التنشئة الاجتماعية للطفل من المنظور الإسلامي : دراسة لبعض أساليبها وأهدافها الع...
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

28

N°15 Juillet 2012

التنشئة الاجتماعية للطفل من المنظور الإسلامي : دراسة لبعض أساليبها وأهدافها الع...


فتيحة هارون
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

إذا كانت التنشئة الاجتماعية للطفل هي عبارة عن عملية اجتماعية يتم من خلالها دمج المعايير المجتمعية، يتعلم من خلالها الأنماط السلوكية التي تميز ثقافة مجتمعه عن غيرها من المجتمعات الأخرى، فهي الوسيلة التي يمكن من خلالها ضمان استمرار عادات وتقاليد مجتمعه الإسلامي بمختلف ضوابطه وخصائصه القيمية، فهي النموذج الذي يسعى لتحقيق أهدافه المثلى، باتباع مجموعة من الأساليب و السبل من أجل الحفاظ على كيانه الثقافي والحضاري، خاصة ونحن نعيش مرحلة من الاختراق الثقافي الرهيب. لذا ترمي محاولتنا هذه تلمس بعض أساليبها و تبيان بعض الأهداف التي ترسمها كنموذج متميز عن غيره من النماذج المجتمعية للتعرف على بعض ضوابطها تحقيقا لتوافقها الاجتماعي والحضاري الإنساني

la socialisation est un processus  social par lequel on inculque aux  enfants  les normes  sociétales , leur  apprendre le mode de  comportements  qui caractérisent  la culture spécifique  de la société a laquelle ils appartiennent.

De ce fait, la socialisation  devient  le moyen par lequel, la société musulmane assure pérennité persistance  de ses coutumes et ses traditions  et préserve le contrôle de  ses propres valeurs. c'est donc  un modèle qui cherche à atteindre ses objectifs  idéaux, empruntant un ensemble  de méthodes et moyens  pour préserver son entité  culturelle et civilisationnelle propre à elle. sachant que notre société   musulmane fait face actuellement a un phénomène  de déculturation importante

  Nous  essayons dans ce document d’illustrer quelques-unes des méthodes et des objectifs fixés par ce modèle distinct de socialisation et designer  ses caractéristiques  et fondements à partir desquels elle assure sa compatibilité sociale, civilisationnelle  et humaine.

مقـدمـة:

إذا كانت التنشئة الاجتماعية، العملية التي يتم بواسطتها نقل القيم والعادات السلوكية والأخلاقية من الجيل الأول إلى أبناء الجيل الثاني؛ فان النسق الأسري يعد الوسط الاجتماعي الأول الذي تتم فيه هذه العملية؛ باعتبار أن هذا النسق يمثل الجماعة الأولية التي ينتمي إليها الطفل وأشدها تأثيرا في سلوكه. إذ في أحضانها يتلقى هذا الأخير طريقة إدراك الحياة وكيفية التفاعل والتوافق مع أبناء مجتمعه. وعن طريق عملية التنشئة هذه تشرف جماعة الأسرة على صياغة سلوك أبنائها، وصقل نماذج سلوكهم الصحيح، مما يحقق نموهم الاجتماعي ويساهم في تشكيل شخصياتهم بما يتوافق وقواعد سلوكها، و المشرب والمنبع الذي تتشرب منه ضوابطها، تحقيقا لعملية توافقها الاجتماعي والحضاري. غير أن هذه المشارب قد تختلف وفقا للنسق الثقافي، والديني الذي تدين به هذه الأسر ".

 ونحن في هذه الورقة إذ نحاول تسليط الضوء، على أحد هذه المشارب؛و هو المشرب الإسلامي؛بهدف التعرف على أساليب معاملتها له، وطرق رعايتها له؛ للوقوف على بعض ملامحها وأهدافها العامة. على اعتبار أن كثيرا ما نتعمق في طلب تفاصيل عديدة حول منظورات مختلفة للتنشئة في المجتمعات الغربية، لكن غالبا ما نجهل أصول تنشئتنا نحن وكنه مصادرها؛ بل قد نزدريها حتى أحيانا. وعلى ذلك نأتي من خلال هذه الورقة لتسليط الضوء على بعض ملامحها هذه.

