آلية اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية من منظور معرفي
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 15 جويلية 2012 N°15 Juillet 2012

آلية اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية من منظور معرفي

خالد عبد السلام
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

     يهدف موضوعنا إلى إبراز الفرق بين آليتي الاكتساب للغة الأولى والتعلم للغة الثانية في الجوانب، العصبية النفسية المعرفية واللغوية، و كذا  العلاقة الموجودة بين اللغتين من منظور معرفي وأهمية اللغة الأولى في تعلم اللغة الثانية باعتبار  الخبرات القبلية المكتسبة من قبل الفرد لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها خلال عملية التعلم مادامت هذه الأخيرة عملية بنائية. كما سنبين أهم الأساليب المعرفية التي يعتمدها كل فرد أثناء تعلم اللغة الثانية

L’objectif de notre thème et de définir les différences entre les mécanismes d’acquisitions  de la première langue  et celle de l’apprentissage de la deuxième langue sur les plans (neurologique, psychologique, cognitif et linguistique). Entre temps on éclaircira la  relation entre les deux langues  du point de vu cognitif, et l’importance des expériences pré- requises par l’individu dans l’apprentissage de la deuxième langue. Puisque ce processus et constructible on ne peut pas y néglige. Ainsi on fera un aperçu sur les différents styles cognitifs appropriés a chaque  individu pendant  l’apprentissage de la 2éme langue.

مقدمة

   يبدأ إنتاج اللغة لدى الطفل منذ صغره من إصدار أصوات عشوائية وصراخ معبر عن حاجاته البيولوجية، إلى أصوات لغوية على شكل مناغاة تعبيرا عن سعادته وارتياحه وفي نفس الوقت استمتاعا بنطقه المبدئي لأصوات يسمعها من محيطه الأسري. وبعدها عن طريق التقليد والمحاكاة تتطور عملية النطق لديه إلى نطق كلمات مضاعفة مثل (ماما، دادا، بابا...) ثم بمرور الزمن يبدأ في إنتاج الكلمة ذات معنى الجملة ، فالكلمتين ثم الجملة البسيطة إلى أن يصل إلى إنتاج جمل مركبة تتوفر على خصائص وبنية اللغة المتداولة في بيئته(وجود الروابط اللغوية المختلفة) في عمر خمس وست سنوات فما فوق. ويصبح قادرا على استعمال الأساليب اللغوية المتنوعة في مختلف السياقات والمواقف الحياتية. وكأنه في مرحلة الاكتساب هذه يؤسس لنظام معرفي باللغة الأولى وعلى ضوئها تنمو معارفه وتفكيره. حيث يتدرج الطفل من البسيط إلى المعقد تناسبا مع نموه العضوي الفيزيولوجي ونضج إدراكه العقلي وهو ما يمر به كل أطفال العالم مهما كانت لغاتهم وانتماءاتهم الثقافية والاجتماعية. 

   ولكن بعد دخول الطفل إلى المدرسة يجد نفسه أمام لغة جديدة يتعلمها بشكل تدريجي أيضا لكن وفق آليات تختلف كلية عن تلك التي اكتسب بها لغته الأولى، وتحت تأثير شروط وظروف تختلف كلية عن تلك المتعلقة بعملية الاكتساب كطريقة التدريس المعتمدة، لغة التدريس المستعملة من قبل المعلم،إضافة إلى عوامل أخرى لها دور مهم في تطوير المهارات اللغوية للمتعلم بلغة المدرسة مثل فرص التواصل وممارسة اللغة المدرسية في السياقات المدرسية غير الطبيعية مع معلمه أو زملائه داخل القسم . و كذا مدى استفادة كل واحد منهم من البرامج اللغوية سواء في الروضة أو المدرسة التحضيرية أو من البرامج التلفزيونية والتعليم المبرمج (برامج الإعلام الآلي داخل البيت أو خارجه) وغيرها. فكلها عوامل تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على تنمية استعدادات الطفل لتعلم اللغة الثانية (المدرسية) وتطوير مهاراته فيها، وهو واقع متعلم المدرسة  الجزائرية في المرحلة الابتدائية. بناء على ذلك أصبح الاهتمام في الدراسات الحديثة في تعليمية اللغات منصبُُّ حول الأبعاد المعرفية لعمليتي الاكتساب والتعلم للغة والعلاقة المجودة بينهما من حيث آليات كل منهما في النواحي العصبية الفيزيولوجية، المعرفية والنفيسة واللغوية، وكذا كيف تؤثر الخبرات المعرفية واللغوية المكتسبة باللغة الأولى في تعلم اللغة الثانية.وهذا بهدف الوصول إلى أحسن الاستراتيجيات لتعلم اللغة المدرسية أو اللغات الأجنبية. لذلك فموضوعنا سيجيب على الأسئلة الآتية: ما المقصود بمفهوم الاكتساب للغة الأولى؟ وما المقصود بمفهوم التعلم للغة الثانية؟ وما الفرق بين آلية كل منهما؟و ما العلاقة بين اللغتين من منظور معرفي؟ و فيما تكمن أهمية اللغة الأولى بالنسبة لتعلم اللغة الثانية؟ على أن نتناول الإستراتيجيات المعرفية و طبيعة الأخطاء اللغوية التي يقع فيها متعلم اللغة الثانية ومصادرها في أعداد لاحقة.  

 ــ تعريف الاكتساب :"يقصد بالاكتساب تلك العملية التي تتم عن غير قصد ولاوعي من الإنسان كما تتم بشكل عفوي" (محمد السيد مناع 2000 ص35 ).

