استراتيجيات الشباب حيال التشكيل الهوياتي في المجتمع الجزائري
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
09
26
27
28

العدد 15 جويلية 2012 N°15 Juillet 2012

استراتيجيات الشباب حيال التشكيل الهوياتي في المجتمع الجزائري

نوال حمادوش
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

   نقترح من خلال هذه الورقة، تحليل آثار التغير في المنظومة القيمية الهوياتية و التي لا يمكنها إلا أن تتعلق بصورة أو بأخرى بمختلف صور اللاارتياح و التبعية الثقافية في المجتمع الجزائري.

ذلك بالانطلاق من كون أنه إذا وجد ميدان قادر على تجسيد  مختلف الأوجه الرمزية و الفعلية ذات الطبيعة السوسيولوجية للتغير الاجتماعي ، فسيكون على الأغلب الميدان الهوياتي.

إننا نريد و من خلال هذا المقال محاولة الاجابة على التساؤلات التالية:  كيف تحددت ولا تزال تتحدد الهوية .في المجتمع الجزائري، و ماهي بالخصوص الاستراتيجيات الهوياتية المطورة من خلال الشريحة الشبانية في مواجهة هذه التحديدات.

     Nous proposons a travers cet article, intervenir sur  le changement de valeurs identitaires et indissociablement a propos  des différentes formes de malaise et d’aliénation culturelle dans la société algérienne.

Ceci, en démarrant du fait que, s’il ya un domaine ou le changement recelant des dimensions symboliques de nature sociologique ou culturelles évidentes, c’est bien celui du changement de valeurs des identités.

Cette problématique, que son cadre analytique dépasse le fait que toute mutation de statut d’identité  s’obéit uniquement a des considérations civilisationelles, politiques ou culturelles mais plutôt a d’autres variables liées aux interactions complexes entre les différents idiomes identitaires, existant au sein du paysage  identitaire spécifique de l’Algérie.

المقدمة

 لقد تم في الآونة الأخيرة تسجيل تعالي أصوات كل من المثقفين والمربين، وتذمرهم من الضياع والتشويه، الذين يتميز بهما الشاب الجزائري، إن كان ذلك على المستوى اللغوي أو المستوى الهوياتي بالرغم من عدم إبراز المحكَات الموضوعية المستخدمة لتحديد مظاهر الضياع والتشويه، مداهما، دركاتهما، أو على الأقل عدم توحدها.

فبالنسبة للغة مثلا: كثيرا ما انبهر المشرفون على تعليم اللغة العربية – ولا يزالون- من ضآلة وهرم نتائج تعلم اللغة العربية وإتقانها، من جهة؛ كما ينتقد و بشدة، المشرفون على تعليم اللغة الفرنسية، مستوى تعلم هذه الأخيرة، من جهة ثانية، لينضاف إليهم، المشرفون على تعليم اللغة الأمازيغية، والذين لا ينكف التشاؤم يلفهم، من مستقبل تعليم هذه اللغة من جهة ثالثة تماما كما يحدث بالنسبة للهوية، حيث يؤكد البعض على أن جل الأجيال الشابة الجزائرية، إنما هي أجيال متأزمة هوياتيا، في حين يذهب البعض الآخر لصعوبة توصل الشاب الجزائري لرسم صورة واضحة عن  الذات، و عدم قدرته على التموضع ضمن التناقضات، الصراعات و الرهانات التي غالبا ما يكون هدفا لها.

هذه الرهانات التي غالبا ما تقام حول اللغات/الهويات في المجتمع الجزائري، حيث يتزامن ظهورها، بظهور عدة إشكاليات مرحلية، منها ما تعلق بمدى فعالية السياسات اللغوية، و بروز مشكلات حولها وحول التكوين بها، بمعطيات و أبعاد مختلفة ؛ ومنها ما تعلق بدور المثقفين، و بروز مشكلة الصراع النخبوي؛ و منها ما تعلق بأزمة الهوية الجزائرية، و التي تعرف صدامات شديدة، بين من يحاول تجاوزها، و وضعها في صورة جامدة وثابتة، و بين من يدافع على هويايته الفرعية، و بين من يحاول تنظيرها حسبا لمعطيات و متطلبات العولمة  والتحولات الجديدة الحادثة في العالم .

