مجتمع بلاد المغرب في نهاية التاريخ القديم
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 16 ديسمبر 2012 N°16 Décembre 2012

مجتمع بلاد المغرب في نهاية التاريخ القديم

يوسف عيبش
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على طبيعة البناء الاجتماعي لبلاد المغرب عشية الفتوحات الاسلامية، وذلك من خلال مساءلة المصادر التاريخية والأثرية، أولا حول درجة حضور العنصر البيزنطي ومدى تفاعله مع المجتمع المغربي، وثانيا مكانة المور أو العنصر المحلي من تطورات نهاية التاريخ القديم.


L'étude en question tente d'éclairer une phase importante de l'histoire du Maghreb, qui est l'antiquité tardive. En questionnant les sources historiques et archeologiques sur cette présence 'Byzantine', son integration dans la société maghrebine. Ainsi que la position des Maures dans cette période de transition.

عن أي مجتمع نتحدث؟

تطرح دراسة الأوضاع الاجتماعية لبلاد المغرب في نهاية التاريخ القديم صعوبة من نوع خاص، ففضلا عن عقم المصادر وعدم عنايتها بطبيعة المجتمع وأصنافه، تطرح المصادر التشريعية التي طالما شكلت مادة مرجعية جد هامة بالنسبة لهذا الموضوع، خاصة في الفترة الرومانية، صعوبة أخرى في ضبط وتحديد الظواهر الاجتماعية، بإعتبارها إعتنت بإعادة تنظيم هياكل الإدارة أكثر من أي أمر آخر. وبالرغم من كون النظام البيزنطيقدأعتمد في تشريعاته على القوانين الرومانية بإعتباره الوريث الشرعي لها، الأمر الذي يحعل بديهيا أننبحث عن تحديد الوضعيات الاجتماعية والشخصية في ضوء نفس القوانين التي ظلت تضبط وضعية الفرد داخل المجتمع. فإن خصوصية المقاطعة الإفريقية بعد تقهقر الإدارة المركزية وما عقبهانتيجة الاحتلال الوندالي، قد ترتب عنها نوع من الغموضوالإضطراب،فبات من الصعب تصنيفهذه الفئات الاجتماعية وفقاللمقاييس القانونية. كما إتضح أن هذه التشريعات لم تصنف سوى من يعترف بهم القانون ضمن الأطر الإدارية. وأن ضعف الإدارة المركزية وبعد مسافتها قد جعلها تحاول التأقلم مع الواقع المغربي بتوظيف حلول ميدانية وإستحداث مواقف آنية. وبالتالي فالغموض الكبير يعود إلى كون هذه التشريعات قد ظلت تستند إلى الموروثالقانوني الروماني، في مواجهة أوضاع مستجدة. ورغم أنالنصوص الإمبراطورية المتعلقة بكيفيات جمع الضرائب، تسمح بتحديد عدد من شرائح المجتمع، إلا أنها تظل غير كافية لرسم صورة حقيقية للمجتمع الإفريقي خلال فترة الإحتلال البيزنطي.لكونها كانت تقتصر على شرائح محددة دون أخرى، رغم أن المصادر الأدبية قد سمحت بالوقوف على مكانتها في المجتمع.

كما نجد أنفسنا أمام إشكالية أخرى عند معالجة هذا الموضوع: هل يمكن تصنيف الأهالي من بين الفئات الاجتماعية التي عايشت الكيان البيزنطي؟أمأن صيرورة هذه القبائل ظلت تخضع لمنطق البدواة والتنقل؟وأن حركيتها قد ظلت خارج دائرة التاريخ[i]؟هل تسمح نماذج الإمارات المورية برصد صورة نموذجية لهذا المجتمع، أم يمكن القول أن صورة الثائر في الأدبيات المسيحية واللاتينية ليست في واقع الأمر إلا تكريس لصورة يوغرطة أوتكفاريناس دون الوقوف على خصوصيات المرحلة في الزمن والجغرافيا؟

وبالتالي فرغم الأهمية السياسية التي أعطتهاالقسطنطينية لإفريقيا الشمالية،يبدوأنواقع المقاطعة الإفريقية، قد ظلت تتجاذبه مؤثرات اجتماعية واقتصادية داخلية أكثر فاعلية، فقد تجلى في متاسبات كثيرة هشاشة الإدارة ميدانيا بالمقارنة مع شعاراتها الدعائية[ii]. وبالنظر إلى حجمها أصلا في بلاد المغرب، من الناحية العددية، وإلى التركيبة البشرية المشرقية التي كانت تسير الشؤون الإفريقية والتي لم تكن سوى أقلية محدودة[iii]،وإقتصارها على الهياكل العليا للإدارة العسكرية والمدنية[iv]وإرتكاز الإدارة المحلية في أيدي أفارقة، سواء كانوا ملاكين أورجال الكنيسة[v]. فنحن نتساءل عن إمكانية إستمرار نفس الهيكلة الاجتماعية التي كانت سائدة خلال نهاية الفترة الرومانية؟بل ما مكانة مصطلح إفريقية البيزنطية إذن من هذا الواقع الاجتماعي؟هل أصبحت حقا بيزنطية في هيكلتها الاجتماعية، أم أنها فعلا قد كشفت عن مغربيتها أكثر من وقت آخر؟

