اشكالية النقل والعقل عند الصوفية
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 16 ديسمبر 2012 N°16 Décembre 2012

اشكالية النقل والعقل عند الصوفية

عبد المجيد مسالتي
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

المتصوفة متفقون على أنّ المعرفة الإلهية لا تتم بطريقة دلائل العقل ولا شواهد النقل فحسب، بل بالذوق أيضا. يبدو أن "الغزالي"باعتباره صوفيا، وفي نفس الوقت متكلما أشعريا، كانت ردة فعله خاصة، والأشاعرة عامة معاكسة لما اعتُبِرَ مبالغة من طرف المعتزلة في تبجيل وتقديم للعقل.

أما موقف "ابن عربي"من قضية العقل والنقل هو أنّ العقل محدود والنص كامل، والنص في غنى عن العقل، ولكن ليس بشكل مطلق لأن النص لا معنى له إذا لم يتلقاه عقل، كما أنه بطبيعته معقول، في حين أنّ هذا الأخير يفتقر إلى الأول.

Parmiles principes sur les quelles les mystiques s’entends, c’est que la connaissance divine, est non seulement prouvée par la raison et  argumentée par les textes religieux, mais aussi par legoût. Apparemment les propos personnels d’« el GhazalI »autant que mystique et théologien dialectique  acharite, et ceux des acharites en général, viennent à l’encontre des moutazilites qui sanctIfIentla raIson.

Tandis que les propos d’ « Ibn arabi »vis-à-vis à la question (raison et coran)montre la limitation de la  raison par apport au texte qui sont intègres, en même temps, le texte religieux peut s’en passer de la raison mais pas définitivement, car le texte n’a pas de sens si toute fois, la raison ne l’acquiert pas, Bien que ce dernier à besoin du premier « le texte ».                

 

الشائع أنّ معظم المتصوفة[i] متفقون على أنّ المعرفة الإلهية لا تتم بطريقة دلائل العقل ولا شواهد النقل فحسب، بل بالذوق، ولهذا فتجاوز النظر والبرهان مقدمة ضرورية في طريق التتلمذ كما يرى "عماد الدين الواسطي ""تـ 711هـ /1311م".وعليه فالذوق الفردي ـ لا الشرع، ولا العقل ـ هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها، معرفة الله Iوصفاته، وما يجب له. فالذوق هو الذي يُقَوِّم حقائق الأشياء، ويحكم عليها بالخيرية أو الشَّرِّية، بالحسن أو القبح، بأنها حق أو باطل[ii].ويعتبر "ابن عربي"-كما يبدو لي-  العلم الوهبي لا الكسبي جوهريا لإدراك الحقائق المطلقة، ولذلك يقول: «من لا كشف له لا علم له»[iii]. ولم يقل من لاعقل له ولا نقل له لا علم له.

وبناء على ما سبق ذكره، هل الصوفية فعلا ترفض العلوم الكسبية، وبذلك تتجاوز العقل والنقل معا، وتكتفي بأن تعرف مباشرة من مصدر العقل والنقل، ألا وهو الله Iأو ما يُعرف بالعلوم الوهبية ؟وهل هي علومٌ حقا بكل ما تحمله الكلمة ؟

يقول "الحارث المحاسبي"(170هـ،243هـ)أحد أعلام التصوف في القرن الثالث الهجري،: «لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان عقله، وجوهر العقل توفيق الله»[iv]،يعني لا يمكن أن يتم توفيق الله Iإلاّ بالعقل، الذي هو هوية الإنسان وحقيقته، إذْ أن الشيء الثابت في الإنسان والذي لا يتغير هو العقل ولذلك يعرف الإنسان عند "أرسطو"بأنه حيوان ناطق. ويقول نفس الصوفي في نفس المعنى: «واعلم أنّه ما تزيَّن أحد بزينة كالعقل، ولا لبس ثوبا أخمل من العلم، لأنه ما عرف الله إلاّ بالعقل، ولا أطيع إلاّ بالعلم »[v]. فالعقل ضروري لمعرفة الله Iكما أن طاعته لا تتم إلاَّ بالعلم، الذي يكون بالعقل. ويقول "الحارث المحاسبي"أيضا: «ومن أراد الله به خيرا وهب له العقل، وحبب إليه العلم »[vi]. لذلك كان يسميه بعض المتصوفة بعقل الهداية وفي هذا الصدد يقول "سهل التستري"200هـ-283هـ: «إنّ الله تعالى أمرهم أن يتقوه على مقدار طاقات العقول التي خصت بنور الهداية والقَبُول»[vii].

