"جيرار جينيت" و "موت الحكاية" " إشكالية الحكاية الخالصة"
Plan du site au format XML

avancée

Archive PDF

01
02
03
04
05
06
07
08
09
10
11
12
13
14
15

العدد 17 سبتمبر 2013 N°17 Septembre 2013

"جيرار جينيت" و "موت الحكاية" " إشكالية الحكاية الخالصة"
P : 235 - 249

حسان راشدي
  • resume:Ar
  • resume
  • Auteurs
  • Texte intégral

خلاصـة:

    عندما تولى "ج جينيت" الكشف عن "حدود الحكاية" في فصل من فصول مصنفه  أوجه 2"، خلص إلى نتيجة لم تكن متوقعة،  وهي أن الحكاية   " شيء من الماضي " و هي في طريقها إلى الاندثار. فما هي الحجج التي أقنعته بذلك؟ وهل هذا النذير بموت الحكاية لا يمتد إلى الأدب هو الآخر؟ ثم ما الحكاية التي يتحدث عنها "ج جينيت"؟ هذا ما تحاول هذه الورقة الكلام فيه.

Résumé : 

«  Gérard Genette et la mort du récit. Problématique du récit pur »

 Lorsque Gérard Genette a voulu reconnaitre « lesfrontières du récit » dans un chapitre portant le même titre dans «  Figures II » il a finalement constaté que le récit est « une chose du passé » Quels sont les arguments de cet acte de décès du récit ? Quels sont les conséquences de cette prédiction négative, sur la littérature en général ? Et puis quel est le récit en question dont parle Gérard Genette ?


1. مقدمــة

لقد أخذت النظرية السردية«  Théorie Narratologique »  ل" ج جينيت" تؤتي أكلها منذ أن أخرج هذا الأخير للنقاد عامة، و المهتمين بالسرد على وجه الخصوص كتابيه: خطاب الحكاية" 1972، المعروف ب" أوجه 03"، « Figures III Discours du récit, essai de méthode »، و"خطاب الحكاية الجديد " 1983«Nouveau discours du récit ».وقد عُدّ  هذان الكتابان بالفعل، تحولا نوعيا في مسار و صيرورة السرديات الحديثة و المعاصرة ذات الصلة الوشيجة بالشعريات.

 ذلك أن "ج جينيت" قد أرسى  في كتابه الأول "1972" قواعد تحليل بنى الحكاية « structures du récit »  بشكل عام، وتقنياتها السردية « techniquesnarratives »على الخصوص.  و في كتابه الثاني "1983"، نجده يقف على آثاره السالفة ليقدم للدارسين إعادة قراءة نقدية للمفاهيم التي بنى عليها نظريته في مجال الشعريات السردية العامة، إلى جانب تحديدات و تعقيبات في مجال الممارسة النقدية في حقل شعريات الحكاية (poétiquedurécit)بوجه الخصوص.

و ما يشد اهتمام المتتبع لأفكار " ج جينيت" في تنظيره، وممارسته في مجال الشعريات السردية، هو بحثهالدءوب نحو تطوير نظرية منسجمة في السرد،و مستقلة  قدر الإمكان عن حقل الأدب ونظريات المهيمنة على الفكر النقدي حينها. ف " ج جينيت" كان مؤمنا بأن وظيفة النقد- و النقد التطبيقي بالدرج الأولى (الشعرية)- لا تنحصر في تأويل الأدب فحسب، بقدر ما يجب أن يُعنى النقد بتحويل الأدب ذاته، وليقبل هو أي النقد على نفسه فكرة التحول أيضا. وتلك هي جدلية المنهج والنص التي جعل منها "ج.جينيت" قوة الدفع لنظريته السردية.

و لعل هذا ما أقر به  "ج جينيت":  عند قوله بأن" النقد هو الذي سيبقى المقاربة الأساس للأدب و للأجناس الأدبية ككل. و يمكن لنا  من جهتنا أن نتنبأ بمستقبل الدراسات الأدبية التي ستتمحور حول  التداخل، وكذا التضافر بين النقد والشعرية." [1]و عليه فإن خطابا جديدا للحكاية يعدّ بمثابة إرهاص لحكايات جديدة. والعكس محتمل بله مقبول أيضا عنده، إذ أن نصوصا بارزة أسست من منوالها منهجا نقديا أثمر بدوره نصوصا أخرى. وهذا على غرار رواية "مارسيل بروست"  (Marcel Proust)"بحثا عن الزمن الضائع" (Alarecherchedutempsperdu).

