توجهات النظام التربوي الجديد. قراءة في مناهج الجيل الثاني. The orientations of the new educational system. Reading in the curriculum of the second generation.
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

توجهات النظام التربوي الجديد. قراءة في مناهج الجيل الثاني.

The orientations of the new educational system. Reading in the curriculum of the second generation.
pp 33-46

ربيع كيفوش
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

يهدف إصلاح منظومة التربية والتعليم إلى تمكين المتعلمين من كفايات تستجيب لمتطلبات عالم الشغل وتمكينهم من كفايات لغوية معرفية تؤهلهم ليصبحوا فاعلين اجتماعيين، متشبعين بالقيم الأخلاقية والإنسانية والمواطنة الإيجابية في بعدها المحلي والعالمي. فالمدرسة هي المكان الأنسب لتكوين النشئ لمجابهة التحديات التي تفرضها علينا العولمة من خلال المناهج والمحتويات الدراسية المقررة في مراحل التعليم المختلفة.

الكلمات المفاتيح:النظام التربوي، مناهج الجيل الثاني، أهداف التعليم، القیم والكفایات، التعلیم الأساسي.

La réforme du système éducatif vise à doter les apprenants de compétences répondant aux exigences du monde du travail et à leur permettre d'adapter leurs compétences linguistiques et cognitives pour devenir des acteurs sociaux avec des valeurs éthiques, humaines et citoyennes positives, à plusieurs au niveaux : locale et internationale. L'école est l'endroit le plus approprié pour préparer les jeunes à relever les défis imposés par la mondialisation à travers le programme et son contenu, à différents stades de l'éducation.

Mots clés :Système éducatif,Curriculum de deuxième génération, Objectiveséducatives,Valeurs et Compétences,Enseignement fondamental

The reform of the education system aims at empowering learners with competencies that meet the requirements of the world of work and enable them to adapt linguistic and cognitive skills that qualify them to become social actors who are saturated with ethical values, humanity and positive citizenship in their local and international dimension.The school is the most suitable place to prepare young people to meet the challenges imposed by globalization through the curriculum and contents of the curriculum at different stages of education.

Keywords:Educational system, The curriculum of the second generation,Goals of education, Values and competencies, The basic education

Quelques mots à propos de :  ربيع كيفوش

 جامعة جيجل lou_ra10@yahoo.fr

مقدمة

يعتبر الحق في التعليم من الحقوق الأساسية التي نصّ عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والوثائق الأخرى المنبثقة منه، في مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، وتنبع أهمية حصول التلميذ على هذا الحق من الطبيعة الخاصة له أولا، ومن كونه مقدمة ضرورية لتحقيق حقوق أخرى. وغني عن القول أن هذا الحق لا يشمل معرفة القراءة والكتابة، بل يتعدى ذلك إلى الحق في تعلم نوعي ييسر حياته ويساعده على أن يصبح عضوا فاعلا في المجتمع. إن مهمة المدرسة إيجاد السبل والطرائق الملائمة لتنشئة الأجيال تنشئة جيدة ليكونوا مواطنين فاعلين قادرين على تأدية أدوارهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، متشبعين بالقيم الثقافية واللغوية والدينية والاجتماعية التي تميز المجتمع الجزائري، ثم استشراف المستقبل بمتطلباته العصرية، لإعداد مواطنين غيورين على هويتهم وقادرين على رفع التحديات التي تفرضها عليهم العولمة، والمدرسة الجزائرية لن تحيذ عن هذه الخيارات، فهي مطالبة بمراجعة مناهجها وطرائق عملها إذا أرادت تحقيق القيم المتعلقة بالخيارات الوطنية.

وانطلاقا من حتمية التجديد في نظام التعليم وبرامجه ومناهجه لتحسين العمل التربوي وجعله أكثر فعالية قامت الجزائر بعدة تعديلات على نظامها التربوي منذ الاستقلال، تهدف إلى تطويره وملاءمته مع تقدم العلوم والمعرفة، وإحداث تغيرات جزئية وكلية تمكنها من الملاءمة بين التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تطرأ على المجتمع، وعلى الممارسات والسلوك البيداغوجي الذي يكسب المتعلم مؤهلات وكفايات تمكنه من التعامل مع مستجدات الحداثة تعاملا يسهم في تطويره. وحرصا منها على مواكبة التطورات التي شهدها العالم، جاءت مرحلة الإصلاح الشامل للنظام التربوي الجزائري، في الدخول المدرسي 2003- 2004، ثم تلتها مرحلة الإصلاح الجزئي للإصلاحات سنة 2016، حيث جددت الكتب والمحتويات التعليمية وفق الأهداف المسطرة وبنيت المناهج الدراسية وفق منظور بيداغوجي جديد يعتمد أساس المقاربة بالكفايات، التي تسعى إلى تمكين المتعلم من تحصيل المعارف بنجاعة، وخلق الفرص والوضعيات المناسبة لتوظيف المكتسبات وتنمية القدرات والمهارات.

1-المدرسة والتنشئة الاجتماعية

تعتبر المدرسة المؤسسة التي أوجدها المجتمع لتوجيه الأبناء الوجهة الاجتماعية الصحيحة كي يكتسبوا من العادات الفكرية والعاطفية والاجتماعية التي لا تساعدهم فحسب على التكيف الصحيح في المجتمع بل كذلك على التقدم بهذا المجتمع، فالمدرسة هي إذن المؤسسة التي اصطنعها المجتمع للإشراف على العملية التربوية والتعليمية1.وهي الوسيلة التي من خلالهما يمرر الإنسان لأجيال المستقبل تجربته الماضية ثم مخططاته ومشروعاته المستقبلية والتي تدخل بشكل عام ضمن ما يسمى بالبرامج التربوية، بشكل ضمني أو بشكل مهيكل ومنظم. ولأن المجتمعات تختلف في تراثها الاجتماعي ونظمها السياسية والاقتصادية تبعا لاختلاف مناهجها الفسلفية العامة ورؤيتها للإنسان والحياة بصفة عامة. ولكل أفراد المجتمع رغبة أكيدة في الحفاظ على كيان المجتمع بما فيه من قيم وأساليب معيشية مستمدة من خبرتهم عن الأجيال وحياتهم الاجتماعية لذلك فهو يرى بقاءها واستمرارها من أجل بقائه، فالمدرسة هي المؤسسة التربوية الأكثر أهمية بين بقية المؤسسات الأخرى، نظرا لدورها الفعال في التربية والتعليم تبعا لأهداف المجتمع وفلسفته ككل.

 إن التربية هي جملة الأفعال والآثار التي يحدثها بإرادته معلم في متعلم، وتتجه نحو غاية قوامها أن تُكَوِنَ لدى المتعلم استعدادات منوعة تقابل الغايات التي يعد لها حين يبلغ طور النضج. والتربية هي كل «أنواع النشاط التي تهدف إلى تنمية قدرات الفرد واتجاهاته، وغيرها من أشكال السلوك ذات القيمة الايجابية في المجتمع الذي يعيش فيه، حتى تمكنه أن يحيا حياة سوية في هذا المجتمع... وهي كذلك العلم الذي يبحث في أصول تنمية الفرد ومناهجها، وعواملها الأساسية وأهدافها الكبرى »2. ترتبط التربية بالتنشئة الاجتماعية للإنسان الكامل الشخصية، لأن التربية هي إعداد الفرد إعدادا كاملا، من جميع النواحي في جميع مراحل نموه، في ضوء المبادئ والقيم وطرق التربية الحديثة. فهي تحرص على بناء العقل وتنمية الذكاء الإنساني، وتحرص على بناء النفس وطمأنينتها وخلوها من القلق والاضطراب وعلى بناء الخلق الإنساني، وتحرص أيضا على بناء الجسم الإنساني وهي تبني كل ذلك بمنهج فريد وفق الفلسفات التربوية المعاصرة3.

