مسـاهمة البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجـلد لدى ضحايا فيضانات غرداية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 13 جانفي 2011 N°13 Janvier 2011

مسـاهمة البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجـلد لدى ضحايا فيضانات غرداية
pp : 144 - 160

محمد الصغير شرفي / زهية غنية حافري
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

يعتبر التعرض للصدمـات أمرا عاما يشترك فيه الجميـع، لكن الاختلاف يكمن في السببية التي تعطى لتفسيـر هذه الصدمات والمعنى والرابط الذي يبنى حولها، والتي على أساسها تكوّن استجاباته. وتظهر أهمية هذه الرؤية المزدوجة عندما نعي بأن التجارب الصدمية تكتمل على المستوى الفردي وكذا المستوى الاجتماعي الثقافي.وقد حاول هذا البحث بشقيه النظري والتطبيقي الإلمام بمفهوم الجلد في ارتباطه بالزاد الثقافي للفردكأرضية يرتكز عليها للقيام بامتصاص فكـرة ما حدث له. وهدفت الدراسة إلى الكشف عن مدى مساهمة البعد الثقافي من بعد إيماني وتكاتف اجتماعي وتقاليد اجتماعية على تجاوز الصدمة كصيغة أولية لبداية انطلاق سيرورة الجلد.وقد تم تصميم الدراسةبحيث تجرى على عينـة من ضحايا فيضانات غرداية،أعمارهم تتراوح من 24 إلى 40 سنة. وقد اشتملت عينة البحث على47 حالة من الذكور والإناث. واستخدم في جمع البيانات استبيان من تصميم الباحثة، وتم التوصل من خلال التحليل الإحصائي إلى تحديد نسبة مساهمة كل بعد من الأبعاد الثلاثة.كمااتضح من النتائج وجود فروق جوهريةفي مساهمة الأبعاد الثلاثة.لاستخلاص أن ما تتميز به الثقافة الميزابية من خصوصية لها قدرتها على أن تنفخ على جمر الجلد و تغذي عوامله بالقوة عند أولئك اللذين يتبنونها.

الكلمات المفتاحية: الصدمة النفسية، الجلد، عوامل الحماية، البعد الثقافي، البعد الايماني، التكاتف الاجتماعي، التقاليد الاجتماعية، فيضانات غرداية، الثقافة الميزابية، العزابة.


Etre exposé à un traumatisme est une chose commune  chez tous les  gens, mais la différence se manifeste dans un contexte de causalité où les explications sont recherchées et le sens- lien sont suscités, ceux là  sont à la base de ses réactions. Cette double perspective devient  importante lorsqu' on réalise  que les expériences traumatiques résultent d’une complémentarité au niveau individuel  mais aussi au niveau socio-culturel. Cette recherche  dans ces deux parties théorique et pratique a tenté  de cerner le concept de résilience en rapport avec le bagage culturel de l’individu comme une plateforme et un appui  lui permettant d’assimiler ce qu’il lui est arrivé. Et  cette étude a pour objectif  de révéler  la contribution de la  dimension culturelle (croyances, solidarité sociale et traditions) à surmonter  le  traumatisme comme première  étape  de  l’enclenchement du processus de résilience. L a présente étude porte sur un groupe de 47 cas des deux sexes victimes des inondations de Ghardaïa, dont l’âge vacille entre 24 et 40 ans. Un questionnaire élaboré spécialement pour cette enquête nous  a permis  d' aboutir au terme de l'analyse statistique à déterminer le taux de contribution propre à chacune des trois dimensions, ensuite de relever des divergences non négligeables entre elles, arrivant à la conclusion que la spécificité de la culture Mozabite a ses facultés à souffler  sur les braises  de la résilience et à sustenter ses facteurs de toute force chez ceux qui l'adoptent.

Mots cles: traumatisme psychique, la résilience, facteurs de protections, la dimension culturelle, croyance religieuse, la solidarité sociale, les traditions sociales, les inondations de Ghardaïa, la culture mozabite, Al'Azzaba.