لذلك يرى "محمود قاسم"(1949)أن الصوفية اهتدوا إلى نظرية سيكولوجية حديثة عندما وصفوا العقل بأنه غريزة تنمو مع التجارب فهم يقولون: «العقل نور الغريزة، مع التجارب يزيد ويقوى بالعلم والحِلْمِ»[viii].

أما "الحكيم الترميذي""230/845- 320/932"  فيرى أن العقل يمنع النفس عن متابعة الهوى كما يمنع العقال الدابة من مرتعها ومرعاها، أما "ذو النون المصري"179هـ -245هـ"فيقول: «ما خلع الله تعالى على عبد من عبيده خلعةً أحسن من العقل، ولا قلّده قلادة أجل من العلم به»[ix]، ويرى كذلك ذو النون أنّ مفتاح العبادة الفكرة، والفكرة عن هذا العقل تكون[x].

ويعني العقل عند الصوفية كذلك البصيرة والتي لا تكون إلاّ مع الإيمان وبذلك يصبح عقل البصيرة، عقلا عن الله Iأو بصيرة عنه. ويفرق الصوفية بين العقل الغريزي أو الفطري وعقل البصيرة أو العقل عن الله I، فالأول بصير بأمر الدنيا، وُجِد لدى جميع الناس، مِنْ عمله الفطنة والكياسة، تكون عنه هداية الطبع، مَنْ حُرِم منه كان أحمقا أو مجنونا. أما العقل عن الله Iأو عقل الفطرة فهو بصيرٌ بأمر الآخرة، يوجد لدى المؤمنين دون غيرهم، تكون عنه هداية الإيمان، يتفاوت المؤمنون في درجته[xi]. والعقل الفطري إذا توفر له الإيمان والخوف تحوّل إلى عقل عن الله Iأو عقل البصيرة. فكلما زاد إيمان الصوفي أَنَالَهُ الله Iمعرفته، بمعنى أن إجابة العلم تزيد في العقل، ويضربون مثلا توضيحيا للعلاقة بين الإيمان والعقل والعلم، فالعقل مثل الفتيلة، والعلم مثل النار، والمريد مثل الزيت، فعلى قدر المريد من الله I، يعطي له النور وعلى قدر الإيمان يكتسب العقل[xii]. وفي هذا الصدد يقول حسن الشرقاوي في كتابه معجم ألفاظ الصوفية: «أنّه لا خِلاف بين الصوفية في أنّ العقل يختص بالنظر والتلقين والتمييز بين الخطأ والصواب والأمر والنهي، ولكنه قد يصيب ويخطئ حسب كماله وصدقه، أما إذا اتفق مع القلب وهو الباطن في رأيهم كان الشخص ظاهره كباطنه، عقله كقلبه، شريعته كحقيقته، فلا تمييز بينهما ولا فرق بين العقل والقلب بهذا المعنى»[xiii]. يعني أنه لا تناقض بين أدلة العقل وإيمان القلب فهما كما يقول "عبد الرزاق قسوم"(1933): «فالعقل والقلب وجهان لعملة واحدة، وهما في لقائهما أشبه ما يكونان باليدين تغسل إحداهما الأخرى»[xiv].

غير أنّ الصوفية يُبعدون العقل الفطري عن المعرفة الصوفية باعتباره ليس وسيلة أو أداة لها، بل يدَّعون أنهم يسيرون بالله Iمستدلين في ذلك بقول النبي eعن ربه، أنه قال:«لاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأَُعِيذَنَّهُ »[xv].

وسأقتصر على نموذجين من المتصوفة كذلك، وهما "أبو حامد الغزالي"، و"ابن عربي"، لأبين موقفهما من اشكالية النص والعقل.

أ-إشكالية النصوالعقل عندأبي حامد الغزالي:

إذا ذكرنا "الغزالي"دون شك لا يخطر ببالنا رجل واحد بل رجال متعددون لكل واحد قدره وقامته، "فالغزالي"الأصولي، الفقيه الحر، المتكلم إمام السنة، الفيلسوف المناهض والكاشف عما فيها من زخرف وزيف، والصوفي الزاهد[xvi]...

