تجليات الإله أو آية من آياته لا يجوز المساس بها أو العمل على فك أسرارها ورموزهابالوسائل العقلية19. ولقد نبه ليو ستروس Léo Strauss(20) إلى هذا المعنى وهو تفرد الفلسفة العربية واليهودية بكونهما تنظران دائما إلى الحقيقة وتحكم عليها من جهة الشريعة‹‹ فبالنسبة لليهودي والمسلم، ليس الدين، كما عند المسيحي، أي قبل كل شيء الإيمان المصاغ في مبادئ اعتقادية، وإنما هو الشريعة، والناموس من أصل إلهي وكذلك وبالمثل فإن العلم الديني أو المذهب ليس هو اللاهوت الدوغماطيقي Théologia revelata، وإنما هو علم الشريعة halakaأو الفقه›› (21). ما يعني أن الفلسفة خلاف الشريعة تنحو للنظر العقلي لا إلى التدبير العملي للمجتمع والمنزل والسياسة والقانون وهو ما يشير له في كتابه التهافت:‹‹ فإن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل في مبادئ الشرائع، وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد. وذلك أنه لما كانت كل صناعة لها مبادئ، وواجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم مبادئها، ولا يعرض لها بنفي ولا إبطال، كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك. لأن المشي على الفضائل الشرعية هو ضروري عندهم، ليس في وجود الإنسان بما هو إنسان بل وبما هو عالم. ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم مبادئ الشريعة، وأن يقلد فيها›› (22).فكل الفضائل العملية تؤخذ بالعبادة أي تسليماً وتقليدا من الشريعة.

لكن لا ينبغي أن نفهم من هذا الشأن الوظيفي للشريعة أنها مجرد أحكام أخلاقية أو نصائح عملية وتدبيرات سياسية، بل هي أيضا نظام من المعتقدات والأحكام النظرية، التي تكوّن رؤية معينّة للعالم للعالم، غير أن الشريعة لا تعرض جوانبها النظرية عرضا صريحا متماسكا على نحو برهاني، وإنما تشير إليه على شكل تنبيهات، التي تعتبر من الخواص الذاتية للقول الشرعي، تارة على صورة تضاد  بين نفس الجنس من الآيات وتارة على شكل تقابل بين جنسين مختلفين من الآيات، أي الآيات المحكمات والآيات المتشابهات، وأحيانا ترد على هيئة اختلاف في الاصطلاح بين اللغة الشرعية واللغة الفلسفية، كاستعمال الشريعة لمصطلحي الفطور والخلق بدل الحدوث، وأحيانا أخرى على شكل تعارض بين المنطوق الشرعي والنظر البرهاني (23). من هنا وجب الاهتمام بصلة الشريعة بالفلسفة فالمبادئ العملية تكفل تدبير المدينة، أيّ  تدبير العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع قصد توفير العدالة السياسية والاجتماعية، والمبادئ الأخلاقية تقوم بتدبير العلاقات الفردية قصد تأمين الفضيلة، وبدونهما لا يمكن للمدينة وبالتالي للفلسفة أن تقوم، من هنا كان على القول الفلسفي أن ينظر في هذين الضربين (العملية والأخلاقية) نظرة فلسفية من أجل اكتشاف الجامع بين الشريعة والفلسفة، هكذا ينضاف الشعور بأهمية المدينة بالنسبة لوجود الفلسفة بالإضافة إلى وجود الإنسان كأحد العوامل العوام التي توجب على الفيلسوف القيام بالتأويل البرهاني (24).

إن العدوان الممنهج ضد الفلسفة كان حسب صاحب البرهان نتيجة منطقية لترسبات الفهم التغليطي للفلسفة كما طرحها الشيخ ابن سينا، والمقاربة التكفيرية التي قدمها الغزالي ضدها وضد منتحليها، ناهيك عما تناوله المتكلمون من موضوعات في أصول الدين بطرق جدلية سوفسطائية. ومعنى هذا أن مبادئ الشرائع عند ابن رشد يجب أن تؤخذ كما هي، مثلها مثل الأصول والمسلمات في العلوم النظرية، يقرر فيلسوف قرطبة هذا المعنى في مناسبات عدّة ففي مجال حديثه عن المعجزات يقول: ‹‹ ...ولذلك لا نجد أحدا من القدماء تكلم في المعجزات مع انتشارها وظهورها في العالم، لأنها مبادئ الشرائع، والشرائع مبادئ الفضائل؛ ولا فيما يقال فيها بعد الموت، فإن تمادى به الزمان والسعادة إلى أن يكون من العلماء الراسخين في العلم، فعرض له تأويلفي مبدأ من مبادئها ففرضه ألا يصرح بذلك التأويل››(25).  ما يشير إلى التأويل في مبادئ الشرائع له ضوابطه ومحكّاته التي لا ينبغي تجاوزها حتى لا يتم تشويه الدين من طرف الفهم العامي له نتيجة تصريحات الخاصّة لما يوجد في الدين من أمور مضمرة لا ينبغي نقلها إلى هذه الفئة أي العامّة التي لا تدرك إلاّ الظاهر.

ثانيا: روح التفلسف في الشريعة؛ في بيان حدود الانفصال والاتصال.

بعد هذهالإشارات المفهومية والوظيفية لروح التفلسف عند فيلسوفنا، ندنو الآن من تحديد علاقة التفلسف بالشريعة والتي صيغت في كتابه ‹‹الفصل›› بسؤال منهجي يورد الغرض المرجو منه مفاده الآتي: ‹‹ هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع آم محضور (26) أم مأمور به إمّا على جهة الندب وإمّا على جهة الوجوب›› (27). والذي يُظهره القول السابق أن ابن رشد بت في شرعية الفلسفة من داخل المعرفي (28) الشرعي لا من موقع المعرفي الفلسفي الذي يتلمس وسيلةً للدفاع عنها، وبذلك فهو يقدم فتوى استئنافية حول شرعية الفلسفة يصدرها قاض متمرس ومجتهد نحو منكريها(29)، ولرفع هذا الخلاف فقد أبنا سابقا؛ أن فعل الفلسفة ليس سوى ‹‹حث النظر في الموجودات››30وعليه يسقط الحضر لهذه الممارسة في ثنايا الشريعة، ويكون بذلك فعل التفلسف في أفقها إمّا واجب أو مندوب إليه (31). ومن الأدلة التي يوردها ابن رشد حول شرعية هذا التفكير قوله عز وجل﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ(32). وقوله أيضا ﴿أَوَلَمْيَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (33)فالآية الأولى تحث على ضرورة النظر في الموجودات والثانية على استعمال القياس العقلي والشرعي(34).

