الاتجاهات الفكرية المؤثرة في التربية العربية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 13 جانفي 2011 N°13 Janvier 2011

الاتجاهات الفكرية المؤثرة في التربية العربية
pp : 174 - 183

نجاة بوبيدي
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral
  • Bibliographie

  يتناول المقال أهم الاتجاهات الفكرية المؤثرة في التربية العربية ،من خلال التعرض لأهم لاتجاهات الفكرية العربية،والتركيز على اتجاهين هما الاتجاه الذي يدعو إلى الأصالة وضرورة الرجوع إلى التراث الفكري العربي والأخذ بما توصل إليه المفكرون المسلمون،والاتجاه الثاني الذي يدعو إلى ضرورة الأخذ بالتيارات الفكرية الغربية كما تعرض المقال إلى الاتجاهات الفكرية المؤثرة في التربية في الجزائر لغرض توضيح انعكاسات الصراعات الفكرية على المنظومات التربوية العربية والجزائر خاصة.

  L′article aborde les tendances intellectuelles les plus importantes qui touchent L′enseignement arabe à travers l′exposition des tendances intellectuelles arabes Les plus importantes et il se concentre sur les deux sens celui qui appellent a l′originalité et à la nécessité de référer au patrimoine intellectuel arabe et l′introduction des réalisations des penseurs musulmans et le seconde sens appelle à la nécessité de prendre des courants intellectuels occidentaux‚  comme il est également parvenu à l'évolution intellectuelle qui influe sur l′éducation en Algérie pour expliciter les conséquences des conflits intellectuel des systèmes éducatifs d′arabe en général et l′Algérie en particulier.    

مقدمة

تتحمل التربية مسؤولية إعداد الأجيال للحياة في جميع الأمم، وذالك لتأهيلها اجتماعيا، واقتصاديا وثقافيا لمواجهة متطلبات الحياة وتكوين أفراد فاعلين في المجتمع، والمتتبع للفكر الإنساني يلاحظ التأثير الفلسفي على التربية، وكل فلسفة تقدم لنا نظرية عن الحياة والكون والأخلاق يترتب عنها في المجال التربوي نظرية معينة للتعليم والتعلم.

وهذه الفلسفات تستمد وجودها من تطور تاريخي للمسيرة الفكرية لشعوبها مما أدى إلى وجود اضطرابات فكرية على الساحة العالمية، خاصة بعد أن شهدت الساحة الفكرية تحولات لصالح العلمانية وظهرت مفاهيم جديدة( كالديمقراطية، الليبرالية، الاشتراكية، وأخيرا العالمية أو العولمة).

 ولكن يبقى الصراع الدائر بين هذه الفلسفات ينحصر بين الفكر الديني والفكر العلماني، سواء على المستوى العالمي أو العربي، وتؤكد جميع الدراسات في الميدان الفكري أن هذه الصراعات وما يحدث في العالم يرجع إلى الماضي من خلال الفهم الصحيح لمسيرة الشعوب وتقاليدهم ومعتقداتهم والأديان التي كان لها دور بالغ الأهمية في تطور الشعوب سواء منها القديمة أو الحديثة.

الاتجاهات الفكرية وتأثيرها في التربية العربية.

إذا أردنا تقويم الممارسات التربوية الحالية في الوطن العربي أمكننا وصفها بتبعيتها الأساسية للاتجاهات الفكرية الغربية، لكون التبعية الفكرية تأخذ شكل التقليد بحيث تتعدد وتأخذ إشكالا حسب المخلفات الاستعمارية.

فإذا كانت الاتجاهات الفكرية الانجلو سكسونية هي المسيطرة في المشرق العربي فان الاتجاهات الفكرية الفرانكفونية الفرنسية هي التي تسيطر على المغرب العربي.

ومن ثم فالاتجاهات الفكرية التربوية الحديثة دخيلة على البلاد العربية فالنظريات التربوية النفسية أو الاجتماعية أو حتى الاقتصادية والتكنولوجية التي تفسر كل ما يتعلق بالتعليم والتعلم انطلقت من بيئات غربية لها خصوصيتها الخاصة، وتم نقلها إلينا كما هي دون تنقيحها وتكييفها مع واقعنا الاجتماعي والثقافي أو بالأحرى الامتداد الحضاري .

ومما سبق فان علاقة المجتمع العربي بالنظريات التربوية الغربية هي علاقة غير متوازنة لأنها أفرزت نتائج غير ملائمة لبيئتنا كونها جردت من إطارها الثقافي ولاجتماعي والاقتصادي وحتى الحضاري والتاريخي، وبالتالي انفصلت عن مسار تكوينها المعرفي.