وما يهمنا هو "الغزالي"الصوفي وبالتحديد ما هو موقفه من إشكالية العقل والنقل؟

يعتقد أغلب الصوفية أنّ العقل الإنساني عاجزا عن إدراك كلام الله Iإلاّ إذا تفضل الله نفسه على أحِبائه، «فنظروا بنور هداية كلام الرب ـ جلَّ ذكره ـ وواضح دلائله إلى ما خفي عن الغافلين المؤثرين لأهوائهم على استيضاح كتاب ربهم[xvii]، فهتكوا بنوره حجاب كل ظلمة وكشفوا بتبيانه غطاء كل ظلالة وبدعة، لأنّه الصراط المستقيم الذي جعله الله Iللناس إماما ورضي به بينهم حاكما»[xviii]. ومن حرمه الله Iنوره ظل يتخبط في هلاكه بعقله. ومثال ذلك أنّ "سهل بن عبد الله التستري "عندما سئل عن ذات الله I، قال: «ذات موصوفة بالعلم. غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا. وهي موجودة بحقائق الإيمان من غير حد ولا حلول. وتراه العيون في العقبى ظاهرًا في ملكه وقدرته. وقد حجب سبحانه وتعالى الخلق عن معرفة كُنه ذاته،  ودلّهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والأبصار لا تدركه، ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ولا إدراك نهاية»[xix]. نلاحظ في هذا النص أنّ "التستري"يُقِر بدور العقل ولكن بشكل محدود: «غير مدركة بالإحاطة »و«من غير حد ولا حلول»مقارنةً بالإيمان الذي به نعرف الله I«فالقلوب تعرفه »وقد قال باسكال بليز"pascal balaIse"[xx]: «إننا ندرك الحقيقة لا بالعقل وحده بل بالقلب أيضا، فالقلب يدرك حقائق مطلقة ومبادئ أولى»[xxi]. فالصوفي كما يزعم،  يدرك الله Iعن طريق حدسه الصوفي الذي من خلاله ينتقل من حقائق بسيطة ـ جزئية مادية محسوسة ـ إلى حقائق مطلقة كالله والجنة والنار....

والمعرفة الصوفية تمر بثلاث مراحل متصاعدة:

1-المحاضرة: وهي حضور القلب باستلاء سلطان الذكر رغم البعد وراء الستر. 

2-المكاشفة: وهي حضوره بنعت البيان غير مفتقر في هذه الحالة إلى تأمل الدليل، وتطلب السبيل ولا مستجير من دواعي الريب ولا محجوب من نعت الغيب.

3-المشاهدة: وهي حضور الحق من غير بقاء تهمة أي شبهة، والحق على حد تعبير "القشيري"هو أن حق المشاهدة هو وجود الحق مع فقدانك أي فناؤك عمّا سواه، يقول "القشيري":«فصاحب المحاضرة مربوط بآياته، وصاحب المكاشفة مبسوط بصفاته، وصاحب المشاهدة ملقى بذاته. وصاحب المحاضرة يهديه عقله، وصاحب المكاشفة يدنيه علمه، وصاحب المشاهدة تمحوه معرفته»[xxii].

وبذلك فاليقين: «هو العلم الذي لا يداخل صاحبه ريب على مطلق العرف، ولا يطلق في وصف الحق سبحانه، لعدم التوقيف»[xxiii]. يميز الصوفية بين علم اليقين، عين اليقين وحق اليقين ـ رغم أن هذه العبارات الثلاث في اللغة الفاصل بين معانيها هو علم وعين وحق، لكن الاختلاف بينها إشارة إلى تفاوت القوة فيها، أو قل هي على ثلاث مستويات أو درجات: فعلم اليقين على موجب اصطلاح الصوفية ما كان بشرط البرهان وهو لأرباب العقول، وعين اليقين ما كان بحكم البيان أي بطريق الكشف وهو لأصحاب العلوم أي الذين ثبتت علومهم وتوالت على قلوبهم حتى استغنوا عن البرهان، وحق اليقين ما كان بنعت العيان أي بطريق المشاهدة وهو لأصحاب المعارف. وهم الذين غلب على قلوبهم ما شغلهم عن ذكر غير الله I[xxiv].

يقدم "أبو حامد الغزالي"مثالا على يقينية المعرفة الصوفية فيقول: «رجل قال لك: إنّ عندي زيد، فقد حصل لك علم أنه عندي. غير أنّ هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون قد كان عندي ثم خرج وهو ليس الآن عندي...ثم تأتي إليّ فتسمع كلامه من وراء حجاب، فقد علمت الآن أنه عندي إلاّ أنّ العلم هذا غير دقيق، لأنّ تشتبه...، ثم إنك تدخل إليّ الآن فتشهده جالسا لا حجاب بينك وبينه، فهذا هو يقين المعرفة...وهذا هو الذي عاين فقطع، فقد شهد له الرسول eبالمزيد فقال: ليس الخبر كالمعاينة[xxv] وليس المخبر كالمعاين»[xxvi].

