السيرة الذاتية العربية بين فعل الكتابة وفعل إدراك الذات
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 16 ديسمبر 2012 N°16 Décembre 2012

السيرة الذاتية العربية بين فعل الكتابة وفعل إدراك الذات

حسين ترّوش
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

إن تنوع الأشكال الأدبية وتعدد طرائق الخطاب السردي أدى إلى تنوع الموضوعات المطروحة وتشعبها كتشعب الحياة ذاتها، ولكن هذه الأنواع الأدبية على اختلاف طرائقها تجتمع في بوتقة واحدة، فكلها تسعى إلى فهم الذات ودورها في الحياة وذلك من خلال فعل الكتابة الذي يعتبر مترجما للأفكار والمشاعر، والنص الجميل الخالد هو الذي استطاع أن يصور هذه العلاقة الجدلية بين (الذات والكتابة)

    ولعل فعل الكتابة الذي حقق ذلك بجدارة هو السيرة الذاتية فارتباطها بالذات جلي من خلال الأنا الساردة التي تمثل الأنا الفاعلة في النص. فالذات –  إذن -هي المدار الشمسي الذي تسبح في فلكه كل جزئيات السيرة الذاتية، وهي الجذر الموضوعاتي الذي تنمو وتتفرع عنه موضوعات متعددة تخرج عن نطاق تصوير الذات إلى تصوير علاقة الذات بالوجود

La diversité des formes littéraires et la multiplicité des méthodes de discours narratif conduit à une diversité des sujets qui représente la complexité de la vie elle-même, mais ces genres littéraires avec leurs modalités différentes vivent dans un même pot, elles cherchent tous à comprendre le(MOI)et son rôle dans la vie et à travers l'acte d'écrire, qui est un traducteur d'idées et de sentiments, et le texte immortelle qui a su dépeindre cette relation dialectique entre(le soi-même et l’écriture)

     Et je croix que l'acte d'écrire qui a bien traduit cette relation c’est L’AUTO-BIOGRAPHIE parce que la présence de l’auteure qui est lui-même le narrateur est très claire dans le texte et parce que le MOI est l'écliptique, que nage les particules de  L’AUTO-BIOGRAPHIE  au tour de son l’orbite , et elle est la racine qui croissent et se ramifient sur divers sujets en dehors du champ de l'auto-photographie pour représenter la relation de soi avec l’existence


مقدمة:

     السيرة الذاتية بمفهومها المتعارف عليه ترقى لأن تكون فنا من فنون الخطاب المعاصرة له خصوصياته، سواء من حيث تقنيات الكتابة، أو من حيث طرائق الطرح، أو من حيث الموضوعات التي تتناولها.

   ولعل ما يميز السيرة الذاتية العربية عن نظيرتها الغربية هو أن أغلب كتابها هم من كبار الأدباء والشعراء والمفكّرين الذين رأوا الحياة بعين الفرد العادي وبعين المبدع الخلاّق، بعين الفيلسوف المفكر والفنّان الحلم، بعين السياسي الفاعل والعامل البناء، فكانت حياتهم نضالا فكريا وسياسيا وعلميا وعمليا جعل من سير حياتهم مناهج ينبغي على الناشئة أن يتمثلوا بها في حياتهم، وأن يأخذوا منها العبر والدروس.  

    والسّيرة الذّاتيّة تُكتب مرّة واحدة لا تتكرّر ولذلك يكون النصّ السير ذاتي عند صاحبه الّذي كتبه وكان في الوقت نفسه موضوعا له نصّا مهمّا في حياته الأدبيّة والاجتماعيّة، بوساطته يتوّج تجربة حياة، وهو يعلم أنّه لن يعود إليها مرّة أخرى. لأنّ الحياة قد لا تسعفه بالوقت الكافي ليعيد كتابة سيرة حياته الشّخصيّة وإن أسعفته فإنّ ما أراد أن يقوله قد قاله.

   والسيرة الذاتية تجربة إبداعية فريدة، ذلك أنّ المبدع في هذه الوضعيّة يتعرّى أمام نفسه وأمام الآخرين ليقول ما كان يخفيه في صدره زمنا طويلا.