وحرصا منا على الالتزام بالتدقيق المفاهيمي ارتأينا أن نخصص جزءا من هذا العمل، للوقوف على بعض الدلالات الخاصة بالمفاهيم التي تم تناولها بهذه الورقة؛ وذلك تجاوزا لأي لبس يمكن أن يعتريها، ومن أهم هذه المفاهيم نورد مايلي:

أولا:- مفهوم التنشئة الاجتماعية:

أ- إذا كان التعريف اللغويلمدلول انشا" يعني رباه و رفعه ،فانه في المعنى الاصطلاحي للمفهوم  فهو مدلول  يعرف التعدد [1]،باختلاف المنظّرين له من علماء التربية و علماء النفس الاجتماع،وعلم الأنثروبولوجيا (الإنسان)، وعلم الاجتماع،وهو المنظور الذي نورد في ضوئه التعريف التالي:

تعرف "سامية حسن السّعاتي التنشئة الاجتماعية :بأنها عملية إدماج الطفل في الإطار الثقافي العام عن طريق إدخال التراث الثقافي في تكوينه، وتوريثه إياه توريثا متعمدا.بتعليمه نماذج السلوك المختلفة في المجتمع الذي ينتسب إليه،وتدريبه على طرق التفكير السائدة فيه وغرس المعتقدات الشائعة  في نفسه[2].  إذ تعتبر هذه المعتقدات بالمشارب التي ينهل منها هذا الأخير قيمه الموجهة لسلوكه.                                                   

ب:  تعريف التنشئة الإسلامية:                                                       

          يقصد بها هنا مجموعة المفاهيم التي ترتبط في إطار فكري واحد يستند إلى مبادئ القيم التي أتى بها الإسلام  و التي ترسم عددا من الإجراءات، و الطرق العملية التي على الوالدين، و الأبناء الأخذ بها و تنفيذها . مما يؤدي ذلك إلى أن يسلك هؤلاء سلوكا يتفق مع عقيدة الإسلام .

إن ما نقصده بالإسلام هنا، ليس فقط مجرد عقيدة وشريعة ،ولكن أيضا النظر إلى كونه أسلوبا للحياة الذي يقوم على مجموعة من القيم و الأنظمة الاجتماعية  القائمة بالمجتمع. بما فيها نظام الأسرة وما يرتبط بها من أساليب التنشئة الاجتماعية للأبناء بها . إذ أن من أهم جوانب الاهتمام التي خصها الإسلام في هذا النسق التربوي، هو العناية أولا بالأسرة و أسس بنائها، الذي يرتكز على الزواج؛ باعتباره ميثاقا غليظا. حيث جعل من العلاقة بينهما علاقة سكن و مودة ، كأساس لإنجاب الذرية و الأحفاد. و الذي من خلاله تتكون الأسرة المسلمة.

ثانيا:الطفل والطفولة:

أ-التعريف المفهومي للطفل والطفولة:إذا كان هذا المفهوم في نظر اللغة العربية يعني الولاية على الطفل لتربيته وتدبير شؤون حياته[3] .ففيالمعنى الشائع للطفولة:فهي تعني فترة الحياة التي تبدأ من الميلاد وحتى بداية البلوغ أو الرشد أو الزواج وتختلف من ثقافة إلى أخرى.[4]: فهو بذلك كائن اجتماعي له خصائصه البيولوجية والاجتماعية والنفسية والروحية. والطفل بالمعنى الاصطلاحي:

يطلق من وقت انفصال الولد من بطن أمه حتى البلوغ[5]

-         من خلال هذا التعريف نرى أن فترة الطفولة  تنحصر من الولادة حتى البلوغ.

-         هي المدة التي بين المرحلة الجنينية حتى البلوغ  :

-         أو أنها:"المرحلة منذ الميلاد وحتى النضج الجنسي أو المراهقة"[6]

ب-التعريف الإجرائي للطفولة:تعتبر الطفولة أحد المراحل التي يمر بها الطفل من بين مختلف المراحل ( البلوغ، الرشد) إحدى أهم هذه المراحل، والتي يبدأ من خلالها الطفل  في تمثّل قيم مجتمعه منذ سنّه الأولى.   ولما كان هذا الأخير، كائنا اجتماعيا له وميولا ته ورغباته و حاجات مادية لا متناهية، توجد إلى جانبها حاجات أخرى لا مادية وروحية معينة لعل أهمها، حاجته إلى النضج الروحي: باعتبار نشأة هذا الإنسان مقدسة. إذ يشكل الدين عبر أهم عناصره (أي الإيمان)،العنصر الأول المسؤول عن استكماله لإنسانيته.