يقول(1994) Ficher

"عندما نواجه الموت نتعلم أن نحيا، والتجربة الصدمية هو ما يحي قلب الحياة لدى البعض"

ساهمت معرفة ردود الفعل التي تنجم عن الحدث الصدمي في تعديل مفاهيمنا ومدركاتنا وكان للدراساتالمتتالية والمحاولات التي قام بها الباحثون صداه الكبير في تفكيك الظاهرة وفهمها. وقد كان الاهتمام منصبا لعدة سنوات لدراسة الظروف السيئة التي يمر بها الأفراد عند تعرضهم لصدمات نفسية والاستجابات المرضية مع ما يصاحبها من تظاهرات وسلوكات غير تكيفية، وكانت النظرة سواء في مجال البحث أو العلاج و التكفل متجهة ولعقود من الزمن للأعراض والنتائج السلبية. ثم تفطن الباحثون إلى أن هناك من الأفراد أمام نفس الحدث الصدمي وبالرغم من تأثر الكثيرين، تتفجر قوتهم وتتضاعف طاقتهم وتزداد مقاومتهم ليخرجوا من تجربتهم أقوى من ذي قبل،بتجاوزها والتقدم إلى الأمام. لتكون لهم الصدمة بمثابة الخطوة إلى الوراء التي تدفع بصاحبها إلى الأمام."  (Rutter,1998, p.47)فالصدمة كما يقول Fisher(1994) التي يمكن أن يكون لها مصير كارثي تراجيدي قد تصبح كبداية جديدة للفرد الذي تعرض لها إن تم توجيهها التوجيه الحسن أين يحدث انفتاح نحو الذات و بالأخص انفتاح نجو جزء من الذات الذي لم يسبق للفرد أن تعرف عليه والذي تم إحياءه فجأة عن طريق الصدمة، لتصبح هذه الأخيرة كمناسبة للازدهار والتقدم نحو الأمام. وهو ما يعبر عنه المثل القائل " ما لا يقتلني يزيدني قوة."وأصبح بالتالي ينظر لما بعد الصدمة بمنظار جديد، نظرة أمل للفرد المصدوم تفتح له آفاقا جديدة وتركّز على المصادر المتنوعة التي تتوفر لديه ليستقي منها مخزونه من القوة.ويسترجع بالتاليحياكة حياته كما يقول Boris cyrulnik(2003) بفضل مفهومين هما "المعنى" و "الرابط". ليشير إلى مفهوم الجلد.

ويعتبر الجلد بمثابة مقاربة جديدة جاءت لتكمل الأبحاث التي أقيمت حول الهشاشة، وبالرغم من الدراسات المكثفة حول مفهوم الجلد في السنوات الأخيرة إلى انه بقي مفهوما غير محدد المعالم، وتبقى سيرورته سيرورة معقدة يصعب تحليلها بسبب تداخل العديد من العواملفيها. منها ما هو مرتبط بالفرد ذاته و منها ما هو مرتبط بالمحيط، ومنها ما هو على صلةبتفاعل هذه العوامل مجتمعة؛ نوعية الصدمة وشدتها، وكذا ما يسنده الشخص المصدوم من تفسير للحدث وكيفية تمثيل التجربة الصدمية عن طريق السيرورات المعرفية والعاطفية التي يكتسبها الفرد والتي يبنيها من خلال ما اكتسبه من معارف ومعتقدات وما تعلمه من عادات وتقاليد. وفي النقطة الأخيرة إشارة واضحة للسياق الثقافي حسب ما اتفقت عليه التعاريف حول الثقافة "كنمو تراكمي و كمخزون حي فيالذاكرة" (معن زيادة،1988). 

واصبح في الآونة الأخيرة وعي متزايد بضرورة الاهتمام بالجانب الثقافي وإدراجه كبعد له اعتباره كمسبب للمرض وكذا كبعد له أهميته ووزنه لتشخيص المرض وعلاجه، كما أظهرت الملاحظات العيادية في علاج الصدمات النفسية أهمية الثقافة كونها تشكل إطارا لاحتواء الفرد. وهو ما أشار إليهTobi Nathan (2006)الذي يؤكد على أن الحدث الصدمي يدفع بالشخص المتعرض له بالاتصال بعالم آخر غير ظاهر وهو العالم الثقافي المتاح له.