     إنّ فعل الكتابة في هذا الجنس الأدبي هو فعل استحضار للذّكريات واستعادة لماض بعيد وهو فعل عسير ولكنّه يبعث ضربا من اللذّة الفنيّة لا يتوفّر في مجالات إبداعيّة أخرى، في هذا الجنس الأدبي يعيش المؤلّف لحظتين زمنيتين، لحظة الحاضر بكل تفاعلاته، ولحظة الماضي بكل ذكرياته، لحظة الشيخوخة والعجز واقتراب الرحيل، ولحظة الفتوة والشباب الغائبين، ولكن في كلا اللحظتين انفعال نفسي يربط بين الكاتب والقاريء.

   وانطلاقا من هذا التفاعل بين الذات والزمن والقاريء تنشأ السيرة الذاتية التي لا يمكن أن تتوقف عند مجرد سرد لأحداث الماضي أو استحضار لذكريات الطفولة والشباب وذكريات العمر، بل هي بحث عن معنى جديد لوجود الكاتب من خلال التفاعل  بين الذات والكتابة.

  وهذا التفاعل المتبادل بين هذه الأطراف المتعددة (الذات/الزمن/الكتابة/القاريء)يعطي السيرة الذاتية مجالا واسعا للتعبير تتعدد فيه الموضوعات وتتنوع فتجعل من السيرة الذاتية نصا مفتوحا على القراءة والتأويل.

  والسير الذاتية التي اتخذتها هذه الدراسة مجالا للتحليل هي :

   *  الأيام لطه حسين:كانت في البداية مجموعة مقالات نشرت في مجلة الهلال بين عامي 1926 و1927، ثم جمعت ونشرت في الجزء الأول عام 1929 صور فيه صباه حتى سن الثالثة عشرة، ثم نشر الجزء الثاني في العام نفسه صور فيه صدر شبابه وحياته في الربع مع طلاب الأزهر وشيوخه. وقد كتب طه حسين مذكراته في عشرين مقالا في جريدة آخر ساعة وجمعت ونشرت عام 1967.

  * سبعون لميخائيل نعيمة:وتحمل سيرة السنوات السبعين التي عاشها منذ 1889 إلى غاية 1959 في ثلاثة أجزاء تمثل مراحل حياته، تمتد المرحلة الأولى بين(1889- 1911)والثانية بين (1911-1932)والثالثة بين(1932-1959).

  * خارج المكان لإدوارد سعيد:وهي سيرة حياة مليئة بالمتناقضات، كتبها صاحبها كما يقول في حياض الموت بعد أن أصيب بمرض عضال لا شفاء منه، وقد نشرت باللغة الإنجليزية، ثم العربية.

 * الخبز الحافي لمحمد شكري:عبرت هذه السيرة الذاتية الروائية  كما سماها صاحبها  عن الوضعية الاجتماعية الصعبة التي يعيشها المجتمع المغربي وإدراك الكاتب لذاته منذ الطفولة وسط هذه الوضعية.

   وهذه النصوص مثلت فن السيرة الذاتية العربية عبر مسيرتها الطويلة بداية بكتاب"الأيام"لطه حسين ومرورا بمرحلة المهجر مع إيليا أبي ماضي، وصولا إلى الأدب الفلسطيني في المنفى مع إدوارد سعيد، وانتهاء بالخبز الحافي وتأثير الفقر للمغربي محمد شكري.

   هذه المجالات الأربع التي أثّرت في نشأة كتّاب السيرة الذاتية العربية، وأثّرت في تطوّر هذا الفن.

1-مفهوم السير الذاتية وعلاقتها بالرواية:

      أصبحت السيرة الذاتية فنا من فنون الخطاب المعاصر له أسسه الفنية والإجرائية التي تلتقي في بعض جزئياتها مع الفنون الخطاب الأخرى كالرواية مثلا، ولكنها تحمل خصوصية تجعل منها كيانا مستقلا يستحق الدراسة والتحليل. 