     هذا و انطلاقا من أن الهوية ليست عنصرا معطى دفعة واحدة و إلى الأبد، إنما هي واقع، يولد، ينمو ويبنى و يتغير و يهرم، بل و قد يتعرض لأزمات و اضطرابات تؤدي به لحالات الاستلاب  و الاغتراب.

و هي بهذه الصفات، تكتنف درجات عالية من الصعوبة و التعقيد و التنوع للدلالة عنها أو لتعريفها.كما أنها تتعدى كونها مجرد قائمة مرجعية خارجية مـن السمات التي تدل على فاعل ما (فردا أكان أو  جماعة).

و أخذا  في الحسبان لكل هذه الاعتبارات، تظهر  ضرورة التدرج في تحليل مفهوم الهوية في المجتمع الجزائري، باعتبارها شعور داخلي، منوع و ذا وظائف محددة، يصل لربط علاقات متشابكة معأحاسيس إنسانية أخرى تماما كما تتبين أهمية التريث في عرض تطور آليات التشكيل الهوياتي وتحليل مراحل تبلورها لدى النموذج الجزائري، من جهة؛ وانطلاقا من أن الحديث اليوم أصبح بديهيا، عن الارتباط الوثيق بين مفهوم الهوية و مفاهيم الثقافة واللغة، الوطنية والشخصية و التكوين بل و على أساس هذا الارتباط،صار الأنتروبولوجيون، علماء الاجتماع والنفس، يفسرون عدة عمليات اجتماعية (صراعات،تنافس،حروب،ضياع،نجاح، عدم تكيف...) سواء أحدثت بين المجتمعات ككل، أو بين الأفراد فيما بينهم،من جهة أخرى.

حيث، يكفي تصفح جل التحليلات التي تتم لآلية عمل التشكيلات الهوياتية و المعوقات التي تعترض سيرها، حتى يتم التحقق بأن التعرض لها، يؤدي بالضرورة لتناول مختلف آليات عمل  التكوينات و التشكيلات الثقافية، الشخصية و اللغوية .

ذاك، مادام أن الأفراد  اجتماعيون بالطبع، و ملزمون تبعا لذلك بالانتماء إلى جماعات معينة، تساعدهم على صبغهم بمعايير و سمات محددة،كما أنها تنظمها في صور قارة بذاتها، يمكن جردها و تبويبها، علنا و ظاهرا أو ضمنيا.

    ولعل أول ما يتكون من السمات، هي تلك التي تنجر عن الانتماء للمكان (الوطن، المدينة، القرية، العائلة، الأسرة) للعقيدة (الدين) واللغة، كل ذلك ليتم تكوين ما يسمى الهوية الثقافية الأصلية التي يتم الإجماع عن كونها المركب المُكوَن من اللغة، الدين، الثقافة المرجعية الأساسية والحدود البسيكولوجية للجماعة وشخصيتها القاعدية (1) .

   وعليه،فلا تشذ الهوية الجزائرية عن غيرها من الهويات، باعتبارها هي الأخرى، نظاما مزودا بفعالية  اجتماعية، يهدف لتحديد ماهية الجزائريين، ليس بجرد كل سماتهم، و إنما بالإشارة إلى ما يمكن به التعرف عليهم هم، دون غيرهم، يكتب (عبد الغني مغربي): " لا يمكننا خلط جزائري – مهما كانت منطقته الأصلية -، و المتواجد في الخارج، بآخر مصري، عراقي أو حتى مغربي أو تونسي، يكفي الاستماع له عند تكلمه (...)، حتى يتم التحقق بأن و كأنه يملك ختما جهويا أو وطنيا خاصا به " (2).

هذا و إن كان هذا حال اللغة، كسمة ثقافية أساسية مساعدة على التحديد و التفيئة الهوياتية، فهي طبعا ليست الوحيدة، بل يمكن اللجوء لسمات ثقافية أخرى: كالنظام الغذائي الشعور بالآخر، المظهر اللباسي، كيفية أداء الطقوس و الممارسات الدينية، إلى ما ذلك من السمات التي يمكن إلحاقها بالفرد، بل بأمة بأكملها (3).