 تُرى ما هي مراتب المعرفة بالغيب التي هي الإيمان؟

يحدد "الغزالي"ثلاث مراتب وهي: - الرتبة الأولى: إيمان العوام وهو إيمان التقليد المحض وهو لا يوصل إلى الحقيقة، قال الغزالي:«علمت أنّ كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني »[xxvii].

-المرتبة الثانية: إيمان المتكلمين ودرجته قريبة من درجة العوام كما يرى الغزالي.

-المرتبة الثالثة: إيمان العارفين، وهو المشاهد بنور الله وهي أفضل مرتبة عند الغزالي. والرؤية كدليل على أنّ هناك وسيلة للمعرفة تتجاوز الحس والعقل، فعن طريق الرؤية يمكن للنائم أن يدرك ما سيكون من الغيب، وبذلك فقد أعطى الله للإنسان خاصية النبوة. كما أن الله Iيبين أنّ التقوى مفتاح الهداية والكشف:﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾[xxviii]وقوله تعالى:  ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾[xxix] وقوله:﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾[xxx].

ويستشهد "الغزالي""بالخضر"الذي لم يكن علمه علما حسيا أو عقليا بل كان علما لَدُنِيًا[xxxi].

تأمل "الغزالي"في المحسوسات وانتهى إلى عدم التسليم باليقين فيها، ثم تأمل العقليات، وكانت نفس النتيجة الخاصة بالمحسوسات، فانهارت العقليات[xxxii].

ولكن هل هذا يعني أنَّ "الغزالي"وقف موقف سلبي من العقل، وانحاز إلى المغالين من المتصوفة؟

يبدو أن "الغزالي"باعتباره صوفيا، وفي نفس الوقت متكلما أشعريا، كانت ردة فعله خاصة، والأشاعرة عامة معاكسة لما اعتُبِرَ مبالغة من طرف المعتزلة في تبجيل وتقديم للعقل. ولذلك يرى "الغزالي"أنّ العقل مصدر العلم، به نعرف صدق الشرع ونفهمه، والى هنا يبدو لي تطابق بين "الغزالي"والمعتزلة، ولكنه يختلف عنهم لأنه يعتبر العقل محدود في إدراك الحقيقة الدينية فالله يعلم ويعلِّم ما يفوق طور العقل،﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[xxxiii]، وقوله I: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[xxxiv]. لذلك عندما تثار مشكلة دينية وجب البحث عما يعلّم الشرع أوّلاً، البحث عن الآيات، وتفهم النصوص، وأخيرا نستشهد العقل رأيه في نفس المشكلة، فإن رأى تعليم الشرع مناقضا لما يراه مستحيلا، وجب تأويل الشرع ليوافق العقل.- والتأويل عند "أبي حامد الغزالي"«هو عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز»[xxxv].-وإذا علّم الشرع ما يفوق مدارك العقل، وجب على العقل أن يذعن ويؤمن، لماذا؟لأن العقل محدود، وهناك طور وراءه وهو النبوة[xxxvi].

 من هنا نستنتج أنّ "الغزالي"يدعونا إلى الاهتداء بالشرع والعقل معا، وأنّ الذي يقتصر على أحدهما دون الآخر غبي، لن يهتدي ولن يصل إلى الحقيقة، وفي هذا المعنى يقول الغزالي:«كيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل واقتصر، وما استضاء بنور الشرع ولا استبصر؟...أو لا يعلم أن العقل قاصر وأن مجاله ضيق منحصر؟...فالمُعْرِض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمض الأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان، فالعقل مع الشرع نور على نور»[xxxvii]، يعني أنه مادامت الشمس لا تنفع في الرؤية إذا كان الفرد أعمى، كذلك الدين وحده لا ينفع دون عقلٍ، فالشمس كالدين والعين كالعقل.