إنها إذا جدلية المنهج والنص القائمة في صلب النظرية السردية ل" ج جينيت". و مثل هذا  النوع من النقد الجديد هو ما يطلق عليه "ج جينيت" " نظرية الأشكال الأدبية " « Théoriedesformeslittéraire »أو اختصارا " الشعرية" « poétique »[2]

و لكن إذا أردنا فهم النظرية السردية ل" ج جينيت"، ومن ثم ممارستها بشكل منهجي مثمر، يحسن بنا الرجوع إلى ما قدمه الرجل- وإن بطريقة سريعة غير مخلة قدر الإمكان -من أفكار نظرية، وممارسات تطبيقية عملية حول الحكاية « récit »في دراساته السابقة على الكتابين المذكورين آنفا.و أعني بالتحديد " أوجه 01" « Figure I »و " أوجه 02" « FigureII »

ففي مقال مشهور له في « Figure II »، المُعنْون بـ : " حدود الحكاية" « Frontières du récit »  كان هم "ج جنيت" من ورائه، البحث في ماهية الحكاية  هذا المصطلح الذي أخذ يزداد غموضا وتعقيدا، لكثرة  تداوله في الدراسات الأدبية؛ النظري منها والتطبيقي دون العناية بمدلوله المعين بل عُدّ مصطلحا معلوما،بينما نجد أن أغلب الدراسات التطبيقية الحديثة لا تكاد تتفق حول مفهوم مشترك للحكاية، يمكن الاطمئنان إليه والعمل به.

و لأن "ج جينيت" مسكون بالحداثة النقدية التي تبحث عن الجديد دائما، فإنه فضّل في رحلة بحثه هذه، التمسك بما يعينه على كشف هذا مواصفات المولود الجديد الذي كان يحصر على أن يسميه هو النقد الآني"« critique actuelle »،الذي يستجيب بقدر كبير من الدقة الممكنة لحاجيات و مصادر معرفتنا و استعمالنا للأدب الآن وحينا." [3]

و من هذا المنطلق النقدي راح " ج جينيت " يختبر تلك الحدود التي كانت قد وُضعت للحكاية من لدن نقاد آخرين، معالجا إياها بما بين يديه من معايير قدت من النظرية الأدبية الحديثة.إنها الجدلية الجينيتية المعهودة،بين النظرية الأدبية والممارسة، أو بين النص والمنهج.وهذاكله ضمن نظرية عامة للأشكال"الأنواع "الأدبية: الشعرية « poétique »

 

02. هل من تعريف للحكاية؟

يرى "ج جينيت" أنه من المتعذر الخوض في كتابة تاريخ جنس أدبي ما، وهذا دون الاستناد إلى تعريف مسبق لهذا الجنس الأدبي، ولو كانهذا التعريف جزئيا، و غير مكتمل. ومن حيث المنطلق يعتبر "ج جينيت" أن الحكاية بصفة عامة، ليست إلا صيغة « mode » بيد أنها هي الصيغة المفضلة لتمثيل عمل « action »أو حدث « événement ». و تُعد هذه الخاصية الجوهرية التي تتصف بها الحكاية، مقوما من أهم مقومات الخطاب السردي.

 ذلك أن القيام بتحرير نص ما، يتطلب من صاحبه مباشرة عملية اختيار الآليات المناسبة لعمله المزمع إنجازه.وهي العلمية التي سيتمخض عنها نتاج معين مقصود.و هي العملية نفسها التي تضطلع بوظيفة التمثيل الفعلي للحكاية. ولعل هذه الخصوصية التي يتسم بها النص هي التي دفعت"ج جينيت"إلى قوله :"نحن سنحدد دون صعوبة الحكاية كتمثيل لحدث أو لسلسلة من الأحداث، واقعية أو خيالية«fictifs»بوساطة اللغة" [4]

و تبعا لهذا الفهم يرى"ج جينيت"، أنه لا يمكن للحكاية – مهما أوتيت من قوة وبراعة - أن تحاكي الواقع، ناهيك  على أن تستنسخه بحذافيره. ف" الحكاية لا تمثل قصة ما - واقعية أم خيالية- إنما تكتفي بروايتها، أي أنها تدل عليها بوساطة اللغة" [إذ]ليست هناك مكانة للمحاكاة في الحكاية." [5].

غير أن "ج جينيت"، وهو يُلحق بهذا التعريف الحكاية بأسرة السرديات  الكبرى، فإنه في الوقت نفسه يدرك مدى الصعوبة الأكيدة  التي تعترض سبيله في  إيجاد الدعم الفكري   و المنهجي  لهذا التعريف. وقد تبدو في نظر خصومه نقطة ضعف تعتري نظريته في الشعرية السردية. خصوصا من حيث المعين الذي يمتح منه هذا التعريف.