وبذلك فالشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها وكان الاعتبار:‹‹ ليس شيئا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه وهذا هو القياس، أو بالقياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي›› (35).ومادام الشرع أقرّ بالنظر العقلي الذي هو قوام التفلسف يسقط بذلك ما يسمى بالهوية الهجينة التي تستنفرها الأنا المُستقبلة إلى هوية حقّة تسعى إلى نفس المقصد، وهو طلب الحق  وعلى هذا التسليم فإن: النظر في كتب القدماء سواء مشاركين لنا في الملّة أو لا لا ضرر فيهوهو ما صرح به فيلسوفنا بالقول الآتي: ‹‹  وكان كل ما يحتاج  إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فُحص عنه القدماء أتمّ فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإن كان كله صوابا قبلناه منهم وإن كان فيه ما ليس بصواب نهينا عنه›› (36). وبالتالي فحفظ مقصد الحقيقية لن يُضر بالشريعة، وأن الرأي فيها الذي أُعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأى إمّا مبتدع في الشريعة لا من أصلها، وإمّا رأى خطأ في الحكمة، أعنى تأويل خطأ عليها، كما عرض في مسألة علم الجزئيات وفي غيرها من المسائل (37). فإن الزلل من هذا النحو يمس الناظر في الممارسة الفلسفية ‹‹ إمّا من قبل نقص في فطرته، وإمّا من قبل سوء ترتيب نظره فيها، أو من قبل غلبة شهواته عليه، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فيه أو أكثر من واحد منها؛ أن نمنعها عن الذي هو أهل فيها. فإن هذا النحو من الضرر الداخل من قبلها، هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات›› (38)، فإدعاء ضرر النظر الفلسفي ومنع الحكمة من طرف قلّة من الناس شبيه بحال من: ‹‹...منع العطاش من شرب الماء البارد العذب حتى ماتوا من العطش لأن قوم شرقوا به فماتوا، فإن الموت بالشرق أمر عارض وعن العطاش أمر ذاتي وضروري›› (39)ولذلك أُضطر كما ذكرنا سابقا ابن رشد أن يقف عند أصول الشريعة، فإن أصولها إذ تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة ممّا أول فيها.

والشرح السابق يوضح لنا أن ابن رشد رغم تأكيده على التفلسف وإدراجه في خانة الأمر إما ندبا أو وجوبا، لا يعني أن الفلسفة لا تقع أو تدخل في قسم المحظور المكروه فإنه مثلها مثل باقي الأنشطة التي يأتيها البشر، ذلك إذا تعاطى لها من هو غير أهل للنظر فيها لسبب أو جملة أسباب يترتب عنها ضرر وهو ما وُضح سابقا أنه شيء يلحق بالعرض لا بالذات، أي بلغة الفقهاء ‹‹بأمر خارج عنها›› (40). والفيلسوف الذي يتعاطى لقضايا الشريعة يكون أمام سجل قولي مختلف عن سجل قوله الفلسفي، من أجل ذلك سيكون مضطرا للتقريب بين السجلين على مستوى طريقة تبليغ معانيه وحقائقه، من هنا كان التأويل هو الأداة المناسبة لهذا الانتقال بين حقليين متباينين على الأقل في الظاهر وبالفعل عند ما كان ابن رشد يقوم بفعل تأويل النص الشرعي لم يكن يتطلع إلى كشف معناه داخل حدوده، وبأدواته الخاصة، وإنما كان ينظر إليه من خلال النص الفلسفي وبأدواته (41). والدليل على هذا تأكيد أبي الوليد على النظر العقلي بدراسة أنواع القياس البرهاني وشروطه وعناصره، أي ضرورة معرفة المنطق الذي يؤطر الفكر وينظمه في قوانين كلية، فهو الآلة التي توصلنا إلى اعتبار الموجودات ومن ثمّ إلى معرفة صانعها.

بهذا النحو تكون إستراتجية التأويل عند ابن رشد قائمة كما سبقت منّا الإشارة على ردّ الوحي إلى العقل بناء على النص الشرعي الذي ينطوي على حقيقة غير قابلة للتعدد عند تجردها من غلافها الدلالي. وعليه فالتأويل هو فعل لتعديل معاني الألفاظ بالانفصال عن معانيها الأصلية نحو معاني  مغايرة  لها رغبة  في التطابق معها، بعبارة أخرى ؛ إذا كان التفسير يسعى إلى المطابقة مع النص بالحفر في ثنايا دلالاته، فإن التأويل يريد الاختلاف مع النص، أي صرف معناه الظاهر والحسي إلى معناه  الخفي والعقلي،و لا يتعلق الأمر إذن بمسعى لربط لفظ بشيء أو تقييد لفظ بمعناه، وإنما بنقل اللفظ من معناه الظاهر إلى معناه الباطن، كي يساير المطلب الفلسفي، و هكذا يجري الاتصال بين الشريعة والفلسفة في الخفاء (42)، وهو ما يفيد معنى التأويل عند ابن رشد الذي هو: ‹‹ إخراج  دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يُخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز›› (43).

هنا يكون مفهوم التأويل المدخل الرئيس في ضبط العلاقة بين الحكمة والشريعة وتبيان حدودهما، والداعي لذلك الشرع نفسه وهو ‹‹اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق››(44)الذي مرده للظواهر المتعارضة فيه، قصد تنبيه الراسخين في العلم (الفلاسفة) على التأويل وهنا تبرز تلك الثغرة المعرفية بين خطاب العامة الذي يمثله الخطابيون والجدليون والخاصة الذي تمثله فئة الفلاسفة:‹‹ فالأشياء لخفائها لا تُعلم إلا بالبرهان فقد تلطف الله لعباده اللّذين لا سبيل لهم إلى البرهان، إمّا من قبل فطرهم وإمّا من قبل عاداتهم وإمّا من قبل عدمهم أسباب التعلم بان ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع، أعني الجدلية والخطابية›› (45).و يعكس تصنيف  هذه الدلائل إلى حجج برهانية وأخرى جدلية و خطابية، نظرية يونانية بحتة ، فالفلاسفة المسلمين وابن رشد بخاصة؛ لم يُظهروا مع ذلك تفردا وأصالة بمحاكاة هذا التصنيف للحجج، تصنيفا للعقول مناسب لهم لحل هذه المشكلة الخطيرة: اتفاق الدين والفلسفة (46).  وهو ما يجعلنا نقر أن عملية رد الشريعة إلى الحكمة كان وفق شروط وآليات خارجية أرسطية لا داخلية. 