           وتسمى هذه العملية أيضا بالتعلم الطبيعي، التعلم الضمني والتعلم بشكل لا إرادي. وكلها مفاهيم ومصطلحات تشير إلى أن عملية الاكتساب تتم بطريقة غير واعية ولا منظمة حيث تكون لعملية التقليد والمحاكاة دورا أساسيا فيها . من خلال  تعرض الفرد إلى فرص الاتصال بشكل مستمر ودائم في مختلف المواقف الحياتية من خلال اللغة بشكل عفوي حسب ما تقتضيه الحاجة الاتصالية الاجتماعية .

       كما أن عملية الاكتساب خاصة باللغة الأولى التي يكتسبها الطفل من محيطه مثل اكتساب اللغة العربية العامية. و فيها لا يشغل هذا الأخير نفسه في فهم القواعد النحوية ولا يتوقف برهة ليحفظ بعض الكلمات ثم يرتبها في تراكيب وجمل. بل لديه حساسية اكتسبها من محيطه تجعله يرفض بعض التعبيرات ويقبل البعض الآخر، ويؤثر كلمة على أخرى في ضوء ما ألفته أذنه وما يجري على ألسنة الآخرين في محيطه"( محمد السيد مناع 2000 ص35/36 بتصرف).

ومن جهة أخرى يمكن القول أن اكتساب اللغة الأولى بالنسبة للطفل تتم بواسطة الاتصال بأربعة أصناف من الناس:  ـ" الأم في المرتبة الأولى باعتبارها الشخص الوحيد الذي يدخل في الحسبان منذ الأيام الأولى من ميلاده ـ ثم تأتي العائلة، الأب و الأخوة والأخوات. ـ الجيران المباشرون الذين تقوم معهم العائلة صلة مستمرة .

     ـ ثم جماعة الرفاق والمعلم عند الدخول الى المدرسة "( هشام نشابة وغيرهـ اليونسكو1996 ص94).

   " وتتم عملية الاكتساب هذه عن طريق الاستماع ،المحاكاة والتقليد،التكرار والاستخدام في المواقف المختلفة الى جانب التعزيز حسب السلوكيين "( نايف خرما 1988 ص98 ).    

  مثال : احتكاك الإنسان بمجتمع  ناطق بغير اللغة التي يعرفها بمرور الزمن يبدأ في اكتساب تلك اللغة لا إراديا. كتواجد طلبة ناطقين بالعربية في غرفة بالحي الجامعي مع زملاء ناطقون بالقبائلية يجعلهم يكتسبون كلمات وألفاظ وصيغ اللغة القبائلية وبالتالي يتحكمون فيها أو العكس.

نستخلص أن خصائص عملية الاكتساب تتم:  ـ بطريقة غير واعية ولا إرادية،لأن الفرد يمارس اللغة بكيفيته الخاصة دون وعي ولا مراعاة للقواعد التي تتحكم فيها.

  ـ بشكل غير منظم، لأن الفرد لا يتدرج في عملية الاكتساب حسب برنامج معد سلفا يتناسب والعمر العقلي والزمني له،بل يكتسب اللغة بشكل عشوائي تضبطه علاقة الفرد بالمحيطين به.

  ـ من خلال عمليات التقليد، المحاكاة و المحاولة والخطأ.

  ـ تتم داخل المحيط الأسري و الاجتماعي( في الشارع، في ساحة المدرسة وفي النوادي

 و الجمعيات المختلفة.....).

  ـ ترتبط عملية الاكتساب باللغة الأولى أكثر كاكتساب اللغة العامية العربية أو القبائلية بالنسبة للأطفال الجزائريين الذين يشكلون عينة دراستنا.

   ــ تعريف التعلــم:للتعلم عدة تعريفات تختلف حسب النشاط العقلي والعملية التي يقوم بها الفرد اتجاه وضعية أو موقف ما. ومنها ما يأتي:

       ـ "هو تلك العملية التي تتم عن طريقها تعديل في سلوك الفرد نتيجة لممارسته لهذا السلوك"(عبد السلام عبد الغفار دون سنة ص289 ـ290).

      ـ ويعرفه الدكتور زكي صالح على أنه "تغير في الأداء نتيجة الممارسة "(المرجع السابق ص290)

      ـ كما يعرفه هيلدجارد بأنه" العميلة التي ينتج عنها اكتساب نشاطا ما، أو تعديل في نشاط معين استجابة لموقف ما"( المرجع السابق ص290 ).

     ـ ومن جهة أخرى نجد قيلفوردGuilford يقول أن التعلم" ما هو إلا تغيير في السلوك ناتج عن استثارة" (رمزية الغريب 1967 ص14).

     في هذه التعريفات نجدها تميل أكثر إلى مفاهيم المدرسة السلوكية التي ترتكز فيها عملية التعلم على قوانين المثير والاستجابة و التكرار أو(الممارسة). ولا توجد إشارة إلى العمليات العقلية التي تتم بواسطتها عملية التعلم. ومثل هذه التعريفات نجدها أقرب إلى معنى الاكتساب الذي يتم بشكل لاإرادي منه إلى التعلم.

      وعليه نجد تعريفات أخرى لدى أصحاب النظرية المعرفية تشير بشكل واضح إلى العمليات العقلية وهي المهمة في تحقيق التعلم. خاصة وأن تعلم اللغة الذي هو موضوع بحثنا يرتكز على مدى فعالية، سلامة ونضج  القدرات العقلية المختلفة كالإدراك،الذاكرة ،الانتباه وغيرها في التحكم في اللغة.ومن التعاريف الواردة في هذا الاتجاه التعريفين الآتيين:

- أن التعلم"هو تغير في السلوك نتيجة الخبرة"(مصطفى عشوي د. س. ص241). 