أ-ماهية السيرة الذاتية:

      جاء في  ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻌﺭب: السير: الذهاب، سار يسير سيرا وتسيارا ومسيرة وسيرورة ... والتسيار تفعال من السير وسايره أي جاراه فتسايرا وبينهما مسيرة يوم وسيره من بلده: اخرجه واجلاه وسيرت الجل عن ظهر الدابة: نزعه عنه والسيرة: الضرب من السير، والسيرة: الكثير السير. والسيرة: السنة، والطريقة يقال: سار بهم سيرة حسنة، والسيرة: الهيئة، وفي التنزيل العزيز: "سنعيدها سيرتها الاولى"، وسير سيرة: يحدث احاديث الاوائل1

وجاء في القاموس المحيط: السير: الذهاب كالمسير والتسيار والمسيرة والسيرورة والسيرة: الضرب من السير، والسيرة بالكسر: السنة والطريقة والهيئة2

     والسيرة في تعريفها العام بحث يستعرض فيه الكاتب حياته احد المشاهير، مبرزا من خلاله المنجزات التي تحققت في مسيرة حياته او حياة المتحدث عنه3

اما فقن السيرة في التعريف الادبي فهو نوع من الادب يجمع بين التحري التاريخي والاتباع القصصي، ويراد به درس حياة فرد من الافراد ورسم صورة دقيقة لشخصيته وقد ظهر مصطلح سيرة ذاتية الى حيز الوجود لاول مرة، في القرن التاسع عشر، في معجم اوكسفورد الانجليزي الذي يرجع تاريخه الى عام 1809م ذالك في مقال لـ "روبرت ساوثي"عن حياة المصور البرتغالي "فرانسيسكوا فييريرا"4

     والسيرة الذاتية هي"أن يكتب المرء بنفسه تاريخ نفسه، فيسجل حوادثه وأخباره، ويسرد أعماله وآثاره، ويذكر أيام طفولته وشبابه وكهولته وما جرى له فيها من أحداث"5

    ولكن هل يمكن أن نعتبر السّيرة الذّاتيّة جنسا أدبيّا مستقلاّ وقائما بذاته؟. فمنذ سنة 1970أعلن جون ستاروبنسكي(Jean Starobinski)أنّه "ينبغي أن نتجنّب الحديث عن أسلوب أو حتّى عن شكل مرتبطين بالسّيرة الذّاتية، إذ لا وجود في هذه الحالة لأسلوب أو لشكل ينبغي الالتزام بهما"6، ومع ذلك سعى منظروا الأدب إلى رسم هذه الحدود الفاصلة بين السّيرة الذّاتيّة والأجناس السرديّة القريبة.

    وقد اختصّ الإنشائي الفرنسي فيليب لوجون(Philippe Lejeune)في البحث في السّيرة الذّاتيّة فقد أصدر كتابه"الميثاق السير الذّاتي(Le Pact autobiographique)عام 1975 وكان من قبل قد أصدر مؤلّفه الهام"السّيرة الذاتيّة في فرنسا (autobiographieen France  L')عام 1971 ثمّ أصدر كتابين آخرين هما أنا هو آخر(Je est un autre)عام 1980 و"أنا أيضا" (Moi aussi)عام 1986 7.  وقد عرّب المغربي(عمر حلي)فصلين من كتاب"الميثاق السير ذّاتي". وهما (الميثاق السير ذّاتي)و(السيرة الذاتيّة والتّاريخ الأدبي)وأصدرهما في كتاب عنوانه (السّيرة الذاتية –الميثاق والتاريخ الأدبي)، لكنّ فضل (فيليب لوجون)إلى جانب الجهد العلمي الّذي بذله يتمثّل في أنّه خرج بتعريف علمي للسيرة الذّاتيّة مفاده أنّها"حكي استيعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاصّ وذلك عندما يركّز على حياته الفرديّة وعلى تاريخ شخصيّته بصفة خاصّة"8