ومن هنا فإن سعادة الفلاسفة تقتضي تحويل تلك التنبيهات الشرعية إلى نظريات فلسفية، أي إخراج ما هو موجود بالقوة في الشريعة إلى الفعل الفلسفي، هكذا تصبح الشريعة بالقوة تلزم أهل البرهان إخراجها إلى الوجود بالفعل، ، وهذا هو معنى وجوبتأويل التعليم الشرعي بالتعليم الفلسفي، وبهذا التقدير يصبح التأويل البرهاني محركا لقوة الفلسفة الكامنة في التشريع لكي تخرج إلى الفعل، غير أن هذا لا يعني أن للفيلسوف الحق في أن يؤول الشريعة كيفما شاء ومتى شاء ولو بدون تنبيه منها، فالتأويل الشرعي له خطوطه الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها(47).والسبب فيذلك أن‹‹ التأويل يتضمن شيئا من إبطال الظاهر وإثبات المؤول، فإن بطل الظاهر عند من هو من أهل الظاهر، ولم يثبت المؤَول عنده، أداه ذلك إلى الكفر إن كان في أصول الشريعة›› (48).ومعنى هذا أن القول بتأويل الشريعة لا يعني أن جميع النصوص الدينية يجب أن يطالها التأويل، ولهذا المعنى أجمع المسلمون على أنه ليس يجب أن تُحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها على ظاهرها بالتأويل، واختلفوا في المُؤول منها من غير المؤول (49).

والمشروع التقريبي بين الحكمة والشّرعة عند فيلسوف قرطبة كما يُظهره كتاب الفصل وتَبِعَاته على مستوى إشكالات أخرى كالتأويل والبرهان، لولا المقاربة الغزالية لما برز، وإن عُدّ  هذا الهاجس الداخلي المضمر محركا لمضمون الخطاب  المعرفي  الرشدي، حيث انطلق من الشروط التي وضعها أبو حامد الغزالي وهي النص الديني، ليصل خلاف ما قال به الغزالي الذي فهم التفلسف ضمن أفق الخروج عن الملّة وإدراجه ضمن دائرة الكفر ما عبر عنه في كتابه: ‹‹ فيصل التفرقة  بين الإسلام والزندقة›› الذي رسم فيه حدّ الكفر المتمثل في الممارسة الفلسفية بقوله:‹‹ إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة فخاطب نفسك وصاحبك وطالبه بحدّ الكفر؛ فإن زعم حذّ الكفر ما يخالف مذهب الأشعري أو مذهب المعتزلي ومذهب الحنبلي أو غيرهم فأعلم أنه غير بليد قد قيّده التقليد، فهو أعمى من العميان؛ فلا تضيع وقتك بإصلاحه الزمان›› (50). وعليه نجد أن غرض الغزالي ليس الوصول للحق بقدر ما هو إطاحة بالفلاسفة ومشروعية خطابهم.  لقد استغل ابن رشد في سياق حديثه عن ظاهر الشرع وباطنه، التقسيم الذي خصّه أبي حامد الغزالي لمراتب الوجود (51) فالأصناف التي يصدق فيها زوج ظاهر/ باطن هي أربعة ‹‹ الحسي والخيالي والعقلي والشبهي››، إذ هي التي تكون موضوع ضرب الأمثال فيكون هناك ظاهر وباطن، أما الوجود الذاتي فالتعبير لا يكون بالمثال بل يكون مباشرا كقولك السماء وأنت تقصد المعنى الحقيقي لهذه الكلمة أي وجودها الذاتي، ذلك هو معنى عبارة ابن رشد لا كما تخيله بعض المحققين (52). على هذا النحو؛ نفهم أن اتصال الحكمة بالشريعة لا يجب أن يُفهم على أنهدمج أو توفيق بقدر ما يجب أن يُفهم على أنهلا يجب أن تُفهم على أنها دمج أو توفيق بقدر ما يجب أن تُفهم على أنها تقريب بمفردة ابن حزم Ibnhazm(53) وهو ما تشير إليه الدلالة التـأثيلية (54) اللّغوية لمادة قرب التي تنفى التماهي المطلق، وعليه يكون التقريب ‹‹ هو سوق الدليل على وجه يستلزم المطلوب؛ فإذا كان المطلوب غير لازم، واللازم غير مطلوب لا يتم التقريب›› (55).

وإذا تقرر هذا، فمن الواجب أن نصرف القول إلى ما هو غرضنا من هذا البيان، فنقول أن توفيقية ابن رشد بين الشريعة والحكمة من خلال مفهوم التأويل أُعتبر من الجهة المضادة، والتي مثلها موقف الغزالي سابقا، مدخلا للخروج عن الدين وعن شرعه، وتبديله من دين لآخر لا يعرفه .وذلك مردّه أن:‹‹ فلسفة المتكلمين قائمة على فكرة جوهرية هي حفظ الدين من حدوث خرق فيه بواسطة التأويل›› (56)ومن التحليلات السابقة يبدو لنا تأثير النموذج الكلامي واضحا  عند ابن رشد  في كتابه "الفصل"  أكثر من تأثير النموذج الفلسفي الأرسطي، في بيان طريقة الاستدلال على الصانع ولا أدل على ذلك من إشارة ابن خلدونIbn Khaldon(57) إلى الفارق الذي يفصل المتكلم عن الفيلسوف في النظر إلى طبيعتي الوجود والموجود حيث نجده يقول:‹‹ فقوام المتكلم الإقرار بالعجز عن إدراك أسباب وتفويض ذلك إلى الخالق وإرجاع الظواهر إليه›› (58).وبالتالي فنظره في الوجود إنما يكون من حيث أنه يدلّ على المُوجد. أما نظر الفيلسوف كما يؤكد أرسطو نظر بإطلاق ينظر للوجود من حيث أنه يتحرك ويسكن.

ثالثا: الأبعاد الفكرية لإشكال حضور الحكمة في الشريعة عند ابن رشد في الفكر العربي فرح أنطون نموذجا.