لما تغير مفهوم التعليم تبعا لما حدث من تغيرات في المجتمع، كان على المدرسة أن تساير هذه التغيرات "بضمان تعليم ذي نوعية يكفل التفتح الكامل والمنسجم والمتوازن لشخصية التلاميذ بتمكينهم من اكتساب مستوى ثقافي عام وكذا معارف نظرية وتطبيقية كافية قصد الاندماج في مجتمع المعرفة "4. يعدّ اكتساب المعرفة جانبا مهما في عمل المدرسة ومن خصوصيات المدرسة المعاصرة، التي تعترف بضرورة اكتساب المعرفة نحو غاية أسمى، تتمثل في إحدّاث تغيرات إيجابية في سلوك المتعلم وتفكيره، وتؤمن بضرورة توافر النشاط الذاتي من جانب المتعلم، خاصة عندما تبين أن التلميذ يتعلم فقط عندما يشارك في عمل يفهمه وتتحقق لديه الدافعية والرغبة للقيام بهذا العمل. والمعلم يوجه العملية التعليمية وينظمها، "وبدلا من أن ننقل المعلومات للمتعلم نساعده على البحث عنها، وعلى بناء فكره "5، لذا جعلت المدرسة المتعلم مركز اهتمامات السياسة التربوية6.

2- دواعي الإصلاحات

شهدت الجزائر تحولات كبيرة، في مقدمتها تحرير جوانب عديدة من النشاط الاقتصادي ودخولها اقتصاد السوق، فظهرت أفاقا اقتصادية جديدة متمثلة في التكتلات الاقتصادية، والدعوة إلى عولمة الاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم، هذه المتغيرات أدت إلى بلورة حاجة ملحة في المجتمع، تمثلت في تطوير مؤسساته لمواجهة هذه التغيرات والتعامل معها7. ما جعل أولويات المدرسة تزويد التلاميذ بالآليات الفكرية، ليكونوا قادرين على صياغة مشروع فردي يسهم في التنمية الاقتصادية للبلد.

على الصعيد السياسي، انتقلت الجزائر من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية الحزبية، وتبنت الديمقراطية كخيار للحكم، فظهرت آفاق ديمقراطية واجتماعية جديدة تسعى المدرسة إلى تكريسها وإعداد التلميذ للتعامل السليم بمفهومها؛ حيث ينشأ على ثقافة احترام الغير والاستماع له، والتعايش مع الرأي الأخر. كما عرف الواقع السياسي أيضا المصادقة على دستور 1996، الذي يحدد مكونات الهوية الوطنية بأبعادها الثلاثة المتمثلة في الإسلام دينا وسلوكا وفي العربية لغة، وفي الأمازيغية ثقافة وتراثا وجزءا لا يتجزأ من مقومات الشخصية الوطنية.

ثم إن التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم " أدى إلى خلق بيئة تعلم أفضل مما كانت عليه وفتحت أفاقا جديدة من المفيد استغلالها في العمليةالتعليمية لتجعل التعلم أكثر فاعلية وسرعة وتنظيما"8، يقتضي هذا التطورإتاحة كل الفرص للتلميذ حتى يستفيد من هذه المنجزات، بتوظيفها في المناهج التعليمية بصورة مكثفة.يضاف إلى ما سبق ذكره " إدراج وتحيين معارف أو مواد جديدة يفرضه التقدم العلمي والتكنولوجي، وإجراء تعديلات تقتضيها أحكام القانون التوجيهي. وإدخال تحسينات عن طريق تعزيز الاختيارات المنهجية وتعميقها. واعتماد مقاربة شاملة بعد التمكن من تحديد ملامح التخرج من المرحلة والطور، وذلك قصد معالجة سلبيات تلك المناهج المعدة في عجالة، وسنة سنة وبمواقيت غير مستقرة " 9

فرضت هذه التحولات على المنظومة التربوية تحديث مناهجها وإعادة النظر في محتوياتها حتى تتماشى مع هذه المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.فالعولمة تملي على المجتمعات تحديات جديدة لن نتجاوز خطورتها إلا بالإعداد الجيد والتربية الناجعة للأجيال الناشئة، ليكونوا مواطنين قادرين على المساهمة في نهضة وطنهم "خاصة ونحن نعيش عصر الانفجار المعرفي، والمعرفة البشرية تتضاعف كل عشر سنوات بل كل ثلاث سنوات ولابد من مسايرة العصر حتــى لا نكون تابــعـــيــــــــــن للآخرين "10. فالعالم اليوم سريع التغير تتفجر فيه المعرفة وتتطور فيه التقنيات بشكل لم يسبق له مثيل، أدى إلى تأجيج المنافسة بين دول العالم أدت في بعض الأحيان إلى خلق صراعات وأزمات، والتقدم العلمي لا يمكن بلوغه بامتلاك المعرفة ومصادرها، إنما بامتلاك القدرة العملية على استخدام المعرفة في عملية التغيير المتلاحقة في الحياة، ومن هنا تحول التركيز إلى التعلم وليس التعليم، إذا لم يعد مهما ما يقدم للمتعلم، وإنما المهم ماذا يتعلم ويتقن المتعلم.    

إن ثورة المعلومات وهذا السيل الجارف من المبتكرات اليومية، أحدثت نقلة جذرية في المجتمع، وهي تفرض على المجتمعات التركيز على أسلوب التفكير أكثر منه على مادة المعرفة، وقد نتج عن الانفجار العلمي والتكنولوجي أن أصبحت حياة الإنسان تتغير كل يوم نتيجة الثورة العلمية والتكنولوجية التي تتجلى بوضوح في انتشار مختلف وسائل الاتصال وما ينشر فيها من كتابات ومؤلفات ومواد علمية وتقنية وأدبية وفنية. إن التحولات التي عرفتها الجزائر في مجالات الحياة المختلفة، والقفزة النوعية الهائلة في وسائل الاتصال والتقنية التي تمدنا بالمعرفة ودخولنا القرن الحادي والعشرين في ظل متغيرات كثيرة لعل أبرزها الدعوات المتواصلة إلى العولمة. تمس الحاجة إلى تطوير ومراجعة مكونات النظام التربوي واستحداث مناهج تعليمية جديدة، تستجيب متطلبات العصر والمجتمع على السواء، ومعالجة السلبيات والنقائص المسجلة في النظام التربوي.

3-اعتماد منهاج الجيل الثاني: تتمثل مهمة كل نظام تربوي في إيصال ونقل القيم والخبرات العلمية والمعرفية التي اختارها المجتمع لنفسه، وهي إما قيم مشتركة بين كل الأفراد سياسية، أخلاقية، ثقافية، دينية، لغوية واجتماعية الهدف منها الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيزها، أو قيم فردية وجدانية، وفكرية وجمالية وإنسانية متفتحة على العالم.

يعرف المنهاج بأنه: "الخبرات التربوية التي تتيحها المدرسة للتلاميذ داخل حدودها أو خارجها بغية مساعدتهم على نمو شخصيتهم في جوانبها المتعددة نموا يتسق مع الأهداف التعليمية، وللخبرات التعليمية معنى شامل ذلك أنها خبرات معرفية وانفعالية واجتماعية ورياضية وفنية "11. تشمل مناهج الجيل الثاني جميع المعلومات والحقائق والمفاهيم التي نظمت في صورة مواد دراسية موزعة على سنوات الدراسة ومراحله، وتهدف أيضا إلى إيقاظ العمليات الذهنية والمعرفية وتنمية التفكير المنطقي والاستدلال والاستنتاج12.وتشكل كلا متكاملا لا تنفصل أجزاؤه عن بعضها، فكل مادة صُمم منهاجها بشكل تعاضد غيرها من المواد، حتى تسهم بايجابية وفاعلية في العملية التعليمية التعلمية.

تتكون مناهج الجيل الثاني من مكونات رئيسية متفاعلة تفاعلا تبادليا تشمل الأهداف التربوية، المحتوى، استراتيجيات التعليم والتعلم، النشاط المدرسي وعملية التقويم. والمناهج لها مدخلات وعمليات تحويل ومخرجات تتأثر تأثر مباشرا بمناخ وثقافة المؤسسة المدرسية، كما تتأثر بالبيئة المحيطة التي تتضمن كافة العوامل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتشريعية والقانونية والتكنولوجية، وما يحدث فيها من تغيرات وما يستجد فيها من متغيرات13، وعند التطوير يجب أن يشمل التطوير عناصر المنهاج كافة؛ أي يشمل التطوير كل خبرات المتعلم التي يمارسها داخل المدرسة وخارجها.

تشتمل النظرة الحديثة للتعليم والتعلم، على أنها عملية ديناميكية تهدف إلى توفير البيئة التي تساعد على تشكيل الشخصية الإنسانية لأفراد المجتمع، وتمكنهم من اكتساب الصفات الاجتماعية من خلال النمو المتوازن جسميا وعقليا ونفسيا وفق الإطار الإيديولوجي للمجتمع وفلسفته، وللمعلم حرية التجديد على المستوى المدرسي، وتكيف مادة المنهاج حسب خصوصيات المتعلمين، إذا كانت فلسفة المنهاج ونموذجه يسمحان بذلك، أو إذا كانت مبادرة المعلم لا تتعارض مع موقف السلطات التربوية. 