ثالثا:    تنشئة الأبناء و رعايتهم في الإسلام :

 لم يكن الصغار في شبه الجزيرة العربية يتمتعون بنصيب من طيب المعاملة و حسن الرعاية.بل لقد كانت عادة و أد الأطفال و خصوصا الإناث منهم،عادة منتشرة في القبائل الوثنية المختلفة[7]. فكان الآباء يدفنوهن أحياء دون شفقة أو رحمة. و بمقدم الإسلام بزغ فجر جديد للطفل العربي. فقد حّرم الإسلام وأد الأطفال و قتلهم.[8]وفقا لقوله تعالى: وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " سورة التكوير : آية (08) . 

و بناء على ذلك فإن للطفولة في الإسلام مكانتها و أهميتها. حيث جاء في تنزيله:(" ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا  قرة أعين" سورة الفرقان:( الآية 74 ) وتتجلى مظاهر هذه الرعاية و الاهتمام بالطفل في الإسلام  فيما يلي :

1- الاهتمام بالطفل قبل ميلاده:

إن أولى مظاهر الاهتمام بالطفل تكون قبل ميلاده ومجيئه إلى الدنيا. بأن أمر الرجل عند الزواج حسن اختيار الشريكة الصالحة ( المرأة الصالحة). أي المتخلقة بأخلاق الإسلام . كما أوصى في المقابل من ذلك بضرورة أن يتخير الأولياء لبناتهم الرجل الصالح. صاحب الدين و الخلق الكريم . يكون أهلا لرعاية أسرته ،رعاية كاملة ، و يؤدي حقوق الزوجة والأبناء. كما يحرص هذا الدين من خلال ذلك ؛على توارث الصفات الجيدة عبر الأجيال المتعاقبة ؛ إدراكا منه للتفاعل و التكامل بين العوامل الوراثية، و الميزات البيئية في تكوين الشخصية الإسلامية . حيث يقول "ص" تخيروا لنطا فكم، فإن العرق دساس." في الوقت نفسه نهى - عن الزواج من القرينة القريبة، للحصول على طفل متباعدا النسب بين أبيه و أمه، حتى يكون أخصب عقلا – أقوى جسما و أرحب فكرا.[9]

2- عناية الإسلام بالطفل أثناء فترة الحمل لدى الأم الحامل:

  يعتني الإسلام بالطفل صحيا، و نفسيا. إذ أوجب القرآن الكريم توفير الاستقرار للحامل حتى لا تكون عرضه للاضطراب والقلق، ولا يؤثر ذلك على الجنين . إذ جعل عدة المطلقة، الحامل أن تضع حملها. وأوجب الإنفاق عليها طول مدة الحمل. . و ذلك حفاظا على حقوقهن و حقوق أبنائهن، و ضمانا لاستقرارهما. و إن كان الإسلام قد خص الطفل بالرعاية سواء قبل أن يولد أو أثناء الحمل . فلقد خصه برعاية مثلى بعد هذه المرحلة وهي مرحلة ما بعد الميلاد أو الولادة.

3- رعاية الطفل بعد الميلاد أو الولادة:

لقد خص المولى المرحلتين السابقتين من عمر الطفل بالعناية اللازمة لكونهما تلعبان دورا هاما في تكوين استعداداته بيولوجيا . فإن مرحلة ميلاده و الوسط الذي يوضع فيه أي ( الوسط الاجتماعي) لا يقل أهمية؛ لكونه الموجه الأساسي لمسار هذا النمو. لقوله –ص- ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ."