 فهل يُقتصر في التعريفبهذا الجنس أو ذاك، عند عرضه على خصائص النوع الذي ينتمي إليه فحسب؟حيث يعرف بها ولا يكون له وجود أو هوية من غير الاتصاف بها فإن قبلته فهو منها،وإن أنكرته يُبعد من حرمها. وفي هذه الحالة، لا مناص للدارس من أن يعمد إلى مقارنة خصائص هذا الجنس بخصائص أجناس أخرى تنضوي تحت هذا النوع بعينه أو ذاك.وهذا مع اعتبار طبيعة الصيغة التي تعد الفيصل بين الجناس.و هذاالصنف من التعريف،هومايطلق عليه"ج جينيت"مقولة"التعريفالسالب"« définitionnégative »[6]أم أنّ هناك طريقا ثانية تقابل الأولى،وهي التي تستدعي الوقوف مباشرة على خصائص هذا الجنس أو ذاك ويتم حينئذ تعريفها في ذاتها وبذاتها ؟وفي هذه الحال نحن إزاء التعريف الذي يسميه"ج جينيت"التعريف الموجب« définitionpositive » [7]

 ويعتبر"ج جينيت" أن الباحث إذا أخذ بالتعريف الموجب للحكاية،أو السالب لها، أو هما معا–إذا لا تناقض في ذلك، كونهما وجهتي نظر فحسب- فهو في الحالتين يشتغل في مجال الشعرية« poétique»إذ القضية الجوهرية الكامنة فيهما معا هي،البحث عن ماهيةالحكاية، و ما القوة الكامنةوالمحددة لماهية الحكاية أو المحكي إلا في كيفية اشتغالها أي في كونها"شكلا دالا"(forms ignifiante)أو" تعبيرا أدبيا"(expressionlittéraire)

 

1.2. التعريف الموجب للحكاية.

إن التعريف المتفق عليه للحكاية أو المحكي ضمن مجموع مصطلحات التعبير الأدبي؛ هو أنها " تمثيل حدث أو سلسلة أحداث، حقيقية كانت أم خيالية، بوساطة اللغة و بخاصة اللغة المكتوبة." [8]. ومثل هذا التعريف البسيط والمبسطللحكاية إلى حد البداهة، هو الذي يحمل  في نظر "ج جينيت"  مكمن ضعفه حيث " يحبس نفسه و يحبسنا معه في بديهية، تحجب عن أعيننا ما هو قائم بالضبط في كينونة الحكاية وما هو مقوم لها. ومثل هذا التعريف هو الذيسيغدو مشكلة و عائقا في حد ذاته. و ذلك بإزالته حدود عمل الحكاية إلى حد بعيد، بل يهدم شروط وجودها أصلا." [9].

و يعتبر" ج جينيت" أن من مخاطر التعريف الموجب للحكاية هو" التصديق بفكرة أو بإحساس أن الحكاية توجد نفسها  بنفسها، و أن لاشيء طبيعي أكثر من رواية قصة أو تنسيق مجموعة أفعال ضمن أسطورة، أو حكاية، أو رواية ما." [10]. و مثل هذا الملمح للحكاية المنبثق من "شعرية مغلقة" « poétiquefermée »، أصبح في نظر "ج جينيت" غير مستساغ من لدن النظرية الأدبية الحديثة، لما تعرفه هذه الأخيرة من تطور ونضج، غير مسبوقين في الوعي الأدبي منذ الخمسين سنة الأخيرة بالخصوص.. حيث أصبح الاهتمام أكثر ب" الفعل السردي" « l’actenarratif »أي الحكائية(فعل الحكي)،(السردية)،لا الحكاية فحسب.

و هذا ما يسميه "ج جينيت" :" الشعرية المفتوحة" « poétiqueouverte »ومثل هذه الخطوة النوعية في الدراسات السرديات الحديثة، هي التي عملت على فتح المجال واسعا أمام تطور السرديات، وهذا بفعل اهتمامها بما هو افتراضي، أكثر مما هو واقعي محقق. وبالتالي فإن ما يهم في الحكاية، ليست الأحداث التي ترويها فحسب، بل بالكيفية التي تروي بها تلك الأحداث أيضا "[11]أي الوظيفة الحكائية (السردية)على غرارالوظيفةالشعرية«la function poétique »عند"رومانياكوبسون"« RomanJakobson »وبهذا المنحى يصبح السؤال الملح في الموضوع هو لماذا الحكاية أو المحكي؟

 

2.2. التعريف السالب للحكاية

يعتبر "ج جينيت" أن السؤال لماذا الحكاية؟ هو المدخل المعرفي والمنهجي الصحيح  للولوج إل عالم الحكاية. ذلك أن التعرُّف على "اللاحكاية"  « non-récit »[12]، كفيل بأنيسمح للباحث الوقوف على تخوم الأشكال الأدبية التي أصبحت لا تقف على حد معين ثابت. و هذا ما يجعل من الشعرية بابا من أبواب البحث في الأشكال الأدبية؛ من حيث المقارنة بينها من جانب الشكل أو التعبير الأدبي.  وتلك سمة النظرية الأدبية الحديثة. ومن هذا الجانب يرى "ج جينيت " أنه يمكن للحكاية أن تتحدد بوساطة مقابلة الثنائيات الثلاثة الآتية، والتي هي في الوقت نفسه حدود الحكاية التي يجب مناقشتها:

·الثنائية التقابلية الأولى: المحاكاة (mimésis)، القصة(diégésis).

