إشكالية الدولة في مشروع الإسلام السياسي في الجزائرThe state issue within the political islam project in algeria
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

إشكالية الدولة في مشروع الإسلام السياسي في الجزائر

The state issue within the political islam project in algeria
ص ص 241-262
تاريخ الارسال: 05/03/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

عبد الرزاق قربوع
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

اختلف الدارسون لمشروع الدولة الإسلامية في الجزائر، فريق يرى أن الحركة الإسلامية تسعى إلى إقامة دولة دينية ثيوقراطية تصادر الحريات العامة، وفريق يرى أن الدولة الإسلامية ليست هي الدولة الدينية التي ظهرت في أوربا الوسيطة، والواقع أن مفهوم الدولة قد تطور كثيرا في فكر الحركة الإسلامية في الجزائر، فقد أصبحت تعترف بأن العمل السياسي من صميم الإسلام وأن الديمقراطية آلية لمراقبة الحاكم وهي لا تتعارض مع الشورى وتقبل بالتعددية الحزبية وغيرها فأصبحت تقترب في طرحها من الدولة المدنية. سنحاول في هذا المقال أن نحلل مفهوم الدولة في فكر الحركة الإسلامية في الجزائر والسياقات التاريخية لتشكل وتطور هذا المفهوم.

الكلمات المفاتيح: الحركة الإسلامية، الإسلام السياسي، الدولة الإسلامية، الحاكمية، الشورى، التعددية الحزبية

Le champ des études consacrées au projet de l’Etat islamique en Algérie est dominé par deux approches bien distinctes. D’une part, une approche qui identifie le programme politique du mouvement islamique à l’instauration d’un état de type théocratique et qui serait liberticide. D’autre part, une approche qui insiste, quant à elle, sur la différence fondamentale entre l’état islamique et l’état théocratique qu’a connu l’Europe au Moyen âge. Cela dit, il est nécessaire de souligner le progrès qu’a connu le concept de l’état dans la pensée du mouvement islamique en Algérie. En effet, l’action politique est reconnue, aujourd’hui, par les penseurs et les politiciens à tendance islamique, comme faisant partie intégrante de la pratique de cette religion. Également, l’on pense qu’il y aurait pas de contradiction entre la démocratie et le principe coranique de la Choura, un principe identifiable à la démocratie considérée comme un mécanisme politique moderne nécessaire au bon fonctionnement du gouvernement. Cela met en avant l’idée que l’état prôné par le mouvement islamique est très proche du modèle de l’état civil. L’objectif de cet article sera essentiellement d’analyser des différents contextes historiques qui ont vu l’émergence et l’évolution du concept de l’état dans la pensée du mouvement islamique en Algérie.

Mots clés: Mouvement islamique, Islam politique, Etat islamique, Al-Hakimiya, Al-Choura, Multipartisme

The Islamic state project in Algeria gave birth to several colliding views and positions. Some consider the Islamic movement as one which aims at establishing a theocratic state that confiscates public liberties, while others see it as different from the religious state that emerged in middle-agesEurope. Indeed, the concept of the stateevolved immensely in the ideology of the Algerian Islamic movement, which starts recognizing political activity as the core of Islam and democracy as a mechanism for controlling the ruler. In addition, Islamic movement accepts multipartyism and its approach is closer to that of the civil state.This paper attempts to deeply analyze the concept of the state in the thought of the Islamic movement in Algeria and the historical context behind the rise and the development of such concept.

Keywords:Islamic movement, Political islam, Islamic state, Government, Chouraa, Multi-Partism