وعلى ضوء هذه الحقيقة فأعراض ما بعد الصدمة قد يتم تخفيفها كون الفرد يعطى للصدمة بعدا ثقافيا ويكون معنى لها في محيط يتقبله يشعره بالأمان والحماية. والثقافة باعتبارها محل وحيز للتمثيلات الفردية والجماعية تعتبر بمثابة المدعم والسند للنفس وتكوّن عاملا مهما من عوامل الحماية كما يقول Paul Jacques(2001) . و يذهبJohn  Hawkes في Harcourt(2006) إلى أبعد من ذلك، إذ يرىانه لا يمكن اعتبار الثقافة كبعد للحماية وحسب، بل كعمود ترتكز عليه جميع الأبعاد الأخرى. كون باقي العوامل من عوامل فردية و عوامل اجتماعية وحتى بيولوجية ملونة ومصبوغة بثقافة الفرد ولا يمكن فهمها إلا في الإطار الثقافي الذي تدرس فيه. فالجلد كما يقول  Boris Cyrulnik(2003) "بما يستلزم من توفر للمعنى ورابط وبما يستدعيه من مدعم للجلد" هي أمور توفرها ثقافة الفرد إن كانت لديها القدرة على ذلك.ويضيف  (2007) Markeyأن مايحمله الفرد من اعتقاد وقناعات تدخلت في تكوين شخصيته هو ما سيكوّن له السند في الأوقات التي يتعرض لها للمحن والصدمات. والفرد يمكنه أن يجد مدعما للجلد في ذاته وبداخله. يلتجأ إليه ليستمد منه قوته ومخزونه كجانب حي، دينامي، تراكمي اكتسبه خلال مختلف مراحل حياته.

ومن هنا تظهر ضرورة الأخذ بعين الاعتبار في دراسة الجلد الجانب الثقافيبإدخال مفاهيم وتصورات واسعة تشمل الاعتبارات الثقافية التي تختلف من مجتمع لآخر.

و يؤكد الطبيب العقليPatrick Le Cardinal  (2006) على ضرورة عدم فصل الدين عن التوازن النفسي للفرد كونه يتدخل في تكوين الأنا وقوتها. وعدم القدرة على الحفاظ على الانسجام في فوضى الأحداث... ويضيف قائلا بأن" المعنى الذي يتم تدعيمه بالجانب الديني يمكن تصوره كالخرسانة من الاسمنت التي تعمل على إعادة تثبيت وإلصاق مجموع الأجزاء التي تبعثرت بسبب الانفجار الذي وقع في النفس عند تعرضها للاّمتوقع، مشيرا بذلك إلى الصدمة.

كما يؤكدالباحثون أيضا على ضرورة المساندة و التكاتف الاجتماعي لمواجهة الصدمات. وأشار Cyrulnik(1999) على أن القدرات الكامنة الخاصة بالفرد لا يمكنها أن تبرز وتتطور إلاّ بفضل مساندة المحيطين به وبفضل حياكة الروابط بين الفرد/البيئة.

وبالرغم من توفر تراث من الدراسات توضح أهمية إدراج البعد الثقافي في الدراسات النفسية والصدمية،إلا أن أغلبيتها أقيمت في مجال التفاعل بين ثقافي والاختلافات الاثنية. وأردنا من خلال هذه الدراسة إبراز الصبغة التكاملية لبعض ديناميات سيرورة الجلد في علاقته بعناصر ثقافيةفي المجتمع ذاته.لذا كان تناولنا للجلد كمخزون كامن لدى الفرد قد يتم تنشيط حركيته وإطلاق سيرورته إن وجدت الظروف الملائمة و العناصر المساعدة. كما اهتممنا بتناول الثقافة كمخزون حي دينامي تستمر مع الفرد كونها تتدخل في تشكيل شخصيته بما يتم تشجيعه في إطار ثقافته كل ذلك من خلال دراسة ميدانية إحصائية أردناها أن تكون بلغة الأرقام.

