المساءلة النَّقدية لأنماط العقلانية لدى أركون والجابري نموذج طه عبد الرحمن
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
09

العدد 16 ديسمبر 2012 N°16 Décembre 2012

المساءلة النَّقدية لأنماط العقلانية لدى أركون والجابري نموذج طه عبد الرحمن

عبد الرزاق بلعقروز
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

       تدور هذه المقالة حول إشكالية العقلانية في الفكر العربي المعاصر، حيث انشطر الموقف منها"أي من العقلانية"إلى اتجاهات  ثلاثة:الموقف الرّافض للعقلانية، والموقف ألانخراطي فيها، والموقف النّاقد لها، وطه عبد الرحمن كأحد الذين بلوروا مفهوما للعقلانية، وجّه نقدا للنّموذج العقلاني الذي طوّره محمد أركون، حيث بدت عقلانيته عقلانية منفصلة ومقولاتها تضرب بجذورها ضمن نسق معرفي آخر، أمّا المفهوم الذي بلوره طه عبد الرحمن فيقوم على العقلانية التَّكاملية في ملكاتها، وعلى الأساس الأخلاقي والغاية الأخلاقية كذلك في مقاصدها.

وما تهافتت دعوى مثل تهافتها بقلب دليلها عليها""

طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ص 151

Le présent article se veut un questionnement de la conception de la rationalité dans la pensée arabe contemporaine, celle-ci étant dominée par trois grand courant a savoir, le courant contestataire, le courant défenseur et le courant critique de cette rationalité. Nous tacherons aussi de montrer que les critiques élaborées par Taha Abderrahmane a l’encontre du paradigme rationaliste de Mohamed Arkoun se résume en somme sur le fait que celui-ci s’enracine dans un système épistémique étranger a la culture musulmane, e par conséquent il n’a

مُفتتح:في أن الخوض في ماهية العقل ليست مستحدثة

   ليست مسألة الخوض في العقل وماهيته وحُدُوده، بالمشكلة المُستحدثة في مسائل الفكر العربي والإسلامي المعاصر، إنما تضرب بجذورها في التراث المعرفي الإسلامي وبمختلف أنساقه وفروعه المعرفية؛ فقد حدث اختلاف في بيان ماهية العقل، بين الطَّرح الفلسفي المُتأثر بالمورث اليوناني، وبين الطَّرح المقابل الذي ينتهل من مصادر متعدّدة؛ منها ماهو فقهي؛ ومنها ما هو كلامي، ومنها ما هو عرفاني صوفي، إلا أن هذا التَّعدُّدَ يجوز لنا حَصْرُه في تحديدين للعقل هما:التَّحديد الجَوهراني الماهوي، والتَّحديد الفعّالي القَلْبيِ. ففيما يتصل بالمستوى الأول؛ ثمة هيمنة للمفهوم اليوناني للعقل على شعب المعرفة في التراث المعرفي الإسلامي المُتأثرة بنظريات العقل عند اليونان، أي القول بالدَّلالة الجوهرانية لقوى النفس الإنسانية، فهذا الكندي (ت252)يعرف العقل بأنه"جوهر بسيط مُدرك للأشياء بحقائقها"...[أما الفارابي]فإن  فعل العقل عنده"العناية بالحيوان الناطق، والتماس تبليغه أقصى مراتب الكمال، الذي للإنسان أن يبلغه وهو السَّعادة القصوى؛ وذلك بأن يعبر الإنسان في مرتبة العقل الفعال، بأن تحصل مفارقا للأجسام غير محتاج في قوامه إلى شيء آخر مما هو دونه من جسم أو مادة أو عرض"[i]

     وواضح من خلال هذه النَّماذج بماهي نماذج يتحدَّد فيها العقل في سياق الدَّلالات الجوهرانية، واضح أن المُفردات المركزية المُهيمنة هي الجوهرانية والمُفارقة وسياسية النَّفس وتجاوز البدن، فضلا عن خلع المواصفات اليونانية في قسمته إلى عقول كثيرة وتوطين نظرية فيض العقول التي جاءت من الصُّوفيات اليونانية، هذه القسمة التي تجد أصلها في تعدد الآلهة عند اليونان ملمح خطير على تداخل البعدين الديني والفلسفي في التراث المعرفي اليوناني، وغياب هذه الحقيقة عن أكثر متفلسفة العرب المتأثرين بهذه النّظرة.