Quelques mots à propos de :  عبد الرزاق قربوع

جامعة محمد لمين دباغين سطيف2k.abderrezak@hotmail.fr

مقدمة

يستوقفنا البحث في تاريخ الجزائر المعاصر عند محطة من أهم المحطات التي مر بها المجتمع الجزائري، فلم يكن الاستقلال عن المستعمر الفرنسي إلا بداية لظهور تيارات سياسية وحركات اجتماعية لم تكن تحمل نفس المشروع المجتمعي الذي جاءت به السلطة، وأهم تيار كان له الأثر الأكبر هو التيار الإسلامي الذي شكل معارضة إسلامية منذ السنوات الأولى للاستقلال، حيث تحمل قادة جمعية العلماء المسلمين أعباء مواجهة النظام السياسي من أجل تحقيق مبادئ الثورة التحريرية وأهدافها في بناء دولة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية، غير أن انحراف مشروع السلطة عن هذه المبادئ وتبنيها لمشروع المجتمع الاشتراكي جعل من الهوة تتسع بينهما، وهذا ما أدى في نهاية المطاف بالتيار الإسلامي إلى الانتظام في شكل حركة اجتماعية تسعى إلى نشر قيم الإسلام الروحية والتربوية بين أفراد المجتمع، مع احتفاظها بمهمة معارضة السلطة أيديولوجيا، لكن الحراك الاجتماعي الذي عرفته نهاية سنوات الثمانينات عجل بظهور الإسلام السياسي في الجزائر وتحول الحركة الإسلامية من حركة تربوية دعوية إلى حركة سياسية تتخذ من مشروع الدولة الإسلامية هدفا لنضالها وممارستها للعمل السياسي، فلم تسع الحركة الإسلامية من قبل إلى تقديم مشروعها كبديل للسلطة القائمة بالرغم من الإخفاقات التنموية التي عرفتها جزائر ما بعد الاستقلال، وكل ما كانت تسعى إليه من خلال نشاطها الاجتماعي هو الضغط على السلطة القائمة من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، لكن الانتشار الكبير لمشروع الدولة الإسلامية في العالم الإسلامي ووصول بعض الحركات الإسلامية للحكم على غرار ما حدث في إيران والسودان، إضافة إلى تشبع الجيل الجديد من الحركة الإسلامية بفكرة التغيير الجذري للأوضاع الاجتماعية خاصة في نهاية الثمانينيات، دفع بالتيار الإسلامي إلى تغيير منهجية العمل والانتقال من العمل الدعوي والتربوي إلى  العمل السياسي، وأسس أحزابا سياسية لتجسيد العمل الإسلامي وبناء الدولة الإسلامية على نموذج الخلافة، وقد رفع لأول مرة شعار " من أجل الدولة الإسلامية ".سوف نحاول في هذا المقال تتبع المسار التاريخي لنشوء وتطور الحركة الإسلامية في الجزائر، وإرهاصات تشكل مفهوم الدولة الإسلامية، ومعالم هذه الدولة في فكر الإسلام السياسي في الجزائر.

1-إشكالية الدراسة

لم تكن فترة سنوات التسعينيات في الجزائر وما صاحبها من عنف إسلامي إلا محصلة لمشروع تغييري لم يكتمل، قررت الحركة الإسلامية أن تقوده لتحقيق المشروع الحضاري الذي ناضلت من أجله سنوات طوال، ولم يكن مشروع الدولة الإسلامية إلا نتيجة لإخفاقات الدولة الوطنية التي قدمت مشروعها الاشتراكي العلماني بديلا للنظام الاستعماري المنتهي وجوده في الجزائر. لقد كانت إرهاصات تشكلت المعارضة الإسلامية في السنوات الأولى التي تلت الاستقلال ناجمة عن خيبة الأمل التي شعر بها الإسلاميون نتيجة لتهميش المشروع الإسلامي من طرف السلطة الجديدة رغم أن مبادئ ثورة نوفمبر تبنت خيار النظام الإسلامي كنظام لتسيير شؤون المجتمع بعد الاستقلال، لكن الخيار الاشتراكي الذي اتجهت نحوه الدولة الجديدة قضى على كل حلم لنظام إسلامي. لم تكن فكرة الدولة الإسلامية في البداية مطروحة فكل ما كان هو الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع بحكم العلاقة التاريخية بين الجزائريين والإسلام، لكن إخفاقات السلطة أدت بالحركة الإسلامية إلى الرفع من طموحاتها إلى بناء الدولة الإسلامية على منهاج الخلافة الراشدة. بالرجوع إلى ماهية الدولة الإسلامية المزعومة يتضح لنا جليا بأن تقديمها كمشروع حضاري اصطدم بإشكالات عميقة تتجسد في الهوة التاريخية بين الخلافة الراشدة كنظام سياسي وبين مقتضيات الحالة الراهنة، فإذا أخذنا بعين الاعتبار بعد المسافة الزمنية بين مجتمع المدينة الذي نشأت فيه الدولة الإسلامية الأولى وخصائصه التاريخية وبين المجتمع الجزائري المعاصر لاصطدمنا باستحالة إعادة بعث نموذج الدولة الإسلامية لغياب الشروط التاريخية لذلك، ضف إلى ذلك تحديات الحداثة وعدم قبولها لاستيعاب منظومة التشريعات الفقهية في المجال الإسلامي. فالدولة الحديثة لم تكن يوما دولة أخلاقية بل هي دولة القانون والمؤسسات، بينما الدولة الإسلامية تسعى إلى أخلقة المجتمع، ولهذا يرى الكثيرون من معارضي هذا التوجه بأن الدولة الإسلامية دولة ثيوقراطية شمولية استبدادية، وأن تشيّيدها معناه القضاء على قيم الديمقراطية ومكتسابتها في الجزائر، ورغم ذلك حاولت الحركة الإسلامية في الجزائر من مقاربة النموذج الإسلامي في التجربة الراشدة وتكييفه مع متطلبات الواقع المعاصر وإن كانت كثير من التوجهات تشكك في قدرة الإسلاميين على ذلك. وصلت الحركة الإسلامية في بداية التسعينيات بعد تحولها إلى حركة سياسية تحمل مشروعا متكاملا إلى تسيير الشأن العام بعد انتخابات جوان 1990، وحاولت الوصول إلى المجلس التشريعي في انتخابات ديسمبر 1991 لكن إعاقة الديمقراطية حالت دون تجسيد مشروع الدولة الإسلامية. لقد عجت أدبيات الحركة الإسلامية بمفاهيم الدولة وتصورها لمعالم هذه الدولة والتي قدموها على أساس أنها حامية للحريات وقائمة على مبدأ الشورى حتى يتسنى للمجتمع المشاركة في تسيير شؤونه، لكن ما يطرح هو إمكانية استيعاب الدولة الإسلامية لقيم الحداثة الغربية  التي شكلت الدولة الحديثة خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، لأن مبادئ الحداثة تقتضي حماية الحريات العامة وحق الجماهير في مراقبة ومحاسبة الحاكم والإيمان بالتعددية السياسية، وحق الأفراد في التعبير عن آرائهم وغيرها من قيم العدالة، ومن منظور الدولة الإسلامية أن هذه القيم موجودة في الإسلام الذي هو المرجعية، وقد طبقت فعلا في تلك التجربة التاريخية في زمن الخلافة الراشدة وما علينا اليوم إلا إعادة بعث هاته القيم. وهذا ما يجعلنا نتساءل:

