العنف الأسري و الصحة النفسية للمراهق الجزائري
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 15 جويلية 2012 N°15 Juillet 2012

العنف الأسري و الصحة النفسية للمراهق الجزائري

عزيزة عنو
  • resume:Ar
  • Abstract
  • Auteurs
  • Texte intégral

أمام تنامي الوعي بصورة متعاظمة بخطورة النتائج المترتبة عن العنف الأسري، التي باتت تنشر بصفة خاصة بين فئات الأطفال والمراهقين. وبأخذ نتائج الدراسات الغربية بعين الاعتبار، التي تظهر وجود تأثير لتلك الظاهرة من جانب، واضطراب الصحة النفسية لدى المراهق، تأتي الدراسة الراهنة للتحقق من وجود مثل ذلك التأثير على الصعيد الجزائري.   لجأت الدراسة إلى المنهج المسحي الوصفي، وذلك من خلال توظيف اختبار شفير للممارسة الوالدية كما يدركها الأبناء، ومقياس الصحة النفسية، وقد تم تطبيق الاختبارين على عينة قوامها 700 تلميذ، تم اختبارهم بطريقة عشوائية من بين طلاب الصف الثالث ثانوي بمحافظة الجزائر الكبرى.

      وخلصت الدراسة إلى نتيجة ذات شقين، يتمثل الشق الأول في وجود تأثير دال إحصائياً بين الممارسات الوالدية الميالة إلى العنف، النبذ والتحكم واضطراب صحة المراهقين النفسية، فيما يتجسد الشق الثاني في ميل المراهقين الذين تتسم ممارسات والديهم حيالهم بالتساهل والتقبل إلى عدم اضطراب الصحة النفسية

Increasingawareness of the dangerous consequences of psychological health has been intensifying; this problem has been spread particularly among teenagers and children. After considering recent western studies, this study has taken place with the main aim of clarifying the consequences of the parents practices towards psychological health among Algerian adolescents.

        The study has used the survey descriptive methodology to provide accurate and direct information from which conspicuous can be drawn. It has used two measuring tools: Schaefer measure for parental practices, and psychological health scale, information has been taken from 700 students randomly chosen from governmental schools in Algiers big governorate.

          In general, two cleaves in distinction to one major conclusion have been drawn. The first cleave avails the idea of a positive statistical influence of the violence, and the discarding and dominating parental practices and adolescents tendency to disorders psychological heath. The second cleave that acceptance and lenient parental practices are positively correlated with a decreased level of adolescent’s psychological heath

مقدمــة:

      تعتبر الأسرة الحجر الأساسي للتفاعل بين الوالدين و الأبناء، ذلك لما يقدمانه من نماذج السلوكيات وإتجاهات، حيث يعتبر الوالدان مصدر الرعاية و الأمن و الإرشاد، و تزداد حساسية الأبناء للمعاملة الوالدية في مرحلة المراهقة الحرجة، فقد تلجأ الأسرة إلى إعتماد طرق العقاب و النبذ أو الشتم كأسلوب ضبطي لتصحيح أخطاء المراهق، دون الأخذ بعين الإعتبار خصائص هذه المرحلة و الإضطرابات النفسية.

      كما تجدر الإشارة إلى أن المعاملة التي يتلقاها المراهق علاقة وثيقة بالتربية التي ينشأ عليها الوالدان، و هما طفلين صغيرين، و التي تنعكس على شخصيتهما و سلوكياتهما و قيمهما. إن من أهم المشكلات التي يتعرض لها المراهق في حياته اليومية و التي تحول بينه و بين الصحة النفسية هي علاقته بالراشدين، وعلى وجه الخصوص الآباء و الأمهات، و ما يتبعونه معه من أساليب في المعاملة، تلك الأساليب التي ترتبط بخبراتهم السابقة. لا سيما في علاقتهما ببعضهما البعض، و تنعكس لا محالة على حياة الأبناء و مستقبلهم (الديب،2002، 172-173). كما يميل الوالدان بوجه عام إلى المحافظة على الطرق و الأساليب التربوية التي إعتادا عليهما و التي يصعب تغييرها، لأنها أصبحت جزءاً أساسياً من شخصيتهما، و تداعمت خلال طفولتهما المبكرة، ثم مراهقتهما (الخولي،1984، 306). ذلك أن هذه الأساليب تترك آثاراً إيجابية أو سلبية في شخصية الأبناء. وإليها يعزى مستوى الصحة النفسية و التوافق الإجتماعي، الذي يمكن أن تكون عليه شخصيتهم مستقبلاً (قناوي،1983، 83).