   ومهما كان الأمر فإنّنا نعتقد أنّ السّيرة الذّاتيّة باعتبارها جنسا حديثا مفهوما ومصطلحا لم يتعاطها العرب إلاّ في عشرينات القرن العشرين ويعدّ كتاب"الأيّام"لطه حسين النصّ الأدبي الأوّل المتمثّل لمفهوم السّيرة الذّاتيّة. فقد كان إلمامه بالثّقافة الغربيّة ولا سيّما الثقافة الفرنسيّة عاملا مساعدا على تأليف النص.ّ وعلى العموم فقد تأثرت السيرة الذاتية العربية الحديثة"بالدراسات النقدية للنصوص، والنظريات النفسية والبيولوجية، وأصبح أكثرها أقرب إلى المظهر العلمي منه إلى المظهر الأدبي، وقلت الرغبة في تأريخ الحياة نفسها، وأصبح الحديث عن الأشخاص تأريخا لآرائهم إن كانوا أدباء، أو توضيحا لدورهم السياسي وعلاقاتهم الاجتماعية"9.

    وفي الختام "يلاحظ جورج ماي أن السيرة الذاتية جنس حديث وربما كانت حداثته في أصل الخلاف الملحوظ بين الباحثين والمهتمين الأوربيين حول إيجاد تعريف للكتابات التي قد تدخل في معنى الجنس السير ذاتي، وتراه يؤكد أن الاهتمام المتزايد بالكتابات الذاتية ورسوخ تقليدها الثقافية عبر الزمن هو الذي يحمل القاريء عادة على القبول بالخصائص المكونة التي ساهمت في ظهورها وتطورها"10

   فالسيرة الذاتية هي خطاب إبداعي جديد موضوعه الذات الساردة نشأ في أحضان الأدب الأوربي، وقد بدأت بوادر انتقاله إلى الأدب العربي مع الرواد الأوائل الذين اتصلوا بالأدب الغربي، وهو اليوم يحاول ترسيخ وجوده في الأدب العربي.  

ب-السيرة الذاتية والرواية:كانت بداية الرواية سيرا ذاتية مثلت حياة أصحابها في أشكال أدبية هامة تعود إلى العصور القديمة كما يوضح ذلك(باختيين)، وتظلّ العلاقة بين السّيرة الذّاتيّة والرّواية أكثر التباسا فكثيرا ما ننظر إلى الرّواية على أنّها في وجه من وجوهها جنس سير ذاتيّ. وظهرت أجناس وسيطة بين الرّواية والسّيرة الذّاتيّة شأن رواية السّيرة الذّاتيّة(roman autobiographique)والسّيرة الذّاتيّة الرّوائيّة (romanciéeautobiographie).

    وهي جميعها توظّف أساليب سرديّة متشابهة سعى منظّروا الأدب إلى البحث عن الحدود الفاصلة للتّمييز بينها. ويظلّ ميثاق القراءة المعيار الأساسي للتّمييز بين الرّواية والسّيرة الذّاتيّة فالميثاق الروائي يظهر في لبوس الخيال ويظهر الميثاق السير الذّاتي في لبوس الحقيقة11تتأتّى كلّ الإشكاليات والقضايا الّتي تطرحها السّيرة الذّاتيّة باعتبارها جنسا قائما بذاته ذا إنشائيّة خاصّة من حداثة هذا الجنس في الأدب العالمي. فهو باعتباره جنسا سرديّا قد ظهر بعد الرّواية وبالتّالي قد استفاد من إنجازات الرّواية الفنيّة استفادة كبيرة ممّا أحدث تداخلا بين الجنسين بلغ حدّ الالتباس لدى بعض كتّاب السّيرة الذاتية وهو جنس أدبيّ ارتبط بالثّقافة الغربيّة، بل قل إنّه نتاجها وثمرتها رغم النّصوص التّراثيّة الّتي يشير إليها بعض الدّارسين العرب بحثا عن أصول عربيّة إسلاميّة لهذا الجنس الأدبي المستحدث12.

 وهناك ملاحظتان أساسيتان يمكن تقديمهما حول بنية الرواية وبنية السيرة الذاتية:

-السيرة الذاتية بنية مغلقة ومنتهية، لأنها تنتهي مع حياة كتابها، وبهذا فهي لا تمتد في المستقبل وتلغي كل بعد في هذا الاتجاه، ومن حيث البناء فهي تشبه الأسطورة والملحمة.