تطمح هذه المحاولة إلى تبيان كيف تم ّتبني جدل علاقة الشريعة بالحكمة المطروحة في المدونة الرشدية على مستوى الفكر العربي من خلال مقاربة المفكر اللبناني فرح أنطون الذي أوّل هذه العلاقة في صورتها الانفصالية، وهو ما يبرز في تلك الدعوة التي صرح بها في مقدمة كتابه الموسوم:‹‹بابن رشد وفلسفته›› يورد فيها الغرض المرجو من الكتاب بقوله: ‹‹ إن النبت الجديد في الشرق قد صار كثيرا، ونريد بالنبت الجديد أولئك العقلاء في كل ملّة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضمار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانبا في مكان مقدس محترم ليتمكنوا من الإتحاد اتحادا حقيقيا ومجاراة تيار التمدن الأوروبي الجديد، لمزاحمة أهله وإلاّ جرفهم جميعا وجعلهم مسخرين لغيرهم، فإلي هذا النبت الجديد في الإسلام والمسيحية وغيرهما نهدي هذا الكتاب›› (59). وعلى ما تبين من هذا التقديم فإن فرح أنطون بنى رؤيته العلمانية بعودته إلى التراث الرشدي واثبات مشروعيته من خلال الجدل الذي أقامه فيلسوف قرطبة بين الدين والفلسفة، لتكون صورة ابن رشد عند أنطون أنموذج العقلانية السّاعي لبناء صرح علمي نقيضا لصورة الغزالي الذي انتصر فيها للدين على حساب تكفير الفلسفة، فالجانب الأبرز القادر على فهم التحولات المعرفية الراهنة هو الجانب الفلسفي، وبالتالي فالمقاربة العلمانية لا تهتم بتداخل الفلسفة بالدين بقدر ما يعنيها استقلالها عنه، بهذا جرّد أنطون ابن رشد من مكونه الديني و تأكيد أرسطيته البحتّة، ومعنى هذا؛ أن فلسفة ابن رشد الحقيقية هي شروحه لأرسطو وهو بذلك يسترشد بموقف أرنيست رينانErnest Renan  (60) الذي: ‹‹ عدّ (ابن رشد) مبدعا لمذاهب لم يصنع غير عرضها عرضا أكمل مما صنع أسلافه....وأن ابن رشد لم يطمح إلى مجد غير مجد الشارح›› (61) ولكن هذا لا يعني أن فيلسوف قرطبة لم يحاول أن يبحث عن استقلاله الفكري بتقريب النص الأرسطي للديني، لكن هذه المحاولة أدت إلى الانحراف به عن أرسطو ومعناه حسب ما يذكره ما يذكره أرنيست رينان ‹‹ أن العلم الفلسفي قد تمّ في نظر ابن رشد، وأنه لم يبق غير تسهيل تحصيله›› (62). فالمهم عند صاحب البرهان هو جعل العلم يتوافق مع الشرع الذي يجد فيه فيلسوفنا من منظور أنطون العلم أمر من صميم الشرع نفسه وتأييد العلم لما جاء به الشرع.

ولإعطاء المشروعية لرؤيته الانفصالية ونزوعه للقول العلمي أبان دعاوى الفصل وهي على النحو الآتي:

أولا: أن هذه الرؤية تكفل للعقل الإنساني الحرية في خدمة مستقبل الإنسانية، ذلك أن غرض السلطة الدنيوية ‹‹ الحكومات المدنية›› يتمثل في  حفظ الأمن بين الناس بحفظ حرية كل شخص ضمن دائرة الدستور، محترمةً كل جديد غير مبالية بما يسمى الحقيقة المطلقة، باعتبار أن العقل الإنساني لم يصل إلى حدّه ومزال رضيعا، خلافاً للحكومة السماوية التي تمثل الحقيقة المطلقة، هذه الإطلاقية تشرع السيطرة على الإنسان، وليس أدل على ذلك ما حدث من اضطهاد العلماء والفلاسفة في الإسلام والنصرانية (63).ثانيا: الرؤية العلمانية تضمن المساواة بين أفراد الأمة بقطع النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم، وعليه فالحق البشري الذي أُقيم  للدفاع عنه غير منُوط بالأديان بل فوق الأديان، ومادام أن هذه الأخيرة تعتقد بأن قواعدها وتعاليمها هي الحق الأبدي الذي لا يداخله أقل شك، وما عداه فكفر وضلال، فمن الخطأ تسليمها رعاية قوم غير قومها، فيسقط الحق الإنساني الذي ذكرناه وتُبطل فضيلة التساهل كما يجب أن تكون كما وضعها الله (64).

ثالثا: إنّالسلطة السماوية هدفها التشريع للآخرة لا التدبير لشؤون الدنيا، فالجمع بين السلطة المدنية والدينية سيؤدي إلى جفاف ينابيع الذكاء والحياة في الأمّة، على اعتبار أن السلطة الدينية تسعى إلى مجاراة العامّة وهو ما يشكل مصدر ضعفها، بسعيها نحو مرضاتهم حتى وان كان ذلك مضرا لهم فهدفها حفظ كيانها لا تقدم شعبها، وتأكيدها دائما على الوحدة واجتناب الشقاق الديني(65).رابعا:يجب على السلطة الدينية أن تتجنب الولوج لهذا العالم الدنيوي حتى لا تتعرض مبادئها المقدسة لأحوال السياسة وذّلها وكذب مفاسدها ف:‹‹ دخولها في هذا المضمار لن تخرج منها سليمة المبدأ وهو ما سيؤدي إلى اختلاط الحكومة الدينية بوحل الحكومة المدنية ذلك أنها ستستند إلى الرياء والأكاذيب لمحاربة الكذب والرياء الموجود  وعليه فالسياسة من هذه الناحية تضر بالدين ومبادئه ضررا عظيما›› (66).

خامسا:استحالة الوحدة الدينية وهو أكبر الأسباب التي دعت إلى الفتن والاضطرابات في الإسلام والمسيحية، ذلك فالرئيس في الشريعة هو مرجع السلطة في كل البلاد، وبحكم سلطته يفرض رؤيته دون مراعاة لخصوصية المذاهب وهنا يظهر التعصب الديني على حساب الوطن بأشد مظاهره(67).