·الثنائية التقابلية الثانية: السرد (narration)، الوصف(description).

·الثنائية التقابلية الثالثة:  الحكاية (récit)، الخطاب (discours).

 

1.3. المحاكاة والقصـة:

يستهل "ج جينيت"مناقشته لهذه الثنائية، بالرجوع إلى معين "الشعرية القديمة"   «  l’anciennepoétique »كما هي عند أفلاطون وتلميذه أرسطو و هذا ليتخذا منها سندا معرفيا، ومتكأ منهجيا، نحو تأسيس شعرية جديدة « unenouvellepoétique ».

 ففي  الكتاب الثالث من الجمهورية نجد  "أفلاطون"  يحاول - على لسان "سقراط" - التمييز بين ثلاثة أشكال من التلفظ « formesénonciations »من الأشعار؛ وهي: السرد البسيط « narrationsimple »، حيث أن الشاعر يروي كل شيء بما في ذلك كلام الشخصيات. و محاكاة كلام الشخصيات « mimesis » ، وهناك الشكل الثالث الذي يناوب فيه الشاعر بين محاكاة الكلام تارة (mimésis)، و السرد (diégésis)تارة أخرى مثل الإلياذة و الأوديسة.

غير أن ما يمكن ملاحظته في تصنيف أفلاطون هذا، أنه ضيق من مجال المحاكاة، حيث قدم لها تعريفا محدودا جدا؛ فهو لا يرى في الحكاية محاكاة. ولعل هذا ما جعل التصنيف الذي وضعه للأجناس الأدبية عامة والشعرية خاصة، يكتنفه الغموض إلى حدّ بعيد، أو هكذا يبدو. 

 أما تلميذ أفلاطون "أرسطو"، فقد اختلف عن أستاذه في مواطن كثيرة.فهو يعتبر أن القصة(diégésis)،(histoire)في كتابه الشعرية « Poétique »، تعدُّ إحدى صيغتي المحاكاة الشعرية (mimésis)." [13]  ذلك أن المحاكة عنده،مبدأ عام مهيمن على أجناس الفنون كلها؛ من ملحمة، و تراجيديا، أو موسيقى، أو رسم أو كوريغرافيا الخ.. ولتجنب الغموض الذي اعترى تصنيف أستاذه "أفلاطون" للأجناس الأدبية، لجأ أرسطو إلى اعتماد تصنيف مختلف في الشكل، مع حفاظه على الخطوط الرئيسة لجوهر الأدب والفن. حيث نجد أن تصنيفه، يقوم هذه المرة على صيغ التعبير الشعري (modesd’expressionpoétique)

 و يخلص "ج جينيت" من مراوحته بين أفكار أرسطو،و أستاذه أفلاطون، إلى تبني فكرة " الكل السردي" «  letoutnarratif ». وهو المصطلح الذي تنضوي تحته حتى المحاكاة نفسها، التي هي عنده ذات لحمة قصصية بالتأكيد. وللبرهنة على زعمه هذا، يستنجد "ج جينيت" مرة أخرى بأفلاطونفيجمهوريته، و بخاصة الكتاب الثالث منها. و هذا عندما يوظف أفلاطون مصطلحين آخرين متقابلين هما  و "اللوجوس" « Logos »" الليكسيس" « Lexis »؛ فهذا الأخير يعني ما تم قوله، و أما الأول  « Logos »فيقصد به كيفية القول. [14]. و بعبارة أخرى إن اللوجوس يتعلق بمضمون الأعمال أو الآثار، بينما يتعلق الليكسيس بالشكل أي بصيغة  التمثلات (modedereprésentation). و الحال أن" جنيت" أطلق على الأول مصطاح (discours)، في حين أطلق على الثاني مصطلح (diction).

 ويحاول"ج جينيت" استثمار طرح أفلاطون هذا،بأن سعى إلى بلورة  مفهوم الحكاية  البسيطة« récitsimple »عند هذا الأخير. و من ثمة استنتج "جنيت"،  أن أفلاطون يريد بالحكاية البسيطة " كلَّ ما يرويه الشاعر، وهو يتحدث باسمه الخاص دون محاولة منه، يريد من ذلك أن يجعلنا نخال أن أحدا غيره هو الذي يتكلم." [15]و هذا في مقابل أن المحاكاة بالمفهوم الأرسطي، هي أن يصطنع الشاعر- بقدر الإمكان طبعا – طريقة في الكلام تكون مماثلة لطبيعة كل شخصية. أي أنه مطالب بمحاكاة أسلوب كل شخصية في الكلام بطريقة مباشرة وكأنه هي[16].