-أما الرواية فتبدو بنيتها منفتحة على كل الأزمنة فهي تصور حياة متطورة ونامية ويشهد القاريء أهم اللحظات في حياة الشخص وهي تتطور أمامه على صفحات الكتاب.

* من هنا نلاحظ أن السيرة الذاتية تحاول كبح وتيرة تطور الشخصية في حين أن الرواية الجديدة /الحديثة مالت إلى محاكاة "الأنا"ووضعه موضع تساؤل، وفي بعض الأحيان إلى تشييئه.13

   وقد حفل أدبنا العربي الحديث بالسير الذاتية المصوغة في قالب روائي"توسع الكُتَّاب في إفراغ أزماتهم النفسية والفكرية والعاطفية في هذا القالب الذي يتطلب من الكاتب براعة فنية قد لا تتاح لكثير من الكتاب، إذ يمزج الكاتب هنا الحقيقة التاريخية المتعلقة بحياته بالصياغة الفنية المستعملة في الرواية"14

2-السير الذاتية وفعل إدراك الذات:

      السيرة الذاتية تختلف عن باقي الفنون الأدبية في ارتباطها المعلن عنه بالذات (صاحب العمل)ارتباطا وثيقا، فالقاريء يدخل عالم السيرة الذاتية وهو يعلم أن مدار الحديث سيكون عن هذا الأنا الحقيقي دون ريب حتى ولو ظهر في السيرة غائبا أو بضمير الغائب، أو حاول الكاتب أن يوهم القاريء أن المسرود عنه قد يكون بعيدا عن هذه الذات التي بتمثلها القاريء في مخيلته.

    ولكن إذا كان القاريء متأكدا أن الأنا في السيرة هو نفسه الكاتب، فإن الكاتب لا يستطيع الجزم بأن من في السيرة الذاتية يعبر عنه لأن الحديث عن الذات وعن أحداثها الماضية وما عرفته في مسيرتها الطويلة من الصعوبة بمكان ولأن معرفة الذات تتطلب إدراكا لهذه الذات ومعرفة حقيقية لها وإدراكا بما يحيط بها من زمان ومكان وأنا ظاهرة وأنا خفية إدراكا بالوجود وبالدور في الحياة.

أ-مفهوم الإدراك:

      يعرفه أندريه لالاند(LALANDEA_)في معجمه الفلسفي بأنه"الفعل الذي ينظم به الفرد إحساسا ته الحاضرة مباشرة ويفسرها ويكملها بصور وذكريات ومبعدا عنها بقدر الإمكان طابعها الانفعالي أو الحركي مقابلا نفسه بشيء يحكم عليه تلقائيا بأنه متميز عنه وواقعي ومعروف لديه"15.

   والفرق بين الإحساس والإدراك أن الأول يحدث نتيجة تنبيه الخلايا الحسية، أما الإدراك فهو الوظيفة العقلية التي تعطي لهذه الإحساسات صورتها المتميزة ومعناها الخاص، وتشارك في الإدراك مختلف الوظائف العقلية كالذاكرة والتخيلوالإرادة وغيرها، ولذلك فالإدراك عملية عقلية بالغة التعقيد

ب-أنواع الإدراك الذاتي:

    يشعر الإنسان في مراحل حياته الأولى بذاته من خلال جسمه وحاسة اللمس لديه ومداعبة الأم له دون أن يشعر بنفسه داخليا إذ يحتاج إلى فترة أطول ليدرك خلجاته النفسية وتتكون لديه الأحلام، وتصبح لديه القدرة على التخيل، ويحتاج إلى فترة أطول قد توازي مرحلة الإدراك النفسي ليدرك موقعه داخل المجتمع الذي يعيش فيه.  لذلك فكل إنسان يمر بثلاثة أنواع من الإدراك هي: 

١-الإدراك الجسماني:لكل فرد ميزته الخاصة التي تميزه عن باقي الأفراد وتتعلق بأبعاد الجسم من طول أو قصر ة قوة أو ضعف وصحة أو مرض، إلى جانب ملامح الوجه الخاصة. والعلاقة بين الجسم والذات علاقة تأثير متبادل وعن هذا التأثير ينتج السلوك الفردي.