      ـ و يقول جيتس Gatesأن التعلم" يمكن أن ينظر إليه على أنه عملية اكتساب الوسائل المساعدة على إشباع الحاجات والدوافع وتحقيق الأهداف وهو كثيرا ما يتخذ صورة حل المشكلات ".(رمزية الغريب ص11). بمعنى أن الشخص يتعلم الأشياء الهادفة والتي تلبي له حاجياته وتستجيب لاهتماماته، لذلك نجده يسخر كل ما عنده من قدرات لاكتساب الوسائل التي تساعده على تحقيق الهدف المنشود. وفي هذين التعريفين نجد فيه إشارة واضحة لعناصر النشاط الذهني كالإرادة ، الوعي و الخبرة في عملية التعلم، وفق إستراتيجية حل المشكلات إلى جانب  تضمن الثاني لعنصر الاختيار الذي يعبر عنه بالدافع أو الرغبة لما ينبغي تعلمه وهو عامل مهم في فعالية التعلم ككل وتعلم اللغة الثانية بشكل خاص. وهو المفهوم الذي ينطبق على تعلم اللغة الثانية.

    ويقصد بالتعلم أيضا " تلك العملية الواعية التي يقوم بها الفرد عند تعلم اللغة الثانية على وجه التفصيل، حيث الوعي بقواعد اللغة ومعرفتها والقدرة على التحدث بها. ويسمى أيضا التعلم الرسمي الصريح.(محمد السيد مناع 2000 ص36).

   وتتم عملية التعلم للغة الثانية عموما في المدارس وفي بيئة غير تلك التي تتحدث بها، بمعنى آخر تتم في بيئة مصطنعة، بشكل مقصود وبطريقة منظمة بواسطة المعلم داخل الصف. وهو المفهوم  الإجرائي الذي ينطبق على دراستنا. كتعلم اللغة العربية

الفصحى في المدرسة الجزائرية.

     إذن نستخلص أن من خصائص مفهوم تعلم اللغة الثانية:          

ـ الوعي بقواعد اللغة ومعرفتها.     ـ القدرة على التحدث وفق هذه القواعد.

ـ أنه تعلم رسمي صريح ، و يتم بشكل مقصود وهادف. كما يحدث بطريقة منظمة من خلال برنامج دراسي رسمي. و يتدرج هذا البرنامج حسب مراحل نمو الفرد من البسيط إلى المعقد ومن السهل إلى الصعب.(من القواعد البسيطة إلى القواعد المعقدة في بناء الكلمة والجملة .....وغيرها)

ـ يقدم هذا بواسطة معلم متخصص داخل القسم.

ـ وتتم عملية التعلم للغة الثانية في المدارس العمومية أو الخاصة (ابتداء من الروضة إلى مدارس التعليم التحضيري حتى التعليم الثانوي والجامعي) أي في بيئة غير تلك التي تتحدث بها يوميا.

الفرق بين آليات اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية:

      1 ـ في المجال العصبي ـ الفيزيولوجيBouton p252: عندما يكتسب الطفل لغته الأولى فإنه يستفيد من مراحل وراثية حيوية متميزة والتي ترتبط بمراحل النمو العصبي ـ الفيزيولوجي حيث تتزامن و أطوار النمو العقلي مثل (مرحلةالصراخ،المناغاة العشوائية ـ مرحلة الكلمة الأولى ـ مرحلة الكلمة الجملة الناقصة ثم مرحلة الجملة التامة أو المركبة..الخ). ويمتلك آليات معدة سلفا كجهاز النطق و الاستعدادات الوراثية للكلام .حيث ينشط جهاز النطق بشكل آلي وعفوي بحكم عدم نضج العضلات الصغرى وفي نفس الوقت عدم التآزر الحسي الحركي ليتطور الطفل تدريجيا إلى القدرة على التحكم في عضلاته وجهازه النطقي وبالتالي التحدث بشكل إرادي وعفوي. بينما بالنسبة لتعلم اللغة الثانية فإن العملية تبدأ وجوبا من الإرادية إلى الآلية من خلال إرادة الفرد على تدريب وتشكيل جهازه النطقي وفق أصوات ومفردات وأسلوب اللغة الجديدة.

2 ـ في المجال النفســي (Bouton 252): حتى يتمكن الطفل من السيطرة والتحكم على لغة الأم ،فإنه يخضع لدوافع نفسية عميقة. ذلك أنها تعتبر بالنسبة إليه اللغة الأكثر اقتصادا والأكثر فعالية لإشباع توتراته الحيوية مثل:الحاجة إلى التحرك في محيطه ـ الحاجة إلى الاندماج ـ الحاجة إلى إثبات الذات كفرد.كما أن الطفل يجد نفسه أمام واقع يحفزه و يدعم رغبته ويشحن دافعيته لاكتساب لغة محيطه الاجتماعي لأنها تشكل بالنسبة إليه مفتاح الاندماج والتكيف.

  بينما بالنسبة لتعلم اللغة الثانية نجد الدوافع سطحية وثانوية مثل : الدافع العقلي كالفضولية ـ و الدافع العاطفي كحب التفوق الدراسي ،وحب اللعب أو لسبب بسيط أنها لغة إجبارية تفرضها المناهج الدراسية.