 لكن الملاحظ والمدقق لما وضعه أفلاطون من شرط  للمحاكاة، يتبين له أن مثل هذه المحاكاة الكاملة و التامة  غير متحققة، أو صعبة التحقيق على أقل تقدير. ولكن مع هذا الاختلاف في وجهتي النظر بين "أفلاطون" و تلميذه " أرسطو" في التمييز بين "المحاكاتي" و" القصصي"، فإنهما يتفقان على أن النموذجين الذين يجسدان هذا التمييز هما:"هوميروس"« Homère »بالنسبة للحكاية récit »، و "يوريبيدس"« Euripide »أو "صوفوكليس" «Sophocle»بالنسبة للدراما« drame ».

و ما يمكن الإشارة إليه بهذا الصدد، هو أن عالم السرد« lenarratologue »  في تعامله مع الصيغتين السرديتين الكبيرتين، يفرز عدة درجات من القصص،  وهي التي تكشف عن تدخل الراوي« lenarrateur »في حكايته بصورمختلفةوهو مطالب في الوقت بأن يفسح مجالا للسرد،إذ لا يمكن أن يُفتقد الراوي في الحكاية بأي حال من الأحوال.

 

2.3ضد المحاكاة التامة:

لم يكن يرغب "ج جينيت" ليعيد مناقشة الترتيبين الأفلاطوني والأرسطي للمحاكاة     و القصص، بقدر ما كان يبحث عن مخرج منهجي ومعرفي يقوده إلى قدّ نظرية للحكاية تتناسب و أطروحات  الشعرية الحديثة. وقد اهتدى إلى أن هناك قاسما مشتركا بين تصور أفلاطون وتلميذه أرسطو في تصنيف الأجناس الأدبية على الرغم مما قد يبدو بينهما من اختلاف. وعليه فإن" الفارق بين تصنيف أفلاطون و أرسطو عند "جينيت"، ينحصر إذا في تنوع بسيط للمصطلحات فحسب، بينما يلتقي التصنيفان بالتأكيد فيما هو جوهري أساسا أي التقابل بين ما هو درامي « dramatique »و ما هو سردي « narratif »" [17].

وهكذا توصل "ج جينيت" إلى ثنائية  مصطلحية مفتاحيه. وهي التي سيتوكأ عليها لسوْق نظريته في السرد. وهي النظرية  القائمةعلى شعرية عامة من جهة،تبتغي بها استخلاص نظرية عامة للأشكال الأدبية ككل.و من جهة ثانية تضع نصب أعينها شعرية السرد poétiquedela narration)) التي توجه اهتمامها نحوعمل أدبي بعينه[18].

و عند هذه النقطة من مناقشة مفهوم الحكاية أو المحكي عند كل من أفلاطون وأرسطو، يقدم "ج جينيت" ملاحظة حول موضوع بعينه، يرى أنه لم يجد العناية الكافية لدى أرسطو و أستاذه أفلاطون، وهي أن المحاكاة المباشرة لا تتم بوساطة الكلام فحسب، بل نجدها بالحركات وبالكلام في آن. مثلما  هو الأمر بالنسبة لأبي الفنون: المسرح.فالمحاكاة بالحركات تتم في صورة " تمثيل « représentation »أعمال فحسب بينما لا نجدها تخضع في هذه الحالة للمستوى اللساني الذي هو محط ممارسة النشاط المخصوص بالشاعر. " [19].

وأما في حالة المحاكاة بالكلام،وهوالخطاب الجاريعلى لسان الشخصيات« discoursdespersonnages »فهذه المحاكاة الكلامية"لا تبدي شيئا من التمثيل على الإطلاق طالما أنها تقتصر على السعي في إعادة إنتاج هذا الخطاب أو ذاك،حقيقيا كان أم خياليا" [20]

واستنادا إلى هذا التعقيب يرى "ج جينيت" أن المحاكاة الشعرية « l’imitationpoétique »الحق، هي التي تتجسد في التمثيل بوساطة  وسائل كلامية أو غير كلامية.وهو ما يعكس الجانب السردي فيها. أما التمثيل الدرامي « representation dramatique »للحديث الجاري على لسان الشخصيات، فهو ليس من المحاكاة في شيء. ذلك أنه مهما بلغت درجة المحاكاة من الدقة في التمثيل، فلن تكون هي والأصل سيان. وهي لهذا محاكاة ناقصة غير تامة حيث إن " اللغة لا يمكنها أن تحاكي بحق إلا اللغة، أو بشكل أدق: إن الخطاب لا يمكنه أن يحاكي بحق إلا خطابا مثله، وباختصار فإن الخطاب لا يمكنه أن يحاكي إلا نفسه" [21]وحسبه ذلك.