الأمر الذي يجرنا للحديث عن السمات الوطنية، التي يعبر عنها أغلبهم و يتم موازاتها،     

     بما يسمى بالشخصية  القاعدية – une personnalité de base– و التي يمكن إيجادها لدى كل شعب أو أمة. هذه الشخصية القاعدية، و إيمانا بالحركية التي قد تتعرض لها هويات الأمم و الشعوب يمكنها أن تتغير ، إلا أنها تبقى دائما، تدور حول نواة هوياتية محددة. ومن ثم فالتسليم بأن تغير ملامح شخصية الجزائريين و هويتهم، عبر مختلف الحقبات التاريخية التي عاشوها، يؤدي بالضرورة للإشارة لعملية المحافظة على الهوية النواة، التي ترتكز في الأساس على بعدين هما: التعلق الشديد بالعدل و المساواة، و الرفض الغريزي لكل هوية غازية (4) .

     هذه الصيانة للهوية النواة، التي يمكن التحقق من كونها قائمة فعلا لدى الجزائريين الأوائل (الأمازيغ) ؛ الذين لم يتوانوا عن الحياة وفقا لمكوناتها منذ أقدم العصور، و خلال مختلف مراحل الاحتلالات القديمة، الفينيقية، الرومانية، الوندالية والبيزنطية،فكانت بذلك هذه الهوية النواة: المحرك الأول للمقاومة الثقافية ضدها؛(5). والعمل على تقويتها و التأكيد على المحافظة عليها من طرف الجزائريين خلال مرحلة الاحتلالات  الحديثة: حيث أصبحت المحرك الأول للكفاح الوطني ضدها ؛ والانتهاء لضرورة تعزيزها، بعد الاستقلال، حيث لا تزال هذه الهوية النواة، تشكل المحرك الأول للتطلع الدائم للعدالة الاجتماعية، التنمية الشاملة و العيش الرغيد؛ وإن كان الحديث عن المقاومة الثقافية في المقام الأول و عن الكفاح الوطني في المقام الثاني، و بشكل مستقل، فذاك تابع من باب الاقتناع بأن الجزائريون، قد مرَوا و على مستوى التشكيل الهوياتي بمراحل، يمكن مماثلتها،بتلك التي تمت على مستوى تشكيل ظاهرة الدولة أو الوطن: Etat ou la nation. و عليه، فقبل أن يتم التمكن من امتلاك لهوية سياسية، كان لزاما عليهم أن يبحثوا عن مرتكزاتها في الهوية الثقافية، تبعا لمقولة (داهل Dahl)الشهيرة و التي مفادها " بدون هوية إثنية، لا توجد هوية سياسية " (6). يكتب (ق .قيوم G.Guillaume)، أنه إذا ما طبقت أكثر التعريفات عملية لمصطلح الأمة (nation) على الجزائر، فذلك يجب أن يتوازى ومدى جهودها و قدرتها على السير المباشر من المستوى الإثني إلى المستوى الوطني.

و من ثم، فلن يكون للفرد هوية جزائرية، بمجرد انخراطه لجماعة إثنية و ثقافية ما، أمازيغية كانت أو حتى عربية،  بقدر ما يستوجب منه الانخراط لجماعة ملتحمة ومتفاعلة في فلك إرادة سياسية، للعيش  معا، و وفقا لنمط معين. هذا الأمر، الذي لم يتسن للجزائري معرفة واقعة فعلا، سوى منذ سنة 1830 وحتى 1962، بل و حتى بعد هذا التاريخ (7). الأمر الذي سيتم استعراضه بشكل كرونولجي ومتسلسل.