 وعليه فإن الجهد الذي يبذله الطفل لاستيعاب هذا النظام الاتصالي والتعبيري باللغة الجديدة سيكون أكبر بكثير من الجهد المبذول في اللغة الأولى. كما أنه يعتبر بالنسبة إليه كبحا عميقا نتيجة ارتباط الذات باللغة الأولى بسبب بساطتها وسهولة استعمالها. بل إنه يحس بأن هويته هي المعنية عندما يجد تفكيره يتشكل لفظيا بسلم جديد من القيم والتصنيفات العقلية المتصلة بتمثيلات مغايرة للواقع المعاش.أي أن الطفل عند تعلمه للغة الثانية في المدرسة يجد نظامه العقلي يتشكل بمفاهيم وقيم تختلف عما ألفه باللغة الأولى وبالتالي ينتابه إحساس بأن كيانه وهويته معرضتان للخلل. وهو ما يجعل دافعيته لتعلم اللغة الثانية أضعف عن تلك التي توفرت لديه عند اكتساب اللغة الأولى.     

3 ـ في الجانــب العــقلي:نجد أن الطفل عندما يكتسب اللغة الأولى تنطلق من الخبرة المباشرة إلى  اللغة، يعني أن الطفل يحتك بالأشياء والمواقف ويتعرف على وظائفها ومعناها مباشرة ثم يكتسب ترميزها اللغوي المعبرة عنها أو دلالتها. كما أن الملفوظات اللغوية المكتسبة تعيد تنظيم الخبرة الأولية للفرد وتتسامى بها على شكل "حكمة " التي يتقاسمها مع أفراد مجتمعه حيث لا يفرق بينها وبين اللغة. بل أكثر من ذلك تترجم الخبرة لتكون لها معنى عام معاش و التي تٌشكل و تٌندمج بسلوك الفرد لتصبح جزء منه.كأن يتعرف على حيوان مثل " القط" من خلال صوته قائلا هذا(مياعو)[meao] بعد مروز الزمن يسميه باسمه الحقيقي"قط"أو أمشيش [amsishe] بالنسبة للطفل القبائلي.  

   بينما عند تعلم اللغة الثانية فإن العملية عكسية حيث تبدأ من اللغة أولا ثم تأتي الخبرة التي يعاد تنظيمها باللغة الأولى. بمعنى أن الطفل يتعلم اللغة أولا ثم ينتقل إلى الخبرة التي تحويها بعاكس اللغة الأولى. كأن يتعلم الطفل القبائلي كملة (حصان) عن طريق ترجمة المفردة إلى اللغة الأولى "أسردون"[aserdun].

   ووضعية الاكتساب هذه تحدد الصراع الآتي بين الترميزين (les deux codes) ترميز اللغة الأولى و ترميز اللغة الثانية حيث أن اللغة الثانية لا تتكفل بالمعنى والدلالة إلا بعاكس اللغة الأولى. وهو ما يقلل من قوانين التجاور والتشابه أو الترابط(الوضعية ـ اللغة). وعليه فإن التكرار والتدعيم يجب أن يقللا من عملية التشويه والتعديل الذي تمارسه عاكس اللغة الأولى قبل تحميل ملفوظات اللغة الثانية الذي يكون دلالتها أو معانيها الخاصة بها. و هو ما لاحظناه عند التلاميذ الناطقين بالقبائلية و الناطقين بالعامية العربية عند بداية تعلهم للغة العربية الفصحى عندما يطلب منهم المعلم تسمية بعض الأشياء أو معنى بعض الأشياء باللغة المدرسية فيجد أنهم يلجأون مباشرة إلى مكتسباتهم باللغة الأولى.    

 4ـ في الجانب اللــغوي: نجد أن الانجازات الخطابية المشكلة حسب قواعد التواصل هي التي كونت الخبرة التعبيرية الأولية للطفل. والتي فرضت عليه بصفة عـامة دون أن يتدخل المتحدثون المكونون لمحيطه الخارجي لتقليصها أو تهذيبها وفق أبعادها النظامية أو وفق قواعد اللغة المستعملة.

    لكن بعد النضج وتحت تأثير المحيط والمدرسة شيئا فشيئا سيكتشف الطفل نظام اللغة الأولى، وسيتعرف على مجالات استعمال مختلف الصيغ اللغوية والعبيرية وكيفية بناء الجمل الصحيحة في مختلف المواقف والوضعيات الحياتية.          

   بينما بالنسبة للغة الثانية نجد العملية عكسية تماما في كل أبعادها، حيث أن الطفل يتعلم النظام اللغوي أولا ليصل فيما بعد عند فهمها و استيعابها بمرور الزمن بعد مراحل معينة من الدراسة إلى استعمالها في الخطاب والاتصالات الرسمية والتعليمية المختلفة حيث ينتقل من مرحلة بناء الجمل القصيرة والطويلة وفق الشروط النظامية للغة المدرسية  تدريجيا ليتنقل إلى التعبير بها بشكل عفوي وآلي.         

  نستخلص من كل ما سبق أن آلية اكتساب اللغة الأولى تختلف كلية عن آلية تعلم اللغة الثانية أو المدرسية ذلك أن العملية الأولى طبيعية لأنها تمارس في مواقف حياتية والثانية اصطناعية حيث لا تمارس إلا داخل المحيط المدرسي وفي المواقف الرسمية و تمارس كتابيا أكثر منها شفويا.

  وبالرغم من ذلك هناك من ينادي إلى ضرورة تعلم اللغة الثانية بنفس الكيفية التي اكتسب بها الطفل اللغة الأولى فذكر شتيرن( 1970 ص 57،58) نقلا عن دوجلاس براون 1994 ص 58،59  الإجراءات الآتية:

 1 ـ في تعلم اللغة يجب على الطفل أن يمارس اللغة مرات عديدة وفي كل الوقت، مثلما يمارسها ويكررها عندما كان صغيرا في اكتسابه اللغة الأولى.