وما يستخلص حينئذ من النظرية الجينيتية في هذا الصدد، أن التمييز بين حكاية كلام الشخصيات، وحكاية الأحداث نجده خصيصا داخل الحكاية نفسها، إذ ليس هناك حكاية خالصة بالمرة. وبهذا يقصي "ج جينيت" المسرح من هذه المسألة السردية.

          و هكذا يدلف "ج جينيت" بوساطة منهجه الشعري التحليلي « method poétiqueanalytique »إلى اعتبار أن المحاكاة الوحيدة المقبولة و التي تستحق هذه التسمية هي المحاكاة الناقصة. إذ ليست المحاكاة الكاملة التامة غير الشيء نفسه. ومن هذا فلا يجدي نفعا عند "ج جينيت" أن يحاول المرء الجري وراء كشف الواقع من المحاكاة، إنه الواقع الزائف المزيف الذي تقمه لنا المحاكاة.

 و الأجدر وفق هذه الحال هو البحث في كيفية اشتغال الحكاية في نقل الأحداث، وذاك هو مكمن فتنة السرد، وسر علبته السوداء. وهكذا يخلص "ج جينيت" إلى الحكم بأن المحاكاة هي القصصي (mimesisc’estdiegesis)[22]وهو الحكم الذي لا يخرجنا من ظاهرة الإبداع الشعري(creation poétique)طالما أننا باقون في حرم الشعريةعلى حد تعبيره.

 

4. السرد والوصف

يسعى"ج جينيت" بوساطة ثنائية السرد و الوصف  « narration/description »إلى استدراك ما وجده من نقص في تحديد التمثيل الأدبي الذي كان قد بلوره في المبحث السالف. وفي هذا المقام يتخذ "ج جينيت" من مصطلح الحكاية معيارا لذلك. وفي  هذا الصدد يقدم "ج جينيت" ملمحا يراه جوهريا في تحديد الحكاية من باب المنظور السردي الممتد منذ "فلاديمير بروب"(VladimirPropp)،وهوأن للحكاية عتبة دنيا «seuilminimal »،أونواةجوهريةهي ما يطلق عليها "الحكاية الدنيا" récitminimal »

 و عنده أن الجملة الفعلية البسيطة في المقام النحوي تقوم مقام الحكاية الدنيا في المجال السردي. فالجملة الفعلية، وهي نتاج لسانياتي تضطلع بربط العلاقة بين حدث أو أكثر  للحكاية. ف" جملتا: "أنا أسير".. أو "وصل بيار"، لهما شكلان دنياوان  للحكاية، و ما "الأوديسا "  ل"هوميروس"، أو "بحثا عن الزمن المفقود"  ل"مارسيل بروست" إلا تكثيف – بالمعنى البلاغي – للحكاية الدنيا " [23].

 و يبقى بعد كل هذا "ج جينيت" مصرا على أن الخصوصية الفريدة للسردي تكمن في صيغته لا في مضمونه. ف" بالفعل لا توجد مضامين سردية، بل يوجد تسلسل أعمال فحسب.. أي ذلك الذي  يرجع إلى الصيغة"[24]

          وعلى هذا تتضمن الحكاية تمثيلات لأعمال و أحداث هي ما يطلق عليها السرد «le narratifpur »الخالص، و تمثيلات الأشياء أو الشخصيات، التي هي  الوصف « description ». وهذا ما يسميه "ج جينيت" ب " التمييز الموضوعاتي"«distinctionthématique »  و لعل هذا ما يجسده الجدول الآتي:[25]

 

الصيغة

المضمون

الســردي

الدرامـي

تمثيلات الأعمال أو الأحداث

الســـرد

 

تمثيـلات الحالــة

الوصـــف

 

 

الحكــــاية

 

 

                             جدول 1: مفهوم الحكاية عند "جينيت"[26]

وإذ أن النظرية الأدبية القديمة لم تسع إلى التمييز بين السرد و الوصف في تصنيفها للأجناس الأدبية، فإن "ج جينيت" يرى أن مثل هذا التمييز قائم في  صلب النظرية الأدبية الحديثة و هو أهم مميز من مميزاتها الجوهرية.  ف" مبدئيا، إنه لمن البديهي إمكان، تصور نصوص وصفية صرف، ليس لها من هدف إلا تمثيل أشياء معينة في وجودها الفضائي فحسب،وهذا بمعزل عن كل حدث أو حتى عن كل بعد زمني" [27]

و من هذا الباب، يمكن للوصف – حسب "ج جينيت"- أن يستغني عن السرد، ولو من وجهة نظرية صرف، بينما يصعب أن يحدث العكس. حيث إن " السرد لا يمكن أن يوجد دون وصف.غير أن هذه التبعية، لا تمنعه– أي الوصف -  من أن يلعب الدور الأول على الدوام." [28]. و مع هذا وذاك،  فإن الوصف ذا الطابع التأملي، والسرد ذا الطابع الحركي، يستعملان كلاهما اللغة نفسها. [29].