 لقد شهدت العقود الأخيرة من القرن المنصرم بخاصة تعرض المؤسسة الأسرية في إمتداد المعمورة إلى تغيرات عديدة واضحة، سواء أكان ذلك على صعيد البناء أم الوظيفة (ناصر،1995)، غير أن ذلك لم يعد إلى تخلي تلك المؤسسة عن النهوض بأعباء أبرز أدوارها التقليدية التي دأبت على ممارستها عبر التاريخ، حيث يزخر التراث المعرفي في الحقول العلمية المعنية بقضية التنشئة الإجتماعية بكم وافر من الدراسات التي عملت على تتبع الآثار التي تتركها الأساليب المختلفة من التنشئة الإجتماعية الوالدية في الصحة النفسية والسمات الشخصية للأبناء ومظاهر السلوك لديهم

     لقد تمخضت تلك الدراسات عن نتائج مفادها أن الممارسات الوالدية التي تميل إلى إشعار الأبناء بالتقبل والإستقلالية، من شأنها أن تؤدي دوراً بارزاً في مساعدتهم على تحقيق ذواتهم و توكيدها (أبو عياش،1992)، و النزوع نحو تقديرها (عبد الفتاح،1990)، و تطوير مفاهيم إيجابية نحوها (الشلبي،1993)، و تعزيز قدراتهم على تحقيق مستلزمات كل من التوافق الإجتماعي و الأكاديمي (الأسعد،1994)، وحثهم على الإرتقاء بمستويات تحصيلهم الدراسي (الشمايلة،1999)، و إدراك مواضع الكفاءة و الأهلية لديهم (الصرايرة،1992).

     كما يمكن القول أن الممارسات الوالدية العنيفة و المتسلطة التي تجنح إلى نبذ المراهق و معاملته معاملة متحكمة، كفيلة بأن تلحق به أضرار نفسية جسمية، قد لا تكتفي بسلبهم ركائز الأمن و التوافق النفسي، وتشويه تصوراتهم تجاه ذواتهم (حداد،1990)، و تعريضهم للإضطرابات السلوكية (جابر،1998)، و إنما قد تفضي بهم أيضاً إلى الجنوح و الإنحراف (العكايلة،1993).

      كما تجدر الإشارة إلى أن الباحث بوسارد Bausardو بول Baulيؤكد أن البيت هو المكان الذي يعود إليه الطفل و المراهق و معه خبراته، إنه العرين الذي يرجع إليه ليبتلغ جراحه، المسرح الذي يأوي إليه ليستعرض مجد نجاحه و تفوقه الدراسي، و الملجأ الذي فيه خلوة إحتضان أفكاره، و تأمل سوء معاملته الحقيقي و التخليلي. البيت بعبارة أخرى هو المكان الذي يجلب الحساب اليومي لخبراته الإجتماعية، فيغربل و يقيم و يقدر و يتفهم، أو يلتوى، و يتقيح أو يفسد، و يتعاظم أو يلقى التجاهل حسبما يكون عليه الحال (دسوقي،1979، 335).

      و إنطلاقاً مما سبق يبدو واضحاً أن الحياة المنزلية للطفل المراهق تعتبر نموذجه الأول للحياة الإجتماعية التي يحياها، و تترك في نفسه آثاراً لا تمحى، فالأطفال المراهقين الذين يستمتعون في باكورة حياتهم بالخبرات الحلوة العذبة، و الذين يشعرون بالطمأنينة التي تفض عليهم من عطف آبائهم و حبهم يكتسبون إتجاهاً نفسياً سعيداً حيال الحياة و الناس (السيد،ب.ت،70-17).  وعلى هذا الأساس نستنتج أن الأسرة تمثل الوسط الطبيعي الذي يتبع فيه الإنسان مختلف دوافعه الغريزية، و كذا تنمية عواطفه و إنفعالاته الإجتماعية، بالإضافة إلى إكتسابه لأولى خبراته في سبيل تحسين مركزه و دوره الإجتماعيين (حمداش،1993، 2).