وبالرجوع إلى ما جاء به Ting Toomey(1999) في استناده للتشبيه الفرويدي للجهاز النفسي في موقعيته الأولى الذي لا يمكن فهمه إلا بالغوص رأسيا في الطبقات اللاشعورية؛ فإن Toomeyيعتبر الثقافة  كجبل من الجليد لا يتظاهر منه إلاّ الطبقات العليا البارزة والتي تعبر عن الجانب المادي لها، ولا يمكن استكشافها وفهمها فعليا إلا بالغوص أفقيا في الطبقات الداخلية العميقة لتقصي عناصرها من معتقدات و قيم ومعايير وتمثيلات. هذه العناصر التي تطفوا إلى الخارج بقوة بما تَتَملّكُهُ من الفرد عندما يتعرض هذا الأخير إلى الأزمات والمحن.لتسهم بالتالي في انفعالاته، طريقة تفكيره وسلوكاته وردود أفعاله.ويشير الباحث إلى أن فهم الثقافة يستدعي الغوص في عناصرها المكونة لها والكيفية التي تساهم بها في تطوير الجلد عند أصحابها.وهو ما سنسعى لاستكشافه والتحقق منه في ثقافة بني ميزاب عند ضحايا فيضانات غرداية. تلك  الفيضانات التي وصفت على أنها طوفانية بتدفق غير مسبوق لستة أودية في مصب واد ميزاب وصل تسارعه إلى 900 م³ و ارتفاع مستوى مياهه إلى ثمانية أمتار مع ما استتبعه منخسائر للأرواحوالتي قدرت بمقتل أزيد من 47 شخص و89 من حالات الإصابة إضافة للمفقودات والممتلكات المادية كما أعلن عنه رئيس الوزراء الجزائري أحمد أويحيى يوم الثلاثاء 7 أكتوبر 2008 في نشرة الأخبار المسائية على الشاشة الوطنية، مع ما تثيره الكارثة الطبيعية عامة من دهشة وإحباط و ما يقابلها من إحساس بعدم الأمن المفاجئ والتهديد الذي يواجهه الفرد وأحباءه في الوقت ذاته.

ومن هذا المنطلق كله وفي ضوء ما تتميز به الشخصية الميزابية من خصائص نشأت في مجتمع يتبع ويحتكم لنظام العزابة الذي صبغ حياته منذ أكثر من ألف عام، وبالارتكاز على ثلاث أبعاد اتفقت الدراسات على أهميتها في تشكيل أي ثقافة من الثقافاتمن بعد إيماني وتكاتف اجتماعي وتقاليد اجتماعية.تحددت مشكلة هذه الدراسة للبحثإن كانت تساعد هذه الثقافة الميزابية بعد تعرض أفرادها لكارثة بهذا الحجممع ما خلفتهمن صدمات ومعاناة واضطرابات نفسية على توفير"المعنى" و "الرابط"وإطلاق سيرورة الجلد .  وجاء تساؤل البحث كالآتي

هل يساهم البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجَلَدْ لدى ضحايا فيضانات غرداية؟

وجاءت الفرضية العامة للدراسة على النحو التالي

يساهم البعد الثقافي بعناصره الثلاث من بعد إيماني وتكاتف اجتماعي وتقاليداجتماعية في إطلاق سيرورة الجلد لدىضحايا فيضانات غرداية.

و اندرجت تحتها الفرضيات الإجرائية التالية

- يساهم البعد الإيماني ايجابيا في إطلاق سيرورة الجلد لدىضحايا فيضانات غرداية.

- يساهم التكاتف الاجتماعي ايجابيا في إطلاق سيرورة الجلدلدى لدىضحايا فيضانات غرداية.

- تساهم التقاليد الاجتماعية ايجابيا في إطلاق سيرورة الجلدلدىضحايا فيضانات غرداية.

- توجد فروق ذات دلالة إحصائية في مساهمة كل بعد من الأبعاد الثلاث(البعد الإيماني والتكاتف الاجتماعي والتقاليدالاجتماعية)في إطلاق سيرورة الجلد لدىضحايا فيضانات غرداية.

2- أهمية الدراسة:

- تكمن أهمية الدراسة في أهمية موضوعها وهي مشتقة من أهمية الأبعاد المتناولة في الدراسة (من بعد إيماني وتكاتف اجتماعي وتقاليد اجتماعية) كأبعاد لها وزنها في تسيير التجارب الصعبة وكونها تمثل عاملا مهما من عوامل الحماية الطولية كونها تتدخل في التركيب البنائي للفرد وكذا البناء الجماعي والمجتمعي.

-  خطورة الصدمة النفسية وتأثيرها السلبي على حياة الأفراد وبالتالي المجتمع ككل.