۲-الإدراك النفسي:يمثل الجانب النفسي إدراكنا لذاتنا وإدراكنا لحياتنا النفسية المستمرة، وبقدر ما تتأكد وتثبت الهوية النفسية بقدر ما تتأكد ذاتنا، وهي هوية مرتبطة باستمرار الذكريات وتداخلها، وبناء على ذلك يكون سلوكنا مرتبطا بواقعنا النفسي الذي عشناه وبذكرياتنا، وبمعنى آخر بماضينا الفردي الخاص. 

٣-الإدراك الاجتماعي:إذا كانت الذات تتكون من الجانب الجسمي والجانب النفسي اللذين يجب إدراكهما وإدراك علاقة الذات بهما، فالجانب الاجتماعي رغم أنه خارج عن الذات إلاّ أنه أحد مكوناتها الأساسية التي لا تتم إلاّ بها، وبالتالي وجب إدراك علاقة الذات بالمجتمع وهو إدراك وجودي بالقالب الاجتماعي المكون من الأسرة والمدرسة والحي والمدينة ومكان العمل وغيرها.

ج-مراحل إدراك الذات:

 لا يدرك الإنسان ذاته ووجوده في هذه الحياة دفعة واحدة بل يمر بعدة مراحل تتطور تبعا لنموه الجسمي والعقلي والتخييلي، وتبعا لعلاقاته الاجتماعية والإنسانية مع أقرانه من بني البشر، وهذا الإدراك لا يتساوى بالشكل نفسه عند جميع البشر، فالإنسان العادي لا يمكن أن يدرك ذاته بالشكل الذي يتأتى للمفكرين والعلماء والأدباء، فهؤلاء ملكوا تجربة في الحياة تفوق ما لغيرهم وبالتالي ففهمهم لمواقعهم في الحياة ودورهم في الوجود هو أعمق من غيرهم، وعملية إدراك الذات عملية معقدة تبدأ منذ الطفولة المبكرة وتتطور مع نمو الإنسان، وتمر بمراحل ثلاث هي: 

١-مرحلة اللاتمايز:وهي المرحلة التي تلي الولادة والأشهر الأولى من حياة الشخص، ويكون إدراك الرضيع لذاته في هذه المرحلة محصورا بين الإحساسات السطحية التي لا ترقى إلى مستوى الأنا الذي يدرك مصدر وحقيقة هذه الإحساسات، ويسمي بياجيه  Piagetهذهالمرحلةبـ "مرحلة عدم التمييز المطلق بين الأنا والمحيط"16   

۲-مرحلة الأنا الجسماني:الملاحظ أن تبلور إدراك الأنا الجسماني يخضع لمدى نضج المراكز العصبية بحيث يصبح الإنسان قادرا علي الربط بين مختلف الإحساسات وعلي توجيه حركاته الإرادية التي كان عاجزا عن ضبطها من قبل.

٣-مرحلة الشعور بالذات:وهي مرحلة متطورة من الوعي والإدراك بوجود الذات حيث يدرك الإنسان أنه إضافة ألي حياته الخارجية فهو يمتلك حياة داخلية أغنى بكثير، بل هي عالم من الإدراكات المتنوعة للذات الواحدة وفيها يعتمد علي الخيال والذاكرة والأحلام وغيرها.