وبخلاف هذه النّظرة المتأثرة بالموروث اليوناني في بيان ماهية العقل، فإن ثمة نظرة أخرى لا تنساق خلف هذه المفاهيم بقدر ما تُبصر فيها عدم مُطابقة بين مُقضيات اللّغة والمعنى القرآني للعقل، وقد طوّرت هذه الرُّؤى الدَّلالة القلبية لمفهوم العقل، وهي دلالة في مجموعها تنفي أوصاف الجسمية والصُّورية والجوهرانية عنه، وهذا قصده ابن الجوزي في كتابه"ذم الهوى" بعد أن سرد مُجمل التعريفات المُتداولة عند الناس، "كالقول بأن العقل هو "ضرب من العلوم الضّرورية". أو هو غريزة يتأتّى معها درك العلوم أو هو قوة يُفضَّل بها بين حقائق المعلومات... والتحقيق في هذا يُقال:العقل غريزة، كأنها نور يُقذَف في القلب، فيستعد لإدراك الأشياء، فيعلم جواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، ويتلمّح عواقب الأمور. وذلك النور يقل ويكثر، وإذا قوي ذلك النور قمع –بملاحظة العواقب-عاجل الهوى... وأكثر أصحابنا يقولون محله القلب، وهو مروي عن الشافعي رضي الله عنه. ودليلهم قوله تعالى"فتكون لهم قلوب يعقلون بها" (الحج 46)، وقوله (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (ق73)قالوا"المراد، لمن كان له عقل، فعبّر بالقلب عن العقل، لأنه محلّه"[ii].

     وواضح هنا في هذه الدّلالة صرف المعنى من الدلالة الجوهرانية والمفارقية والتحيُّزية إلى الفاعلية الإدراكية الخاصة بالقلب، والقلب كما يُفهم هنا، ليس هو الجانب الجسمي الصّنوبري الموجود في الجهة اليسرى من الصّدر، إنّما هو لطيفة روحانية ربّانية موصولة بعالم الأمر الإلهي. من هنا فإن مفهوم العقل كما يتحدّد في سياق الممارسة الفلسفية الإسلامية يُطلق بالإشتراك على معان متعدّدة تجمع بين:المعنى المعرفي والمعنى الأخلاقي مؤطّرين وفق مقاصد الوحي الإسلامي، وليس جوهرا مفارقا. ويبدو أن المعنى الذي يتبنّاه طه عبد الرحمن في العقل ينتهل من هذه المصادر التُّراثية التي بدورها تقبل بدلالة العقل القلبية والفاعلية، وترفض الدّلالة الجوهرانية المأخوذة من التراث اليوناني، ومن رؤية أخرى، فإن هذا الفهم القلبي للعقلانية هو الأداة التي توسّل بها طه عبد الرحمن في نقده لمفهوم العقلانية عند أركون والجابري، والذين برأيه تبنّيا المفهوم الجوهراني وما يتشعّب عنه من دلالات وأفكار.

1. مفهوم العقلانية عند طه عبد الرحمن:من مضائق التّجريدية إلى كمالات التأييدية

   إن اللاّفت للانتباه  فيما حدّث به طه عبد الرحمن عن العقلانية هو تعدُّد دَلالاتها وتكاثر مفاهيمها، وتباين تصنيفاتها، والسّبب الكامن وراء هذه المُواصفات،  المفهوم الذي يتبنّاه طه عبد الرحمن للممارسة العقلية، بما هي ممارسة لا تنطلق من اعتبار العقل جوهر ثابت قائم بالإنسان، محلّه عضو مخصوص، إنّما العقل ممارسة لا تستقل بنفسها، إنما يجوز أن تكون محلّ تقويم من غيرها، وهذا التقرير احتراز جَليّ من طه عبد الرحمن، يجد مُسوّغه في مجانبة القول بالجوهرانية أو التّشيئية أو النّظرة التَّجزيئية الني تقسّم وحدة الإنسان إلى جواهر منفصلة ومتفاضلة في القيمة، فالإقرار باستقلالية العقل وتخصيصه بالمعرفة على النّحو الذي أدخله أرسطو إلى شعب المعرفة الفلسفية اليونانية، لا يستسيغه الذّوق الطّاهائي، ذلك أن أرسطو هو من أجرى هذه الصياغة  المفهومية  للعقل وجرى نقلها إلى شعب المعرفة الإسلامية، وأُخْرجت بعض معارفها وفق هذه الصياغة المفهومية.