وإذا اقتبسنا بيداغوجيات حديثة كالأهداف أو الكفاءات، فان هذه المفاهيم نتاج لبحوث طويلة خلال مسيرة تاريخية للشعوب الغربية، ونتيجة لتراكم الفكر التربوي منذ جون جاك روسو، كالبتريك، وثورندايك ووطسن إلي غاية جون ديوي وجون بياجي.

وحتى النظريات السوسيولوجية سواء الوظيفية أو الماركسية، أو المرفولوجية جميعها ارتبطت بخصوصيات مجتمعاتها، وقضياها الاجتماعية والتاريخية والحقل المعرفي الذي تطورت فيه.

وعند الرجوع إلى السياق التاريخي في الوطن العربي نجد هذا الصراع الفكري منذ القرن 19 حيث وجد اتجاهان أحدهما ممالي للاستعمار الغربي في تقريب الإسلام من المسيحية أو تحويله إلى توجه ديني يرضي الاستعمار. أما الثاني فكان يهدف إلى مقاومة هذا التقريب أو هذا التحويل، وهناك تيار الوسط الذي ينادي بالقومية العربية.

إن هذه التيارات أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر في المسار الفكري للتربية العربية كما سنوضحه في هذا المقال.

1ـ الاتجاه الإسلامي:

وهو الاتجاه ذو التأصيل والتواصل والذي يرى ضرورة إحياء التعليم الديني الإسلامي والأصلي لتركيب حلقات سلسلة التواصل الحضاري، ورفض القطيعة مع الماضي لذلك تحركت دعوة العلماء إلى إصلاح التعليم وتطويره وإحياء التراث الحضاري الإسلامي وتوظيف العقيدة الإسلامية كبعد أساسي في مجالات الحياة.

إن هذا التيار يستمد أفكاره من الدعاة الأوائل الذين عملوا على تحفيز المسلمين للصحوة ومحاربة المخططات الاستعمارية من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الحميد ابن باديس، وحسن البنا، والذين وجدوا مساندة من الشعوب الإسلامية، وكان الغرض الذي يرمي إليه جميع المصلحين هو ″تصحيح الاعتقاد وإزالة الخطأ في فهم نصوص الدين، وتهذيب أخلاقهم بالملكات السليمة، والصلاح للأمة الإسلامية″(1).

ولقد ركز أصحاب هذا التيار على تربية الأجيال وإصلاح الأنظمة السياسية وتنقية الدين من البدع والخرافات، ورفع مستوى الوعي لدى الإنسان العربي المسلم ومقاومة الاستعمار والسعي إلى توحيد المسلمين والتمسك بقيمهم الحضارية والدينية.

ويرى عباسي مدني ″إن سر نجاح المنهج الإصلاحي يكمن في انه كان قائما على إصلاح العقيدة والتعليم ، وذلك لما آل إليه الناس من الظلم والتخلف″(2) .

ويتبنى هذا المنهج الاقتداء بالسلف وبالسيرة النبوية الشريفة والقرآن الكريم.

2ـ الاتجاه العلماني

ويتمثل في فئة المفكرين والمثقفين المتأثرين بالفكر الغربي المادي والمتواجدين في مختلف أنحاء الوطن العربي والإسلامي من العرب والمستشرقين الذين انبهروا بالتجارب الغربية، وهم في الغالب ينادون بالحداثة والتجديد، واتخدو من اللائكية اديولوجية في الدفاع عن أفكارهم التربوية.

ويرى خلدون حسن النقيب ″إذا كان طه حسين ورجالات جيله من أمثال علي عبد الرزاق وسلامة موسى والتيار الليبرالي في سوريا ولبنان يمثلون الجديد فان هذا الجديد يمثل ثورة جعلت الأمور تقف على رأسها وليس على قدميها ، لأنها ثورة نقلت الوطن العربي من أصولية منهج دار العلوم إلى أصولية المناهج الوضعية الغربية″(3).