وعلى نحو هذا الفصل في مستواه السّياسي يُدرج العلم ضمن العقل السياسي لا الديني وهنا فإن:‹‹ العلم يجب أن يوضع في العقل لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والامتحان، وأما الدين فيجب أن يوضع في دائرة القلب لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد في الكتب من غير فصل في أصولها›› (68).وهذا المعنى يتوافق مع المعنى الباسكالي (69) للإيمان ما يشير إلى ضرورة الأخذ بالثقافة الانفصالية في أبعد حدودها، فبالعلم يمكن تحقيق التمدن والإنسانية والقراءة التاريخية لتطور الأفكار تَلحظ مثل هذا الدور، فمثال الأندلس يوضح فيه قدرة العقل والفلسفة على صناعة هذا التمدن: ‹‹ فهذا الانصراف إلى العلم والأدب إلى نتيجة من أبدع النتائج التي يجب تترنّم بذكرها الأقلام. فإن العناصر الثلاث اليهود والمسلمين والمسيحيين تصالحوا في الأندلس تحت كنف العلم والفلسفة والسلطنة الأندلسية تصالحا أزال كل ما كان بينهم من أسباب الشحناء، ولا غرابة حسبه (فرح أنطون) في ذلك ولا عجب فإن من خواص الفلسفة أن تُرىَّ الإنسان ضعفه وعجزه وظلمة الأبدية التي حوله. ومتى رأى الإنسان هذا الضعف والعجز والظلمة أصبح أكثر تساهلا وتسامحا في رأيه ومعتقده لأنه يترك الاعتقاد بأن الحقيقة محصورة في يده وحده›› (70).

يفضي التحليل السابق إلى القولأن روح التفلسف عند ابن رشد تسعى لتأصيل القول العلمي في سياق انفصالي بين الدين والدنيا، ويمكن تلمس هذه الرؤية العلمية عند ابن رشد في الكثير من القضايا المرتبطة بالمباحث الدينية كمسألة الخلق حيث ينحو فيلسوف قرطبة إلى تأكيد الموقف العلمي من هذه المسألة بقوله:‹‹ أن المادة أزلية أي لا بداية لها، ونشأة الكون إنما هي من تحول دقائق هذه المادة بقوتها الخاصة تحولا ترتقي به من حالة إلى حالة أسمى. وذلك يقتضي وجود طبيعة ثابتة ونواميس ووجوب الوجود وعقل تبنى عليه النواميس وفناء الإنسان في الكل الذي أخذ منه مع الاعتقاد بوجود خالق ولكن اعتقادا مبهما›› (71) مخالفا بذلك الرؤية الكلامية:‹‹ التي ترى بأن المادة حديثة، وأن الخالق متصرف في الكون  مختار في تصرفه وأن الأسباب موجودة فيه لا في الطبيعة، وأنه متى حدث حادث فلا يلزم عن حدوثه أن يكون ناشئا عن حادث سبقه، لأن الله يخلق ما يشاء وان العالم قد يكون بصورة أخرى غير الصورة المصورة بها الآن – إن هذا القول كله إنما قيل لتقديس ذات الخالق وتنزيهه عن كل قيد وجعله كلّي القدرة في الكون ›› (72).

وإذا تقرر هذا؛ فإن فلسفةأبو الوليد ابن رشد تقوم على العلم، منطلقةً من النظر الأرسطي في الطبيعة، لتأسيس منطلق جديديشكل ركيزةً لرؤيته للعالم فأقواله في العلم الطبيعي وبراهينه تضع حدا فاصلا بين تصوره للعالم وتصور الفلاسفة المتكلمين السابقين عليه، وبخاصة عند ابن سينا الذي لا يفصل بين العلم الطبيعي والعلم الإلهي، ولا يبرهن عليها؟  وليس من اختصاصه ذلك، بل الفلسفة الأولى هي التي تضع مبادئ الفيزياء وتنمُّ هذه النظرة عن تصور اختزالي للعلاقة بين العلمين، تكون فيه الأولوية للاهوت على الوجود، في حين أن القول الرشدي يذهب إلى تقويم هذه النظرة الاختزالية التي تُنصف الفيلسوف الحكيم ممّا يعبر عن سوء فهم للنص الأرسطي، فالعلاقة في نظر ابن رشد تتأسس على أولوية الأنطولوجي Ontologiqueعلى الثيولوجي Théologique، أي أولوية الوجود الطبيعي كمعطى أولي ثابت بأسبابه الأربعة التي تشكل لبنة وقوام العالم (73).

تؤكد التعقيبة التحليلية السابقة؛ أن الدين علاقة خصوصية بين الخالق والمخلوق وإذا كان الله تعالى يشرق شمسه في هذه الأرض على الصالحين وعلى الأشرار معا، فيجب على الإنسان أن يتشبه به ولا يضيق على غيره لكون اعتقاده مخالفا لمعتقده، فليس إذا على الإنسان أن يهتم بدين أخيه الإنسان أيًا كان، لأن هذا لا يعنيه والإنسان من حيث هو إنسان فقط، أيّ بقطع النظر عن دينه ومذهبه صاحب حق في كل خيرات الأمة ومصالحها ووظائفهما الكبرى والصغرى حتى رئاسة الأمّة نفسها (74). فلا تدّخل للدين في العلم فما أن خطر أن يضغط عليه حتى يصيح العقل صيحة تتضعضع لها كل الدعائم قائلا:‹‹ دعني وشأني فإنني لا أعتقد بالشيء ولا أعتبره حقيقيا إلاّ متى شاهدته بعيني وجربته مع باكون(75)تجربة ايجابية وسلبية، وأدى إلى نتيجة واحدة والقلب أو الدين ينفر من هذه القاعدة  المادية الجافة، فراره من أعدى أعدائه وأكبر أضداده لأن هذه القاعدة تهدم كل الأديان على السواء››(76)فالذي يضمن كرامة كل منهما يقتضي توظيف منطق الاتصال إذ يجعل لكل واحد منهما دائرة يتحرك فيها بحرية كما يشاء دون أن يكون أحدهما تابعا للآخر.