ولهذا فهو يدعوكغيره من الأشاعرة إلى التوفيق بين العقل والنقل، والاستعانة بالأول مادام قادرا على إدراك نفسه وإدراك غيره، وليس هذا فحسب بل أن العقل بإمكانه إدراك الأشياء على حقيقتها إذا تخلص من غشاوة الوهم والخيال، ورغم هذه الإمكانية التي يتمتع بها العقل حسب رأي "الغزالي"، إلاّ أنه محدود عكس النقل الذي يتمتع بالقدرة على تجاوز حدود العقل[xxxviii]. وفي هذا المعنى يقول "أبو حامد الغزالي":«العقل لا يهتدي إلى تفاصيل الشرعيات، والشرع تارة يأتي بتقرير ما استقر عليه العقل وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده، وتارة بالتعليم وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد»[xxxix]. وما دام الشرع كذلك فإنه نظام كامل في الاعتقادات الصحيحة التي لا يمكن أن يتسرب إليها شك، وهو أيضا نظام الأفعال المستقيمة الدالة على مصالح الدنيا والآخرة، يعني أنّ الشرع عقيدة وشريعة كاملين ومطلقين، ومن زاغ عن الشرع فقد انحرف عن الصراط المستقيم[xl]. ولهذه الأسباب اعتبر "الغزالي"العقل والشرع فضل ورحمة من الله تعالى﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾[xli]، ويقصد بالقليل حسب راي "الغزالي"المصطفين الأخيار.

 يرى "الغزالي"أنّ في القرآن والحديث نصوصا تفيد غير معانيها الظاهرية مثل الآيات التي توهم بظاهرها تجسيم أو تشبيه ذات الله Iأو صفاته وأنّ له ما للإنسان من صفات كاليد والعين، وأنه يتحرك ويتنقل، ويجلس على العرش، وأنه كما جاء في الحديث ينزل إلى السماء الدنيا... ولذلك أجاز تأويلها، ولتجسيد هذا الغرض وضع رسالة تسمى"قانون التأويل"، كما تناول هذه المشكلة بالبحث في رسالة أخرى هي "إلجام العوام عن علم الكلام". فالعوام يجب أن يصدقوا بهذه الآيات والأحاديث مع الاعتراف بالعجز عن فهمها والتسليم فيها لأهل المعرفة القادرين على تأويلها وإدراك المراد منها، والعامة عند "الغزالي"تضم الأديب والنحوي والفقيه والمتكلم والمحدث، أو قل كل عالم عدا "المتجردين لعلم السباحة في بحار المعرفة"أي المتصوفة.

 ولهذا أظهر "الغزالي"في كتابه "المنقذ من الضلال"أنَّ الطريق السليم الموصل إلى إدراك ما تصبو إليه نفسه من كشف للحقيقة ومعرفة اليقين هو التصوف الذي يعتمد على القلب في إدراكه للحقائق الإلهية بالذوق والكشف دون البرهان العقلي. ومن هنا تكون المعرفة اليقينية والسعادة الحقيقية[xlii]. لماذا تتم هذه المعرفة عن طريق الذوق والكشف وتحصل السعادة واليقين؟لأن "الغزالي"يعتقد أنّ سلوكات الصوفية مقتبسة من نور مشكاة النبوة الذي ليس وراءه على وجه الأرض نور يستضاء به، حتى ولو جُمِعَ عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء[xliii].

إذا كان "ابن رشد"لم يخرج من العامة إلاّ الفلاسفة، فإنّ "الغزالي"لم يخرج من العامة إلاّ المتصوفة أهل الغوص في بحر المعرفة، القادرين على الوصول إلى "الدر المكنون والسر المخزون"، التي هي- أي المعاني الخفية في النصوص القرآنية والحديثية -  ليست خفية على الرسولeولا على الصحابة، بل يُلحق بهم "الغزالي"الأولياء والعلماء الراسخون، أي أن "الغزالي"أجاز التأويل يعني استخدام العقل لمن هو أهل لمعرفة ظاهر هذه النصوص السابقة الذكر[xliv].

يبدو لي أنّ "الغزالي"كغيره من الأشاعرة لم ينجحوا فيما يدَّعُون أنهم فرقة وسط بين أهل النص والمعتزلة، وأنهم فرقة توفيقية بين النص والعقل لأنها في الأصل فرقة تسبيقية -كالفرقتين السابقتين المعتزلة وأهل الحديث- تُسَبِّقُ النص على العقل وتضع حدودا لهذا الأخير، هذا من جهة ومن جهة أخرى يبدو لي غموض في موقف "الغزالي"في مشكلة العقل والنقل، فهو تارة يبين تظاهر العقل والشرع «فالعقل مع الشرع نور على نور»[xlv]، ويدعي أنه من الفرقة المحِقة الخامسة من الفرق التي حاولت البحث فيما بين المعقول والمنقول من تصادم في أول النظر وظاهر الفكر فيقول:«والفرقة الخامسة: وهي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحدٍ منهما أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقاً، ومن كذَّب العقل فقد كذَّب الشرع، إذ بالعقل عُرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب. وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل؟وهؤلاء هم الفرقة المحقة وقد نهجوا منهجا قويما إلاّ أنهم ارتقوا مرتقى صعبا»[xlvi].ثم يقول: «التصوف الذي يعتمد على القلب في إدراكه للحقائق الإلهية بالذوق والكشف دون البرهان العقلي، هو الذي يوصلنا إلى المعرفة اليقينية والسعادة الحقيقية»[xlvii]. وهنا يبدو لي تذبذب آخر في فكر الغزالي، فبعد أن رأى تظاهر العقل والشرع، راح يقول بالكشف والذوق دون البرهان العقلي.