 2 ـ إن تعلم اللغة محاكاة في الأساس لذلك على المتعلم أن يحاكي كالطفل الصغير كل شيء.

 3 ـ يجب أن نمارس الأصوات المفردة ثم الكلمات وبعدها الجمل وهو الترتيب الطبيعي لاكتساب اللغة الأولى و عليه يجب تطبيق ذلك على تعلم اللغة الثانية.

 4 ـ عندما يكتسب الطفل مهارة الكلام في مراحل حياته الأولى نجده يستمع ليفهم جيدا وبعدها يتكلم وهو النظام الصحيح لتعلم اللغة الثانية ثم تليها القراءة والكتابة في مراحل متقدمة.

 5 ـ عندما يكتسب الطفل لغته الأولى لا يستعمل الترجمة لذلك يجب تفاديها أيضا في تعلم اللغة الثانية.

 6 ـ إذا كان الطفل في مرحلة اكتسابه للغة لا يتعلم شيئا من النحو ولا يوجد من يخبره بتفاصيل مكونات الجمل وبالرغم من ذلك يكتسبها ويستعملها بإتقان وهو ما يجب العمل به عند تعلم لغة ثانية.

  نلاحظ أن هذه الإجراءات تنطلق من المنظور السلوكي الصرف الذي يعتبر اللغة مجرد سلوك يكتسب من خلال المحاكاة ،التقليد والاستظهار و التعود والتعزيز وغيرها من العناصر المدعمة لطروحاته. إذ يعتقدون أن آلية تعلم اللغة الثانية يجب أن تخطو نفس خطوات آليات اكتساب اللغة الأولى من حيث الترتيب والتواتر للعناصر اللغوية وقواعدها(الصوت بعدها تأتي الكلمة و تليها الكلمة الجملة ثم الجملة البسيطة وأخيرا الجملة التامة والمركبة....). إلا أن الواقع يدحض ذلك، باعتبار متعلم اللغة الثانية لا ينطلق من فراغ بل يملك رصيدا لغويا مهما ونظامه المعرفي قد نما وتطور وفق ترميز اللغة الأولى. و عليه عند تعلم لغة ثانية يجد المتعلم نفسه ملزما باسترجاع واستعمال خبراته المعرفية السابقة من أجل فهم وتعلم رموز ودلالة اللغة الثانية، والذي لا يتم إلا بعاكس اللغة الأولى.كما أن الجهاز النطقي والجهاز العصبي أثناء تعلم اللغة الثانية يكون قد استوطن قوالب لغوية واستقر على أنماط صوتية مكتسبة خلال السنوات الأولى من حياته. ولا يمكن تجاهل كل ذلك وهو ما سنبينه لاحقا. 

العلاقة بين اللغة الأولى و اللغة الثانية من منظور معرفي :

    وعندما يتعلم الطفل لغة جديدة في المدرسة فإن ذلك يخلق شيئاً من عدم التوازن الذهني، بسبب اختلاف الوضع الاجتماعي المعاش، عن الوضع «المقلد»، داخل المدرسة، وكذلك لاختلاف بنيات اللغتين(الصوتية النحوية والصرفية والدلالية). فما يهم الطفل في هذه المرحلة المبكرة هو التعبير عما يدور بداخله من حاجات وأفكار ومطالب دون محاولة فصل خصائص نظام كل لغة عن الآخر، ومن هنا يحصل التشويش الذهني أو التداخل اللغوي، وربما يصاحبه بعض التوترات النفسية كالارتباك والتردد.
   وعليه فالنظريات التربوية الحديثة منذ جان جاك روسو إلى بياجيه تؤكد على أن البناء المعرفي للفرد لا يتم إلا عبر ربط المعارف الجديدة بالخبرات السابقة المستمدة من الحياة الواقعية التي عاشها و يعيشها المتعلم خارج أسوار المدرسة. بحيث عندما يشير المدرس إلى وردة أو لون أو صورة ما، وينطق بجملة تعبر عن هذه الصورة وتتحدث عن خصائصها المميزة [ وردة حمراء ] مثلا فإنه يعتمد ضمنياً على خبرة الطفل السابقة عنها ويعمل على استثارتها من أجل ضمان فهم الترميز الجديد. فهي تعني بالنسبة للناطق بالقبائلية [ثانوارث]"للوردة [تازوقاغث] يعني حمراء.   

     وإذا كانت لغة الطفل مختلفة عن هذه اللغة التي يتعلمها كما هو بالنسبة للمتعلمين الذين لغتهم الأولى هي القبائلية، فإن ما يقوله المعلم لن يستثير شيئا في خبرة الطفل السابقة، ولن يكون له أي أثر معرفي أو انفعالي حتى و إن استنتج الطفل ترجمة ما قيل. وبذلك يكون عالم لغة الطفل التي يتعلمها في المدرسة ومعانيها منفصلا عن عالم خبرة الطفل السابقة خارج المدرسة.( ميجل سيجوانMiguel Siguanوليم مكاي William Macke. 1987 ص91). وهو ما يؤكد أهمية توظيف اللغة الأولى في تعلم اللغة الثانية من أجل تيسير عملية التعلم. لأن هذا الأخير(التعلم) هو تفاعل بين المادة المتعلمة أو المكتسبة سابقا مع المادة الجديدة،لذلك فالمتعلم عندما تعرض عليه مشكلة لغوية جديدة يتناولها بناء على ما يمتلكه من بنية معرفية موجودة سلفا، فيحاول من خلال الاستبصار والاستنتاج والتفكير المنطقي والاستدلال وغيرها من الاستراتيجيات المعرفية التي يمتلكها لاختبار فرضياته باستدعاء كل الخبرات السابقة وكل البنيات المعرفية التي يمتلكها من أجل الوصول إلى الحل المناسب لها باللغة الثانية. وهنا يختلف المتعلمون فيما بينهم في طريقة معالجة المعلومات المستقبلة و تلك المستعملة للاستجابة لمختلف المواقف الاتصالية والوضعيات الحياتية المتنوعة. وهو ما يفسر كذلك طبيعة الأخطاء والصعوبات أو المشكلات التي قد تواجه متعلم اللغة المدرسية. مثل الأخطاء الناتجة عن تأثير اللغة الأولى(كالاستعارة أو النقل والتداخل) أو تلك الناتجة عن المبالغة في التعميم أو الافتراض الخاطئ  وغيرها التي سنبينها بالتفصيل والتحليل في المناسبات اللاحقة.    