       و عليه تبرز أهمية هذه الدراسة الحالية في ضوء تنامي الوعي بخطورة مشكلة العنف الأسري وإضطراب الصحة النفسية و تفاقم شيوعها بين قطاعات الأطفال و المراهقين، و بتأثير من التوجهات العلمية التي تولي دور الأسرة أهمية قصوى في الصحة النفسية للطفل المراهق و في تشكيل ملامح الشخصية وتقليص إمكانات إضطرابها أو تعظيمها، إرتأينا إجراء هذه الدراسة في المجتمع الجزائري.

2- الإشكالية:

      يعتبر العنف ظاهرة إجتماعية إنسانية سلبية متأصلة في تاريخ البشرية عانت منها المجتمعات الإنسانية كافة متقدمة أو متخلفة، و لا زالت تعاني حتى يكاد تنامي هذه الجريمة في العالم يشكل إحدى الظواهر اللافتة لهذا القرن مع الخشية في أن يكون هذا التنامي من أبرز سمات القرون المقبلة.

     و لقد تختلف شدته بإختلاف المجتمعات و درجة تحضرها و الوعي و الثقافة السائدين، و كذلك بإختلاف الطبقات الإجتماعية و أنماط الحياة فيها، مما دفعنا إلى إعتبار العنف مرضاً أو إضطراباً إجتماعياً أكثر من كونه جريمة، يتطلب تعاون الجميع و تآزر الجهود من أجل محاصرة هذه الظاهرة التي يخشى من إستفحالها أن تدمر البنى العلائقية في الأسرة و المجتمع و تقضي على أسس البناء الإجتماعي السليم، إذن فهو صيحة إنذار أو رسالة خطر على الأسرة و المجتمع أن يحسن قراءتها (العيسوي،2000، 158).

      كما تتجسد أشكال العنف داخل الأسرة الواحدة، حيث يكون الطفل في السنوات الأولى من حياته أقرب من المحيط الأسري من غيرها، ففيها يتعلم الكثير من الخبرات اللازمة التي تساعد على النمو النفسي، والجسمي، و الإنفعالي و العقلي و المعرفي و الإجتماعي. إذا توفر الجو الأسري الملائم الذي يشبع حاجات التوافق في الجانب النفسـي الإجتماعي ككل، أما إذا كان مليء بمواقـف الحرمان و الإحباط والعنف والصراعـات و التفكـك في الأسرة، فإن ذلك يؤثر سلباً على شخصية المراهق تأثيراً كبيراً (عربادي،2004، 17).

       كما تزداد أهمية هذه المؤسسة التربوية في مرحلة مراهقة الأبناء، حيث نجد أن أهم ما يميز المراهق في هذه المرحلة حاجته إلى الشعور بالحرية، و سعيه الحثيث إلى إبراز وجوده، كما تتخذ سلوكاته شكلاً يبدو المراهق بها و على قدر من الإحساس و الثقة بالنفس فيما يتعلق بأفكاره و مشاعره. و قد تأخذ إنفعالاته أنماطاً خاصة تبدو بشكل الإعتزاز بالنفس، و التشدق بالكلمات و المثالية المفرطة و الإعتناء، و لكنه قد يتعرض لليأس و الحزن لما يلاقيه من إحباط بسبب ضوابط المجتمع أو الأسرة و تقاليدها، و ينشأ لديه نتيجة ذلك، إنفعالات و عوائق جامحة تؤدي بالبعض إلى الإضطرابات النفسية و التفكير في الإنتحار.و يرجع السبب في إضطراب الإنفعال عند المراهق إلى الإحساس الذي ينشأ لديه بأن البيئة الموجود بها هي الأسرة والمحيط لا تعترف له بالنضج، الذي إكتسبه في هذه السن، و لا تأبه لرجولته وحقوقه و إستقلاليته، و أبرز ما يتصل بتفكيره بالإنفراد عن الأسرة (الحلبي،2000، 119).