1-   التشكيل الهوياتي الأمازيغي في المجتمع الجزائري

          لقد عُرف عن الجزائريين، احتكاما للتاريخ ، بأنهم و حتى سنة 1830 ، آفرو – متوسطيين، ذوي هوية ثقافية إثنية ممثلة في الهوية الأمازيغية. هذه الأخيرة، التي وبالرغم من تمكنها للتعبير عن ثقافة مشتركة بين أفراد جماعة معينة، مشتملة على أشكال محددة من التعبيرات و الفعاليات المختلفة و المنبثقة عن نظام معرفي بسيط ومكتسب، و من ثم على منظومة من المعايير، التقاليد، القيم و العادات، و الأخلاق؛ إلا أنها لم تتحدد مكوناتها (أي الهوية الأمازيغية) بشكل جوهري و مؤسس ولم تتجاوز نطاق الهوية – النواة، التي سبق الإشارة لها؛ بحيث أنه أكثر ما عرفت به – ولا تزال تعرف به – بأنها مؤسسة على ملمحين عامين متمثلين في: روح القتال التي لم تفارق الأمازيغ  قط، بسبب تعرضهم الدائم للانتهاكات،لا لهوان شأنهم أو جبنهم، بل لامتياز موطنهم بالموقع الاستراتيجي و حيازتهم على عديد الخيرات، من جهة ؛ وفي روح التأبي والأنفة والقوامة والميل لصفة العدل، باعتبارها سلوكا صيانيا ناتجا عن الترعرع ضمن ثقافة جبلية، المعززة للتحرر من قيود المكان و الزمان، وعن نقص في المدنية، المدعمة للانبساط في التعامل والقابلية للاحتمال و التكيف (8)، من جهة ثانية. وعليه، فالتفاصيل التاريخية التي لابست و أعاقت تشكيل الهوية الأمازيغية بشكل واضح و موضوعي على الأقل كما هو عليه اليوم مثلا، هي ذات التفاصيل التي تفسر بأن التجمعات الأمازيغية أو البربرية كانت تخضع في مجملها لنوع من الهيكلة، لكن بنقص في القوامة بمعناها التحرري؛ هذا ويكفي العودة لمختلف الأمراء و الحكام (يوغرطة، ماسينسا، تاكفريناس) و غيرهم الذين، حتى  و إن قادوا الجماعات و القبائل البربرية، إلا أنهم لم يكونوا يحوزون في الوقت ذاته على الحيوية السياسية والتنظيمية والتصرفية، التي تحكمها صفة الاستقلالية وعدم تبعية القرار (9). ناهيك عن عدم تمكنهم من تجسيد الدولة البربرية بعيدا عن العلاقات الدموية القائمة بين الجماعات، التي تجعل من التماسك الطبيعي يتخذ شكل التنظيم الجماعي المتساند، و يستمد قيمه و قواعده المعرفية من التلقائية التي  تميز الإنسان العشائري.

يكتب (مولود قايد) في اللغة الأمازيغية، و باعتبارها أحد مقومات هوية الأمازيغ بأنها " لم تفقد أبدا حقوقها لدى العائلة " (10). و في ذلك تأكيد على أنه لا يمكن الحديث بشكل موضوعي، عن هوية بربرية واضحة المعالم وشاملة (غير ضيقة) بقدر ما يمكن الإشارة للهوية – النواة، التي لم تتم بلورتها من طرف الأمازيغ و تطويرها، بالرغم من فرص التقاءها بهويات حضارية مغايرة على حد تعبير (محفوظ قداش) (11)،من جهة ؛ كما أنه، لم يتم السماح لها بالتفاعل ضمن الدينامية و الحركية التي تستلزمها، بشكل أدى فيه للمواصلة على الحفاظ عليها كما هي، فظلت معرفة ماهية الأمازيغ و تمييزهم عن غيرهم، و من ثم تحديد هويتهم، مختزلة ضمن الملمحين العامين، السالفين الذكر  للشخصية الجزائرية عموما منذ أقدم العصور و حتى يومنا هذا؛  واللذين (الملمحين) ظلا يحتكمان للمرجعية العرفية الجماعية الضابطة للسلوكات، الاجتماعية منها، الثقافية واللغوية ، بعيدا عن كل قوننة أو تشريع (12)، من جهة أخرى. وعليه، وأمام كل هذه الحقائق يمكن استنتاج بأن الاستشهاد بالكينونة الدائمة للغة الأمازيغية، إلى جانب مختلف ضروب و عناصر الثقافة الأمازيغية المعمرة منذ آلاف القرون و حتى يومنا هذا، للبرهنة على وجود فعلي لهوية أمازيغية فريدة و متمايزة منذ هذه العصور الغابرة، يبقى أمرا نسبيا و قابلا للطعن  موضوعيا