* ما هي معالم الدولة في فكر الحركة الإسلامية في الجزائر؟ 

* هل تسعى الحركة الإسلامية إلى إقامة دولة دينية ثيوقراطية؟

2-منهج الدراسة

لا يستقيم البحث العلمي إلا بإخضاع ظواهره البحثية إلى منهج ينظم المعرفة ويصل إلى نتائج صادقة وعملية، والبحث في الظاهرة الإسلامية مهم جدا كونها ظاهرة سوسيولوجية تتميز بالانتشار والعمومية، وقد اكتسحت هذه الظاهرة الكثير من المجتمعات العربية وأصبحت إحدى حركات التغيير في العالم العربي، ودراسة مفهوم الدولة في فكر الحركة الإسلامية وهو المشروع الذي تناضل من أجله حركات الإسلام السياسي يستوجب علينا الحفر في عمق الوعي الإسلامي، حيث يعتبر العمل من أجل بعث الخلافة الإسلامية كنموذج لنظام سياسي بديل للأنظمة القائمة، وتؤمن حركات الإسلام السياسي بأن الحل الإسلامي هو الوحيد الكفيل بالنهوض والرقي الحضاري، وبما أن البحث يتمحور حول إشكالية الدولة في مشروع الحركة الإسلامية في الجزائر فإننا سوف تعتمد على المنهج الوصفي للدراسة، وذلك لسببين:

أولا: أن المنهج الوصفي يعتمد على البحث في السيرورة التاريخية للظاهرة، وهذا ما سنقوم به من خلال تتبعنا لمراحل ظهور مفهوم الدولة في أدبيات الحركة الإسلامية في الجزائر، لأن هذا المفهوم متطور ولم يحمل نفس الدلالة في كل مرحلة.

ثانيا:أن المنهج الوصفي منهج تحليلي نسعى بتطبيقه إلى تحليل أدبيات الحركة الإسلامية للخروج بتصور عام عن معالم الدولة في مشروع الحركة الإسلامية في الجزائر.