  يقول أرسطو في"كتاب النّفس": "ذلك أنّنا نميّز من جهة العقل الذي يُشبه الهيولي، لأنّه يصبح جميع المعقولات، ومن جهة أخرى العقل الذي يشبه العلّة الفاعلة لأنّه يُحدثها جميعا... وهذا العقلهو المُفارق اللاّمنفعل غير المُمتزج، من حيث إنه الجوهر فعل، لأن الفاعل دائما أسمى من المنفعل، والمبدأ أسمى من الهيولي... ولا نستطيع القول إن هذا العقل، يعقل تارة ولا يعقل تارة أخرى، وعندما يفارق فقط، يصبح مختلفا عمّا كان بالجوهر، وعندئذ فقط يكون خالدا وأزليا"[iii].

    إن مدار اعتراض طه عبد الرحمن على التَّحديد الماهوي للعقل، هو انغراس هذا التّحديد في التربة التّجزيئية والتّشيئية: "تشييئية لأنّها تُجمّد المُمارسة العقلانية بأن تُنزل عليها أوصاف الذّوات مثل: "التحيُّز"و"التشخُص"و"الاستقلال"و"التّحدُّد بالهوية"و"اكتساب الصّفات والأفعال"... وتجزيئية لأنّها تقسّم تجربة العاقل الانساني المُتكاملة إلى أقسام مُستقلّة ومتباينة، ذلك أن تخصيص العقل بصفة"الذّات"يجعله مُنفصلا عن أوصاف أخرى للعاقل لا تقل تحديدا لماهية الانسان كـ "العمل" و"التَّجربة"مثلا، إن لم تكن أقوى تحديدا لهذه الماهية. فلوجاز التَّسليم بـ "جوهرية العقل، فلأن يجوز التّسليم"بجوهرية"العمل و"جوهرية" التجربة أولى"[iv]. إلا أن مَقْصِدَ طه عبد الرحمن يتعدّى  هذا المستوى النّقدي، إلى المستوى البنائي أو التأسيسي، أي محاولة تطوير مفهوم آخر للعقل والعقلانية، يختلف عن المُحدّدات اليونانية قديما وتجلياتها في الثقافة الغربية حديثا، وأيضا المناحي التي تَأثّرت بفكرة جَوهرانية العقل في المعرفة الفلسفية الاسلامية. إن الدّلالة الجديدة للعقل والعقلانية هي الدّلالة الأخلاقية والتصور الفعالي لهما، بحيث يصبح العقل فعلا من الأفعال ووصف من الأوصاف على مقتضى التصور الإسلامي وليس على مُقتضى التصور اليوناني "فعلى هذا، لايعدو العقل أن يكون فعلا من الأفعال أوسلوكا من السلوكات التي يطّلع بها الإنسان على الأشياء في نفسه وأفقه، مثله في ذلك مثل البصر بالنسبة للمٌبصرات، فالبصر ليس جوهرا مُستقلا بنفسه، وإنّما هو فعل معلول للعين، فكذاك العقل هو فعل معلول لذات حقيقية، وهذه الذّات التي تميّز بها الإنسان في نطاق الممارسة الفكرية الإسلامية العربية، ألا وهي القلب؛ فالعقل للقلب كالبصر للعين"[v]. ولا يخفى علينا هنا، أن الرُّؤية الإسلامية نسقا وإنتاجا فكريا، هما الموجّهتان لهذا التصور الفعالي للعقل، وبيان ذلك  رفض العُلماء المسلمين التصوُّر الجَوْهراني للعقل واعتراضهم على مقدّماته، يقول الإمام الماوردي"وهذا القول في العقل بأنه جوهر لطيف فاسد من وجهين:

أحدهما:أن الجواهر متماثلة فلا يصحّ أن يوجب بعضها مالا يوجب سائرها.

ولو أوجب سائرها ما يوجب بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله.

والثاني:أن الجوهر يصحُّ قيامه بذاته.

     فلوكان العقل جَوهرا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فامتنع بهذين أن يكون العقل جوهرا"[vi]، ويتوكّأ الماوردي على الدّلالة اللّغوية من أجل الانتقال إلى الرؤية القرآنية التي ينبجس فيها التصوُّر الفَعّالي للعقل ورفض التصور الجوهراني"وسمّي بذلك تشبيها بعقل النّاقة، لأن العقل يمنع الانسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقل النّاقة من الشرود إذا نفرت... وقد جاءت السنة بما يؤيد هذا القول في العقل وهو ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال"العقل نور في القلب يفْرِقُ بين الحق والباطل"، وكل من نفى أن يكون العقل جوهرا، اثبت محلّه في القلب، لأن القلب محل العلوم كُلّها. قال الله تعالى"أفَلَمْ يَسِيروا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبُُ يَعْقِلوُنَ بِها" (الحج 46).