   ذلك فيما عدا، إذا ما تم ربط الحديث عن هذه الهوية، بالمحاولات الإحيائية المعاصرة للهوية الأمازيغية وباستيقاظ الوعي الهوياتي المتأخر بها منذ أواخر القرن العشرين. و الذي تجسد في رغبة فردية فجماعية بل وسياسية أيضا في محاولة العودة للوراء لإعادة تنظيم، تحديد و إبراز مكونات هوياتية واضحة في ظل القالب العام للشخصية الجزائرية.  ذلك، انطلاقا من أن "علاقة اللغة بالهوية تزداد قوة كلما تزايدت (13)الأزمات ". ومن ثم فطول وشدة الإضطهادات الثقافية، المعنوية منها أو المادية، المضمرة أو العلنية ضد المجموعات الاثنية -[ و يمكن سحب هذه الحالة على المجموعة الاثنية الأمازيغية ] – ،يؤدي بها في الأخير للقيام بردود أفعال متنوعة، تصب في مجملها ضمن استراتيجيات إعادة مواءمة الأحداث التاريخية و ترتيبها بشكل ملائم، و صناعة أساطير مختلفة ساعية لإضفاء التميز الثقافي، من خلال إسناد صفة القومية للرموز الثقافية المتنوعة كاللغة، الشخصيات، الحقب التاريخية و غيرها تبعا لتحليلات (جون . ف . ستاك John F. Stack) (14).

هذا و بناءا على هذه المعطيات، يذهب (عادل أزقاغ) (*) في هذا السياق لرصد مختلف ردود الأفعال الأمازيغية، و لوضع تيبولوجيا (une typologie)، توضح تطور السلوكات الدفاعية ضد الإقصاء الثقافي الذي أحس به أمازيغ الجزائر على المستوى الهوياتي. فيبدأ  من أن الوعي بالهوية الأمازيغية، لدى سكان الجزائر أو التشكيل الهوياتي الفعلي لها لم يكن ليتم بشكل موضوعي، لولا حدث الاستعمار الفرنسي للبلاد

فقد أفضى نضال الجيل الأول الذي ظهر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، من ضمن الأجيال الأربعة لرواد التشكيل الهوياتي الأمازيغي في الجزائر، إلى التعبير العفوي عن تميز في الهوية و إثبات وجود و رغبة في الاستمرار و الحفاظ على التراث دون تحميلها أي مضامين سياسية أو هوياتية معينة أو مواقف رافضة للمنظومة الثقافية الراسخة، آنذاك المكونة أساسا من العروبة و الإسلام.

هذا الجيل الذي ضم شعراء و أدباء (كمحند أو محند) و (بوليفة) و حلقات المعلمين الذين قاموا بالمساهمة الفعالة في وضع قواعد  اللغة الأمازيغية و جمع المفردات، الأمثال، القصص و الأساطير الشعبية، رغبة منهم في مجرد التعبير عن واقع الثراء والتنوع الأمازيغي؛ فيم أخذ نضال الجيل الثاني الذي ظهر في أواخر أربعينيات القرن العشرين شكلا مغايرا، لا يحمل صيغة التعبير العفوي عن التنوع، بل جاء في صيغة الإيمان و الاقتناع به، و رفض صيغ كل من لا يُقِر و لا يعترف به (التنوع )؛ ومن ثم، فالوعي الأمازيغي بالتميز الثقافي و الهوياتي في هذه الفترة بالذات، جاء على شكل ردة فعل إثر: رفض فيدرالية فرنسا لحركة انتصار الحريات الديمقراطية تحديد الهوية الثقافية للجزائر بغير المكونين الأساسيين الممثلين فقط في العروبة و الإسلام، في وقت تم اقتراح فيه من طرف الأعضاء الأمازيغيين شعار- الجزائر  الجزائرية- ، لتمكين إدراج البعد الأمازيغي ضمن الهوية الجزائرية، من جهة؛ و قيام القيادة بإقصاء العناصر الأمازيغية من صفوف الحزب، فيما أشبه بالعملية التطهيرية لأمثال (علي يحي) ، (حسين آيت أحمد) ، و غيرهم واتهامهم بالانتماء للتيار البربري التشويشي، من جهة ثانية. هذه العملية التي يُحكَم عليها بأنها وراء خلق أزمة الهوية في الجزائر و المعاناة من تبعاتها حتى يومنا هذا(**) .

نزع الجيل الثالث، الذي ظهر في ثمانينات القرن العشرين إلى صرف النظر على الصيغتين السابقتين، و قام باستبدالهما بخطاب هوياتي مطالب بدمقرطة وفتح المجال السياسي خصوصا، وأن حالة التضييق عن كل أشكال التعبير عن التنوع قد بلغ أشده(*)

و ذلك ما تم التوصل إليه فعلا، بعد الأحداث العنيفة لشهر أكتوبر (1988)  حيث أسفرت هذه الأخيرة عن انفتاح سياسي مبدئي، تكَرس في وضع أول دستور تعددي وسمح لأهم حزبين محسوبين على منطقة القبائل (FFS , RCD) بالنشاط في وضع رسمي و قانوني، ذلك حتى و إن حاولا التخلص العلني من التوجهات ذات الطابع الإثني أو الجهوي، و ركزا على القضايا الوطنية بل، و حتى القضية الهوياتية الأمازيغية، تم طرحها من منظور وطني (15).