ويرى أصحاب هذا الاتجاه إن سبب تخلف المنظومة التربوية العربية راجع إلى كونها في الأصل دينية ولا يمكن إن تصلح للمجتمعات الحديثة التي ينادون بها والقائمة على مفاهيم كالعقل، الخبرة، المادة، فصل الدين عن الدولة، هذه المفاهيم نشأت في سياق حضاري مختلف عن المجتمع العربي وفي هذا الصدد يرى عبد السلام الخزرجى وزميلته″إذا أخذنا مثلا مبدأ الفصل بين الدين والسياسة باعتباره احد القواعد الأساسية للاتجاهات العلمانية فانه يمكننا القول أن هذا المبدأ لم يكن قرارا سياسيا فرضته ظروف محلية أو إقليمية طارئة بل كان قرارا فكريا سليما وأمرا فرضته حاجات بيئة ثقافية ملحة على الساحة الأوروبية. ولذا فان مبدأ التعليم في البيئة العربية يشترط تشابه الحاجات البيئية بين البيئة المعيرة والبيئة المستعيرة... لان اختلاف البيئات يؤدي إلى اختلاف في أنماط التفكير لاجتماعي″(4).

ومن هذا المنطلق فان التيار الفكري العربي العلماني بعيد عن الواقع الاجتماعي العربي لكونه متأثرا بتكوينه الغربي لان معظم ممثلي هذا الرأي تكونوا في مؤسسات غربية مزروعة في عواصم عربية وإسلامية من أمثال طه حسين علي عبد الرزاق والخديوي إسماعيل ومصطفى كمال وغيرهم، أما في القرن العشرين فقد تأثر الفكر العربي الموالي للفكر الغربي تأثرا كبيرا بالفلسفة البراغماتية خاصة أراء جون ديوي، وقد روج لها من أمثال إسماعيل قباني، وعبد العزيز القوصي، وسعد مرسي النجيحي من خلال التركيز على شخصية الطفل والاهتمام بميوله ونشاطاته وإعداده كمواطن صالح(5).

ولقد اتسع نفوذهم في المجال التربوي بنشر الفكر البرغماتي في مصر والدول العربية الأخرى والى غاية الوقت الحالي لازال الصراع قائما بين الفكر العلماني وبين الفكر الديني أو بين الأصالة والمعاصرة باعتبارها إشكالية في الثقافة العربية حيث ينظر علي اسعد وطفة إلى هذا الجانب ″وسعيا وراء الحداثة بقيت الساحة العربية الفكرية مفتوحة على مختلف لاتجاهات الفكرية والمحاولات الجادة في الكشف عن عناصر الغموض في معادلة التنوير المعقدة... عصر الرواد اعتمد منهج الانضباطية والأصولية التراثية في التعليم أما نخبة التجربة الليبرالية قد استندت إلى الأصولية الوضعية تحت تاثير حضارة الغرب... لأننا مازلنا ضمنيا أو صراحة نعتبر  أن التنمية هي اللحاق بالغرب(6) .

وفي خضم هذا الصراع الفكري تدخل التيارات الفكرية في إطار التحدي الغربي المستمر فقضايا التراث والمعاصرة أو الأصالة والحداثة تشكل الأفكار الأساسية في الساحة العربية ويقسم شرابي استجابة المثقفين العرب لهذا التحدي إلى نظريتين(7) :

ـ التيار التقليدي وهو ذ وموقف سلبي رافض للغرب وللتجديد .

ـ التيار التحديثي وهو ذ وموقف ايجابي تجاه الغرب والتغيير .

ـ التيار الإصلاحي وهو وسيط بين الاتجاهين.

ويمكن اعتبار التيار الثالث من أنصار الأخذ بالأفكار الغربية مع تكييفها لتلائم الواقع الاجتماعي العربي ويشمل هذا التيار المثقفين والمفكرين الذين يدافعون عن القومية العربية.

ويتفق مسارع حسن الراوي مع التصنيف الذي وضعه شرابي من خلال نظرته إلى تأثر التربية العربية بالاتجاهات الفكرية ″إن الموضوعية تتطلب الاعتراف بان التراث الإسلامي فيه أفكار واتجاهات تربوية تقليدية محافظة تتنافى مع المعاصرة لأنها تناهض العقلانية والتقدمية ، كما فيه أفكار واتجاهات تربوية تتسم بالتقدمية والديمقراطية والمعاصرة دعا إليها بعض المفكرين الذين تخطو زمانهم في تطلعاتهم الفكرية

وفي ضوء هذه المعطيات والنتائج... يجد المربي نفسه أمام ثلاث خيارات هي(8):

ـ الانغلاق على التراث والتقيد به إيمانا بأن كل ما في التراث صالح ومقدس وغير قابل للنقد أو النقص.

ـ الانفتاح على الحياة المعاصرة والأخذ بالاتجاهات الفكرية الغربية سواء كانت شرقية أم غربية مما يستدعي إهمال التراث واعتباره تاريخا يناسب زمانا مضى وعصرا انقضى.