والأمر لا يقف عند فلسفة المنهاج ونموذجه وموقف السلطات التربوية، ولكن المعلم ذاته يجب أن يملك القدرة على التجديد والابتكار والمبادرة، فالمعلم صاحب مهنة من واجبه أن يظهر بصماته على كافة عملياتها سواء التخطيطية أو التنفيذية. وهو المفوض اجتماعيا في التعامل مع مجموعة من المتعلمين، وهو الأساس في تنفيذ ومتابعة المنهاج، من خلال اتصاله بالتلاميذ وإدارته للعديد من التفاعلات بينه وبينهم يستطيع أن يضع يده على مواطن القصور والنواحي السلبية في المنهاج، ويستطيع في الوقت نفسه أن يضع التصورات الكفيلة بالعلاج السليم، ووضعها موضع التنفيذ14. فالمعلم هو المفتاح الرئيس لنجاح العملية التعليمية في أي منهاج تعليمي، لأنه يهيئ للمتعلم المناخ الذي يقوي به ثقته بنفسه أو يدمرها، يقوي روح الإبداع أو يقتلها يثير التفكير الناقد أو يحبطه، ويفتح المجال للتحصيل والإنجاز أو يغلقه. فإذا أخذنا بعين الاعتبار ما سبق أن قلناه عن المناهج، فإن على المنظومة التربوية أن تضع خططا جديدة للتعليم والتعلم تتناول تطوير المناهج باستمرار.

4-أهداف النظام التربوي الجديد

يستمد النظام التربوي الجديد مرجعيته من الدستور والقانون التوجيهي للتربية الوطنية رقم 04- 08مؤرخ في 23جانفي 2008ومن التراث الجزائري. ويمثل المنهاج العام الإطار الموحد الذي يحقق تضافر الأهداف في سبيل تحقيق كل القيم، وتتكفل كل مادة دراسية بشكل تكاملي أو منفصل بغرس القيم المتعلقة بغايات المنظومة التربوية الواردة في القانون التوجيهي للسياسة التربوية، وفي مختلف النصوص التشريعية. تتمثل رسالة المدرسة الجزائرية في تكوين مواطن مزود بمعالم وطنية أكيدة شديد التعلق بقيم الشعب الجزائري قادر على فهم العالم من حوله والتكيف معه والتأثير فيه متفتح على الحضارة العالمية. بهذه الصفة تسعى المنظومة التربوية إلى تحقيق جملة من الأهداف العامة هي:

1- تجذير الشعور بالانتماء للشعب الجزائري في نفوس أطفالنا وتنشئتهم على حب الجزائر وروح الاعتزاز بالانتماء إليها، وتعلقهم بالوحدة الوطنية ووحدة التراب الوطني ورموز الأمة.

2- تقوية الوعي الفردي والجماعي بالهوية الوطنية باعتبارها وثاق الانسجام الاجتماعي وذلك بترقية القيم المتصلة بالإسلام والعروبة والأمازيغية.

3- ترسيخ قيم ثورة أول نوفمبر 1954ومبادئها النبيلة لدى الأجيال الصاعدة والمساهمة من خلال التاريخ الوطني في تخليد صورة الأمة الجزائرية بتقوية تعلُق هذه الأجيال بالقيم التي يجسدها تراث بلادنا التاريخي والجغرافي والديني والثقافي.

4- تكوين جيل متشبع بمبادئ الإسلام وقيمه الروحية والأخلاقية والثقافية والحضارية.

5- ترقية قيم الجمهورية ودولة القانون.

6- إرساء ركائز مجتمع متمسك بالسلم والديمقراطية متفتح على الحضارة العالمية والرقي والمعاصرة بمساعدة التلاميذ على امتلاك القيم التي يتقاسمها المجتمع الجزائري والتي تستند إلى العلم والعمل والتضامن واحترام الآخر والتسامح وضمان ترقية قيم ومواقف إيجابية لها صلة عـلى الـخصوص بـمبادئ حقوق الإنسان والمساواة والعدالة الاجتماعية15.

نستنتج من هذه الأهداف أن المنظومة التربوية ذات طابع وطني وديمقراطي وعالمي متفتّحة على العصرنة والعالم، وجميع المواد تعمل على تحقيق هذه الأهداف، لأن جميع المواد الدراسية تحتوي على القيم الروحية والهوية والمواطنة والمبادئ السامية، وتعمل كلها على تنمية أساليب التفكير العلمي لدى التلاميذ. وتسعى إلى إيجاد السبل والطرائق الملائمة لتنشئة الأجيال تنشئة جيدة ليكونوا مواطنين فاعلين قادرين على تأدية أدوارهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. إن إصلاح منظومة التربية والتعليم لا يقف عند أبعاده الكمية، بل ينبني على المراهنة على النوعية والجودة، عبر تأهيل الموارد البشرية القادرة على الاندماج في محيط اقتصادي عالمي، يتسم بالمنافسة الشرسة، وتطبعه رهانات وتحديات العولمة وتنامي اقتصاديات المعرفة. فمحددات الجودة التعليمية تتمثل في تمكين المتعلمين من كفايات تستجيب لمتطلبات عالم الشغل، وتمكينهم من كفايات أساسية ليصبحوا فاعلين اجتماعيين متشبعين بالقيم الأخلاقية والإنسانية والمواطنة الإيجابية في بعدها المحلي والعالمي. والمشاركة الفعالة في عملية البناء والتنمية المستدامة والمواكبة الايجابية لمختلف الإصلاحات التي تشهدها بلادنا في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

5- القيم في النظام التربوي الجديد

إن الملامح المضيئة من قيمنا تفيدنا كثيرا في تخطيطنا لحياة أبنائنا المستقبلية، ولكن ما السياسة التي ينبغي أن تسلكها وتتعامل بها منظومتنا التربوية مع هذه القيم؟ لأن هذه القيم قد تكون عبئا ثقيلا، وقد تكون حافزا ودافعا. تكون عبئا إذا اتكلنا عليها واكتفينا بالتفاخر بها، واعتقدنا أننا عظماء بما جنينا فلا نحتاج إلى ما يثبت عظمتنا في حاضرنا ومستقبلنا. وقد تكون هذه القيم حافزا إلى التشمير على ساعد الجدّ وتدارك ما فات واللحاق بركب التقدم ومعالجة أخطاء الماضي، وبناء المستقبل المجيد، ليناسب الماضي الأمجد، هذا ما تعمل المنظومة التربوية على تحقيقه. إن تعرفنا على قيمنا يجب أن يستهدف هدفين واضحي المعالم حقيقي التحديد: أولهما معرفة هذه القيم والتعريف بها، ثانيهما جعلها منطلقا إلى المستقبل16. تسعى المنظومة التربوية من خلال مناهج الجيل الثاني وبقطع النظر عن خصوصيات مجالات المعارف وحقول المواد التي تتكفل بها، وبصفة متكاملة مع التركيبات الأخرى للمنظومة التربوية إلى تحقيق إيصال وإدماج القيم المتعلقة بالاختيارات الوطنية الآتية: 

أ-قيم الجمهورية والديمقراطية:تنمية معنى القانون واحترامه واحترام الغير، والقدرة على الاستماع للآخر واحترام سلطة الأغلبية واحترام حقوق الأقليات. فالدولة الجزائرية جمهورية وديمقراطية ويُعَيِنُ المحكومون حكّامهم؛ تقتضي صفة الجمهورية للدولة احترام القانون الصادر عن المؤسسات الممثلة للشعب وتسيّر العلاقات الاجتماعية وفق عقد اجتماعي متفق عليه بكل حرية17.