هذا ، و تجدر الإشارة هنا، إلى أن التطورات الأخيرة  التي تتعلق الهوية الأمازيغية، و عدم توصل الأجيال السابقة على اختلافها، بل و إخفاق آخرها في تحقيق المطالب الهوياتية، الاجتماعية و الاقتصادية للأمازيغ، قد أدت و لأول مرة للمعاينة الفعلية لوجود أزمة هوياتية مقابل فشل ذريع تبعا للمؤرخ (دحو جربال) (**) للدولة – الوطن ( Etat – nation  )، في بعث الوحدة الوطنية.

و من ثم السماح لبزوغ جيل جديد و مختلف عن سابقيه ضم بين الداعين لمطالب راديكالية منادية للاستقلال الذاتي، و آخرين لرفض الآخر، و أخيرا للانخراط ضمن مطالب المواطنة.

كل ذلك، يواصل (دحو جربال) إشارة لانتكاسة جماعية و انقسام في آن واحد بين بعثية عربية – إسلاماوية وحديثا : استقلالية أمازيغية ؛ موازاة مع تراجع رهيب لَف الحركة الشعبية الثقافية الأمازيغية، التي تخلت عن الكثير من سماتها الأصلية و التي عرفت بها، تلك التي لطالما تمثلت في السلمية و قوة التأطير (16).

و عليه، فقد أدى كل ذلك واقعا إلى التخلي على كل الصيغ الحزبية الجمعوية و حتى النقابية التي تميزت بالحضور و العودة بالمقابل لحركات المواطنة التقليدية المسماة (العروش)، توازيا مع تصاعد الأصوات البديلة المساندة للبلقنة، كما يفعله أحد أهم الوجوه الأمازيغية (فرحات مهني) ،من خلال حركته و اللساني الشهير (شاكر سالم)، من جهة؛ و تصاعد موجات العنف الذي تغذيه مشاعر الاضطهاد و التجاهل من طرف السلطة،  من جهة ثانية .   

هذا، و إن تم التسليم – بعد هذا العرض – بتعاقب كرونولوجي و موضوعي للأجيال المدافعة عن الخصوصية الثقافية و بتصاعد وتيرة الوعي بالهوية الأمازيغية، واختلاف الأطر التشكيلية لها عبر الزمن، فذلك لا يعني بالضرورة بأنه هناك تماثلاث مطلقة بين جميع أفراد المجتمع الأمازيغي الراهن. و من ثم اعتبارهم إما راديكاليين منادين للاستقلال الذاتي، أو منخرطين ضمن مطالب المواطنة بشكل كلي بل، بالعكس تماما .يجدر التنويه إلى أن الشارع الأمازيغي اليوم، يتوزع بشكل متفاوت بين جل النماذج الأر[1]بعة السابق  ذكرها (17).

و لعل أهم ما يشترك الأمازيغ فيه، امتلاكهم في المرحلة الراهنة أكثر من غيرها من المراحل السابقة بروح التمايز و الاختلاف عن غيرهم. هذه الروح، التي حتى و إن لم تكن نتاج اختيار خاص و شعور عفوي يتدرج ضمن التعبير عن التنوع، فهي نتيجة حتمية منجرَة عن تعدد المؤثرات الخارجية التي تجبر مجموع الأمازيغ على الإيمان والاقتناع الفعلي بتميزهم عن المنظومة الهوياتية الرسمية.


2-التشكيل الهوياتي العربي في المجتمع الجزائري:

حتى حدوث الفتح الإسلامي للجزائر، كان سكانها مشتتين ضمن طوائف مختلفة أتعبها الإرهاق والاضطراب المرجعي لتلك الحضارة أو لتلك إن كان على المستويين العقائدي أو اللغوي على حد سواء.