ـ الخيار الثالث فهو خيار توفيقي عقلاني عملي، يرفض الانغلاق على التراث ولا يقر الانفتاح الكلي على الإنتاج الحضاري المعاصر.

ويرى مسارع حسن أن الخيار الثالث يأخذ الحسن من التراث العربي الإسلامي لإيمانه بأصالته وعراقته ويختار المناسب من الحضارة الحديثة لإيمانه بالمعاصرة والتقدم العلمي ،انه الخيار الذي يوفق بين مبدأ الأصالة والمعاصرة، ويرفض الانغلاق المتطرف على التراث والانفتاح المتطرف على الحداثة(9).

 وإذا كانت أغلبية المفكرين العرب والمسلمين الذين يؤمنون بضرورة الاعتراف بالتراث الإسلامي وعدم تجاهل الدور الديني لأنه يمثل الوزن القيمي والثقافي للمجتمعات العربية والإسلامية على الرغم من التطرف في بعض فتراته من خلال تغليب الجانب الروحي على الجانب المادي ولم يتخذ من الوسطية منطلقا لأفكاره، وكذالك الاتجاه العلماني الذي تجاهل الدور الروحي والخلقي في الفكر التربوي وتناسى أثره في الوظيفة الاجتماعية للشعوب العربية لكون الدين الإسلامي عقيدة وممارسة على حد سواء ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الجانب العقائدي عن الممارسة.

ويعتبر الخزرجى تجاهل الدور الروحي للاتجاه العلماني في البلاد العربية والإسلامية باعتبارها بيئة اجتماعية تتسم بثراء ديني متميز له خطورة كبيرة على الشعوب العربية والإسلامية وذلك لكونه رسالة سماوية تهتدي فلسفته الاجتماعية بدرجة كبيرة بالمسائل الروحية(10).

3ـ الاتجاهات الفكرية التربوية في الجزائر

 لم تكن التجربة الجزائرية مند مطلع الاستقلال في مأمن من هذه الصراعات والتناقضات ولم تسلم من الغموض الفكري التربوي بل كانت تعاني في المنطلقات والأهداف أكثر من غيرها بفعل العامل الاستعماري ويمكن تقسيم التيارات الثقافية في التجربة الجزائرية في سياقها التاريخي إلى نوعين هما:

ـ تيار الثقافة الفرنسية أو ما يعرف بالتيار الفرانكفوني.

ـ تيار الثقافة العربية .

3ـ1ـ تيار الثقافة الفرنسية ( الفرانكفوني )

ترجع امتداداته إلى الاستعمار الفرنسي حيث بدا بالظهور على المسرح الجزائري قبل الحرب العالمية الأولى، ثم تبلور في بعض المنظمات السياسية ابتداء امن عام 1930م، وكانت له جرائد باللغة الفرنسية ودعا ته في المحافل الدولية داخل الجزائر وخارجها، ولقد لقي تأييدا من قبل الاستعمار الفرنسي وأصبح يطلق عليهم اسم النخبة(11).

ولقد تأثر دعاة هدا التيار بالفكر الغربي خاصة الفرنسي ويعتمد في طرحه للقضايا التربوية على الحداثة ويعتبر سبب تدهور المدرسة الجزائرية بعد الاستقلال يعود بالدرجة الأولى إلى التسرع في عملية التعريب وفرض مبدأ الأحادية الذي حولها إلى فضاء من الغباء والاشتراط الإيديولوجي.

 ويعتبرون المدرسة الجزائرية اقتصرت على غرس العقائد والإيديولوجيات في الوقت الذي كانت فيه مطالبة ببث الاعتزاز النفسي في أطفال الجزائر ومنحهم القدرة على التفكير والنقد (12).

إذن فهذا التيار ينظر إلى أن المدرسة الجزائرية منكوبة بسبب تعميم اللغة العربية التي صارت تدرس في كل المواد إضافة إلى أن تدريس التربية الإسلامية بعدد كبير من الساعات أدى من وجهة نظرهم إلى  الأصولية ويرى علي بن محمد الوزير السابق للتربية الوطنية في بداية التسعينات إن التيار الفرانكفوني يعتبر المدرسة لتشد عن القاعدة فهي منكوبة وسبب نكبتها هي اللغة العربية التي صارت تدرس بها مواد البرنامج كلها... والتربية الإسلامية التي كونت الأصولية والإرهاب (13).

ومما سبق فمشكلة تحديث المدرسة الجزائرية بالنسبة للتيار الفرانكفوني تتركز في لغة التدريس والمتمثلة في اللغة الفرنسية لأنها لغة العلم والثقافة، والتقدم والرقي عكس اللغة العربية التي تعتبر من وجهة نظرهم لغة تكرّس التخلف والأصولية.