و قد حدد الإسلام لكل من الوالدين مسؤولياتهما في توفير البيئة الصالحة اجتماعيا , لتنشئته تنشئة اجتماعية سليمة .فأوصى بأن يحسن الوالدين اختيار اسم الطفل لما لذلك من تأثير عليه فيما بعد . وحسن استقباله سواء أكان ذكرا أم أنثى.[10]

وعموما يمكن الإشارة هنا إلى عدة جوانب تشملها عملية التنشئة في الإسلام. منها الجانب المتعلق بالتغذية و الرضاعة الطبيعية, -التربية و التعليم – الجانب الخاص باللعب و أهميته في حياة الطفل. و كلها جوانب متكاملة . وهي عبارة عن  حقوق لم يتركها الإسلام لتتحكم فيها الالتزامات الأخلاقية. وإنما نظمها الإسلام في شكل أحكام ملزمة ،توضح حقوق الأبناء منذ ولادتهم. سواء تعلق الأمر بنسبهم أو بتربيتهم الصحية والنفسية أو الاجتماعية.



أ-فيما يخص حق النسب:

لقد اقر الله سبحانه و تعالى حق النسب و ذلك بأن يثبت نسب الأبناء لأبيهم من خلال أساليب عديدة . سواء تعلق الأمر بالزواج أو الإقرار أو البينة. عن طريق الإشهاد الذي يثبت النسب. [11].

ب-الحق  في التغذية و الرضاعة الطبيعية في الإسلام:

لقد جاء اهتمام الإسلام بالتغذية والرضاعة للحفاظ على العقل والجسد                                              وذلك من خلال التغذية السليمة منذ الولادة إلى أطوار الحياة المختلفة. إذ يدعو الله الإنسان إلى أن يأخذ حقه من التغذية أو الغذاء دون إفراط أو تفريط. و لقد وضع القرآن الكريم تنظيما لهذه العملية الطبيعية سواء كانت أما مرضعة، إذ أوجب على الأم إرضاع وليدها. فهو حق للطفل عل أمه باعتباره واجب ديني. والأم التي تمتنع عن ذلك مع قدرتها، تعتبر في نظر الإسلام آثمة. بالنظر لإمكانية الإضرار بالرضيع.

لكن في حالة ما إذا كانت الأم مطلقة، فعلى الأب أن يدفع لمطلقته أجرا نظير إرضاع الطفل. وعلى ذلك حث هذا الدين على حق الصغير في أن يعيش في كنف أبويه ( حق حضانته) ليعيش حياة طبيعية بين والديه. و في حالة انفصالهما يجب أن يظل الطفل غير بعيد عن أمه التي حملته وأرضعته؛ لأنها أقدر على تربيته والإشراف على تغذيته، وفقا للمسائل التالية:

1. إرضاعه من ثدي أمه منذ ميلاده . ينبغي أن يكون لبن الأم هو الغذاء الأساسي لحمايته من الأمراض و حتى تثبت أساسهم

2.العناية بالطفل في الشهور 3 الأولى و تدريجهم في الغذاء.

 3.العناية بأمر أخلاقهم وتعليمهم ضبط النفس، وإبعادهم مما يمكن أن يؤثر على عقولهم من مسكرات وما شابهها .

إن ما يمكن ملاحظته من خلال ما تقدم من تعليمات تخص تغذية الطفل هو مدى اهتمام علماء الدين بضرورات هذه التغذية بالنسبة للطفل. ولقد أثبتت الدراسات والبحوث العلمية مدى أهمية الرضاعة الطبيعية بالنسبة لصحة كل من الطفل و الأم، لما تحمله من عناصر المناعة المختلفة الموجودة في حليب الأم مقارنة بما تحمله الرضاعة الاصطناعية من مخاطر على صحة الوليد.

و منه نلحظ مدى العناية التي خصها الإسلام للطفل للحفاظ على سلامته وصحته ووقايته من الأمراض. وتأكيد دور الأم في الرعاية الصحية، والنفسية خاصة في مراحل الطفولة المبكرة. و كذا أهمية دور الأبوين في السهر على الأبناء و رعايتهم، و وجوب الإنفاق عليهم.خاصة من جانب الوالد .إذ من حق الأبناء إشباع حاجاتهم المختلفة  حتى يكبر. لقوله –ص- "إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة."