وعموما تبرز المصادر الأفارقة عشية الحملة البيزنطية، كعنصر أساسي في تفاعلات الأحداث، فالمهاجرين منهم للقسطنطينية، كانوا لا يتوانون في التعبير عما وصلت إليها بلادهم من حالة الإضطهاد والظلم الونداليين[vi]، والمقيمين لم يبخلوا بتقديم المساعدة للجيش البيزنطي[vii]، فمثلا تحدث بروكوب عن سلوك الأفارقة عندما فتحوا أبواب قرطاج ونزعوا السلاسل من الميناء[viii]،رغم أنه سجل احتجاج مجموعة من التجار والسكان الذين يقطنون على مقربة من البحر، على عمليات السلب التي قام بها جنود بليزاريوس[ix]. وحفظت النصوص الأثرية دور عدد من الشخصيات في تشييد القلاع والحصون[x]. كما أورد كوريبوس صورا مختلفة عن هذه التركيبة التي تصرخ ألما من خطر المور[xi]. بينما أطنبت الكنيسة في الحديث عن معاناتها من الإضطهاد الوندالي[xii]. وهوما يجرنا إلى التساؤل عن التغيرات التي حبلت بها هذه "العودة"للإمبراطورية؟

التشريعات الإمبراطورية الخاصة بالحياة الاجتماعية:

ركز الإمبراطور جستنيان على حد تعبير ديلDiehlفي تشريعاته الأولى على ضرورة إرجاع الصورة الحقيقية للإدارة الرومانية بالنسبة للسكان، مثلما عرفوها في السابق[xiii]، وقد ظلت عملية التذكير بالخلفية التاريخية تتكرر في أغلبية التشريعات[xiv]، إلا أن التركيبة الاجتماعية التي ورثتها المقاطعة الإفريقية من الفترة الوندالية، لا يمكن معالجتها بهذا الحنين للعهد الروماني فقط[xv]، وهوما تؤكده تطورات الأحداث التي ميزت القرنين السادس والسابع ميلاديين[xvi]. بل يجب الإشارة إلى أن النوايا الإمبراطورية نفسها لم تكن بريئة، لأنه بمجرد أن نتجاوز النصيين الإمبراطوريين الأوليين، واللذان يبرزان الانتصار البيزنطي كنصر من الله، واللذان يؤكدان على ضرورة العناية بالمجتمع الإفريقي، فاننا نتحسس بداية تطبيق سياسة قد تكون أكثر واقعية أوحقيقية، تتعامل مع القضايا المطروحة وفقا لاستراتيجيات طبقت أيضا في المشرق[xvii].

وقد حاول العديد من الباحثين تفسير عدم  قدرةبيزنطة التحكم في منطقةبلاد المغرب_ والتي أقل ما يقال عنها أنهالم تكن تدين لها بالولاء التام_ منخلال إعتماد هياكل الإدارة المدنية على طبقة الأعيان والقساوسة[xviii]. وقد نتصور أن تقلص نفوذالمجالس المحلية وما أصبحت تعانيه من صعوبات في تسيير نطاقها، جعل من الطبيعي أن يتم اللجوء إلى فئةكبار الملاكين ورجال الكنيسةكعنصر إضافي لدعم هذه الإدارة المحلية والإشراف خاصة على عملية جباية الضرائب. إلا أن نفوذ هذه العناصر قد تضاعف أكثر بعد وفاة جستنيان سنة565،بينما ظلت الفئات الوسطى والفقيرة تعيش على هامش المؤسسة الإدارية، بل تعاني من سياستها بمرارة[xix].

وهوما أكدته لنا دراستنا لتطور الحياة العمرانية حيث تجلت مكانة القساوسة في المحيط العمراني مما كرس ارتقائهم إلى قمة الهرم الاجتماعي[xx]،في نفس الوقت الذي ظلت فيه الخلفية القانونية ترتكز على الموروث الروماني بعيدة عن معايشة الواقع الإفريقي.  ومع ذلك فقد سمحت العديد من النصوص الأثرية، رغم طابعها الرسمي، وتكريسها للفعل الإمبراطوري في عمليات تشييد القلاع والحصون، بتوفير سند إضافي لتحسس جوانب أخرى من الأوضاع الاجتماعية، خاصة في الحالات التي تسمح فيها بإحداث مقابلتها بالمصادر الأدبية[xxi].كما صدرت تشريعات بشأن الضرائب، إلا أنها لم تتطرق لبقية الجوانب المرتبطة بالحياة الاجتماعية، إلا في المقاطعات الشرقية، ورغم أنني حاولت إحداث الاسقاطات الضرورية بين هذه المقاطعات وبلاد المغرب القديم، من خلال دراسات باتلايجنPatlaegan [xxii]وكابلا Caplan [xxiii]أولومارلLemerle [xxiv]،  فيجب أن أذكر بصعوبة بل بخطورة هدا المسلك، لأنه إذا كان مصدر التشريعات هونفسه، فالموروث الاجتماعي والواقع المحلي كانا يختلفان بين منطقة وأخرى، وبالتالي فقد تفاديت الإجابة عن تساؤلاتي من خلال مصادر بعيدة عن الواقع الإفريقي.

تعاقب مراحل الصراع:

أورد بروكوب في كتابه السري أن مرحلة الاحتلال البيزنطي، زمن جستنيان وحدها قد كلفت بلاد المغرب حوالي 5مليون قتيل، بما فيهم الوندال، المور والأفارقة[xxv]. وأن مراحل الصراع ضد المملكة الوندالية من جهة، والكيانات المورية من جهة اخرى،كانا كفيلين بالت

Pour citer ce document

يوسف عيبش, «مجتمع بلاد المغرب في نهاية التاريخ القديم»

[En ligne] العدد 16 ديسمبر 2012N°16 Décembre 2012 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2013-11-06,
mis a jour le : 19/12/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=714.