- وباعتبار ما يتم التعرض إليه من غزو ثقافي في وقتنا الحالي وانتشار عمليات التثقيف، فإن تمسك الفرد بثقافته وتعزيز أبعادها بما يحققه من إحساس بالانتماء وبما يوفره من معنى للفرد في حياته العامة وفي أثناء تعرضه للصدمات خاصة، يعتبر أمرا شديد الأهمية وجب التركيز عليه ودراسته بشيء من الدقة.

3- دوافع الدراسة:

-تتمثل في أن الاهتمام بالثقافة بقي اهتماما ضعيفاً  في العالم العربي واعتبرت الثقافة بشكل عام أقل قيمة من باقي المجالات في التناولات النفسية.

- زيادة التعرض للحوادث الكارثية الطبيعية التي لحقت بالجزائر مؤخرا وتوسع نطاقها لتمس عددا من الولايات مع ما تخلفه من صدمات نفسية ورائها.

- لما للبعد الثقافي من أهمية، وما له من دور في ردود أفعال الفرد الانفعالية الوجدانية والسلوكية.

-قلة الدراسات العربية التي تناولت دور الأبعاد الثقافية من بعد إيماني، وتكاتف اجتماعي وتقاليد اجتماعية في تجاوز الصدمات. و لم يرد حسب علمنا في الدراسات العربية أبحاث لتقييم دور البعد الثقافي أو العوامل الثقافية التي تساهم في تطوير الجلد.

4- أهداف الدراسة:  صممت هذه الدراسة لأجل:

-الوقوف على أهمية البعد الثقافي ومساهمته كعامل من عوامل الحماية على تجاوز الصدمة الناجمة عن الفيضان لدى أفراد العينة.

- التعرف على ترتيب كل بعد من الأبعاد الثلاث من بعد إيماني وتكاتف اجتماعي وتقاليد اجتماعية حسب نسبة مساهمتها في إطلاق سيرورة الجلدلدى أفراد العينة من ضحايا فيضانات غرداية.

5- تحديد مصطلحات الدراسة:

5-1- تعريف الجلد:

"الجلد"مفهوم فيزيائي يعبر عن القدرة على مقاومة الاصطدام،تم استعارته في العلوم الإنسانية وبتطبيقه في المجال النفسي "فان الجلد لا يعني القدرة على المقاومة وحسب ولكن أيضا تجاوزها والتقدم إلى الأمام لتكون له الصدمة بمثابة خطوة إلى الوراء التي تدفع بصاحبها للقيام بقفزة جبّارة إلى الأمام."(Vouche,2003)

يعرفه Boris Cyrulnik(1999) على انه رفض للاستسلام والانقياد لمصير الصدمةأين لا يصبح الألم والمعاناة نتيجة حتمية ولكن بدلا من ذلك تصبح الصدمةبلاءا مدهشا و مذهلا. وأيضا كما يرى فيه  Cyrulnik(2003) إستراتيجية المقاومة ضد المصائب والألم وانتزاع للذة العيش.

و.يعرفهVanistendael, Lecomte, Cyrulnik Manciaux(2001) "على أنه قدرة الفرد أو جماعة ما على التطور الجيد مع الاستمرار في إسقاط الذات في المستقبل رغم تعرضه لأحداث تخل بتوازنه، وظروف حياتية صعبة وصدمات تكون في بعض الأحيان قاسية.ويضيف  Manciauxبأنه عمل مذهل للتكيف، جزء منه سلبي غير واعي، وجزءه الآخر نشط وفعال.

*- ويقولBorisCyrulnik  في كتابه "همس الأشباح Murmure des fantômes"(2003) بأن التعرض للصدمة هو لقاء مع الموت، فبينما شخص من عشرة سيبقى ميتا وسجينا لآلامه فان الآخرين سيقاومون ويسترجعون حياتهم بحياكة قدرتهم على الاسترداد والمواجهة بفضل مفهومين؛ "المعنى" و "الرابط". وللإشارة، يعتبر  Vanistendael(1996) أول من أشار إلى المعنى و الرابط، وجاء بعده Cyrulnikليؤكد ما ذهب إليه هذا الأخير، ويضيف Lecomte(2002) مفهوم ثالث وهو القانون.

ù- ومن خلال ما تم استعراضه من تعاريف نجد أن كل باحث سعى الى تقديم تعريف بالارتكاز على مفاهيم تخدم منطلقاته ولا يوجد اتفاق لوضع تعريف شامل ووحيد.