          جـ- تنشئة الطفل الدينية و الأخلاقية في الإسلام : 

لقد وجه الإسلام إلى الوالدين تعاليم تأمرهما بالعناية بالطفل و حثّهم على وجوب تعليمهم مبادئ الدين ، والأخلاق. و من حق الطفل كحقوق الأسرة المسلمة أن يرعاه والداه و أن يعلماه أركان الإسلام الخمسة:. إذ على رب الأسرة أن يعلم أفراد أسرته السلوك المقبول اجتماعيا و يجنبهم ما تحرمه تعاليم دينه. لقوله –ص- " مروا أولادكم و هم في سبع سنين و اضربوهم عليها و هم في عشر، و فرقوا بينهم في المضاجع.[12]

فمن حق الطفلة الأنثى كما تم توضيحه  في قول رسوله أن تنام بعيدا عن أشقائها الذكور، ابتداء من سن العاشرة؛ وذلك حماية للأنثى و الذكر والأطفال عموما من الانحراف، أو العبث الجنسي و تعويدا للأطفال على السلوك النقي منذ الصغر.

 ومما تقدم يتضح بشكل جلي أن الإسلام يفرق بين طفل السبع، و طفل العاشرة حيث يصبح الطفل أكثر نضوجا، و أكثر قدرة على التمييز. ومعروف أن الطفل ووفقا لمفاهيم علم النفس الحديث يستمر في النضوج الجسمي والعقلي، والعاطفي والاجتماعي والخلقي حتى يصل إلى سن المراهقة والشباب. في هذا بيان لإدراك الإسلام لمبدأ سيكولوجي هام وهو مراعاة الفروق بين الأطفال. فما تطلبه من طفل العاشرة لا تطلبه من طفل السابعة.. ومن ثم لا يكلف الإنسان في الإطار الإسلامي بما تفوق قدراته واستعداداته .[13]

كما حث الإسلام الآباء أن يعلموا أبناءهم التمييز بين الحق و الباطل، وأن يعلموهم مبادئ المساواة، والعدل.. وآداب الإسلام وأخلاقه في الاستئذان، واحترام الطفل ومعاملته باللطف، وعدم التقليل من شأنه.اعترافا بإنسانيته. ومن الشواهد على ذلك أن الرسول – ص- إذا مر على الصبيان سلم عليهم." [14] وهي خصال إسلامية ومبادئ تؤكدها المنظمات العالمية الحديثة التي تحمل الكثير من الشعارات الإنسانية .

د-حق الأبناء مجالسة الآباء و اللعب معهم :

لقد حث الإسلام على ضرورة أن يخص الوالدين وقتا لمجالسة أبنائهم و الترويح عنهم، وإدخال السعادة إلى قلوبهم. إذ المداعبة و اللعب خاصة في السنوات الأولى للطفل، من شأنها أن تعلمهم قيما تربوية، و اجتماعية، و أخلاقية، وإبداعية في ذات الوقت. ويعد هذا النوع من المعاملة إحدى جوانب التنشئة في الإسلام؛ لكونها تمثل إمكانية عظيمة لتنمية مدارك الأبناء عموما حيث جاء في حديث رسوله:" من دخل السوق واشترى تحفة فحملها إلى عياله،كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج.و يبدأ بالإناث قبل الذكور. [15]

 وهو ما يتفق مع ما ذهبت إلى تأكيده الدراسات الحديثة ،عن أهمية اللعب بالنسبة للأطفال و المراهقين منهم؛ حيث يمثل قيمة علاجية. بحكم أن الأسس التي يقوم عليها هو الفضفضة، و التطهير الانفعالي، و تفريغ الشحنات الانفعالية الحبيسة داخل الطفل. يتعلم من خلاله العديد من المهارات  مما يساعده على التعلم، و فهم العالم المحيط به، ويساعده ذلك على تكوين علاقات اجتماعية عديدة مع  بني جنسه و سنه أو من خارجها  و هو في حد ذاته قيمة اجتماعية يكسبها الطفل من خلال هذه العملية. مما جعل عديد من الباحثين يؤكدون سلامة هذا الأساس الذي تقوم عليه التنشئة الإسلامية كنموذج.