3ـ2ـ تيار الثقافة العربية

ويمثل هذا التيار دعاة القومية الإسلامية، وهم بصفة رئيسية يمثلون جمعية العلماء المسلمين، ورجال الطرق الصوفية وأصحاب الزوايا، وتؤيده سياسيا حركة نجم شمال إفريقيا وحزب الشعب الجزائري، وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية وجبهة التحرير الوطني التي كانت تنادي بتحرير الجزائر  داخل إطار الثقافة العربية الإسلامية، ومقاومة بشدة سياسة الإدماج والتجنيس(14).

ولقد ركز هذا التيار على ضرورة توحيد المثقفين الجزائريين لإحياء اللغة العربية وتطهير الدين الإسلامي من البدع والخرافات والشعوذة، وبعث التراث العربي الإسلامي وتجديده.

إن هذا التيار يدعو إلى أصالة المدرسة الجزائرية والسعي بها إلى التقدم والرقي في إطار مقومات الهوية الوطنية وركائزها الأساسية هي اللغة العربية، وانتماءاتها الحضارية من خلال الاقتداء برائد النهضة الجزائرية عبد الحميد ابن باديس وأنصاره الذين يرفضون النظر إلى المدرسة الجزائرية من زاوية سوداوية حول الانجازات المحققة.

إن هذا التيار  ينظر إلى ضرورة المحافظة على المكاسب المحققة  والعمل على توجيه الاهتمام إلى البحث عن المسائل التربوية كالمناهج وطرائق التدريس، والتكوين وتحسين التحصيل، فهو لا يدخر جهدا في التصدي بكل قوة لكل مشاريع الإصلاحات التي تريد أن تتنكر للثوابت الوطنية، ويدين كل تراجع أو تنازل عن أي جانب من جوانب التعريب أو أي تخل عن القيم الروحية والثقافية (15).

ويرى بوفلجة غياث أنه قبل الطعن في مدى صلاحية احد مقومات الأمة ومدى تشويشها على العملية التربوية لا بد من البحث في كل القضايا التقنية ومتابعة نتائجها(16).

إن هذا الاتجاه يركز على ضرورة الاعتماد في بناء المدرسة الجزائرية على مقومات الأمة الجزائرية وهويتها العربية الإسلامية وعدم الانسلاخ من خلال تبني خيارات إستراتيجية بعيدة عن الثوابت الوطنية لثورة أول نوفمبر ويعتبر أن المدرسة الجزائرية تتخبط في مشاكل تتعلق بجوانب تقنية من الضروري معالجتها من خلال دراسات معمقة من قبل باحثين أكفاء بعيدا عن الصراعات الإيديولوجية .

في الوقت الذي تغرق فيه المنظومة التربوية في مشاكل معقدة ويعاني التلاميذ البرد في الأقسام ،والجوع وغياب الكتاب المدرسي، وضعف التكوين وسوء التسيير والافتقار لبعض الوسائل نجد المسئولين يناقشون لغة التدريس، وهل الجزائر مع الحداثة والعصرنة أم ضدها؟ وهل نعلم التلاميذ قيم أجدادهم أم أن هذه القيم متخلفة يجب محاربتها؟ وغير ذالك من المسائل ذات الطرح الفلسفي والاديولوجي في غياب الباحثين والمربين (17).

والكثير من الباحثين في الشأن التربوي ينظر إلى المشاكل التي تعاني منها المدرسة الجزائرية نتيجة صراعات أيديولوجية حول مسائل اللغة والتراث والثوابت الوطنية وتهويل الوضع التربوي إلى درجة الكارثة دون مراعاة للجوانب التقنية التي لها دور في تحسين المردود التربوي وتقويم المدرسة الجزائرية من حيث الانجازات المحققة منذ الاستقلال، والسلبيات المؤثرة على المردود التربوي للمعالجة والتعديل ، لذلك ظلت المدرسة الجزائرية تعاني من مشاكل معقدة دون حلها موضوعيا بعيدا عن الصراعات الفكرية والسؤال الذي يطرح هل يمكن تجنيب المدرسة الجزائرية هذه الصراعات خاصة وان كل التجارب في الحقل التربوي تنطلق من فلسفة تؤمن بها وتطبقها في الميدان والممارسة الفعلية، في زمن العولمة التي شملت كل الميادين بما فيها التعليم؟

إن هذا الإشكال يطرح بالنسبة لجميع المنظومات العربية أين نجد الصراع على أشده بين مختلف التيارات الفكرية التي أثرت بصورة أو بأخرى على المنظومة التربوية.