د-إدراك الزمان والمكان:

     إضافة إلى الإدراك الجسماني والنفسي والاجتماعي، يدرك الإنسان بشكل متفاوت وفي مراحل متعددة من حياته أمرين هامين متعلقين بوجوده هما الزمان والمكان، فالزمان يحمل سمات الحركة والتغير والديمومة والسيرورة، ويحمل سمات الموت وحتمية النهاية، أما المكان فيدل على التملك والحضور والاتساع والجمال، وكل من الزمان والمكان يحملان دلالة الوجود، وعلاقة الزمان والمكان بالذات تتحدد بإدراكهماوسنقدم الزمان على المكان رغم أن إدراك الإنسان يبدأ بوجوده المكاني قبل وجوده الزماني، ولكن علاقة الزمان بالذاكرة وعلاقة هذه الأخيرة بالسيرة الذاتية –كما سيظهر في فصل لاحق -استوجبت هذا التقديم: 

١-إدراك الزمان أو التعاقب:يقول بول فريز Paul frays"عندما يلاحظ الإنسان أنه يعيش في الزمان فإنه يؤكد ببساطة أنه رهن لمختلف التغيرات، وليست سيكولوجيا الزمان سوى دراسة جميع السلوكيات المتعلقة بالتغير...  والتغيرات التي نتحدث عنها مثل ما هي تغيرات الوسط الفيزيائي والاجتماعي الذي نعيش فيه هي أيضا تغيرات عضويتنا "17.

     بمعنى أن إدراك الزمان لا يكون إلا في الحالات التي يحدث فيها تغير أو ما يسمى عند الرياضيين بالتعاقب، فإدراك الأشياء الثابتة يكون من حيث تحديدُ أبعادها، أما إدراك الذات فيكون من حيث التعاقب والحركة.

     أما في السيرة الذاتية فزمن الأحداث مختلف عن زمن الكتابة فزمن المقام هو الحاضر وزمن الأحداث هو الماضي الممتدّ في الزّمان. ولذلك إذا أردنا أن نحدّد ما نسمّيه بزمن المقام السّردي فيمكن أن نلاحظ أنّ السّارد (المؤلّف)لا يمكنه أن يحكي ويروي إلاّ بواسطة زمنين هما الماضي أو الحاضر. لأنّ السّرد لا يكون إلاّ لاحقا للمقام ومتواقتا معه. وهي ملاحظة عامّة تهمّ كلّ الكتابات السّرديّة التي هي من قبيل السّيرة الذّاتية18.

۲-إدراك المكان:إذا كان إدراك الزمان هو إدراك للتعاقب والتغير من حول الذات، فإن إدراك المكان هو إدراك للذات نفسها داخل الحيز والفضاء اللذين يحيطان بها واللذين يتميزان بالثبات أو لنقل بالتغير البطيء الذي لا يلاحظ بسهولة، وبالتالي فإدراك المتغير أسهل من إدراك الثابت.

   والمكان يتميز بالامتداد أي أنه يمتد في حيز معين يمكن للإنسان ملاحظة وجوده"فجميع الأشياء الموجودة بجميع خصائصها ومميزاتها ندركها في هذا الإطار الذي يبدو على نحو امتداد، ويعني هذا أننا أثناء إدراكنا للعالم الخارجي الموضوعي نقابل بين ذاتنا والعالم الخارجي الموضوعي، فكأن ذاتنا منفصلة عن الأشياء الممتدة في المكان"

   ولكن المنهج الظاهراتي لا يقبل بفكرة أن الزمان متغير وأن المكان ثابت فهوسرل (HUSREL)يرى أن"إدراكنا للأشياء ليس إدراكا ثابتا فالثابت هو الأشياء نفسها، فالأشياء موجودات مادية لها طبيعتها الثابتة سواء كنا مدركين لها أم لم نكن، بيد أن إدراكنا الذي يتألف من شعورنا الراهن بإدراك شيء ما لا يلبث أن يتغير وتبعا لذلك يتغير الإدراك المتألف من هذا الشعور نفسه... فأنا أرى بال انقطاع هذه الطاولة، سوف أخرج وأغير مكاني ويبقى عندي بلا انقطاع شعور بالوجود الجسمي لطاولة واحدة هي نفسها لطاولة هي في ذاتها لم تتغير، إن إدراكي لها لاما فتيء يتنوع، إنه مجموعة متتابعة من الإدراكات المتغيرة"19.