ب- قيم الهوية:ضمان التحكم في اللغات الوطنية، وتثمين الإرث الحضاري الذي نحمله، من خلال معرفة تاريخ الوطن وجغرافيته، والارتباط برموزه، والـوعي بالهوية، وتعزيز المعالم الجغرافية والتاريخية والقيم الروحية التي جاء بها الدين الإسلامي. يسعى النظام التربوي أيضا إلى التأكيد على الانتماء إلى هوية جماعية ووحيدة تتمثل في الجنسية الجزائرية، والشعور بالانتماء إلى أمة واحدة وشعب واحد، هو شعور يرتكز على التراث اللغوي والتاريخي والجغرافي، والحضاري والثقافي الذي يرمز إليه الدين الإسلامي ولغتا الأمة العربية والأمازيغية، والعلم والنشيد والعملة الوطنية18

فالمنظومة التربوية ذات طابع وطني تهدف إلى تقديم تربية واحدة للجميع، عن طريق مختلف المؤسسات المكلفة بالعملية التعليمية عمومية وخاصة. يعني ذلك أن كل المدارس تقدم برنامجا إجباريا واحدا، يحتوي على قاعدة مشتركة من القيم والمواقف والكفايات، توظفها لتحقيق الذات البشرية وإدراك العلاقة الجوهرية التي تقوم بين البشر، من الاحترام للذات وللآخرين إلى صيانة الحقوق والدفاع عنها إلى اكتساب مبادئ الحق والعدل والمساواة، إلى الإيمان بالله والتمسك بالفضائل والكرامات إلى الشعور بالانتماء إلى عائلة ومجتمع ووطن، إلى الاهتمام بالبيئة والنظافة. والعمل كذلك على ترسيخ الارتباط بالقيم التي يمثلها الإرث التاريخي والجغرافي والديني واللغوي والثقافي، "حتى تتحول المعارف والمهارات إلى سلوك يومي مرتبط بنظام قيم. فيكتسب الفرد قيمة ذاتية تميزه عن غيره"19،  تقوي فيه الارتباط بالرموز الممثلة للأمة الجزائرية وديمومتها والدفاع عنها.

ج-القيم الاجتماعية:تنمية معنى العدالة الاجتماعية، التضامن والتعاون بتدعيم مواقف الانسجام الاجتماعي والاستعداد لخدمة المجتمع، وتنمية روح الالتزام والمبادرة، وتذوق العمل في آن واحد. إن الميزة الأساسية للجمهورية هي الديمقراطية، والديمقراطية بصفتها إيديولوجية ونظام سياسي هي الوسيلة التي تمكن من ترسيخ قيم الجمهورية كالمواطنة والتضامن واحترام الغير والتسامح. والديمقراطية تقتضي حرية التعبير التي تتطلب بدورها تنمية القدرة على الإصغاء للغير واحترامه، والقبول بحكم الأغلبية – مع احترام حقوق الأقليات – عن طريق الاقتراع في حال عدم تحقيق إجماع. والتأكيد دائما أن الديمقراطية قيمة يجب نقلها للأجيال، وأنها ممارسة وسلوكات تعمل المدرسة على ترسيخها20.

 د- القيم الاقتصادية:تنمية حب العمل المنتج المكون للثروة واعتبار الرأسمال البشري أهم عوامل الإنتاج، والسعي إلى ترقيته بالتكوين والتدريب والتأهيل من خلال الالتحاق بتكوين عال أو مهني أو بمنصب شغل يتماشى وقدرات كل فرد وطموحاته، وضمان التكوين أثناء الخدمة قصد التكيف باستمرار مع تطور الحرف والمهن، والتغيرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية21.

ه-القيم العالمية:ضمان التحكم في اللغات الأجنبية؛ تضمن المدرسة تكوينا لغويا متعدد الجوانب – اللغات الوطنية مع لغتين أجنبيتين- قصد تمكين التلاميذ من الاطلاع على منجزات الحضارات الأخرى واستيعابها. وتنمية الفكر العلمي والقدرة على الاستدلال والتفكير النقدي، والتحكم في وسائل العصرنة والاستعداد لحماية حقوق الإنسان بمختلف أشكالها والدفاع عنها، والحفاظ على المحيط. وكذلك "التفتح والاندماج في الحركة التطورية العالمية وذلك بترقية التعليم ذات التوجه العلمي والتكنولوجي المدرج في إشكالية التكوين الروحي واكتساب المعارف والمهارات عن طريق تنمية تعليم اللغات الأجنبية قصد تمكن التلميذ الجزائري من التحكم في لغتين أجنبيتين، وذلك بجعل نظام التربوي في سياق أنظمة تربوية أخرى " 22، من خلال التفتح على الحضارات والثقافات العالمية.

6- مرجعية النظام التربوي الجديد:

المتمعن في مضمون الغايات الواردة في مناهج الجيل الثاني، والأهداف التي تترجمها، يستخلص المرجعية الأساسية للنظام التربوي، وهو الاختيار الليبرالي مع الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، مع التأكيد على القيم الإسلامية والعربية والأمازيغية التي يجب على كل فرد أن يتزود ويؤمن بها، لما لها من دور حيوي في صيانة وحماية الشخصية الوطنية، وما قد يندرج ضمن ثوابت الأمة. لتجسيد هذه الطموحات تعمل المدرسة على أن تتحول الأهداف المخطط لها إلىسلوك يومي مرتبط بنظام قيم فيكتسب الفرد قيمة فردية تميزه عن غيرهوقيمة اجتماعية تشعره بالانتماء إلى الجماعة.

يسعى النظام التربوي إلى تكوين مواطن محبا لوطنه ومحترما لسلطته، متطلعا إلى العدالة نابذا لكل أشكال التمييز والتفرقة على أساس عرقي"قادر على استشراف المستقبل والانخراط في مشروع ووضع تخطيط له وتحقيقه وتقويمه وتعديله"23، من خلال تنمية معنى العدالة الاجتماعية عبر التعاون والتضامن والمساواة، واعتبار الرأسمال البشري أهم عوامل الإنتاج والسعي إلى ترقيته والاستثمار فيه بالتدريب والتكوين والتأهيل، ويحرص في ذات الوقت على أن يضمن حق التعليم للجميع وبالتساوي لكل الأطفال ذكورا وإناثا في المدن والأرياف مهما كانت طبقتهم الاجتماعية أو الاقتصادية باعتباره مجانيا.

سعيا منها إلى تكريس مبدأ ديمقراطية التعليم ومجانيته واجباريته خاصة التعليم الأساسي، وتطبيقا للاتفاقيات الدولية والعربية التي وقعتها الجزائر "فالتعليم الأساسي حق لجميع الأطفال الذين يبلغون سن السادسة من عمرهم تلتزم الدولة بتوفيره لهم. ويلتزم الآباء وأولياء الأمور بتنفيذه على مدى تسع سنوات دراسية"24. لا شك أن التعليم الذي تعمل الدولة على ضمانه لكل التلاميذ دون تمييز، سيؤهلهم للمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع من خلال المعارف التي يكتسبها التلاميذ في المدرســة الأساسية والسلوكات التي تتكوّن لديهم "فالمجتمع أحدث المدرسة وهيأ لها جميع أسباب العمل من مباني وأجهزة وبرامج وأطر وميزانية، حتى تنوب عنه في تربية الأطفال وتعليمهم وتهيئتهم بالتالي للاندماج في الحياة المهنية والوطنية وحتى تكمل العمل الأساسي الذي تبدأه الأسرة في هذا الاتجاه "25.

والتربية المدرسية هي امتدادا للتربية الأسرية في مجال التعليم والتنشئة الاجتماعية، لذا تكون المدرسة دائما على "اتصال وثيق مع الأسرة التي تعتبر امتدادا لها بتنشئة التلاميذ على احترام القيم الروحية والأخلاقية والدينية للمجتمع الجزائري وغرس القيم المجتمعية. وكذلك تنمية معارفهم وتوسيع مدركاتهم وبناء شخصياتهم، ودفعهم إلى تنويع مصادر تحصيل الإنسانية وكذا مراعاة قواعد الحياة في المجتمع "26. هذه المهام الجديدة تفرض على المدرسة أدورا كبيرة تتمثل في تنمية ميول التلاميذ المعرفية، والعمل على تكوين الشخصية الإنسانية لأفراد المجتمع، واكتساب الصفات الاجتماعية والمعارف والمهارات من خلال النمو المتوازن لغويا ومعرفيا وجسميا وعقليا ونفسيا.