4ـ تأثير لاتجاهات الفكرية على المنظومة التربوية العربية

إن الصراعات الفكرية في المجال التربوي أدت إلى وجود منظومتان إحداهما تعمل على نشر التعليم الديني القائم على العلوم الشرعية والثقافة الإسلامية واللغة العربية وتتكفل به المعاهد والمدارس الدينية، والثانية تعمل على نشر التعليم الحديث. ويرى حامد عمار إن الانشطار التعليمي والثقافي بين ما يسمى بالتعليم الديني والحديث ساحة للصراع السياسي والمناظرة الثقافية للمصالح الطبقية والفئوية(18).

فالاحتكاك الثقافي للمسلمين مع الغرب منذ قرنين من الزمن لم يسع إلى تطوير المعاهد والمدارس الدينية، بل أدركوا أنهم في حاجة إلى علوم الغرب الحديثة مما دفعهم إلى تشييد المدارس والكليات التي ليس فيها من الفكر الإسلامي في شيء ذي قيمة، كما أن البعثات التي تم إرسالها إلى أوروبا عادت وقد تبنت أفكارا وثقافة غربية زرعت في المعاهد والمدارس والجامعات المحدثة على الطريقة الغربية، إلى جانب المؤسسات التي تقدم العلوم الشرعية.

فمثلا محمد علي باشا لم يطور الأزهر ولم يغلقه، لكنه فرض الضرائب على الأوقاف وأخذ في فتح المدارس المختلفة، وقد ترك مؤسسة تعليمية لتكون عبارة عن بنية ثبوتية جامدة في مناهجها وإدارتها وخططها الدراسية، ثم طور ما حولها بإنفاق الأموال الطائلة وبأحدث الخبرات، والنتيجة لن تكون سوى دفع تلك المؤسسة لتصبح أوضاعها علامة فارقة بين ما يتصل بالسلف وعلوم التراث وبين ما يتصل بأوروبا وثقافتها وفنونها(19).

إذن هذه الازدواجية كان لها آثار على المستوى الفكري إضافة إلى عوامل أخرى لا يمكن تجاهلها خاصة عامل الاستعمار لأنها جزء من التراكم الفكري الذي يظهر بوعي أو بدون وعي في محاولات البحث عن البديل الاديولوجي الملائم في بناء المنظومات التربوية العربية لذلك نجد مفاهيم غربية في الأصل كالديمقراطية الليبرالية، الاشتراكية، وأخيرا العولمة.

لذالك ينظر حيدر إبراهيم إلى هذه المسالة من زاوية سوسيولوجية ″إن الفكر العربي الحديث ما هو إلا تعبير عن بورجوازية ناشئة وضعيفة ومحدودة القدر، وقد ولدت تابعة ولم تتخلص من تبعيتها فهي في الواقع من خلق الاستعمار الذي عجل في نشأتها وشكلها حسب العلاقة بين المستعمر والمستعمر(20).

وإذا كان التربويون العرب والمسلمون مجبرين نتيجة الاستعمار على نقل المعرفة إلى البلاد العربية والإسلامية وتوظيفها في بناء المنظومات التربوية من خلال محاولة تكييفها مع الواقع الاجتماعي العربي والإسلامي، لكون كل حضارة ينبغي أن تجد حقلها التربوي بتوظيف تاريخها الثقافي والاجتماعي، وسعيا لتحقيق هذا المسعى وجد الكثير من المفكرين التربويين في الوقت الحالي أنفسهم أمام ضرورة الرجوع إلى الفكر العربي الإسلامي لإيجاد فلسفة تربوية تناسب المجتمعات العربية.

وعند اطلاعنا على الفكر التربوي المعاصر والمهتمين بالتربية في الوطن العربي نجد الدعوة إلى ضرورة تجاوز الاعتماد على الغرب في نقل الأفكار دون تكييف أو إنتاج لأفكار مناسبة مع القيم الروحية والدينية للمجتمع العربي.

وفي هذا الصدد يرى السوسيولوجي مراد دندش ″آن الأوان للتربية ورجالها أن تعود وسوف يجد المتخصصون في التربية أن كل جديد في الفكر التربوي المعاصر له أصوله في الفكر التربوي الإسلامي ولكن الفرق كبير بين الجري وراء الفكر التربوي المعاصر لمجرد انه جديد أو معاصر وبين السعي إليه لأنه نابع من تراثنا ومناسب لإيديولوجيتنا(21).