فدلّت هذه الآية على أمرين:أحدهما:أن العقل علم، والثاّني:أن محلّه القلب.

وفي قوله تعالى: "يعقلون بها"، تأويلان:أحدهما:يعملون بها، والثاني:يعتبرون بها"[vii].

وارتكازا على هذه الرؤية في النّظر إلى الأمور، يسلك طه عبد الرحمن مسلك التأسيس الأخلاقي للفاعلية الإدراكية المعرفية، رافضا في الوقت نفسه تلك الثنائية التي أدخلها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إلى حقول المعرفة الفلسفية؛ أي التفرقة بين العقل النّظري والعقل العملي، وتخصيص الأول بالوظيفة المعرفية، والثاني بالوظيفة التشريعية للأخلاق.لكن مع طه عبد الرحمن  يستحيل العقل عقولا، والفعل الإدراكي مراتب لايقيم على حال واحدة، بقدر ما يتجدّد على الدّوام ويتقلّب بغير انقطاع، ويرتقي في مراتب الكمال بقدر ما يكون متعلّقا بأفق الرُّرح، يقول طه عبد الرحمن في مقام الحديث عن مقاصده في تبنّي التصور الفعالي للعقل "وقد كان قصدي أن أبيّن كيف أن العقل ليس مرتبة واحدة، وإنّما مراتب متعددة بعضها أعقل من بعض، بحيث يكون أدناها عقلا ماكان موصولا بالرتبة الأخيرة من رُتب الحس، لأنّه ما زال يحمل بعضا من خشونته وكثافته، ويكون أعقلها جميعا ما أشرف على الرّتبة الأولى من رُتب القوة الروحية، إذ يكون قد لاح له مطلع من رقّتها ولطافتها، فانطبع به، إن كثيرا أو قليلا"[viii].  

هكذا إذن، يكون مقصود طه عبد الرحمن في تبنّيه للتصوُّر الفعالي للعقل، والتوجيه القيمي له إقرار الحقائق المتوالية:

1-التّوجيه الروحي للفعّالية العقلية، أو قوة تأثير العمل في النّظر، وأن فعل التجربة الرُّوحية أشد تأثيرا من  التّجربة الحسية، وهذا الإقرار له قيمة توجيهية تعبدية، ذلك أن العمل يخصّب الممارسة العقلية ويفتح آفاق الإدراكات الجديدة، ف"المريد لابد له من الترقيّ... وأصلها كُلّها الطّاعة والإخلاص، ويتقدّمها الإيمان ويُصاحبها، وتنشأ عنها الصّفات والأحوال ثمرات، ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التّوحيد والعرفان... لأن حصول النتائج من الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك"[ix].

2-الصّلة التَّكَاملية بين الملكات الإنسانية وإنهاء التّعارض بينها، "بحيث ليست هناك قوة حسّية خالصة ولاقوة عقلية خالصة ولاقوة روحية خالصة، بل في القوة الحسية بعض من العقل كما في القوة العقلية بعض من الرُّوح، والعكس صحيح، ففي القوة الرُّوحية من أثر العقل ما يضاهي مافي القوة العقلية من أثر الحس؛ وإذا جاز وجود هذا الاتصال بين مختلف القوى الإدراكية، جاز أن تكون التَّجربة الرُّوحية مكمّلة للنّظر العقلي، لا منقطعة عنه، ولا بالأولى مفسدة له كما زعم بعضهم عن باطل"[x].

 ولا يقتصر هذا المنظور التكاملي على الملكات الإنسانية؛ إنما يجوز خلعها فضلا عن هذه، على مصادر المعرفة لدى الإنسان، فالمعرفية الإسلامية يتكامل فيها الحس والعقل والوحي من أجل إنجاز وحدة الحقيقة، والمثال الذي نستجلي به هذه الحقيقة، نستخرجه من تا

Pour citer ce document

عبد الرزاق بلعقروز, «المساءلة النَّقدية لأنماط العقلانية لدى أركون والجابري نموذج طه عبد الرحمن»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 16 ديسمبر 2012N°16 Décembre 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-12-11,
mis a jour le : 07/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=724.