هـ-حق الأبناء في اكتساب العلم و المعارف الإنسانية:

كما حث الإسلام الوالدين على  وجوب تعلم العلم. إذ بين الإسلام أهمية تعليم الأبناء في قوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق . اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " سورة العلق الآية 1-  5 ".

وهو ما يشير بوضوح إلى أهمية العلم، و وجوب تعليم الأبناء. وأكد مسؤولية الآباء في ذلك . وعلى وجوب أن يمتد هذا التعليم ليشمل جميع المعارف الإنسانية وحمل الوالدين و المعلمين وعلماء الدين، مسؤولية التنشئة والتربية الاجتماعية للأولاد، عملا بقوله "ص" " أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم ". وهي إشارة واضحة على وجوب إشراف الأبوين على تربية أبنائهم .  لكن هذا الإشراف ليس معناه التسلط، والإكراه، والقهر وغيرها من الملامح التي اتصفت ولا تزال نسبيا تتصف بها التنشئة الأسرية العربية. وهو أسلوب لا يتطابق مع تعاليم الإسلام الذي تدين به كأمة أو شعوب.

لأن ما يهدف إليه الإسلام هو المراقبة والتوجيه و النصح. إذ أمر الإسلام بمشاركة الطفل في إبداء الرأي مهما كان هذا الرأي سخيفا أو ساذجا أو بسيطا. وتوضيح ما يشوب هذا الرأي من خطأ للطفل حتى يتعلم الطفل من أخطائه طريقة التفكير و النظر إلى الأمور ببصيرة.و بذلك يستفيد الطفل و الأبناء عموما؛حينما يتعودون على إبداء الرأي فيما يتعلق بمشكلاتهم الخاصة أو مشكلات الأفراد الآخرين المحيطين بهم، أو مشكلات مجتمعهم هذا من ناحية ،

و من ناحية أخرى، إن تبيان الخطأ في الرأي لديهم من شأنه أن يجعلهم يعيدوا صياغة آرائهم ويبلورونها بشكل أفضل. وبالتالي مساعدتهم على اتخاذ قرارات خاصة بشأنها. و على ذلك فإن اعتماد أسلوب الحوار والمناقشة، واللّين والترغيب والمدح أحيانا، وعدم اللجوء إلى الشدة و العقاب، إلا عند الضرورة القصوى ؛من شأنه أن  يوفر جوا من الثقة بالنفس لدى الأبناء، كما يوفر جوا من الأمان واكتساب نوع من التفاؤل، والرضا والشعور بالاستقلال لدى الأبناء .

وهو ما يسمى في نظريات التربية الحديثة بالأسلوب الديموقراطي للتنشئة الذي من شانه أن يخلق جوا أسريا يكون فيه الأبناء أكثر توافقا و ثقة بالنفس. والى جانب ما تقدم يؤكد هذا الدين من اجل تنشئة الأبناء التنشئة السليمة على وجوب توفر  إحدى أسس التربية الإسلامية، و المتمثلة في ضرورة أن يكون الآباء، هم القدوة الحسنة في حياة أبناءهم ؛بحيث لا تكون معاملة الوالدين كلها صرامة و تسلط. لقوله "ص" رحم الله والدا أعان ولده على بره"، أي أن يحسن معاملته ،اي تربيته[16]. و أن لا يطلب منه إلا ما يطيق.

مما يبين أنه لا مجال للقسوة والعنف و التسلط في المنهج الإسلامي إلا في الحالات القصوى. إذ العنف لا يولد إلا العنف مثلما أكدته ،وتؤكده الدراسات الحديثة. خاصة وان  العنف بنوعيه الرمزي، والجسدي يتم تعلمه كسلوك  من المحيط الأسري المتسلط، و من المحيط الاجتماعي عموما خاصة في الفترات الأولى من الحياة الاجتماعية للأبناء، وسن البلوغ؛ أي المراهقة  وهي السن التي نصاحب فيها الأبناء ،ولا نمارس القهر و التسلط عليهم وفقا لتعاليم هذا الدين.

و على العموم يمكن تلخيص المعالم الرئيسية  للتنشئة الاجتماعية في المنهج الإسلامي وفقا لما يؤكده  الدكتور عبد الله علوان فيما يلي[17].