  والمعرفة حسب الصوفية مستويان: مستوى من قبيل المدارك المحسوسة أو المعقولة تضبطها قوانين وتحويها كتب ومتضمنة في عبارات. وهذه علومٌ كسبية. ومستوى آخر بخصائص أخرى متميزة عن الأولى بحيث تعرف عند الصوفية بالعلوم الوهبية، ليست من المدارك المحسوسة أو المعقولة، بل هي أمور ذوقية وجدانية لا يستطيع الصوفي ضبطها بالقوانين العلمية ولا بالمبادئ العقلية، فهي ميتا عقلية، تعجز اللغة الاصطلاحية الوضعية على حملها لذلك يعرف الصوفيون بشطحاتهم ويتهمون في الغالب بالزندقة والخروج عن الدين.

والفرق بين المعرفتين، هو أن ّالمعرفة الكسبية العقلية الاستدلالية، تتخذ العقل وسيلة لبلوغ الحقيقة التي قد لا تكون دينية، بينما المعرفة الوهبية، تتم بمنهج مغاير، وتصل إلى غاية أخرى، فأما المنهج أو الطريقة فهي المجاهدة ومحو الصفات المذمومة، وقطع كل علاقة مع غير الله I، والإقبال بكنه الهمة على الله I، وبذلك تحصل الغاية المتمثلة في أنّ الله نفسه يصبح هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم[xlviii]. لمّا سُئل eعن قوله I: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾[xlix]ما هذا الشرح ؟فقال:«هو التوسعة إنّ النور إذا قُذف به في القلب اتسع له الصدر وانشرح»[l]. إذن فالكشف لا يحصل إلاّ إذا تمّ مغالبة الدنيا وتطهير القلب من كل عرض. قد يقول قائل كيف يتم اللقاء بين العارف والله Iوهل هناك وحي بعد القرآن؟

يدلل المتصوفة على ما يدعون بالحجج النقلية المتمثلة في الآيات والأحاديث، ومنها قوله I: ﴿إنّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْملائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وابشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ[li]،فهذه الآية تبيّن إمكانية اللقاء بين عالم البشر وعالم الملائكة الذين هم أعلم بالله Iوبأسراره من البشر. فالغاية إذن هي المعرفة والوسيلة هي الإيمان والاستقامة ﴿إنّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.وقولهI:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[lii].ويستدل المتصوفة كذلك في اللقاء بين العارف والله I، بما حدث مع "أبي بكر الصديق "t  و"حنضلة الاسيدي"، حيث شعر هذا الأخير بأنه منافق بحجة أنه عندما يكون أمام الرسولeوكأنه يرى الجنة رأي العين ولكن عند خروجه ينسى كثيرا[liii].  

والصوفية يفسرون الفرقان بمعنى النور الذي يقذفه الله Iفي قلوب المتقين أو "أهل الله"كما يسميهم "نصر حامد أبو زيد"، فيبلغون اليقين الذي يمكنهم من التمييز بين الحق والباطل[liv].

إن المتصوفة خارج طبقات الفكر الإسلامي بشأن التأويل الفكري، لأنهم ينأون بأنفسهم عن العقل والنقل معاً، ويعتمدون في حلتهم المعرفية على البصيرة، لا على الفهم، منطلقين من أهمية الإنسان الكامل في الوجود، بوصفه خليفة الله I، وموضع نظر الحق. ويتتبع الباحث التأويل ـ في منظور المتصوفة ـ بالمعرفة الإشرافية، وبفعل مكابدة النفس، وتصفية الباطن بما يشرق على قلب الصوفي، الذي يُؤَوِل الأشياء في إدراكها تأويلاً ذوقياً، قاصداً بذلك تصفية النفس وتحصيل المعرفة المؤدية إلى الذات الإلهية[lv].