على هدّي هذا التحليل؛ نتلمس خصائص الرؤية الانفصالية في صورتها العلمانية عند فرح أنطون (77):

1/الموقف الحقيقي من الفلسفة الرشدية هو التزامها الأرسطية، وإذا كان هناك خروج عن الأرسطية فهو خطأ في الفهم الرشدي للنص الأرسطي. 2/التركيز على علمية ابن رشد بمعنى آخر، إظهار الجانب العقلي والعلمي في فلسفة ابن رشد وإغفال ميول ابن رشد اللاهوتية والشرعية، وهو ما يعني تغليب الجانب الأنطولوجي عند فيلسوف قرطبة على حساب الجانب الثيولوجي. 3/ حصر الأخلاق بمفهوم الأخلاق الطبيعية وبما تقتضيه العلاقات الإنسانية. 4/التركيز على عالمية هذا الفيلسوف من جهتين: الأولى؛ تأكيده طلب الحقيقة أينما كانت حتى وإن كانت من الأمم الغير المشاركة لنا في الملّة، ومن هذه الجهة أصبح يشكل أحد الأسس الرئيسية التي تدعم التوجه إلى الآخر والاستفادة منه قدر الإمكان علميا، أما الجهة الثانية؛ بوصفه (ابن رشد) يشكل أحد اللّبنات الأساسية في عصر التنوير إذا لم يكن المهد الحقيقي له، وهذا يعني تسليط الضوء على الرشدية اللاتينية.

إن قراءة فرح أنطون لإشكال اتصال العقل بالدين والإقرار بضرورة الفصل بينهما والانزياح لخطاب العلم والعقل يتوافق مع مقتضيات الواقع الفكري العربي آنذاك ومعطياته التاريخية، أيّ في فترة عجزت فيه المنهجية الإسلامية على مجاراة معطيات الوضع الموجود، ما عزز الاختراق الثقافي الفكري، ومحاصرة الدين من طرف العلوم الحديثة، وهو ما أدى إلى تدهوره والتشكيك في قدرته على بناء المجتمعات.

استنتاجات

إن النظر في إشكال الفلسفي والديني عند ابن رشد كما حللته الورقة البحثية قد أفضى بنا إلى مجموعة من النتائج:

·    على الصعيد المفهومي؛ يحتل المفهوم في الممارسة الفلسفية الرشدية مكانة هامّة باعتباره مدخلا رئيسيا في تصور أبو الوليد ابن رشد الوجودي ضمن الثنائية الوجودية اليونانية والإسلامية.

·  على الصعيد المضموني؛نحافيلسوف قرطبة إلى التّحديد  الوظيفي لكل من الفلسفة (العقل النظري نحى فيلسوف قرطبة إلى التّحديد  الوظيفي لكل من الفلسفة (العقل النظري) والشريعة ( العقل العملي)، بأن أناط للفلسفة مهمة بناء الصرحالعلميالنظري ، خلاف الشريعة التي تسعى لتدبير شؤون الحياة في بعدها الأخلاقي والسياسي والتربوي...الخ، ولكن بالرغم من هذا الفصل الوظيفي، فإنه مجرد فصل منهجي  لا يحيل إلي انعدام وشائج التواصل والدعم بين الرؤيتين الفلسفية والدينية، وهو ما يؤكده أبو الوليد من موقع الفقيه لا من موقع الفيلسوف، حين رد الشريعة إلى العقل، وأن التفكير الفلسفي له ما يبرره في ثنايا الشريعة، وعليه فإن الجدل الذي أقامه ابن رشد بين الفلسفة والشريعة  قد أخرج النص الرشدي من أفق زمانه إلى أفق الفكر الحديث والمعاصر بتوظيف ثنائية الديني و الفلسفي عل مستوى المقاربات الفكرية  كمطارحة العلمانية أنموذجا.

الهوامش

1.أبو الوليد ابن رشد: هو أبي الوليد  محمد بن أحمد بن محمد بن رشد فيلسوف عربي، ولد في قرطبة (الأندلس) سنة 520ه/116موتوفي في 9صفر 596ه/10كانون الأول 1198م في مراكش (المغرب)، ينتمي إلى أسرة لها مكانة مرموقة في العلم حيث كان أبوه وجده من قضاة الشرع في قرطبة، تكّون ابن رشد تكوينا علميا حيث درس الفقه القرآني والكلام والفلسفة، وقد ساعده وضعه السّياسي نتيجة احتكاكه بالخليفة أبو يعقوب يوسف ووريثه يعقوب المنصور، الاحتكاك والانفتاح بالمعرفي اليوناني من خلال تقديم شروحا للمدونة الأرسطية، غير أن الوضع لم يدم طويلا بحكم ضغط العناصر السلفية المناوئة للفلسفة في زمن الخليفة يعقوب المنصور وذلك بسجنه 592ه/1195م،ليتم الإفراج عنه بعد ذلك ليُمضي عاميه المتبقين بمراكش حيث توفى بها. ومن آثار أبو الوليد ابن رشد الفكرية شروحه في شكل جوامع، وتلاخيص وسطى وكبيرة لكتب أرسطو في النفس، وما بعد الطبيعة، والسماء والعالم الخ، ومؤلفاته الخاصة في علم الكلام؛ كتهافت التهافت ومناهج الأدلة في عقائد الملة، وفي المنهج؛ فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال وفي الفقه؛ بداية المجتهد ونهاية المقتصد. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ط3، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، 2006م، ص24.

2.جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج2، د.ط، الشركة العالمية للكتاب، بيروت لبنان، 1994م، ص160.

3.أبو نصر محمد الفارابي: 874م(260ه) - 950م (339ه)، فيلسوف مسلم لقب بالمعلم الثاني، أشهر كتبه الجمع بين رأى الحكيمين؛ أراء أهل المدينة الفاضلة وإحصاء العلوم. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص450-451.

4.ابن أبي أصييبعة، عيون الأنبياء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، د. ط، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان، 1999م، ص604.

5.أبو الوليد ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة (مقالة الجيم)، ج1، تحقيق موريس بويج، ط2، دار المشرق، بيروت لبنان، 1973م، ص298.

6.المصدر نفسه، (مقالة الباء)، ص4.

7.محمد المصباحي: مفكر مغربي من مواليد 1945، مهتم بالدراسات الرشدية، من مؤلفاته: مقولات في تاريخ الوجود والعقل-دلالات وإشكالات، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد.

8.محمد المصباحي، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ط1، دار الطليعة، بيروت لبنان، 1998م، ص73.

9.أبو الوليد ابن رشد،شرح البرهان لأرسطو (السؤال العلمي)، تحقيق عبد الرحمان بدوي، ط1، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1415ه-1984م، ص328.