-  1-تؤكد تعاليم هذا الدين وجوب تحميل الوالدين،و المعلمين، وعلماء الدين، مسؤولية التنشئة الاجتماعية للأبناء  لترسيخ التربية الإيمانية لديهم .

- التحلي بالأخلاق السليمة: واتخاذ الرسول "ص" قدوة في العبادة و الكرم و التواضع. لقوله تعالى :" لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة سورة الأحزاب الآية (21.)

·        3- الاهتمام بالتربية الاجتماعية: التي تركز على القيم و الآداب الاجتماعية العامة.إذ يشكل البعد الاجتماعي في التنشئة الاجتماعية للأبناء ،أحد الأبعاد الأساسية المكونة لها؛ باعتبار أن التنشئة الاجتماعية في حد ذاتها تعتبر عملية  اجتماعية بحتة، تقوم بها الجماعة العائلية وغيرها من الجماعات الاجتماعية  الوسيطة الأخرى، كجماعات الرفاق،  والمسجد، وغيرها من الجماعات المكونة لمؤسسات المجتمع عموما.

هذا والى جانب البعد الاجتماعي الذي ترتكز عليه التنشئة الإسلامية؛ تنهض هذه الأخيرة على بعد آخر لا يقل أهمية عن سابقه والمتمثل في بعدها السيكولوجي؛ باعتبار أن الأسرة في ضوء هذا المنظور: "عبارة عن جماعة أولية واتحاد لمجموعة من الشخصيات المتفاعلة تفاعلا مباشرا أو غير مباشر، والتي من شانها تلبية احتياجـات أفرادهـا الأساسية والعاطفيـة، ممـا يحقـق استقـرارهم السيكولوجـي والاجتماعي[18].      

إذ يلخص د/ حامد زهران- ود/ إجلال يسرى،أهمية الرعاية النفسية للأولاد في هدي القرآن و السنة النبوية الشريفة التي تتأكد ملامحها فيما يلي :

1.     رعاية شخصية المسلم و تتمثل في:

ترسيخ الإيمان بالعمل الصالح: و يتضمن الإيمان بالله و ملائكته، و كتبه، و رسله، والقدر، و اليوم الآخر، و العمل الصالح، و طاعة الله و رسوله.

2.     تأكيد الأحكام الشرعية: و تتضمن الأحكام الشرعية العامة و المحللات والمحرمات.

3.     تقوية الصلة بالله وتتضمن: معرفة الله وإسلام الوجه له، وحبه، وخشيته، والاعتصام به، والتوكل عليه والاستعانة به.

4.      تدعيم السمات الإيجابية للشخصية: وتتضمن التقوى والأخلاق، والعلم والأمانة...، والنظافة؛ لأنها تشكل جزء من الإيمان.

5.     رعاية سلوك المسلم وتتمثل في تدعيم العلاقات الإنسانية: وخاصة بين الوالدين والأولاد، والأزواج، والأقارب والجيران.

6.      تأكيد أساليب التفاعل الاجتماعي: وهي التحية والكلام الحسن واحترام الغير والعفو[19]وغيرها.

   وإذا كان نموذج التنشئة الأسرية الإسلامي  يراعي حقوق الأبناء ويحض عنها، ويضع مسؤولياتها على عاتق الوالدين، وهي مسؤولية سيسألون عنها. فإن حق الوالدين على الأبناء كان هو الآخر، جزء لا يتجزأ من الأدوار الواجب أن يتعلمها الأبناء في إطار عملية التنشئة التي يتلقونها داخل الأسرة وعلى الأبناء تأديتها تجاههم. حيث نصت النصوص القرآنية في العديد من آيات على وجوب الإحسان إليهما و طاعتهما .

إذ أن واجبات الأبناء تتردد بين البر والطاعة. فهما ثمرة تقدير الجهد العظيم والتعهد الطويل الذي حصل عليه الابن من أبويه.

أ.بر بالوالدين: البر الذي أوصى به الله تعالى له صورتان: مادية ومعنوية.

1- فمن صوره المادية:أن يتعهد الأبناء والديهما بالنفقة والرعاية إذا كانا في حاجة، وتلبية المطالب التي يحتاجونها. و قد قدر الإسلام هذا الجانب، فجعله من حقهما.