هذا يعني أنّ المعرفة الصوفية ليست كالمعارف الأخرى الفلسفية أو العلمية ذلك أنّ المعرفة الصوفية تعتمد على أدلة وجدانية لا برهانية. فهي غارقة في الذاتية، في حين أنّ الموضوعية شرط ضروري للعلم وبالمقابل الذاتية عائق إبستمولوجي، تحول دون وصول العالم إلى الحقيقة، غير أنّ الذاتية عنصر جوهري أساسي لدى الصوفية، لأنّ المعرفة الصوفية تجربة يعيشها العارف مع الله Iوعليه لا تستطيع اللغة أن تعبر تعبيرا دقيقا عن هذه التجربة المعاشة، حتى وإن حاول العارف صياغة ما يعيشه في قالب لغوي يظهر جليا عدم التناسب بين الأفكار الصوفية واللغة وهذا يبدو جليا في شطحات الصوفية التي تُتّهمُ  بالزندقة والكفر، وفي الغالب يدفع ثمنها العارف فيُقتل.

كما أنّه إذا كان هدف الفيلسوف أو العالم هو الحصول على معارف أو معلومات، فإنّ هدف العارف هو امتلاء كينونته بالقرب من الله I.

فإذا كنّا لا نستطيع أن نقيس الطول باللتر، والوزن بالمتر، لاختلاف المعايير أو المقاييس، فكذلك لا نستطيع أن نحكِّم المقاييس المنطقية العقلية في التجربة الصوفية، ولا أن نحكم على المعارف العقلية وفق مقتضيات القلب أو الإيمان.

رغم أنّ علماء الكلام والفلاسفة من جهة، والصوفية من جهة أخرى يُؤَوِلون الوحي ولا يقفون عند ظاهر آياته، لكن هل المناهج والآليات والوسائل والأهداف واحدة أم تختلف ؟

لقد أتاح التأويل للمفكرين أن يجتهدوا في فهم النصوص، ويُعمِلوا العقل في النص لاستنباط معانيه. وبذلك تعددت التأويلات والأفهام. لكن رغم ذلك كان هناك بالإضافة إلى الاتجاه العقلي مع أهل الرأي، اتجاه القلب أو أهل الباطن. 

إنَّ الاتجاه الأول يعتبر أن العقل هو الكفيل بإدراك حقائق الوحي وهو الوحيد القادر على أن يصل إلى مقاصد النص، وهو أيضا الوسيلة الصالحة لبلوغ المعرفة.
لكن الاتجاه الثاني، وهو ما نريد أن نعالجه في هذا العنصر، وهو الصوفية التي ترى أن الطريقة الأسلم في المعرفة تكون بالإعراض عن العقل أو تجاوزه واعتماد التجربة الروحية التي تكون بعد تصفية النفس وتطهيرها وتزكيتها وصقل مرآة القلب كي تعلق به المعارف اللدنية الإلهامية ـ يستثنى فئة قليلة من المتصوفة التي لم تلغِ العقل ولكنها قيَّدته وجعلته تابعا، أي بعد الكشف ـ وهذا ما نجده عند "ابن عربي".

أ-إشكالية العقل والنصعند"ابن عربي":

إنّ الصوفية "كالغزالي"و"ابن عربي"و"النابلسي"كانوا يعترفونأن تأويلهم للنص القرآني لا يلغي معناه الظاهري المعتمد على فهم اللغة وتراكيبها، فهُم بذلك يختلفون عمّن اتخذ التأويل أساساً للفهم والعمل من أصحاب المذاهب الأخرى...ولذلك كان يصرح "ابن عربي"دائما بأن هذا من باب الإشارة لا من باب التفسير[lvi]. وضع "ابن عربي"للعقل حدودا لا يجب تجاوزها كما أنه ـ أي العقل ـ منفعل لا فعال في عالم الغيبيات، يستقبل المعرفة من الكشف ولا ينتجها.«إن العقل محدود بحدود الإنسان، لأنه مادام الإنسان حادثا والعقل ملازما له، إذن فهو حادث، ومادام حادثا فهو محدود مهما تنوعت معارفه وتعددت.وكون العقل ذا معارف تحتمل الصواب والخطأ، فهذا يعني أن هناك قوة أعلى منه إما لتقومه أو لتحل محله، حينئذ يتحول هو إلى أداة قابلة للمعرفة دون طلب لدليل  أو برهان، معارف يتلقاها عن طريق الأنبياء والرسل، أو ما يصل إليه عن طريق الكشف، فالنص والكشف معا هما المصدقان لما يقره العقل أو المثبطان لسلطته قصد تجنب الخطأِ والخوض فيما لا طاقة له به »[lvii].