ويوافق هذا الطرح حسن شحاتة: ″لقد آن الأوان أن نتجاوز الاعتماد على الأفكار والمبرهنات والنواتج التربوية التي تصلنا من الغرب أو الدول الأخرى الأكثر تقدما، فرغم أهميتها وضرورتها للتطور والتحديث... إلا أننا في حاجة إلى أن نكون منتجين ومصنعين للفكر التربوي مسترشدين لخبرتنا الناجحة في التعليم والتعلم(22).

كما ينظر عبد السلام الخزرجى إلى هذا الجانب من زاوية سوسيو لوجية محضةاذ يرى إن سمة الخصوصية الثقافية لكل مجتمع تراث ثقافي يتضمن فيه ومعتقداته ومبادئه لها تأثير كبير في الفكر الإنساني وسلوكه أو استجابة إلى متطلبات التطور ينبغي مراعاتها أثناء التنظير(23)

من هذا المنطلق فان الأفكار التربوية الحديثة دخيلة على المجتمعات العربية لكونها بعيدة عن خصوصياتها التاريخية والحضارية والبيئية وبالتالي من الضروري تكييفها مع الواقع التربوي في الوطن العربي والرجوع إلى التراث الفكري للاستفادة منه من خلال دراسته وبناء تصور علمي سليم يتماشى مع التطورات العصرية دون إغفال الانتماء الحضاري لأنه من غير المعقول الانغلاق على الذات في ظل العولمة وتطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والثورة العلمية في جميع الميادين والنظر إلى كل جديد على انه غير صالح بالضرورة بل يجب دراسته بعمق وبموضوعية وتكييفه وفق الواقع الاجتماعي العربي. إن صحوة التربويين وتخوفهم من الذوبان في خضم هذا الكم الهائل من الأفكار التربوية له ما يبرره خاصة في المرحلة الحالية لكون المجتمع العربي لا يزال يعاني من تبعية أخري تتمثل في التبعية الفكرية والفلسفية، على الرغم من ثراء التراث العربي والإسلامي في هذا الجانب، وان لم تصل إلينا نظرية تربوية بالمصطلح الحديث فان التاريخ العربي والإسلامي ثري بالأفكار التربوية المستوحاة من الشريعة الإسلامية.

 ------------------------------------

المراجع

1ـ عبد الكريم بوصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى، الجزائر، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 1996. ص37.

2ـ عباسي  مدني: مشكلات تربوية في البلاد الإسلامية، باتنة، دار الشهاب، ب.ت.ن، ص20.

3ـ خلدون حسن النقيب: المشكل التربوي والثورة الصامتة، دراسة في سوسيولوجية الثقافة، كتاب التربية والتنوير في تنمية المجتمع، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة المستقبل العربي، العدد 39 ، ط1، 2005، ص45.

4 ـ عبد السلام الخزرجى، رضية حسن الخزرجى: السياسة التربوية في الوطن العربي، الواقع والمستقبل، عمان، دار الشروق، ط1، 2000 ، ص ص.236،237.

5ـ خلدون حسن النقيب: مرجع سابق، ص45.

6ـ علي اسعد وطفة: معادلة التنوير في التربية العربية، كتاب الوحدة العربية، مرجع سابق، ص66.

7ـحيدر علي إبراهيم: علم الاجتماع والصراع الإيديولوجي في المجتمع العربي، كتاب نحو علم اجتماع عربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل، ط1، 1986، ص118.

8ـ مسارع حسن الراوي : دراسات حول التربية في البلاد العربية، بيروت، المكتبة العصرية، 1987،ص100.

9ـ نفس المرجع، نفس الصفحة.

10ـ عبد السلام الخزرجى وزميلته: المرجع السابق، ص168.

11ـ تركي رابح : التعليم القومي والشخصية الوطنية، الجزائر، الشركة الوطنية للكتاب، 1975،ص97.

12ـ بن عبد الله محمد: المنظومة التعليمية والتطلع إلى الإصلاح، وهران، دار الغرب للنشر والتوزيع، 2005 ص8.

13ـ علي بن محمد: معركة المصير والهوية في المنظومة التعليمية، الصراع بين الأصالة والانسلاخ في المدرسة، الجزائر، دار الأمة، ط1، 2001، ص96.

14ـ تركي رابح: مرجع سابق، ص 97.

15ـ بن عبد الله محمد: مرجع سابق، ص9.

16ـ بو فلجة غياث: التربية والتعليم في الجزائر، الجزائر ، دار الغرب للنشر، ط2، 2006، ص124.

17ـ نفس المرجع ، ص ص.125،126.