2-من صور البر المعنوي:.ويتأكد هذا البر عند بلوغهما الكبر وسن الشيخوخة  الذي يقتضي تقديرا واهتماما أكبر حيث جاء في قوله:" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا. الإسراء الآية 23-24.

ب- الطاعة:

إن الطاعة تكون حسب السن، ففي الصغر ينبغي طاعتهما باعتبارها أعرف الناس بحاجاته وأكثرهما حنوا عليه. وأكثرهما قدرة على معرفة الأمور التي تؤذيه. ومن ثم تجب طاعتهما. بينما عند الكبر فيتوجب تقدير رأيهما و استشارتهما و طاعتهما بالمعروف؛ مما يدخل السرور إليهما؛ لأن إهمالهما وعدم طاعتهما يعد جحودا لهما . بينما لم يقر الإسلام مخالفتهما إلا في الشرك بالله.

إن هذا التواصل والبر بين جيل الأبناء و الإباء من شأنه أن يجعل الأسرة المسلمة وحدة اجتماعية قوية من حيث تماسك العلاقات الأسرية، و تطابقها بين أعضاء الأسرة، كبارا كانوا، أم صغارا. وهو ما يجعلها علاقات قوية لما يحكمها من ضوابط عقائدية واجتماعية و نفسية سليمة، سواء كان ذلك بين الآباء و الأبناء. أو بين الأبناء في تعاملهم مع الآباء. أو بين الأبناء في تعاملهم السوي مع بعضهم البعض. وهو ما يحول دون تفككها واختلال روابطها ويسهم ذلك في بناء مجتمع مستقر اجتماعيا.وبناء على ما تقدم من معطيات يمكننا أن نجمل أساليب التنشئة الإسلامية  كالآتي:


رابعا: أساليب  التنشئة الإسلامية :

يقوم منهج  التنشئة الإسلامية على أساليب متنوعة مثلما تقدم من شرح  و ذلك بحسب مناسبتها لتحقيق الغرض المطلوب منها . على أن هذه الأساليب تتكامل فيما بينها لتناسب كل المواقف و تتكيف حسب الأغراض و يمكن تلخيص هذه الأساليب كالآتي:

1- أسلوب القدوة الصالحة:

إن القدوة الصالحة أهمية بالغة في تربية الفرد من المراحل الأولى من حياته حتى فترة النضج و البلوغ إذ يكسب الطفل ألوانا مختلفة من السلوك من خلال تقليده و محاكاته للآخرين. وهي بذلك تعتبر إحدى محددات السلوك الإنساني و مختلف عاداته الإسلامية،لما لها من  أهمية في تنشئة الأجيال الإسلامية تنشئة سليمة،أسوة برسوله مما يحقق الاستقرار للفرد والمجتمع معا. خاصة وأنها تدعو المسلمين ليتخيروا لأنبائهم و أنفسهم القدوة الصالحة، والابتعاد عن مخالطة قرناء السوء؛ تجنبا للشر والمضرة. ويأتي الأبوان في المنزل، والمعلمون في المؤسسات التربوية في المقدمة من حيث وجوب التحلي بالنماذج الصالحة من السلوك؛ لتسهيل عملية تسرب العادات الإسلامية السليمة لدى الناشئة منذ الصغر. فالتعلم في الصغر كالنقش على الحجر في المثل العربي.

 باعتبار أن  التعلم هو أولا وقبل كل شيء سلوك اجتماعي يمكّن الطفل أن يتمثل قيم جماعته لاسيما جماعته الأولية (الأسرة)، مما يتيح له كسب هويته الشخصية، ويمكنه أن يكون فردا مشابها، دون أن يكون فردا مطابقا لها. وهو ما ذهب إليه تالكوت بارسونز"[20] وأكدته نظريات علم  النفس الحديث، وغيرها من نظريات التعلم الاجتماعي على اختلاف روادها. أمثال بنادورا و ولتز، وولر، وماكوبي.. وغيرهم.

Pour citer ce document

فتيحة هارون, «التنشئة الاجتماعية للطفل من المنظور الإسلامي : دراسة لبعض أساليبها وأهدافها الع... »

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 15 جويلية 2012N°15 Juillet 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-08-03,
mis a jour le : 24/05/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=659.