تمثل المدرسة الـفـضاء الأرحب لتعلم الحياة الجماعية والاندماج وسط المجتمع، وتكوين مواطن قادر على النهوض بمسؤولياته، يساير التطورات الحديثة ويشارك بإيجابية في بناء وطنه، وتزداد أهمية المدرسة في المجتمعات النامية والمتخلفة التي تنتشر فيها الأمية، وتكون المهمة التي تلقى على عاتق المدرسة أشد حيوية. ومن المهام الأساسية للمدرسة تكييف خصائص واهتمامات واتجاهات التلميذ الفردية خلال التحاقه بالمدرسة مع متطلبات الحياة الجماعية فيها، لأن  "المدرسة هي المؤسسة الضرورية التي تمكن الانتقال من الأسرة إلى الدولة وإلى المجتمع بشكل عام بفضل تشكيل النشئ نظرا لمتطلبات الحياة المشتركة ونظرا لمقتضيات المجتمع "27. يتوقف نجاح المدرسة في رسالتها بالدرجة الأولى على مدى استيعابها لخصائص الطفولة في مراحل النمو المختلفة، ومدى اتفاقها مع هذه الخصائص لأن التلميذ قبل أن يكون تلميذا في المدرسة فهو طفل. 

7-الكفايات في النظام التربوي الجديد

لم تعد مخرجات التعليم تكتفي بمعرفة المتعلم النظرية، وإنما تجاوزت ذلك إلى امتلاك القدرة على تدبيرها وتعبئتها؛ أي أن يبرهن المتعلم على امتلاك مستوى في تدبير واستعمال هذه المعارف. فأثناء تعليم اللغة مثلا تتكامل المعرفة والانفعالات والممارسة لأن "اللغة ليست مجرد أداة أو وسيلة للتعبير أو التواصل أو مجرد شكل لموضوع أو مجرد وعاء خارجي لفكرة أو لعاطفة أو إشارة إلى فعل، إنها وعي الإنسان بكينونته الوجودية وبصيرورته التاريخية، وبهويته الذاتية والاجتماعية والقومية وكليته الإنسانية "28، هذا الهدف أكدت عليه مناهج الجيل الثاني، ومن الكفايات الأساسية التي تسعى إلى جعل التلميذ قادرا على التحكم فيها:

أ– كفايات ذات طابع اتصالي:إن اللغة العربية هي المفتاح الأول الذي يجب أن يمتلكه التلميذ لدخول مختلف مجالات التعليم والتعلم، فهي مادة تعليم وإيصال التعلمات. تشمل الكفاية ذات الطابع التواصلي كلّ ميادين التواصل والتعبير والتبادل الشفهي وغير الشفهي. فاللغات العربية والأمازيغية والأجنبية وأشكال التعبير الأخرى تعتبر وسائط لتنمية الكفايات التواصلية. واللغة العربية هي المفتاح الأوّل الذي يمتلكه المتعلّم ليلج إلى مختلف ميادين التعلّم، فهي ليست المادّة التعليمية التي تحمل التعلّمات فحسب، بل هي وسيلة نسج وصيانة علاقات منسجمة مع محيطها، وبهذه الصفة تُكَوَنُ الكفاية القاعدية الأولى.29

ب-كفايات ذات طابع منهجي:تتكون هذه الكفايات من القدرات والمعارف الإجرائية، وتهدف إلى تجنيد القدرات لتطبيق الإجراءات في حلّ وضعيات مشكلة، وتكييف وإعداد إجراءات جديدة قصد حلّ وضعيات مشكلة جديدة لم يسبق حدوثها30.

ج- كفايات ذات طابع فكري:هي مجموع الكفايات القاعدية المرتبطة بمختلف المعارف التي يمكن تجنيدها كموارد في تنمية الكفايات، كأن يتحكم التلميذ في المعارف القاعدية في العلوم والتقنيات واستعمالها في حلّ المشاكل المختلفة ذات الصلة بنشاطاته المرجعية31.

د-كفايات ذات طابع اجتماعي:هي مجموع الكفايات الإدماجية التي بإمكانها أن تجنّد الموارد الشخصية والجماعية للفوج حول تحقيق مشروع ما32. هذه الكفايات من مختلف الطبائع لم تُفْصَلْ إلاّ على سبيل العرض ومنهجية التقديم، فهي تتفاعل وتتكامل في النشاطات التي تستخدمها بدرجات مختلفة، مع غالبية إحداها على الأخرى،وتتحرك الكفايات كلما دعت الحاجة إليها، فتلجأ إلى المعارف تستمد منها المعلومات وتنفذ ما هو مطلوب منها.

8- التعليم الأساسي في الجزائر

حسب القانون التوجيهي للتربية الوطنية الصادر في الجريدة الرسمية والذي يحمل رقم 04– 08المؤرخ بتاريخ 23جانفي 2008، المتضمن تحديد الأحكام الأساسية المطبقة على المنظومة التربوية الوطنية، واعتمدته الهيئات السياسية والرسمية في الجمهورية الجزائرية كوثيقة رسمية أساسية للسياسة التربوية. تضمنت هذه الوثيقة برنامجا رئيسيا لتطوير التعليم وإنمائه كهدف رئيس من أهداف السياسة التربوية الجديدة، وحُددت فيها أطـوار الـتعلـيـم المختلفة منها التعليم الأساسي: "يشمل التعليم الأساسي مرحلة التعليم الابتدائي ومرحلة التعليم المتوسط. يضمن التعليم الأساسي تعليما مشتركا لكل التلاميذ يسمح لهم باكتساب المعارف والكفايات الأساسية الضرورية لمواصلة الدراسة في المستوى الأعلى أو الالتحاق بالتعليم والتكوين المهنيين أو المشاركة في حياة المجتمع"33، تمثل هذه المرحلة مرحلة التعليم الإلزامي، وتهدف إلى تزويد التلاميذ بالقدر الضروري من القيم والسلوكات والمعارف والمهارات العلمية التي تتفق وظروف البيئات المختلفة، ويمكن لمن ينهي مرحلة التعليم الأساسي أن يواجه الحياة بقدرة أو يواصل تعلمه الثانوي.

وجاء في القانون التوجيهي السابق في مواده 10– 11– 12المتعلقة بتنظيم مرحلة التعليم الأساسي، أن التعليم الأساسي حق لجميع الأطفال الجزائريين، تلتزم الدولة بتوفيره لكل الأطفال ذكورا وإناثا، البالعين من العمر ست سنوات إلى ست عشرة سنة في المدن والأرياف، يلتزم الآباء وأولياء الأمور بتنفيذه على مدى تسع سنوات دراسية. وتوضح المادة 44من نفس القانون مهمة التعليم الأساسي المتمثلة في اكتساب المعارف والكفايات الأساسية الضرورية34، التي تمكن كل من يجتاز هذه المرحلة أن يواصل تعليمه في مرحلة أعلى أو أن يواجه الحياة بعد تدريب مهني مكثف لإعداد الفرد ليكون مواطنا منتجا في بيئته ومجتمعه.

8-1مفهوم التعليم الأساسي

أكّد القانون التوجيهي للتربية الوطنية الصادر في الجريدة الرسمية على مفهوم التعليم الأساسي بما يلي:" أ- أنه تعليم موحد مدته تسع سنوات لجميع أبناء البلد، ذكورا وإناثا، في المدن والقرى على السواء، مما يؤكد مبدأ ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص في التعليم بين أبناء الشعب.

ب- أنه تعليم مفتوح القنوات يُمَكِنُ التلاميذ بكافة صيغه وأشكاله من مواصلة التعليم في المراحل التالية، ولكن مرحلة التعليم الأساسي تعدّ مرحلة نهائية بالنسبة لبعض التلاميذ طبقا لاستعداداتهم وقدراتهم.

ج- أنه بصبغته الجزائرية يهدف إلى تحقيق النمو المتكامل للتلميذ من خلال تسليحه بأساليب المواطنة الواعية، والقيم الدينية والوطنية، والمعارف والاتجاهات والخبرات العملية، وبذلك يحسم التعليم الأساسي منذ المراحل الأولى للتعليم قضية العلاقة بين التعليم والعمل المنتج، ويهيئ التلميذ للمشاركة في التنمية بعد تدريب مكثف، من خلال الممارسة والتدريبات المتنوعة التي يتضمنها محتوى التعليم الأساسي، طبقا لظروف البيئات المختلفة، ويساعد التعليم الأساسي على تحقيق التوافق الاجتماعي بين الفرد وبيئته الاجتماعية.