فالبربر الممثلين للغالبة العظمى من السكان و المنقسمين بدورهم إلى برانس و بتر، لهم ما تؤطره حضارتهم الأمازيغية المرجعية من ثقافة ، لغة و كيفيات السلوك والوجود بشكل عام.و أما البيزنطيون، و هم أقلية من السكان، فقد أبقوا على هويتهم الخاصة، المتخذة من المسيحية كدين والإغريقية كلغة و ثقافة.في حين، مزج بقية الأفارقة، و الذين يعتبرون جماعات من أهل البلاد على قلتهم بين النموذجين البيزنطي والروماني، و أخذوا عنهما حضارتهما، لغتهما و دينهما (18).

و عليه  فلعل، أول ما وحد الطوائف و القبائل المختلفة للبربر و غيرهم من أهل  الجزائر، هو اكتشاف الدين الإسلامي  و اعتناقهم له.ذلك حتى، و إن لم تخلو فترات التوحد هذه من التوترات، الحروب البينية و التراجع، التي تكون قد استمر ظهورها بين الحين و الآخر حتى أواخر فترة حكم العثمانيين، والتي غالبا ما كانت ذات أهداف سياسية أكثر من أي شيء آخر، تتلخص في الصبو للغلبة و النفوذ (19).ليليه اكتشاف اللغة العربية، و تبنيها ، حيث يُفترض  أن أكثر ما عزز التبكير بالعروبة بشمال إفريقيا، عدم وجود مدينة سالفة لهم، ترتكز على لغة متينة و آداب متأصلة راسخة الجذور كالإيرانية أو  الهندية، أو فلسفة عريقة، ذات مقومات صلبة تقف في وجه الفاتح و لغته، فتقاومها (20). 

و عليه، و بالرغم مما شكله حادث الفتح الإسلامي من منعرج نوعي في تاريخ سكان الجزائر، و ما نتج، عنه على صعيد الانتماء و التواصل العرقي، بحيث تم التخلص من حالة التيه، إثر العثور على بوصلة تحديد المرجع عنده كثرة منهم، صوب المشرق العربي، بشكل تؤدي فيه للوصول لمنبع الإسلام و منبته و الانتساب للعروبة.إلا أن حيثيات الإحساس و الوعي الفعلي بالهوية العربية الإسلامية، لم يكن ليتبلور، ويظهر في أقصى درجاته، لولا استعمار الإمبراطورية الفرنسية للجزائر.

إن هشاشة المرجعية الثقافية، التي سادت إبان المرحلة العثمانية، التركية و انحصار حضورها فقط في المدن الكبرى دون غيرها ، ذلك بالرغم من قوة و سيطرة السلطة العثمانية؛ أدت للإخفاق في تأسيس كيان مستقل و قوي للدولة الجزائرية، فأكثر ما راج عن الجزائري و قتذاك، أنه قرصان يخيف القوى الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط، يستمد قوته من هيبة الدولة العثمانية التي ينتسب إليها (21). و سواد المرجعية الثقافية البربرية، بالمقابل  لمناطق دون أخرى، معتبرة الأتراك ، بل و حتى بعض العرب المسلمين، كسواهم من الغزاة، بشكل أدى بهذه المرجعية، لتحفظها و من ثم لحفاظها على لغتها الخاصة، ذلك حتى و إن تقبلت بالإسلام كدين، وخلطه ببعض الرواسب الحضارية الخاصة بها أو بتلك الخاصة بمختلف الاحتلالات السابقة (22

و اختلاف المرجعية الثالثة و الممثلة في سكان القبائل الناطقة باللغة العربية و الرُحَل بشكل أساسي، عن المرجعتين السابقتين، حيث فضلت تبني الإسلام الصوفي المرابطي، و حمل حدودها الجغرافية مع سكانها في حلَهم و ترحالهم.

كل ذلك أدى، و بصورة منطقية لعدم توحد التكوين المعرفي لسكان الجزائر، و من ثم عدم توفر قواعد الاعتراف المشترك بهم ، قبيل الغزو الفرنسي (23). و من ثم فما كانت نتيجة الالتقاء العنيف لهم، مع أحدث الدول استعمارية و أكثرها ضراوة، أن تمكنوا من معرفة أكثر، لمجموع الحدود المعنوية و الرمزية التي تفصلهم عن غيرهم عموما و عن المُستعمِرين الجدد خصوصا. 

<span style="font-family:

Pour citer ce document

نوال حمادوش, «استراتيجيات الشباب حيال التشكيل الهوياتي في المجتمع الجزائري»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 15 جويلية 2012N°15 Juillet 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-08-04,
mis a jour le : 12/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=667.