     ومن هذا المنطلق ولأن كل باحث ملزم باقتراح تعريف يعبر عن إطاره المرجعي بما يخدم بحثه ارتأينا في تعريفنا للجلد أن نرتكز إلى 4 نقاط والمتمثلة في ضرورة التعرض للصدمة بما تحمله من عوامل خطر، المقاومة والتكيف الايجابي، تجاوز الصدمة، وكرد فعل لمواجهة الوضعية الصعبة توفر عوامل الحماية للفرد تحمل في طياتها معنى.وبالاستعانة لما تم تقديمهمن  تعريف نقول بأن الجلد:

●هو القدرة على النجاح والتطور ايجابيا بطريقة مقبولة اجتماعيا بالرغم من تعرضه لحالة من الضغط أو الشدة التي يفترض أن تحمل في طياتها خطورة شديدة و مآل سلبي، يرتبط بالقدرات الكامنة في كل فرد والتي يمكن تقاسمها في إطار الجماعة أو العشيرة بالاستناد لعوامل الحماية. ترتبط به كفرد في توظيفه واعتقاداته وقناعاته كمخزون لتزويده بالمعنى، و عوامل خارجية تنتج  عن التفاعل بين الفرد ومحيطهالذي يعمل على تدعيم هذه الاعتقادات والقناعات ما يمكنه من تكوين الرابط.

5 -2-سيـرورة الجـلد:

نتفق في  طرحنا إلى ما ذهب إليه عدد من الباحثينLighezzolo,Cyrulnik, (2003)Theis, De Tychey  (1999) على كون الجلد سيرورةتوجد في البناء المستمر من خلال التبادل الثابت بين الفرد/المحيط ويظهر من خلال حياةالفرد. و هو سيرورةلتعديل أو إعادة التنظيم النفسي بعد الصدمة.

5-3- الثقــافـة:

و استندنا في تعريفنا للثقافة إلى تعريف معن زيادة (1988) الذي جمع في تعريفه مختلف الآراء والنظريات حول الثقافة، وأيضا لتأكيد الباحثة الأمريكية بينيدكت (1949)على أن الثقافات التي درستها طبعتشخصيات الأفراد المنتمين إليها وأثرت فيهم ومنه أمكننا القول أن:

الثقافة هي المخزون الحي فيالذاكرة كمركب كلي ونمو تراكمي، تطبع على حياة الإنسان اتجاها وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره، مكونة من محصلة العلوم والمعارف والأفكاروالمعتقدات والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليدوالمدركات الذهنية التي تصوغ فكره، تؤثر على بناء مداركه الشخصية وتظهر على المستوى الفردي في الطبقات الشعورية واللاشعورية للفرد محركة لمايصدر عنه من قول أو عمل، ولما ينجزه على الصعيدين الفكريوالعملي الفردي والجماعي على السواء من مهام ووظائف.

5-4- تعريفالبعد الثقافي في علاقته بالجلد:

البعد الثقافي كعامل من عوامل الحماية يساهم في تنشيط حركية الجلد من خلال الجانب النفسي البنائي؛لان التركيب النفسي للفرد مرتبط بالمميزات الثقافية التي ينتمي إليها وتؤثر تأثيرا واضحا في بناء مداركه   تفكيره وفي اعتقاده، يظهر أثرها على المستوى النفسي والانفعالي والسلوكي. وكذا من جانب ما يتلقاه من البيئة المحيطة لأن الفرد المصدوم لا يمكنه أن يتجاوز محنته لوحده.فالدينكمنبع أساسي ومرتكز مهم للثقافة، التقاليد الاجتماعية وما لها من دور بارز في تكوينها، والتكاتف الاجتماعي كقيمة من القيم الثقافية هي عناصر ثلاث لها أهميتها في تشكيل أي ثقافة من الثقافات وتكوّن عاملا مهما من عوامل الحماية.

6- المنهجية المتبعة في الدراسة

نتناول في هذا الجزء الإجراءات المنهجية المستخدمة في الدراسة والتي كانت على مرحلتين:

l-  المرحلة الأولى: بعد حدوث الفيضانات وتمثلت في الدراسة الاستطلاعية التي أجريناها على عينة من 30 فرد ممن عايشوا الأحداث الكارثية للفيضانات التي شهدتها ولاية غرداية، تمثلت أداة الدراسة الاستطلاعية في استمارة  طرحت فيها ثلاث (03) أسئلة مفتوحة جاءت وفق ثلاث محاور وهي كالتالي:

  المحور الأول: استهدف رصد ما يلجأ إليه المصدوم بشكل عام لتجاوز الصدمة.