 و لهذا ينظر "ج جينيت" إلى الحكاية « récit »على أنها كيان واحد، ديدنهالتمثيل أدبي « representation littéraire ». وما السرد والوصف إلا مظهران يلازمان حينئذ كل تمثيل أدبي، وليس الحكاية وحدها. [30]و هذا ما قصد به مصطلح "السرد المختلط" (narrationmixte).

 

5- الحكاية و الخطاب

يحاول "ج جينيت" في هذا الحد الثالث من حدود الحكاية، مناقشة ثنائية الحكاية/الخطاب« récit/discours ». و ما كان الرجل يفعل ذلك إلا بقصد إعادة تأسيس تلك المفاهيم التي دُبجت من لدن غيره في مجال تشكيل النظرية الأدبية الحديثة عامة، والسردية بخاصة. وقد وجد "ج جينيت" فيما قدمه " بنفنيست" في مجال الحديث عن ثنائية الحكاية/الخطاب [ القصة/ الخطاب]، السند العلمي والمنهجي لتجاوز ما قدمه أرسطو في كتابيه : الشعرية و البلاغة« rhétorique »في هذا المجال. وقد اعتمد "ج جينيت" على ما قدمه "بنفنيست" في تمييزه بين الحكاية والخطاب عندما استشهد بنموذجين: أحدهما للمؤرخ " ج قلوتز" « G.Glotz »، والآخر للكاتب الفرنسي "بالزاك" « Balzac »[31]. لكن ما يلفت النظر في هذا  هو التسليم الجينيتي لأطروحات "بنفنيست" (E.Benveniste)دون مناقشة،على عكس مارأينا صنيعه هذا مع أرسطو وأفلاطون. وهذا معالعلم أن أفكار "بنفنيست" لسانية محضة، وأنه يتحدث بالخصوص على "الحكاية التاريخية" « récithistorique »[32]. فهل ما يناسب اللسانيات يلاءم  السرديات؟

و إذا رجعنا إلى مصطلحيات "بنفنيست" في هذا المجال، نجده يستعمل مصطلحي الحكاية(récit)و القصة « histoire »في مستوى واحد مقابل الخطاب  ففي الحكاية التاريخية «récit historique » تنعدم كل إشارة عن الذات المتكلمة، و كأن القصة تروي نفسها بنفسها. بينما الخطاب يوظف كل ما يشير إلى المتحدث.

          و هكذا وصل " ج جينيت" إلى أن ما يميز الحكاية عن الخطاب، هو أن هذا الأخير ذاتي؛ يضطلع به سارد « narrateur »، بينما الحكاية ذات طابع موضوعي أي ليس لها سارد، وكأنها تروي نفسها بنفسها[33]. ومثل هذا الصنف من الحكاية هو الذي أطلق عليه "ج جينيت" "الحكاية الخالصة" « récit pur »والتي هي القصة [34]. و هذا مقابل الحكاية التي يضطلع بها سارد لتظهر في شكل تسلسل من الأحداث حقيقية كانت أم خيالية. وهذا النوع من الحكاية هي التي يسميها "ج جينيت" الحكاية السردية  «le récit narratif »أو الملفوظ السردي أو« l’énoncé narratif »  أو الخطاب السردي  «le discoursnarratif ».

وبرجوعه إلى النصوص الكلاسيكية، عارضا إياها على الإشكالية البنفنستيية، وجد "ج جينيت" أن الحكاية الخالصة تكاد تنعدم في هذه النصوص، معتبرا أنه وضع تمليه طبيعة اللغة نفسها. ولهذا استخلص "ج.جنيت"  أن وجود الحكاية في حالتها الصرف أمر قريب من الاستحالة [35].

          وهكذا يصل بنا "ج جينيت" إلى الحكم على موت الحكاية في معناها السلبي، أي الحكاية الصرف العارية من كل خطاب، محتفظا مع ذلك بالفعل السردي « l’acte narratif ». و في نهاية المطاف، يُسقط "ج.جنيت" حكمه حول الحكاية  ليعلمنا بأن" الحكاية،- في خصوصيتها السالبة قد أصبحت بالنسبة لنا مثل الفن بالنسبة ل" هيجل" « Hegel »، شيئا من الماضي، يجب علينا أن نسارع إلى القبولبانسحابه، وهذا  قبل أن يهجرساحتنا." [36].