د-أنه تعليم وظيفي في فلسفته، ويرتبط ارتباطا عضويا بحياة التلاميذ وواقع بيئاتهم بشكل يوافق العلاقة بين ما يتعلمه التلاميذ، وما يحيط بهم في بيئتهم الخارجية، حيث تكون البيئة الخارجية ومصادر الإنتاج والثروة فيها، هي مصادر المعرفة ومجال البحث والدرس والعمل والنشاط، وميدان تطبيق الخبرة المدرسية بما يعزز انتماء التلميذ لمجتمعه ووطنه. 

ه- أنه بفلسفته ووظيفته يؤكد على الاهتمامات التطبيقية، فهو تعليم يزاوج بين البعدين النظري والتطبيقي في صيغة تعليمية واحدة، ويؤكد مبدأ وحدة المعرفة والخبرة الإنسانية.

و- أنه يحفز التلاميذ على أن يتدربوا على استخدام ما يكتسبونه من مهارات وخبرات في معالجة ما يقابلهم من مشكلات فردية واجتماعية" 35.

يهدف التعليم الأساسي إلى تكوين مواطن قادر على التعامل الناجح مع المعلومات والتقنيات الحديثة في مجال معين، ليكون عنصرا فاعلا في خدمة بلده وتطويره، قادرا على إشباع ميوله ورغباته بما يتناسب مع قدراته. ولما كان العالم يتطور تطورا سريعا في كل الميادين بما فيها التعليم والتعلم فقد ترك هذا التطور بصماته على كل الدول منها الجزائر. فقد فرضت متطلبات العصر والمستقبل أن يكون "هدف التعليم هو إعداد الفرد ليكون منتجا فعّالا، فيشارك في العمل وفي جهود التنمية ، التي لا تستهدف التنمية لذاتها وإنما تستهدف الإنسان صانع التنمية والمستفيد منها لتحقيق رفاهيته" 36، ولأن الثورة العلمية تتطلب إنسانا بخصائص معينة، أهمها القدرة على استخدام التقنيات الحديثة بكفاءة تحقق الفائدة المرجوة من تصنيعها، أصبحت الحاجة ماسة إلى أفراد مؤهلين في كل مجال، وأصبح الاهتمام بالتعليم الأساسي مطلبا ملحا، وأضحى هدفه إعداد فرد المستقبل بخصائص معينة، يتطلب تعديلا في نظم التعليم ومناهجه وطرائق تعليمه.

إن التعليم اليوم ليس هدفا في حدّ ذاته، وليس حكرا على أفراد طبقة معينة، تُعِدُّ أبناءها لتسلم مهام محددة تساعدها على الاحتفاظ بامتيازات خاصة. ولم يعد هدف التعليم أيضا هو الحصول على شهادة علمية تتيح لصاحبها حياة جيدة، وموقعا اجتماعيا رفيعا، إنما أصبح هدف التعليم هو استثمار لصالح البلد، يهدف إلى إعداد الأفراد وتأهيلهم لخدمة خطط التنمية في البلد وخدمة استمرار النمو فيه، لذا أصبح الاهتمام بما يستطيع المتعلم القيام به وإنجازه.

قبل إعداد البرنامج تُحدد الاحتياجات العامة للمجتمع، من حيث نوع المهن والمهارات المطلوبة لكل مهنة، باستقراء الواقع المعيشي للبلد واحتياجاته، لذا "يكون هناك اتصال مع البيئة الخارجية ومصادر الإنتاج والثروة، تكون هي مصدر المعرفة ومجال البحث والدرس والعمل والنشاط، ثم تتسع آفاقها إلى أبعد الحدود وإلى بيئات أخرى"37. وعلى المدرسة يقع عبئ سدّ احتياجات الحاضر بكفاءات قادرة وفعّالة، تستشرف المستقبل، تعدّ الأجيال لسدّ الاحتياجات المتوقعة في المستقبل القريب والبعيد، ومواجهة ما يطرأ في ذلك المستقبل من مشكلات وحلها، لذلك تكون دوما الحاجة إلى تحليل احتياجات ميادين الشغل الحالية والمستقبلية.

تحتاج المناهج إلى تطوير دائم إذا أريد لها أن تواكب تطورات العصر في كل مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والعلمية، خاصة وأن الزمن يقفز قفزات مذهلة. وعلى الأمم التي تريد اللحاق بركب المدنية العالمي أن تأخذ من التطور ما يساعدها على بناء نفسها والحفاظ على سماتها ومميزاتها. لكن ما يجري في المدرسة الجزائرية عمل ناقص مبتور، يبدو متناقضا أحيانا كثيرة، فما يبنى في ميادين يهدم في ميادين أخرى، فالتلميذ يتعلم مادة نظرية، لا يوظفها في حياته اليومية أو المهنية بعد تخرجه. ومازلت المدرسة بعيدة عن تلبية متطلبات المجتمع من اليد العاملة المؤهلة. والتعليم يجب "يرتبط بحياة التلاميذ وواقع بيئاتهم بشكل يوثق الصلة بين ما يدرسه التلميذ فيالمدرسة وما يلقاه في البيئة الخارجية، مع التأكيد على الاهتمام بالناحية التطبيقية "38، لأن المعرفة النظرية لا تكفي لممارسة مهنة ما، وأصبح اكتساب المهارات ضروري للعمل عند التخرج، لتَكَيُف مع الوسائل التكنولوجية ووسائل العمل والإنتاج. يتسم التعليم الأساسي في الجزائر بعدة خصائص هي:

- مركزية إدارة التعليم التي هي وزارة التربية الوطنية.

- إلزاميته وتمتد فترة التعليم الإلزامي من سن السادسة حتى سن السادسة عشرة.

- مجانية التعليم الأساسي التي تشمل بالإضافة إلى غياب الرسوم المدرسية، التوزيع المجاني للكتب المدرسية.

- إسلاميته؛ أي أنه يجاهر بتعاليم الدين الإسلامي ويحث على تعلمها، ولا يوجد في المقابل تعليم خاص يدعو إلى الديانات الأخرى.

- حياده إزاء اختلاف الطوائف والأعراق والأصول والديانات والثقافات والجنسيات.

- تكافؤ الفرص التعليمية بغض النظر عن التباين الاجتماعي أو السياسي أو العرقي أو الطبقات الاجتماعية.

 أما خاصية تكافؤ الفرص التعليمية فتستمد مرجعيتها من أربع منطلقات أساسية:

1-محورية الفرد وليس الجماعة، فالفرد يشكل محور كل عمل تربوي أو تعليمي أو تكويني، إذ أن صلاح الجماعة وفاعليتها تتوقف على صلاح الفرد وفاعليته، بالتالي فالتركيز على أهمية خدمة المجتمع لاحق للتركيز على خدمة الفرد الذي يشكل المنطلق الأساسي.

2-يحمل الفرد كإنسان قيمة في ذاته، ومن ثم يجب تثمين هذه القيمة وتكوينها وتطويرها واستثمارها عبر خبرات التعليم والتدريب المختلفة.

3-تكريس حرية الفرد الاقتصادية والسياسية والفكرية.

4-مساواة الفرد مع الآخرين الذين يتمتعون بنفس المؤهلات والقدرات.

­8-2مرحلة التعليم المتوسط

يشكّل المرحلة الأخيرة من التعليم الإلزامي، يستغرق أربع سنوات ويتم في مدارس التعليم المتوسّط 39التي عليها إعداد مشروعها التربوي الذي يحدّد النشاطات البيداغوجية للمؤسّسة وكيفيات تنفيذها وتقويمها. يهدف التعليم المتوسط إلى "جعل كل تلميذ يتحكم في جملة من الكفايات القاعدية التربوية منها والثقافية والتأهيلية التي تمكنه من مواصلة الدراسة والتكوين بعد التعليم الإلزامي، أو الاندماج في الحياة العملية. وينبغي أن تدرج مختلف المواد التعليمية في مجالات تمكن المعارف الخاصة من التعاون فيما بينها تعاونا مثمرا، وبهذه الطريقة الأكثر انسجام يمكن لهذه المعارف أن تتحول في أذهان التلاميذ ثقافة عامة أدبية وفنية، علمية وتكنولوجية " 40، ولتحقيق ذلك تعمل المدرسة على إنجاز المحاور الرئيسية للتعليم المتوسط المتمثلة في " تعزيز كفاءات المتعلمين ورفع مستواهم العلمي والثقافي والتكنولوجي. تعميق تعلّمات التلاميذ وإعدادهم للتوجيه في المستقبل نحو شعب التعليم الثانوي، أو التعليم والتكوين المهنيين أو نحو الحياة العملية. تعزيز وتكييف معارف وكفاءات التلاميذ وإدراج لغة أجنبية ثانية. استعمال التكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال قصد التعلم وتنمية الذوق الفني والحس الإبداعي، وتنمية القدرات النفسحركية والبدنية والرياضية" 41.تتهيكل سنوات التعليم المتوسّط إلى ثلاثة أطوار تتميّز بأهداف محددة هي:

   الطور الأوّل يسمى طور التجانس والتكيّف، ويمثّل السنة الأولى سنة ترسيخ المكتسبات والتجانس والتكيّف، يتميّز هذا الطور باعتماده على المادّة المستقلّة وإدراج اللغة الأجنبية الثانية (الإنجليزية). أما الطور الثاني يسمى طور الدعم والتعميق، ويمثّل السنتين الثانية والثالثة، يخصّص لدعم الكفايات ورفع المستوى الثقافي والعلمي والتكنولوجي للتلاميذ. وأخيرا الطور الثالث يسمى طور التعميق والتوجيه ويمثّل السنة الرابعة، وفيها يتم تعميق وتنمية التعلّمات في مختلف المواد42. ويتمّ فيها أيضا تحضير وتوجيه التلاميذ نحو شعب التعليم الثانوي أو التكوين المهني، يتميز هذا الطور بالعناية والمتابعة البيداغوجية ونشاطات يغلب عليها العمل التطبيقي، يتوّج التعليم الإلزامي بشهادة التعليم المتوسّط.

8-3اعتماد مناهج الجيل الثاني المقاربة بالكفايات:

شكلت إستراتيجية التدريس محور الإصلاح في المنظومة التربوية الجزائرية، حيث تخلت عما يسمى بالمقاربة بالأهداف بعدما ظهر مصطلح المقاربة بالكفايات عند الغرب وهو يشكل تصورا جديدا للعملية التعليمية التعلمية، يهدف إلى تفعيل الفعل التربوي. والمقاربة بالكفايات هي طريقة في إعداد الدروس والبرامج التعليمية، وتنص على التحليل الدقيق للوضعيات التي يتواجد فيها المتعلمون أو التي سوف يتواجدون فيها وتحديد الكفايات المطلوبة لأداء المهام وتحمل المسؤوليات الناتجة عنها وترجمة هذه الكفايات إلى أهداف وأنشطة تعليمية. لتحقيق هذا الهدف يجب تغيير الممارسات البيداغوجية القائمة على الإلقاء والتلقين إلى ممارسة أكثر نجاعة تستوحي أصولها من المدرسة " المعرفية (البنائية) والبنيوية والبنيوية الاجتماعية التي تعطي أهمية كبيرة لنشاطات المتعلم، وتركز على قدراته الذاتية في التعلم. فإذا كانت النظرية المعرفية تنظر إلى التعلم على أنه مسارات معرفية داخلية تمكن من التفاعل مع بيئته، فإن البنيوية الاجتماعية تقدم الاستراتيجيات التي تمكن المتعلم من بناء معارفه في وضعيات متفاعلة وذات دلالة، وتتيح فرصة تقديم مساهمته في مجموعة من أقرانه، أما البنيوية فهي تؤكد على أهمية بناء المعارف "43.

أضحت المقاربة بالكفايات اليوم رمز الامتياز وشكلت الاختيار الأول لعدد متزايد من الأنظمة التربوية التي تبنت الطرائق النشطة44. وتم تعليل صحة هذا الخيار بكون التدريس بالكفايات – الذي يبنى على مبادئ مستقاة من النظرية البنائية والسوسيوبنائية- وهي مقاربة تحاول تقليص الهوة بين المجتمع والمدرسة وتسعى إلى الإنصاف، وذلك بضمان تعليم جيد ومستديم وقابل للتحويل في الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية45. ونجد الإصلاحات التي مست المناهج الدراسية تعتمد منطق التعلم المتمركز حول التلميذ وردود أفعاله أمام وضعيات إشكالية. لقد أصبح التعلم تحديا دائما، وأصبحت المدرسة ملزمة بتنمية كفايات المتعلمين، على نحو تمكنهم من الاستمرار في التعلم الذاتي طوال حياتهم؛ أي عليها أن تستهدف تعلما مستديما وقابلا للتحويل، والهدف من هذا كله هو تسهيل الولوج لتعلم جيد ومستديم وقابل للتحويل في الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية من جهة، وتشجيع المواطنين الناشئين على المشاركة النشطة في التنمية المستدامة للمجتمع وحثهم على احترام القيم الاجتماعية المتعلقة بالمواطنة من جهة أخرى46.

إن المقاربة بالكفايات هي مقاربة تمتاز بالحرص على النجاعة أكثر من غيرها من المقاربات وبتكيف أحسن مع المتغيرات المتزايدة لمجتمعاتنا، وذلك نظرا لأن تحويل واستثمار المعارف الدائمة التطور يجعلنا نبحث عن توظيف هذه المعارف بما يضمن فعالية وظيفية وعملية47. والمقاربة بالكفايات هي أيضا مقاربة منهاجية تتيح للمنظومات التربوية التي تحمل هاجس الإنصاف فرصة تمكين التلاميذ من تنمية كفايات تؤهلهم ليصبحوا فاعلين في الحياة اليومية أي أشخاصا قادرين على التصرف بإحكام أمام وضعيات ملموسة وواقعية، وذلك عن طريق تعبئة الموارد المكتسبة في المدرسة أو خارجها. ولبلوغ هذا الهدف المنشود فإن على المنظومات التربوية أولا أن تحدد في مناهجها الكفايات المراد تنميتها لدى المتعلمين، وثانيا أن تحدد الموارد المعرفية والإجرائية والسلوكية التي تعتبر القدرة على تعبئتها ضروريا للتحكم تدريجا في الكفايات المحددة.

ويقدم المنهاج تعريفا للكفاية لا يختلف عن معنى التعاريف السابقة على " أنها القدرة على استخدام مجموعة منظمة من المعارف والمهارات والمواقف التي تمكن من تنفيذ عدد المهام. إنها القدرة على التصرف المبني على تجنيد واستعمال مجموعة من الموارد استعمالا ناجعا لحلّ وضعيات مشكلة ذات دلالة "48. نفهم من هذا التعريف أن المقاربة بالكفايات تعتبر المعارف مجرد موارد لا بد من تعبئتها، وتستلزم عملا منتظما يتوسل بالوضعية المشكلة، ويلجأ إلى بيداغوجيا تجعل المتعلم محور النشاط التعليمي عوض المدرس أو المضامين وعوض الكتب المدرسية أو الوسائل الأخرى التي تعتبر مجرد أدوات في خدمة العملية التعليمية التعلمية. وتتمحور هذه المقاربة حول بيداغوجيا لبناء الكفايات، بيداغوجياتعمل على تزويد المتعلم بوسائل التعلم، وتعلم التصرف حسب الوضعيات، وتطمح إلى إزالة الحواجز الدراسية أو على الأقل العمل على التقليص من حدتها 49.

تستدعي المقاربة بالكفايات تصورا جديدا لعلاقة المعلم بالمتعلم، يضعه دوما في وضعية التفكير والبحث وحلّ المشكلات، ويدفعه إلى تجنيد معارفه وإدماج مكتسباته، ودور المعلم بيداغوجيًا يقتصر على التنشيط الفعّال القائم على انتقاء الوضعيات المناسبة، وتنويعها لتسهيل عملية التعلم. لقد أصبح المتعلم في بيداغوجيا الكفايات محور العملية التعليمية التعلمية وعنصرا فاعلا فيها، يساهم في تحديد المسار التعليمي، يلاحظ ويبحث ليبني معارفه بنفسه، يستثمر تعلماته السابقة في حلّ الوضعيات المشكلة التي يقترحها عليه المعلم. ينمي مهاراته بالتدرج ويتدرب على إدماج معارفه لبناء الكفايات التي تسمح له بالتكيف داخل محيطه الاجتماعي، وتمنحه كذلك القدرة على تثمين عمله، وإدراك ما أحرزه من تقدم في مساره التعليمي.