 ترى كيف ينظر "ابن عربي"لقضية العقل والنقل ؟هل نصل إلى الحقائق الدينية باعتماد النص فقط أم العقل فقط ؟هذا إذا كانا متناقضين. أم يمكن الاعتماد عليهما معا إذا كانا متفقين؟

تعددت مواقف "ابن عربي"من قضية العقل والنقل بتعدد الحالات التالية:

 ففي موقفه الأول  يأخذ بالنص دون العقل، باعتبار أنّ القرآن صادر عن المطلق وهو تام:﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[lviii]بينما العقل ناقص، وهو عرضة للخطإ والزيغ، فوجود الأنبياء والرسل دليل قاطع على نقصه وعجزه، فلو كان كاملا ما كنا في حاجة لشرع أو دين. كما أنّ القرآن كلام الله الحق،   ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[lix].

ولما كان العقل كذلك لاحظ "ابن عربي"أنّ ما يتوصل إليه الفلاسفة وعلماء الكلام في ميدان العقائد متضارب يصل إلى حد تكفير بعضهم بعضا، وفي هذا يقول "ابن عربي": «العقلاء أصحاب الأفكار اختلفت مقالاتهم في الله على قدر نظرهم. فالإله الذي يعبد بالعقل مجردا عن الإيمان كأنه بل إله موضوع بحسب ما أعطاه نظر ذلك العقل، فاختلفت حقيقته بالنظر إلى كل عقل وتضاربت العقول، وكل طائفة من أهل العقول تجهل الأخرى بالله، وإن كانوا من النظّار المُتأوِلين فكل طائفة تكفر الأخرى»[lx].بالمقابل نجد الرسل كل واحد منهم مصدِّقا لمن قبله ومبشرا بمن بعده، لا لشيء إلاّ لكونهم يعبرون عن عقيدة واحدة نابعة من ربٍ واحدٍ وهنا يقول "ابن عربي": «والرسل -صلوات الله عليهم- من آدم عليه السلام إلى محمدٍ e، ما نُقل عنهم اختلاف فيما نسبوه إلى الله I من النعوت، بل كلهم على لسان واحد في ذلك، والكتب التي جاءوا بها كلها تنطق في حق اللهIبلسان واحد ما اختلف منهم اثنان، يصدق بعضهم بعضا، مع طول الأزمان وعدم الاجتماع، ومع ما بينهم من الفرق المنازعين لهم، وما اختل نظامهم »[lxi].

ومنه يصل "ابن عربي"إلى موقفه الثاني الداعي إلى انصياع العقل للشرع لأن الأول في حاجة للثاني حتى تتوحد الآراء في المعتقدات[lxii]. وهنا يمكن أن نطرح التساؤلات الآتية: هل يمكن أن نقارن بين الرسل والفلاسفة وعلماء الكلام؟أو بين الفلسفة وعلم الكلام وكلاهما منتوج ثقافي إنساني محدود يعبر عن عقل محدود، والشرع الصادر عن الله المطلق الكامل ؟وحتى إن اقتدينا بما طلب منا "ابن عربي"فهل يمكن لأي كان مهما كانت صفته أن يصل إلى مكانة الرسول ؟وباختصار لا مجال للمقارنة.

ثم إنّ العقل عندما يؤول النص ليست غايته رفضه بل محاولة فهمه، ومن ثمة تتعدد التأويلات لا يعني تعدد الحقائق في النص بل تعدد الفهوم واختلاف العقول.

الموقف الثالث ل"ابن عربي"في مسألة العقل والنقل تتمثل في الجمع بين العقل والنقل في تأويل النصوص الشرعية من أجل تدعيم الإيمان والدخول في حكم الخاصة وبالتالي إمكانية إدراك الذات الإلهية. كما أنّ استخدام العقل إلى جانب النقل حسب رأي "ابن عربي"يقنع غير المؤمن بالنصوص الشرعية أو من آمن بها ثم انحرف عن سواء السبيل لأنّ المؤمن أو الراجع إلى الإيمان «بالبرهان أصح إسلاما من الراجع بالسيف »[lxiii]. وفي هذا الصدد يقول

Pour citer ce document

عبد المجيد مسالتي, «اشكالية النقل والعقل عند الصوفية»

[En ligne] ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales العدد 16 ديسمبر 2012N°16 Décembre 2012
Papier : ,
Date Publication Sur Papier : 0000-00-00,
Date Pulication Electronique : 2012-12-13,
mis a jour le : 05/11/2013,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=740.