18ـ حامد عمار: دراسات في التربية والثقافة، في أفاق التربية العربية من رياض الاطفال إلى الجامعة، مصر، مكتبة الدار العربية للكتاب، ط1، 2003، ص135.

19ـ عبد الكريم بكار : المسلمون بين التحدي والمواجهة، حول التربية العربية، دمشق، دار العلم، جزء5، ط1، 2001،ص209.

20ـ حيدر علي إبراهيم: المرجع السابق، ص ص.115،116.

21ـ فايز مراد دندش: علم الاجتماع التربوي بين التأليف والتدريس، الإسكندرية، دار الوفاء، ط1، 2003 ، ص261.

22ـ حسن شحاتة: مداخل إلى تعليم المستقبل في الوطن العربي، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 2004، ص25.

23ـ عبد السلام الخز رجي وزميلته: المرجع السابق، ص170.

المراجع

1ـ عبد الكريم بوصفصاف: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلاقاتها بالحركات الجزائرية الأخرى، الجزائر، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 1996. ص37.

2ـ عباسي  مدني: مشكلات تربوية في البلاد الإسلامية، باتنة، دار الشهاب، ب.ت.ن، ص20.

3ـ خلدون حسن النقيب: المشكل التربوي والثورة الصامتة، دراسة في سوسيولوجية الثقافة، كتاب التربية والتنوير في تنمية المجتمع، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة المستقبل العربي، العدد 39 ، ط1، 2005، ص45.

4 ـ عبد السلام الخزرجى، رضية حسن الخزرجى: السياسة التربوية في الوطن العربي، الواقع والمستقبل، عمان، دار الشروق، ط1، 2000 ، ص ص.236،237.

5ـ خلدون حسن النقيب: مرجع سابق، ص45.

6ـ علي اسعد وطفة: معادلة التنوير في التربية العربية، كتاب الوحدة العربية، مرجع سابق، ص66.

7ـحيدر علي إبراهيم: علم الاجتماع والصراع الإيديولوجي في المجتمع العربي، كتاب نحو علم اجتماع عربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل، ط1، 1986، ص118.

8ـ مسارع حسن الراوي : دراسات حول التربية في البلاد العربية، بيروت، المكتبة العصرية، 1987،ص100.

9ـ نفس المرجع، نفس الصفحة.

10ـ عبد السلام الخزرجى وزميلته: المرجع السابق، ص168.

11ـ تركي رابح : التعليم القومي والشخصية الوطنية، الجزائر، الشركة الوطنية للكتاب، 1975،ص97.

12ـ بن عبد الله محمد: المنظومة التعليمية والتطلع إلى الإصلاح، وهران، دار الغرب للنشر والتوزيع، 2005 ص8.

13ـ علي بن محمد: معركة المصير والهوية في المنظومة التعليمية، الصراع بين الأصالة والانسلاخ في المدرسة، الجزائر، دار الأمة، ط1، 2001، ص96.

14ـ تركي رابح: مرجع سابق، ص 97.

15ـ بن عبد الله محمد: مرجع سابق، ص9.

16ـ بو فلجة غياث: التربية والتعليم في الجزائر، الجزائر ، دار الغرب للنشر، ط2، 2006، ص124.

17ـ نفس المرجع ، ص ص.125،126.

18ـ حامد عمار: دراسات في التربية والثقافة، في أفاق التربية العربية من رياض الاطفال إلى الجامعة، مصر، مكتبة الدار العربية للكتاب، ط1، 2003، ص135.

19ـ عبد الكريم بكار : المسلمون بين التحدي والمواجهة، حول التربية العربية، دمشق، دار العلم، جزء5، ط1، 2001،ص209.

20ـ حيدر علي إبراهيم: المرجع السابق، ص ص.115،116.

21ـ فايز مراد دندش: علم الاجتماع التربوي بين التأليف والتدريس، الإسكندرية، دار الوفاء، ط1، 2003 ، ص261.

22ـ حسن شحاتة: مداخل إلى تعليم المستقبل في الوطن العربي، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 2004، ص25.

23ـ عبد السلام الخز رجي وزميلته: المرجع السابق، ص170.

 

 

 

 

 

 

Pour citer ce document

نجاة بوبيدي, «الاتجاهات الفكرية المؤثرة في التربية العربية»

[En ligne] العدد 13 جانفي 2011N°13 Janvier 2011 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 174 - 183,
Date Publication Sur Papier : 2011-01-01,
Date Pulication Electronique : 2012-06-13,
mis a jour le : 30/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=536.