10.أبو الوليد ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تقديم محمد عابد الجابري، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، 1998م، ص 132.

11.أبو الوليد ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة (الألف الصغرى)، ج1، مصدر سابق، ص 10.

12.رشيدة السمين، الجسد في فلسفة ابن رشد، ط1، دار نقوش عربية، تونس، 2016م، ص 174. نقلا عن: أبو الوليد ابن رشد، مقالة في الاتصال، تحقيق الأهواني، ص124

13.محمد المصباحي، الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، المرجع السابق، ص73.

14.أبو الوليد محمد بن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال، تقديم محمد عابد الجابري، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، 1997م، ص85.

15.أبو حامد الغزالي: 1059م(451ه) -1111م(501ه)، فيلسوف ومتكلم وفقيه ومتصوف من مؤلفاته: المنقذ من الضلال؛ إحياء علوم الدين. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص429.

16.محمد المصباحي، مع ابن رشد،ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، 2007م، ص 174.

17.أبو على الحسن بن عبد الله بن سينا: 970م(370ه) -1037م(428ه)، من مؤلفاته: كتاب الشفاء والكليات في الطب. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص26-27.

18.المرجع نفسه، ص 174.

19.المرجع نفسه، ص 175

20.ليو ستروسن: 1899-1973م، فيلسوف أمريكي يهودي من أصل ألماني، من مؤلفاته تاريخ الفلسفة السياسة.

21.على بن مخلوف،"التصديق والحقيقة في التقليد العربي في القرون الوسطى"، ضمن كتاب الحقيقة من أجل حوار بين الثقافات، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، 2005م، ص 14نقلا عن:

léo Strauss.La renaissance du rationalisme politique classique. Gallimard tr. 1993. ch. 9intitulé"pour commencer à étudier la philosophie médiévale"p.298.

22.أبو الوليد محمد ابن رشد،تهافت التهافت، تقديم محمد عابد الجابري، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، ص510.

23.محمد المصباحي، مع ابن رشد، المرجع السابق، ص127.

24.المرجع نفسه، ص128.

25.أبو الوليد ابن رشد، تهافت التهافت، المصدر السابق، ص510-511.

26.عرض ابن رشد في مقدمة كتابه ‹‹ بداية المجتهد ونهاية المقتصد›› أقسام الحكم الشرعي كما يلي: إما أمر بشيء وإما نهى عنه وإما تخيير فيه، والأمر إن فُهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمى واجبا، وإن فُهم منه الثواب على الفعل وانتفى العقاب مع الترك سمى ندبا، والنهى أيضا إن فُهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمى محرما ومحظورا، وإن فُهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمى مكروها، فتكون أصناف الأحكام الشرعية خمسة: واجب، ومندوب، ومحظور ومكروه، ومخير فيه وهو المباح. أبو الوليد ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق محمد صبحي حسن خلاف، ط1، مكتبة ابن تيمية، القاهرة مصر، 1415ه، ص25.

27.أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال، المصدر السابق، ص85.

28.المعرفي هو كل مايتناول الصيغ الكلية والنهائية للوجود الإنساني‹‹ وكلمة كلي تفيد الشمول والعموم بينما النهائية تفيد نهاية الشيء وغايته وآخره وأقصى ما يمكن أن يبلغه الشيء››.عبد الوهاب المسيري، الدفاع عن الإنسان، ط1، دار الشروق، مصر، 2003م، ص304. كما عرفه في مقدمة إشكالية التحيز ‹‹أن خلف كل نموذج معاييره الداخلية التي تتكون من معتقدات وفروضومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق وتزوده ببعده الغائي››المرجع نفسه، ص 304. وعليه فالمعرفي متعلق بثلاث محاور: 1/علاقة الإنسان بالطبيعة: ما موقع الإنسان من الطبيعة بمعنى أ هو جزءلايتجزأ منها أم هو جزء يتجزأ منها له استقلال نسبي عنها؟ 2/ الهدف من الوجود: هل هناك هدف من وجود الإنسان في الكون؟ أهناك غرض في الطبيعة، أم أنها مجرد حركة متطورة نحوالتقدم أم أنها حركة خاضعة للصدفة؟ 3/ مشكلة المعيارية: هل هناك معيارية أساسا؟ ومن أين يستمد الإنسان معيارته:من عقله المادي أم من أسلافه، أم منجسده، أم من الطبيعة /المادة، أم من قوى متجاوزة لحركة المادة.عبد الوهاب المسيري العلمانية الجزئية والشاملة، ج2، ط1، القاهرة مصر، دار الشروق، 2002م،ص445،446.

29.محمد عابد الجابري، ابن رشد سيرة وفكر (دراسة ونصوص)، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت لبنان، 1998م، ص95.

30.أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال، المصدر السابق، ص 85

31.المصدر نفسه، ص 86.

32.سورة الحشر: الآية 3. 

33.سورة الأعراف: الآية 185.

34.أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال، المصدر السابق، ص86.

35.المصدر نفسه، ص87.

36.المصدر نفسه، ص91.

37.أبو الوليد ابن رشد، مناهج الأدلة في عقائد الملة، المصدر السابق، ص 152-153.

38.أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال، المصدر السابق، ص 94.

39.المصدر نفسه، ص95.

40.محمد عابد الجابري، ابن رشد سيرة وفكر، المرجع السابق، ص 98.

41.محمد المصباحي، مع ابن رشد، المرجع السابق، ص123.

42.المرجع السابق، ص123، 124.

43.أبو الوليد ابن رشد، فصل المقال، المرجع السابق، ص97.     

44.المصدر السابق، ص98.

45.المصدر السابق، ص109.

46.-  Voir:L,Gauthier، la théorie d’Ibn rochd(Averroès sur les rapports de lareligion et de la philosophie)،Ernest Leroux, Paris,1909,p 45.46.

47.محمد المصباحي، مع ابن رشد، المرجع سابق، ص126.

48.أبو الوليد محمد ابن رشد، فصل المقال، المصدر سابق، ص 119.

49.المصدر نفسه، ص98.