الأساليب المعرفية و تعلم اللغة الثانية:

    عندما يواجه الإنسان في حياته مشكلة ما فإنه بالضرورة سيتصرف بكيفية ما لمواجهتها وإيجاد الحلول لها وهذه الكيفية تعبر عن ميزة خاصة ينفرد بها الفرد لا تشابه كيفية أخرى عند أفراد آخرين حتى ولو كانت المشكلة نفسها أو مشابهة لها. لذلك يقر علماء النفس المعرفي بوجود فروق جوهرية بين الأفراد في كيفية تعلم أي شيء سواء كان لغة أو علوم مختلفة. ومن هذه الفروق أساليب تنظيم المعارف وتصنيفها و كيفية معالجتها و كذا كيفية إيجاد الحلول للمشكلات والقضايا التي تواجهه. فالتعامل مع لغة جديدة أثناء التعلم داخل المدرسة بالضرورة لا يستند فيها جميع الأفراد إلى نفس الأساليب والأنماط أو الاستراتيجيات المعرفية، بل كل يعتمد على أنماط أو أساليب و إستراتيجيات فريدة من نوعها تميز الفرد عن غيره. وهو الشيء الذي يجعل كل منهم يختلف عن الآخر في مستوى التعلم أو في الأداء للغة، و في درجة الصعوبة التي تواجه كل منهم و كذا في نسب الأخطاء التي يقع فيها كل واحد أثناء التعلم. فازداد الاهتمام بهذه الفروق الفردية في مجال تناول المعلومات، تجهيزها ومعالجتها بازدياد تطور علم النفس المعرفي الذي اكتشف مجالات أوسع للفروق بين الأفراد لم تؤخذ في الحسبان من قبل الدراسات النفسية السابقة. حيث تبين أن لكل إنسان طريقته في التفكير وفي ترتيب المعلومات وتنظيمها وتصنيفها ومعالجتها والربط بينها.  

    فالأساليب والاستراتيجيات المعرفية كلها تعبر عن عمليات ونشاطات عقلية ذاتية تميز الأفراد عن بعضهم البعض تفيد موضوع دراستنا في معرفة  كيفية تأثيرها في تعلم اللغة الثانية من خلال فهم طريقة تنظيم وتجهيز المتعلم لمكتسباته اللغوية وتوظيفها أو معالجتها في تعلم لغة جديدة وبالتالي فهم أحد مصادر الأخطاء اللغوية في تعلم اللغة المدرسية.


تعريف الأساليب المعرفية:  

   تعرف على أنها الطرق التي" نتعلم بها الأشياء بصفة عامة أو التي نقتحم بها مشكلة ما بصفة خاصة، أو تلك الرابطة بين المعرفة والشخصية"(دوجلاس براون 1994 ص111) أو هي الكيفيات التي يعتمدها الفرد في مواجهة مشكلة ما أمامه بناء على معارفه ، خبراته وتجاربه المكتسبة.

   أما أوزوبيل يعرف الأسلوب المعرفي بأنه :" الاختلافات الفردية الثابتة أو المطردة في التنظيم المعرفي وفي العمل المعرفي. ويشير المصطلح إلى الاختلافات الفردية في الأسس العامة للتنظيم المعرفي وإلى الميول المطردة المقصودة ذهنيا التي تعكس العمل المعرفي البشري في عمومه.

   فالأساليب المعرفية إذن عند الناس تحددها طريقة تمثلهم لبيئتهم الكلية، ذلك أن عملية التمثيل ليست معرفية بحتة بل تشاركها المجالات الوجدانية والفيزيقية. حيث أن الأفراد يظهرون ميولات عامة اتجاه أسلوب أو آخر، لكن السياقات المختلفة تبعث أساليب مختلفة. أي أن الظروف والوضعيات المختلفة قد تفرض استعمال أساليب معرفية تختلف عما تفرضه ظروفا وسياقات أخرى.كما ترتبط هذه الأساليب المعرفية بنمط شخصية الإنسان من حيث الانبساط والانطواء التفاؤل والتشاؤم، وقدراته العقلية من حيث درجة الذكاء والقدرة على التحليل والتركيب والاستنتاج. فالذكي يتسم بثنائية المعرفة، إذ يستطيع أن يزاوج بين طرفين في مجال الأسلوب المعرفي. فيستطيع أن ينوع ويزاوج بين عدة أساليب  لمواجهة مشكلة واحدة.