 

6. خـاتمـة

          يقوم المشروع " الجينيتي" إذا على أسس الشعرية السردية (poetiquenarratif)بالدرجة الأولى. وهو مشروع حيوي، جعل من الحكاية أو المحكي (recit)منطلق بناء نظرية سردية حديثة، معروفة باسمه. وقد أثرنا في هذا المقال قضية الحكاية من باب قضية النظرية الأدبية عامة، و نظرية الأجناس الأدبية على الخصوص.

ولعل ما يميز مسعى " ج.جينيت " في هذا المجال هو اعتباره للحكاية من جانب الصيغة (mode)التي هي مكمن الكل السردي (le tout narratif)، لا من ناحية المضمون (contenu)فحسب.  و تلك هي الروح التي تبقى على استمرارية  الحكاية. إنه مبدأ "الكل السردي"، الذي تغدو فيه الحكاية صيغة خطاب تلفظي، و تنضيدا للأحداث.         و بعبارة اشمل: الحكاية بنية خطاب سردي. و من ثمة فليس لها أي شكل ثابت، يمكن الاحتكام إليه.

 

الهوامــش:

Gérard, Genette, Figures III, Paris : Seuil/ Points Essais, 1972. P11.[1]

Gérard, Genette, Figures III. P13.[2]

Gérard, Genette, Figures II, Paris : Seuil/ Points Essais, 1969[3]

Gérard, Genette, Figures II. P49. [4]

Gérard, Genette, Nouveau discours du récit. Paris : Seuil /Points Essais, 1983.[5]

Gérard, Genette, Figures II. p49. [6]

Gérard, Genette, Figures II. p49.[7]

Gérard, Genette, Figures II. p49      [8]

Gérard, Genette, Figures II. p49.[9]

Gérard, Genette, Figures II. p49.    [10]

Gérard, Genette, Figures III. p11.[11]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. p50.[12]

Gérard, Genette, Figures II. P50.[13]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. p50.[14]

Gérard, Genette, Figures II. p50.[15]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. p51.[16]

Gérard, Genette, Figures II. p55.[17]

Voir, Gérard, Genette, Figures III.p p9-20.[18]

Gérard, Genette, Figures II. p53.[19]

Gérard, Genette, Figures II. P53.[20]

Gérard, Genette, Figures II. p55.[21]

Gérard, Genette, Figures II. p56.[22]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. p49.[23]

Voir, Gérard, Nouveau discours du récit. pp. 12-13.[24]

Gérard, Genette, Figures II. p56.[25]

Françoise, Revaz, Introduction à la narratologie, de boeck,2009,p149. [26]

Gérard, Genette, Figures II. p57.[27]

Gérard, Genette, Figures II. p57.[28]

Gérard, Genette, Figures II. p58.[29]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. P61.[30]

Gérard, Genette, Figures II. P63.[31]

[32]Voir, E. Benveniste, Prob de Ling Gén,T1Tunis, edCérés, 1995.pp236-249.

Voir, Gérard, Genette, Figures II. P63.[33]

Voir, Gérard, Genette, Figures II. P63.[34]

Gérard, Genette, Figures II. P65.[35]

Gérard, Genette, Figures II. P69.[36]

 

البيبلوغرافيا

§  Aristote, La Poétique traduction. Dupont-Roc et Lallot. Paris : Seuil, 1980.

§  Platon, La République, traduction ? Pierre Pachet. Paris : Folio/ Essais, 1983.

§  Gérard, Genette, Figures II. Paris : Seuil/ Points Essais, 1969.

§  Gérard, Genette, Figures III. Paris : Seuil/ Points Essais, 1972.

§  Gérard, Genette, Fiction et Diction. Paris : Seuil/ Points Essais, 1972.

§  Gérard, Genette, Nouveau discours du récit. Paris : Seuil/ Points Essais, 1983.

§  Emile, Benveniste, Prob de Ling Générale,T1.Tunis, ed. Cérés , 1995.

Pour citer ce document

حسان راشدي, «"جيرار جينيت" و "موت الحكاية" " إشكالية الحكاية الخالصة"»

[En ligne] العدد 17 سبتمبر 2013N°17 Septembre 2013 ارشيف مجلة الآداب والعلوم الاجتماعيةArchive: Revue des Lettres et Sciences Sociales
Papier : P : 235 - 249,
Date Publication Sur Papier : 2013-12-01,
Date Pulication Electronique : 2013-09-24,
mis a jour le : 19/01/2014,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/index.php?id=762.