      و لقد أكدت دراسة الباحثان جيلس و ستروس Gelles & Stroussالخطورة التي يحدثها العنف الأسري، حيث تقع أغلب الإعتداءات و الإغتيالات على الأطفال المراهقين، و يعود السبب لحدوث الصراعات إرتباطها بتعدد النشاطات المختلفة المستمرة في إطار الأسرة، و وجود نوع من العنف المشرع، إذ تمنح للأولياء الحق في معارضة و معاملة أبناءهم بعنف وقسوة (عربادي،2004، 24). كما تجدر الإشارة إلى أن الآباء الذين يمارسون العنف هم أصلاً لديهم تاريخ في هذا الموضوع، فهؤلاء نشأوا في بيوت تعسفية خلال طفولتهم، و الأمر نفسه يتكرر مع أبناءهم، فالعنف يولد العنف، و لقد أكدت دراسة سكوت Scott الفرضية التي مفادها بأن الحوادث العنيفة و التعسفية في طفولة الوالدين لها علاقة بإساءة معاملة هؤلاء الوالدين لأبناءهم.

     و لقد بينت جميع الدراسات التي أجرتها الدول العربية حول ظاهرة العنف الأسري في المجتمع أن الزوجة هي الضحية الأولى، و أن الزوج هو المعتدي الأول، يأتي بعدها في الترتيب الأبناء و البنات كضحايا إما للأب أو الأخ الأكبر، فنسبة 99 %يكون مصدر العنف الأسري رجل، و تعد فترة المراهقة أكثر إرتباطاً بالعنف الأسري، إذ يكثر فيها الإعتداءات و التعسف، فقد شكلت الفئة العمرية الممتدة ما بين 15 إلى 18 سنة أعلى نسبة من نسب ضحايا العنف، حيث بلغت 72.2 %، ويعزى ذلك إلى مشكلات المراهقة والعنف والقساوة الوالدية التي يتلقاها المراهق في الأسرة (أبو عليا،2000، 88)

      ذلك أن المعاملة الوالدية القائمة على العنف و التسلط و القسوة و التذبذب، تعد من قبل سوء المعاملة، و التي تعد في حال إستمرارها مع المراهق سبباً في عدم القدرة على تحقيق التوافق النفسي الإجتماعي للمراهق في مختلف المواقف الحياتية داخل المنزل و خارجه، إذ يفقد المراهق الثقة بنفسه وبالآخرين، وتشعره بالنقص و عدم الإطمئنان، و تولد في نفسه العدوانية و عدم الإتزان و الإستقرار النفسي، و تجعله غير قادر على تحمل المسؤولية و التعامل الإجتماعي السليم، و تكوين علاقات ناجحة مع غيره من الأبناء (أحمد النيال،2002، 55).

     و لقد أكدت دراسة الباحث فايلد Feildالتي أجريت على 250 منحرف سلوكياً يعانون من صعوبات على مستوى الصحة النفسية، فتوصل إلى أن 92 %من المنحرفين كانوا يعانون من معاملة العنف، والرفض، و النبذ و اللامبالاة من طرف الأمهات، و 64 %منهم كانوا يعانون من عدم رغبة الآباء في وجودهم،بمعنى أن ظاهرة الإنحراف عن السلوك السـوي عند هؤلاء الأبناء كانت نتيجـة المعاملات العنيفة  

الغير سوية من طرف الأولياء (هاشمي،2004، 25).

     أما المعاملة الوالدية القائمة على الديمقراطية تعد من أساليب المعاملة الوالدية السوية في التنشئة الإجتماعية، و التي يترتب على ممارستها نتائج إيجابية في تكوين شخصية متزنة متمتعة بخصائص الصحة النفسية، و قدرة على تحقيق توافقها النفسي الإجتماعي، مع مختلف المواقف الحياتية داخل الأسرة وخارجها.

     و لقد أكدت دراسة الباحث بالدوين Baldwinأن الأبناء الذين ينتمون إلى أسر ديمقراطية يمتازون بالنشاط، و هم منطلقون إجتماعياً و يشاركون بإيجابية و نشاط في الأنشطة التعليمية، و يمتازون بالمنافسة والإنطلاق و القيادة (هرمز،1988، 121). كما أن أبناء الأسر التي يسودها المناخ الديمقراطي كانوا أكثر نشاطاً و إجتماعية، و أكثر تعاوناً مع الآخرين و قدرة على تكوين علاقات ناجحة مع الأقران، و أكثر رغبة في التطلع و الإستكشاف (الزغبي،2002).

Pour citer ce document

عزيزة عنو, «العنف الأسري و الصحة النفسية للمراهق الجزائري»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 15 جويلية 2012N°15 Juillet 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-07-04,
mis a jour le : 10/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=643.