المحور الثاني: استهدف رصد ما يلجأ إليه الفرد المصدوم بما توفره بيئته بشكل خاص.

المحور الثالث: استهدف رصد المعاني التي يعطيها الفرد لوقوع الكارثة ووفاة الضحايا مع ما استتبعها من خسائر مادية.

وقد مكنتنا الدراسة الاستطلاعية من ضبط المتغيرات و تحديد فروض البحث وذلك بعد تحليل مضمون استجابات أفراد العيينة بعد تصنيفها وتحديد الوحدات وحساب تكرارها وذلك للوقوف على أهميتها.

l- المرحلة الثانية بعد مرور ستة اشهر على حدوث الفيضانات وتمثلت في الدراسة الاساسية.

6-1-المنهـج المستخـدم:

إن طبيعة موضوع البحث هي التي تفرض على الباحث إتباع منهج دون آخر يتماشى مع ما تحمله الظاهرة المراد دراستها من مميزات وخصائص و ما يريد الباحث التوصل إليه. ونظرا لطبيعة الموضوع المتمثل في محاولة معرفة أراء أفراد العينة الذين  شهدوا فيضانات غرداية حول ما استندوا إليه في ثقافتهم لتجاوز الصدمة ليساهم بالتالي في تطوير الجلد لديهم،  فقد تم الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي في هذا البحث كونه أكثر ملائمة وخدمة لموضوعنا.

6-2- عينة الدراسة الأساسية:

تكونت عينة الدراسة الأساسية من 47 فرد ممن شهدوا فيضانات غرداية. 33 منهم ذكورا (%70.21) ، و14 منهم إناثا (%29.78). بمتوسط عمر يبلغ 30 سنة. حيث أظهر أفراد العينة خصائص تدل على أن أصحابها تجاوزوا الصدمة و بدأو في تطوير الجلد والذي ظهر من خلال:

- التكيف الحاصل مع الوضعية الحالية وعدم الانعزال وإقامة علاقات جيدة مع المحيطين.

- غياب المشاكل الصحية الخطيرة.

- تحقيق درجات منخفضة على مقياس(TSPT).

6-3- الحدود المكانية والزمانية للدراسة الأساسية:

-         أجريت الدراسة الأساسية على عينة من الأفراد ينتمون لثلاث مناطق تعرضت للفيضان بنفس الشدةوهي: بابا السعد، بابا والجمة، الغابة.وذلك في شهر أفريل 2009أي بعد مرور 6 أشهر من حدوث الفيضان كونها المرحلة التي تظهر بها اضطرابات الشدة التالية للصدمة(TSPT)  المزمنة وغيابها قد يدل على تطوير الجلد لدى أصحابها.

6-4- أدوات جمع بيانات الدراسة الأساسية:

لجمع بيانات الدراسة الأساسية تم تصميم

*- مقياس اضطراب الشدة التالية للصدمة.

*- استبيان مساهمة البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجلد.

أ- مقياس اضطراب الشدة التالية للصدمة: واستعمل لتحديد العينة، حيث اعتمد تحقيق درجات منخفضة على مقياس(TSPT)كمعيار من المعايير لتطوير الجلد لدى أصحابها. يحتوي المقياس على (35) عبارة تلّم بجميع أبعاد المشكلة و جميع الأعراض المذكورة في ((DSM-IV-TR

ب- استبيان: مساهمة البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجلد وتم إعداد الأداة انطلاقا من توجه نفسي اجتماعي، يعالج فرضيات الدراسة. تضمن القسم الأول صفحة التعليمات، أما القسم الثاني، فيتكون من 43 عبارة تقريرية لمعرفة آراء أفراد العينة تلّم بجميع أبعاد المشكلة وقد تمت صياغتها بحيث تغطي جميع النقاط المرتبطة بالبعد الذي تنتمي إليه. وبنيت عبارات الاستبيان لتدور حول الأبعاد الثلاث ؛ البعد الإيماني، والتكاتف الاجتماعي، والتقاليد الاجتماعية في ارتباطها بما يميز الثقافة الغرداوية وفي ارتباطها بالجلد. وسعينا من خلال العبارات تقصي "المعنى" و "الرابط". بحيثكلما زادت درجة الاستجابة على الاستبيان زادت درجة مساهمة البعد الثقافي في اطلاقه لسيرورة الجلد.