      يعتبر المتعلم في رحاب المقاربة بالكفايات "الركن الأساسي في العملية التعليمية التعلمية، بل هو سبب وجودها، لذا ينبغي معرفة قدراته ووسطه، ومشروعه الشخصي. وفي هذا الصدد، يمكن الاستفادة  من سكيولوجية النمو وعلم النفس الاجتماعي وغيرها من العلوم التي تعيننا على معرفة مختلف الجوانب لدى المتعلم"50. وتعمل المقاربة الجديدة  أيضا على إشراك المتعلم في مسؤولية قيادة وتنفيذ عملية التعلم، حيث تقوم على اختيار وضعيات تعلمية، مستقاة من الحياة في صيغة مشكلات ترمي عملية التعلم إلى حلها باستعمال الأدوات الفكرية وتسخير المهارات والمعارف الضرورية لذلك.

خاتمة

تأتي إصلاحات الجيل الثاني نتيجة الإختلالات والنقائص المسجلة في منظومتنا التربوية سواء في مدخلاتها أو عملياته أو مخرجاتها، وعليه فإن غاية مناهج الإصلاح هي تحسين نوعية مخرجات التعلم. يتكون محتوى المنهاج من مكونات رئيسية متفاعلة تفاعلا تبادليا يشمل الأهداف التربوية، المحتوى، استراتيجيات التعليم والتعلم، النشاط المدرسي وعملية التقويم، والمنهاج له مدخلات وعمليات تحويل ومخرجات، تتأثر تأثر مباشرا بمناخ وثقافة المدرسة، والظروف المحيطة التي تتضمن كافة الظروف الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية. ويشمل المنهاج خبرات المتعلم التي يمارسها داخل المدرسة وخارجها.

تسعى المنظومة التربوية إلى توفير البيئة التي تساعد على تشكيل الشخصية الإنسانية لتلاميذ، وتمكنهم من اكتساب الصفات الاجتماعية من خلال النمو المتوازن جسميا وعقليا ونفسيا وفق الإطار الإيديولوجي للمجتمع وفلسفته.

للمعلم حرية التجديد على المستوى المدرسي، وتكيف مادة المنهاج حسب خصوصيات المتعلمين، إذا كانت فلسفة المنهاج ونموذجه يسمحان بذلك، أو إذا كانت مبادرة المعلم لا تتعارض مع موقف السلطات التربوية.

يعكس النظام التربوي الجديد طموحات الأمة الجزائرية، ويصف المشروع الذي ينشده المجتمع بكيفيات مختلفة. ويعمل إلى إيجاد السبل والطرائق الملائمة لتنشئة الأجيال تنشئة جيدة ليكونوا مواطنين فاعلين قادرين على تأدية أدوارهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية؛ إعداد وتكوين المواطن النوع في فكره وميوله وسلوكه، مواطن غيور على هويته قادر على رفع التحديات التي تفرضها العولمة.


الهوامش

1.أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية أهميتها-مصادرها-ووسائل تنميتها، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1996، ص-ص 155-160

2.أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات علوم التربية والتعليم، دار الفكر العربي، القاهرة، 1980، ص 108

3.محمود السيد سلطان وصادق جعفر اسماعيل، مسار الفكر التربوي عبر العصور، دار القلم، الكويت، 1976، ص 62

4.الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، الجريدة الرسمية، قانون رقم 08-04 المؤرخ في 23جانفي 2008، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، الباب الأولالفصل الثاني، المادة 4

5.R. la Borderie, le métier d’élève, Hachette, Paris, 1991, P 13

6.الجريدة الرسمية، المصدر السابق، الباب الأول، الفصل الثالث، المادة 7

7.محسن علي عطية، المرجع في تدريس اللغة العربية، ط1، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، 2005، ص 42

8.المرجع نفسه، ص 43

9.وزارة التربية الوطنية، اللجنة الوطنية للمناهج، مناهجمرحلة التعليم المتوسط، الجزائر، 2016، ص 4

10.حسن شحاتة، قراءات الأطفال، ط4، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2000، ص 80

11.أحمد اللقاني، تخطيط المنهج وتطويره، الأهلية للنشر والتوزيع، 1989، ص 10، 11.

12.                     مديرية التعليم الأساسي، مناهج السنة الرابعة متوسط، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، الجزائر، 2005، ص - ص10-  12.

13.إبراهيم يوسف العبد الله، الإصلاحات التربوية لمواجهة متطلبات العصر وتحديات المستقبل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2004، بيروت، ص25- 26.

14.محمد محمود الحيلة، المرجع السابق، ص 339،440

15.الجريدة الرسمية، المرجع السابق، الباب الأول، الفصل الأول، المادة 02

16.فاخر عاقل، المرجع السابق ، ص 113

17.اللجنة الوطنية للمناهج، مناهج مرحلة التعليم المتوسط،، ص 5

18.المصدر نفسه ، ص 4

19.جورج سلهب، تقنيات التواصل الشفوي من الطرائق النشطة إلى الكفاية الاندماجية،في تعلّمية اللغة العربية،دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 2006، ص142

20.اللجنة الوطنية للمناهج، المصدر السابق، ص 5

21.الجريدة الرسمية، المصدر السابق، الباب الأول، الفصل الثاني، المادة 06

22.اللجنة الوطنية للمناهج، المصدر السابق، ص 4

23.جورج سلهب، المرجع السابق ، ص 143

24.صلاح  الدين المتبولى، جهود اليونسكو في تطوير التعليم الأساسي، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2003، ص 34

25.محمد الدريج، تحليل العملية التعليمية مدخل إلى علم التدريس، قصر الكتاب، المغرب، 2000، ص 85

26.الجريدة الرسمية، المصدر السابق، الباب الأول ،الفصل الثاني، المادة 5.

27.محمد الدريج، المرجع السابق،ص 85

28.ابراهيم محمد عطا، المرجع السابق، ص 132

29.اللجنة الوطنية للمناهج، المصدر السابق، ص 15

30.المصدر نفسه، ص 14

31.نفسه

32.نفسه ، ص 14، 15

33.الجريدة الرسمية، المصدر السابق ، الباب الثالث ، الفصل الثالث المادة 44- 46

34.المصدر نفسه ،  المادة 44

35.صلاح الدين المتبولى، المرجع السابق، ص 49

36.المرجع نفسه، ص 50

37.نفسه

38.نفسه

39.الجريدة الرسمية، المصدر السابق، الفصل الثالث ، المادة 51

40.اللجنة الوطنية للمناهج، المصدر السابق، ص 13

41.المصدر نفسه، ص 13

42.نفسه ،ص15

43.نفسه،  ص 8

44.الطرائق النشطة : ظهرت في أوروبا بسبب الانتقاد الشديد الذي وجهه بعض المربين لمنهجية التدريس التي كانت سائدة لغاية القرن العشرين. وأهم الملاحظات التي سجلها هؤلاء المربين هي سيطرة المعلم في الدروس، وعدم مشاركة التلميذ مشاركة فعّالة. ويكتفي فقط المتعلم بالاستماع ثم تطبيق ما يسمعه من التعليمات. عند ذلك ظهرت الطرائق النشطة(Méthodes actifs)التي تقلل من تدخل المعلم وتترك المجال لنشاط المتعلم أثناء الدرس. وقد أثبتت علوم التربية وعلم النفس ضرورة إشراك المتعلم في النشاط التعليمي. فيشارك مشاركة فعلية في تنمية المعارف التي يتلقاها من معلمه. وأن تكون له المبادرة حتى تكون له القدرة على الإبداع. وهذه الأفكار قد ساهم في إثباتها بياجه (Piaget)وعلماء آخرون ممن حذو حذوه. ( عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، موفم للنشر، الجزائر، 2007، ص 190- 192)

45.المملكة المغربية، وزارة التربية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، دليل المقاربة بالكفايات، مكتبة المدارس، الدار البيضاء، 2009، ص 11

46.المرجع نفسه ،ص 12

47.نفسه، ص  13

48.اللجنة الوطنية للمناهج، المصدر سابق، ص 8

49.المملكة المغربية، وزارة التربية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي ، المرجع السابق ، ص 14

50.اللجنة الوطنية للمناهج، الوثيقة المرافقة لمنهج اللغة العربية – مرحلة التعليم المتوسط، الجزائر، 2016، ص 31

ربيع كيفوش, «توجهات النظام التربوي الجديد. قراءة في مناهج الجيل الثاني. »

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 28 مجلد 15-2018N°28 Vol 15- 2018
Papier : pp 33-46,
Date Publication Sur Papier : 2019-01-08,
Date Pulication Electronique : 2019-01-08,
mis a jour le : 09/01/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=4880.