   وعلى هذا الأساس حدد علماء النفس عدة أساليب معرفية يستعملها متعلم اللغة الثانية اوزوبيلOsobelمثلا ذكر بأن هناك اثني عشرة أسلوبا، بينما هلHel1972 حدد تسعة وعشرون أسلوبا تكون خريطة الأسلوب المعرفي للمتعلم وهي تحتوي على العوامل الحسية الاتصالية والثقافية والوجدانية والمعرفية. إلا أن ما لفت انتباه الباحثين والدارسين في تعلم اللغة الثانية هو عددا قليلا منها فقط وهي على وجه الخصوص:

     1 ـ التركيز الجزئي والتركيز الكلي:وهو الأسلوب الذي يعتمده اخ_èàلفرد في مشهد عام وكلي لتحديد جوانب أو أجزاء معينة منه.حيث أن التركيز الجزئي يمكن الفرد من التمييز بين أجزاء الكل ويركز على شيء ما فقط منه، كقراءة قصة في ساحة المدرسة.

     ويقابله التركيز الكلي ذلك أن هذا الأخير له تأثيرات ايجابية بحيث يسمح بإدراك وتمثل المشهد كليا.بينما التركيز الجزئي يجعلك تنتبه وتركز على جوانب معينة مع ربطها وعلاقتها بأجزاء أخرى مترابطة بها. (دوجلاس براون 1994 ص 113). وتشير بعض الدراسات النفسية إلى أن الفرد يميل إلى استخدام أحد الأسلوبين بشكل نسبي.حيث يسير الفرد من العام إلى الخاص ومن الكل إلى الجزء حسب مراحل نموه. مع العلم أن التركيز الجزئي يزداد لدى الفرد كلما نما وتقدم نحو سن الرشد . بمعنى أن انتباه الفرد إلى تفاصيل وجزئيات اللغة يزداد حسب عمره الزمني ونموه العقلي والمعرفي. ويرتبط التركيز الجزئي حسب دوجلاس براون 1994 بأحد العوامل المحددة للذكاء الإنساني كالعامل التحليلي، ولا يرتبط بعاملي الفهم وتركيز الاهتمام.

   وتؤكد دراسات أخرى أشار إليها براون 1994 فإن درجة نمو أي من الأسلوبين لدى الفرد يتحكم فيه نمط المجتمع والبيت الذي يعيش فيه، "فالمجتمعات الريفية والسلطوية التي تتمتع بجو اجتماعي شامل والتي تمارس قواعد صارمة في التربية يسود فيها التركيز الكلي. إما المجتمع الديمقراطي الصناعي المتنافس الذي يطبق أنماطا أكثر تحررا فإنه يفضي ينمي التركيز الجزئي لدى الأفراد"(دوجلاس براون 1994 بتصرف). لكن مثل هذا الطرح قد لا تصدقه المجتمعات المعاصرة التي انفتحت على بعضها بفضل وسائل الإعلام وتكنولوجية الاتصالات والمواصلات حيث لم تبق الفجوة بين المدينة والريف كما هو عليه سابقا.لذلك يصعب التسليم بمثل هذا الطرح، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاع المستوى التعليمي والثقافي لأفراد المجتمعات المعاصرة في المدينة كما في الريف وبشكل خاص المجتمع الجزائري، والذي ساهم في تمكين الأفراد من اكتساب واستعمال كلا الأسلوبين معا حسب الوضعيات والظروف وحسب طرائق التدريس التي تعلموا عليها .  

    وبالنسبة لتعلم اللغة الثانية هناك نظريتان تفسران أي الأسلوبين أكثر استعمالا من قبل الفرد. فالنظرية الأولى تقول أن التركيز الجزئي يرتبط ارتباطا وثيقا بتعلم اللغة داخل القسم ،أين يسود التحليل والاهتمام بالتفاصيل وكثرة التدريبات وأوجه التركيز الأخرى التي يقتضيها موضوع التعليم وهدفه.

     واستشهدت أصحب هذه النظرية بدراسة  Naiman et Al 1978التي أجرياها على طلاب ناطقين بالإنجليزية يتعلمون اللغة الفرنسية في المستويات الثامن والعاشر والثاني عشر من التعليم الأساسي بتورنتو بكندا   وبينت أن التركيز الجزئي يرتبط ارتباطا ايجابيا بالنجاح اللغوي داخل قاعة الدرس.كما تبين أن المتعلمين الذي يتسمون بالتركيز الجزئي يتفوقون في الدروس الاستنباطية وغيرهم في الدروس الاستقرائية.(دوجلاس براون 1994 ص114).

      أما النظرية الثانية تؤكد أن التركيز الكلي يؤدي بأصحابه بما لديهم من تعاطف وانتشار اجتماعي وإدراك للآخرين إلى أن ينجحوا في تعلم الجوانب الاتصالية في اللغة الثانية. لكن مثل هذا الطرح ليس له سند علمي قابل للملاحظة والتجريب باعتبارنا لا نستطيع التأكد من استعمال الفرد للأسلوب الكلي دون الجزئي فكل منهما متصل بالآخر.إلا أنه من المؤكد أن أسلوب التركيز الكلي يرتبط بتعلم الاتصال الطبيعي للغة، بينما أسلوب التركيز الجزئي يرتبط بالتعلم داخل قاعات الدرس.     

    2- التسامح اتجاه اللبس: يمتاز العقل الإنساني بأن له القابليةللتسامح اتجاه أفكار وقضايا تتعارضوتتناقض مع نظام اعتقادات الفرد وبنيته الفكرية بدرجات تتفاوت من شخص إلى آخر.

حيث هناك من له نظام تفكير متفتح يقبل الآراء والأحداث والمواقف المناقضة لآرائهم، كما يوجد آخرون لهم نظام تفكير منغلق لا يتسامح مع أي فكرة أو رأي يناقضه أو فيه لبس و غموض،لذلك يرفضونها.