ه-إدراك الذات في السيرة الذاتية بين الأنا الوجودي والأنا التلفظي :الذات في السيرة الذاتية لها حضور فاعل على مستويات النص السير ذاتي السطحية والعميقة جميعا، ولا يجدر بالعملية النقدية أن تغفل هذا الجانب لأن أهميته في التحليل أساسية إذا ما علمنا أن مركز النصوص السير ذاتية على خلاف النصوص الإبداعية الأخرى هو الذات"فالمتكلم في السيرة الذاتية يتمثل حضوره ككاتب، لأنه يقوم بفعل النطق والصياغة ويستحضر في الآن نفسه حضوره الآخر، أناه المتعدد الأبعاد والمستويات، وهي تنهض كعلامة على الوجود والتطور والفعل من خلال التطورات والأحداث والسياقات المروية"20

   والذات في السيرة الذاتية عادة ما تنقسم إلى ذات مصدرها الوجود الفعلي للكاتب أو حتى لبطل السيرة الذاتية، وتنقسم كذلك إلى ذات تلفظية مصدرها النص ذاته لا الواقع الوجودي، وهذا التعدد في أشكال الذات لا يعني الانفصال بينها، بل هي متكاملة.


١-الأنا الوجودي:فالأنا الوجودي"يتضمن الإحساس بالكينونة والصيرورة في الوقت نفسه"21، بمعنى أنه المعبر عن القيم الذاتية المتعلقة بالذات ككائن وجودي له خصوصيته الفردية المتعلقة بأزمنة وأمكنة وأحداث معينة تتحول وفق صيرورة الحياة من شكل إلى شكل آخر.

   "غير أن هذا الوضع الوجودي يبدو صامتا أو هو لا يستظهر واقعه وتحولاته إلا من خلال وضع آخر يمكن تسميته بالوضع التلفظي(الأنا التلفظي)، أي من خلال اللغة نحوا وتركيبا"22.

    ومن الأسباب التي جعلت كثيراً من نقاد السيرة الذاتية ينهجون منهج البحث عن الذات هو ضمير المتكلم الذي يوحي بالتطابق بين المؤلف وبطل السيرة، وهي تقنية سردية يوظفها كتّاب السيرة الذاتية لإكساب نصوصهم مصداقية وواقعية من خلال الإيهام بأن النص يروي سيرة الراوي  البطل، لكن بعض النقاد لا يدركون أو يتجاهلون الفرق بين أن تكون السيرة الذاتية المروية بضمير المتكلم سيرة للبطل وبين أن تكون سيرة للمؤلف.

    ولكن حضور الذات في دلالتها على الفردانية هو –كذلك-أمر له أهميته إذا ما علمنا"أن امتلاك ضمير الأنا المتكلم للتعبير عن الوجود الفردي ليس صيغة نحوية للدلالة على الحضور وقت النطق فقط، كما لا يمكن النظر إليه كمقولة تقوم بوظيفة التواصل على مستوى التلفظ حصرا، بل هو كذلك وعي بالتشكل المعنوي الذي يضفي على الذات صفات خاصة ليست لغيرها وإحساسا بالتميز لا يشاكله التباس، وهوية مستقلة تتأسس على الفرادة المصطفاة بين الجواهر الفردية الأخرى"23.

۲-الأنا التلفظي:أما علي المستوى اللساني  نلاحظ توحد الدال بالمدلول والذات بالموضوع فالأنا هو دال ومدلول في الوقت نفسه فإذا أخذنا الملفوظ التالي"أجري"فإننا نلاحظ أنه يمكن تحليله من مستويين:الأنا يحكي ثم الأنا يقوم بفعل الجري، أي أن البطل يقوم بالفعل والراوي يحكيه، والسيرة الذاتية تجمع بين البطل والراوي من خلال الجمع بين وظيفتيهما داخل النص:

-البطل=الأنا الفاعلة التي تقوم ببناء شفرة النص

-الراوي=الأنا الموضوع ودورها فك هذه الشفرة

Pour citer ce document

حسين ترّوش, «السيرة الذاتية العربية بين فعل الكتابة وفعل إدراك الذات»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 16 ديسمبر 2012N°16 Décembre 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-12-10,
mis a jour le : 06/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=693.