50.إن مراتب الوجود عند أبو حامد الغزالي خمس وهي: الوجود الذاتي؛ هذا الوجود يقع خارج الحس والعقل ولكن يأخذ عنه الحس والعقل صورة فيسمى أخذه إدراكا وهذا كوجود السماوات والأرض والنبات وهو ظاهر، بل هو المعروف الذي لا يعرف للوجود معنى سواه. وأما الوجود الحسي وهو يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين فيكون موجودا في الحس ولا يشاركه غيره. وذلك كما يشاهده النائم بل كما يشاهده المريض المتيقظ إذ تتمثل له صورة. ولا وجود لها خارج حسه. والوجود الخيالي وهو صورة هذه المحسوسات إذ غابت عن حسك فإنك تقدر أن تخترع في خيالك صورة فيل وفرس وإن كنت مغمض عينيك حتى كأنك تشاهده وهو موجود بكمال صورته في دماغك، لا في الخارج. في حين الوجود العقلي أن يقبض على معنى الشيء وروحه دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج، كالقلم مثلا   له صورة محسوسة ومتخيلة كما أنه له معنى وهى حقيقته التي تكمن فيما تنقش به العلوم ، وهذا المعنى يتلقاه  العقل من غير أن يكون مقرونا  بصورة قصب وخشب وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية وأخيرا الوجود الشبهي: وهو أن يكون نفس الشيء موجودا  لا بصورته ولا بحقيقته لا في الخارج  ولا في الحس ولا في الخيال ولا في العقل ولكن  يكون شيئا آخر يشبهه في خاصة  من خواصه وصفة من صفاته ويمثل الغزالي ذلك بالغضب والفرح والصبر وغير ذلك مما ورد في حقه تعالى فإن الغضب مثلا حقيقته أنه غليان  دم القلب لإرادة التشفي...فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب لله تعالى ثبوتا ذاتيا وحسيا وخياليا وعقليا نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب.أبو حامد الغزالي، فيصل التفرقة  بين الإسلام والزندقة. تقديم محمود بيجو، د.ط، د.د.ن، د.م.ن، 1993م، ص28-31.

51.المرجع السابق،ص 19.

52.أبو الوليد ابن رشد،فصل المقال، المصدر السابق،ص110.    

53.أبو محمد على بن سعيد بن حزم: 994م(383ه) -1064م(488)، عالم وشاعر وفيلسوف عربي من مؤلفاته: كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص 21.

54.إن مصطلح التأثيل كما هو متعارف في اللغويات واللسانيات‹‹ هو العلم الناظر في أصول المعاني وأزمانها وأطوارها›› واستعمل المفكر المغربي طه عبد الرحمان لفظ التأثيل اللغوي كمقابل للمفردة الأجنبية الإيتمولوجيا étymologieومقابلا كذلك لمفردة المعنى اللغوي عند القدماء. وإن كان القدماء قد تفطنوا لهذه الدلالة أي المعني اللغوي في إطار وضعهم لمفاهيم جديدة قصد تبين معالم المناسبة بينه وبين المعنى الاصطلاحي أو تقرير قواعد العلاقة بينهما. فإذا كان التأثيل يعني لغويا "أن نجعل لشيء أصلا ثابتا يبنى عليه" فإن التأثيل اللغوي مقايسة على هذا المعنى أن نجعل للمعنى الاصطلاحي أصلا لغويا يبنى عليه فيزوده بإشكالاته، والدلالة من علم التأثيل اللغوي لا تُفهم إلا ببيان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، طه عبد الرحمان، فقه الفلسفة (القول الفلسفي-المفهوم والتأثيل)، ط2، الدار البيضاء المغرب، 2005م، ص 135.

55.الجرجاني على بن محمد السيد الشريف، معجم التعريفات، تحقيق محمد صديق المنشاوي، د. ط، دار الفضيلة، القاهرة مصر، د. ت. ن، ص 67.

56.فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، تقديم طيب تيزني، ط1، دار الفارابي، بيروت لبنان، 1988م، ص93.

57.- أبو زيد عبد الرحمان بن محمد بن خلدون: 1322-1406م، عالم اجتماع ومؤسس لفلسفة التاريخ من مؤلفاته كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر. جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص 22.

58.- عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة (الباب السادس)، تحقيق علي عبد الواحد وافي، ج3، ط7، دار نهضة مصر للنشر، مصر، 2014م، ص1315.

59.فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، المرجع السابق، ص 41.

60.أرنيست رينان جوزيف: 1822-1892م، كاتب وفيلسوف فرنسي، من مؤلفاته: مقالات في الأخلاق والنقد وكتاب ابن رشد والرشدية.  جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص 340-339.

61.إرنيست رينان، ابن رشد والرشدية، ترجمة عادل زعيتر، د.ط، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة،1957م، ص 105.

62.المرجع نفسه، ص 106.

63.فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، المرجع السابق، ص 248.

64.المرجع نفسه، ص 249-251.

65.المرجع نفسه، ص251-252.

66.المرجع نفسه، ص 252-253.

67.المرجع نفسه،ص 254

68.المرجع نفسه، ص210

69.بسكال بليز:1623-1662م، رياضي وفيلسوف فرنسي، من مؤلفاته: خطابات في انفعالات الحب، رسالة المثلث الحسابي.جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص178-179.

70.المرجع نفسه، ص58-59.

71.المرجع نفسه، ص95.

72.المرجع نفسه، ص97.

73.العلوي رشيد، مشكلة الجوهر عند ابن رشد (بين العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة)، د ط، مكتب حسن العصرية، بيروت لبنان، 2016م، ص 32، 33.

74.فرح أنطون، ابن رشد وفلسفته، المرجع السابق، ص 243-244.

75.بيكون فرنسيس: 1561-1626م، فيلسوف ورجل دولة إنجليزي، من مؤلفاته: التجديد الأكبر، مقدمات للتاريخ الطبيعي والتجريبي جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، المرجع السابق، ص 226-227.

76.المرجع نفسه، ص211.

77.على عبد الهادي عبد الله، النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة، ط1، دار الهادي، بيروت لبنان، 2005م، ص15، 16.

Pour citer ce document

نبيلة العمزاوي, «روح التفلسف عند أبي الوليد ابن رشد – بحث في الدلالة والأبعاد- »

[En ligne] العدد 28 مجلد 15-2018N°28 Vol 15- 2018 مجلة العلوم الاجتماعيةRevue des Sciences Sociales
Papier : pp 258-269,
Date Publication Sur Papier : 2019-01-09,
Date Pulication Electronique : 2019-01-09,
mis a jour le : 09/01/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=5339.