      فهذا الأمر ينطبق على تعلم اللغة الثانية، فعندما يجد المتعلم قدرا كبيرا من المعلومات المختلفة أحيانا و المتناقضة أحيانا أخرى مع ما يعرفه من قبل بلغته الأولى كقواعد النحو والصرف والمفردات وغيرها فإنه قد لا يتسامح معها فيفرض نظام اللغة الأولى الذي اكتسبه ويتحكم فيه وهو ما يوقعه في الأخطاء وبالتالي صعوبة تعلم اللغة الثانية. كما أن الشخص ذو النظام الفكري المتسامح بشكل مبالغ قد يجعل الفرد متذبذبا في قبوله كل ما يقابله دون تصنيف الحقائق اللغوية الضرورية تصنيفا إدماجيا في بنيته المعرفية ويصبح التعلم للقواعد اللغوية على شكل استظهار لمعلومات في مجموعات غير موقفية.(دوجلاس براون 1994 ص 117ـ118 بتصرف).

   وعلى هذا يتضح لنا إلى أي مدى يساهم هذا النمط من التفكير في تسهيل أو تصعيب عملية التعلم للغة الثانية.          

   3- التأملية والاندفاعية: يقصد بهأن الإنسانمن طبعه عموما ميالا إلى التأمل في أي قضية أو مشكلة قبل اتخاذ قرار معين، لكن يوجد من الأفراد من يندفع ويغامر ويتخذ قرارات ومواقف دون وزنها والتفكير فيها. فهذين النوعين جعل لكل منهما أسلوب تفكير متميز عن الآخر، حيث يستعمل الأول الأسلوب النسقي الذي يمكنه من مراعاة الكثير من الاعتبارات والأبعاد قبل اتخاذ قرار الحل لمشكلة التي تواجهه، أما الثاني يستعمل الأسلوب الحدسي الذي من خلاله يتصرف الفرد دون تروي ولا تفكير معمق في المشكلة.(دوجلاس براون 1994 ص 118ـ119 بتصرف). وبناء على ذلك فإن تعلم اللغة الثانية وفق هذين الأسلوبين يجعل المتعلم ذو الأسلوب النسقي(التأملي) أقل وقوعا في الأخطاء من المتعلم(الحدسي)الاندفاعي. ذلك أن الأول يتريث في الحكم على الشيء و يزن إجابته ويفكر فيها قبل تقديمها لأستاذه، بينما الثاني يستخلص ويستنتج بطريقة متسرعة الأحكام والإجابات على الأسئلة التي تطرح عليه من قبل معلمه وهو ما يوقعه في الكثير من الأخطاء.


  الخاتمة: 

      يتضح لنا أن عمليتي الاكتساب والتعلم للغة تخضعان لعدة اعتبارات نفسية وميزاجية كذا اعتبارات معرفية باعتبار الإنسان كل متكامل لا يمكن فصل الجانب الفيزيولوجي عن الجانب النفسي والعقلي والاجتماعي. كما أن عملية التعلم للغة الثانية لا يمكن أن تكون خارج الخريطة المعرفية لمكتسبات الفرد بلغته الأولى هذا من جهة. ومن جهة أخرى لا يمكن أن يحدث بنفس الكيفية لدى جميع الأفراد نظرا لوجود فروق فردية في الأساليب والاستراتيجيات المعرفية  التي يعتمدها كل فرد، وهو ما يفسر الكثير من الصعوبات والأخطاء التي يقع فيها بعض المتعلمين في المدرسة الجزائرية عند تعلمهم للغة الثانية (العربية الفصحى) والتي تستدعي دراستها  علميا والكشف عن المصادر التي أنتجتها وبالتالي التخطيط حول كيفية تجاوزها وعلاجها معرفيا وتربويا ولغويا.                   


المراجع

1ـ رشدي أحمد طعيمة ود.محمد السيد مناع تدريس اللغة العربية في التعليم العام.نظريات وتجارب دار الفكر العربي الطبعة الأولى 2000  مصر. 

2 ـ دوجلاس براون أسس تعلم اللغة وتعليمها ترجمة عبده الراجحي،وعلي علي أحمد شعبان دار النهضة العربية الطبعة الأولى 1994 لبنان.

3ـسرجيو سبيني ترجمة فوزي عيسى وعبد الفتاح حسن .التربية اللغوية للطفل دار الفكر العربي 1991 .مصر .

4ـ صبري ابراهيم السيد علم اللغة الاجتماعي مفهومه وقضاياه دار المعرفة الجامعية 1995 الإسكندرسة القاهرة.

5ـ عبد السلام عبد الغفار مقدمة في علم النفس العام .الطبعة الثانية دون سنة بيروت .

6ـ محمد المعموري وعبد اللطيف عبيد وسالم الغزال .تأثير تعليم اللغات الأجنبية في تعلم اللغة العرببية .المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1983.تونس  .

7- ميجل سيجوانMiguel Siguanوليم مكاي William Macke. التعليم وثنائية اللغة ترجمة إبراهيم القعيد ومحمد عاطف مجاهد 1987 جامعة الملك سعود بالرياض.

8ـ هشام نشابة . التربية والتعليم ـ  مكتبة لبنان اليونسكو  1996 بيروت.

9_ Charles pierre Bouton,Développement du langage 2é édition les presses de l’UNESCO paris 1979.

10_Paul cyr ,Les stratégies d'apprentissage .les éditions CEC inc .CLE international 1998 Paris.



Pour citer ce document

خالد عبد السلام, «آلية اكتساب اللغة الأولى وتعلم اللغة الثانية من منظور معرفي»

[En ligne] العدد 15 جويلية 2012N°15 Juillet 2012 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-07-04,
mis a jour le : 10/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=639.