*- وبعد معالجة نتائج العينة التجريبية، تبين بأن العوامل الثلاث: من نوعية جنس أفراد العينة والعمر الزمني لهم وكذا نوعية المفقودات ليس لها تأثير على نتائج الدراسة، وبالتالي لا يتم تناولها كمتغيرات ضمن الدراسة الحالية.

6-5-الأساليب الإحصائية المستخدمة في تحليل نتائج الدراسة

لقد تم استخدام ولتحليل بيانات الدراسة الأساليب الإحصائية التالية: المتوسط الحسابي والنسبة المئوية، اختباركا².

7- عرض نتائج الدراسة الأساسية

7-1- عرض النتائج المتعلقة بالمحور الأول (البعد الإيماني).

بعد تفريغ البيانات وحساب التكرارات والنسب المئوية لمختلف البنود المتعلقة بالمحور الأول والخاص بالبعد الإيماني، فإن نسبة 92.15   %من أفراد العينة أجابوا بصحيح على المحور الأول والمتعلق بالبعد الديني. و قدر المتوسط الحسابي لهذا المحور بـ 2.87  وهو يمثل درجة مساهمة البعد الديني في إطلاق سيرورة الجلد لدى أفراد العينة  من ضحايا فيضانات غرداية

7-2-عرض النتائج المتعلقة بالمحور الثاني (التكاتف الاجتماعي).

بعد تفريغ البيانات وحساب التكرارات والنسب المئوية لمختلف البنود المتعلقة بالمحور الثاني والخاص بالتكاتف الاجتماعي فإن نسبة 71.20 %من أفراد العينة أجابوا بصحيح على المحور الثاني والمتعلق بالتكاتف الاجتماعي وقد تم حساب المتوسط الحسابي لهذا المحور وقد بلغ 2.56 وهو يمثل درجة مساهمة التكاتف الاجتماعي في إطلاق سيرورة الجلد لدى أفراد العينة من ضحايا فيضانات غرداية.

7-3- عرض النتائج المتعلقة بالمحور الثالث (التقاليد الاجتماعية).

بعد تفريغ البيانات وحساب التكرارات والنسب المئوية لمختلف البنود المتعلقة بالمحور الثالث والخاص بالتقاليد الاجتماعية فإن نسبة 48.93  %من أفراد العينة أجابوا بصحيح على المحور الثالث والمتعلق بالتقاليد الاجتماعية. وقد تم حساب المتوسط الحسابي لهذا المحور وقد بلغ 2.26 وهو يمثل درجة مساهمة التقاليد الاجتماعية في إطلاق سيرورة الجلد لدى أفراد العينة من ضحايا فيضانات غرداية.

7-4- عرض النتائج المتعلقة بالمحاور الثلاثفي ضوء الفرضية الرابعة.

H1: توجد فروق ذات دلالة إحصائية في مساهمة كل بعد من الأبعاد الثلاث(البعد الإيماني والتكاتف الاجتماعي والتقاليدالاجتماعية)في إطلاق سيرورة الجلد لدى ضحايا فيضانات غرداية.

H2: لا توجد فروق ذات دلالة إحصائية في مساهمة كل بعد من الأبعاد الثلاث(البعد الإيماني والتكاتف الاجتماعي والتقاليدالاجتماعية)في إطلاق سيرورة الجلد لدى ضحايا فيضانات غرداية.

واستنادا لما جاء في قيم كا²تحت درجة حرية ن = 2 ومستوى الدلالة

Pour citer ce document

محمد الصغير شرفي / زهية غنية حافري, «مسـاهمة البعد الثقافي في إطلاق سيرورة الجـلد لدى ضحايا فيضانات غرداية»

[En ligne] العدد 13 جانفي 2011N°13 Janvier 2011 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : pp : 144 - 160,
Date Publication Sur Papier : 2011-01-01,
Date Pulication Electronique : 2012-06-13,
mis a jour le : 09/12/2016,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=546.