3-مفهوم الإسلام السياسي

يعتبر مفهوم الإسلام السياسي من المفاهيم التي أصبحت متداولة كثيرا في الحقل السياسي والأكاديمي ومن المفاهيم الشائكة وغير المتفق على تعريف موحد لها، غير أنه في مضمونه يشير إلى تلك الممارسة السياسية للحركات الإسلامية، أو هي تلك الحركات التي تتخذ من الإسلام مشروعا للدولة والمجتمع، فقد كان ينظر إلى الإسلام على أنه مجموعة من الشعائر تربط العبد بالخالق، أو هي منظومة الشعائر التعبدية التي تنتشر في المجتمع الإسلامي، وأما مسألة السياسة والحكم فهي عملية دستورية تنظمها قواعد العمل السياسي، وإقحام الدين في السياسة يؤثر سلبا على الدولة بشكل عام، فالدين جاء لينظم حياة الإنسان الأخرى أو المآل، أما الدنيا فلها نظامها الخاص، ودور الحركات الإسلامية يكمن في الدعوة إلى القيم والأخلاق التي ترتقي بالإنسان وتجعله يفوز بالجنة في الآخرة، وتدخلها في شؤون السياسة يفقدها دورها الحقيقي وتنجر إلى معارك هامشية لا تخدم مشروعها. بهذا المنطق كان ينظر إلى الإسلام لكن الحركات الإسلامية أدركت معركة البناء، فالإسلام شريعة متكاملة أي أنه دين ودولة وأي فصل بينهما يعتبر تحريفا للدين وتغييرا لمقاصده، فالعمل السياسي هو من صميم الإسلام، وتنظيم المجتمع وفقا للتشريعات الإسلامية فرض على النظام السياسي الإسلامي، وما الخلافة الإسلامية إلا نموذج تاريخي يحتم على المسلمين إعادة إنتاج هذه التجربة الفريدة في رقي المجتمع بالتشريع الإسلامي. ومن هذا المنطلق ترفض التيارات الإسلامية مصطلح الإسلام السياسي لأنه يحمل في ثناياه الفصل بين الدين والدولة أو بين الدين والدنيا، وهو تصور علماني للدولة. ويرى حسن الترابي بأن مصطلح الإسلام السياسي، إضفاء صيغة السياسي على الإسلام تحدث خلطا وتشويشا يتعلق أساسا بأن مصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح يجزئ الإسلام كدين وهو أمر يرفضه أتباعه ومعتنقوه، لذا فالأفضل من ذلك هو أن نستخدم مصطلح الحركات السياسية الإسلامية1.بينما يذهب يوسف القرضاوي إلى أن :" مصطلح الإسلام السياسي مرفوض كونه جزء من مخطط وضعه أعداء الإسلام لتفتيته وتقسيمه جغرافيا أو تاريخيا أو مذهبيا فهناك الإسلام الثوري، والإسلام الرجعي أو الراديكالي والكلاسيكي، والإسلام اليميني والإسلام اليساري، والإسلام المتزمت والإسلام المنفتح، مشيرا إلى أنه ليس هناك سوى إسلام واحد وهو إسلام القرآن والسنة "2. وتصر الحركات الإسلامية على أن التزامها بالإسلام كمرجعية لمشروعها السياسي إنما هو استجابة لمرجعية المجتمع، وفي هذا الإطار يقول سعد الدين العثماني: "وتصورنا لأهمية المرجعية ينطلق من أن تطور الشعوب لا يمكن فصله عن النسق الثقافي والمرجعية الحضارية السائدة في تاريخها، وشعوبنا ظلت عبر تاريخها شعوبا مسلمة. وأي إصلاح لأحوال المجتمع ينبغي أن يأخذ في الاعتبار هذه الحقيقة التاريخية. وهكذا فإن نجاح أي إقلاع اجتماعي وحضاري وأي تحرك في مواجهة التحديات المطروحة يستلزم الارتباط بخصوصيتنا الحضارية، بل ينبغي أن ينطلق من روح الاعتزاز بالمكانة الحضارية والتاريخية لبلداننا وأمتنا.."3. فالنظرة الشمولية لقدرة الإسلام على تقديم البدائل لتحقيق نهضة إسلامية هي المشروع الذي تشتغل عليه الحركات الإسلامية،" إن الإسلام باعتباره دين التوحيد المطلق تنبثق عنه رؤية شاملة للكون والإنسان والحياة يمتزج فيها الفلسفي بالعملي  الفردي بالجماعي الأخلاقي التعبدي بالاقتصادي والأخروي بالدنيوي، وهي رؤية متعالية عن الزمان والمكان بحكم مصدرها الإلهي غير أنها في تنزلها إلى حياة الناس تتخذ أشكالا مختلفة فتتلون بلون الأرض ولكنها تظل في سعي دؤوب للاصطباغ بصبغة الله وللالتحام بالمطلق"4.ظهر مصطلح الإسلام السياسي في مطلع تسعينيات القرن الماضي حيث انتقلت أغلب الحركات الإسلامية إلى العمل السياسي، وحققت نجاحا كبيرا في الوصول إلى الحكم بداية من إيران إلى السودان وكانت بوادر نجاح الإسلاميين في الجزائر تظهر للعلن. وانتشر  هذا المفهوم في الحقل الأكاديمي والسياسي بشكل لافت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمر عام ألفين وواحد. والواقع أن مصطلح الإسلام السياسي لم تنتجه الأدبيات الإسلامية ولا الحقل المعرفي الإسلامي، بل انتقل من الفكر الغربي، وهذا المصطلح ظهر ليعبر عن خوف الغرب من تنامي الحركات الإسلامية وخشية وصولها إلى الحكم، وما تشكله من تهديد للغرب ومصالحه، وقد ظهر هذا التخويف من الأصولية الإسلامية في كتاب نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما، باعتبار أن الغرب الرأسمالي وبعد انتصاره على الشيوعية هو أمام تحدي الإسلام السياسي، خاصة بعد تجربة الغرب مع السودان وإيران، وكتب أوليفيه روا كتابا في سنة 1992 تحت عنوان فشل الإسلام السياسي، طرق فيه لتجارب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، ويرى بأن هذه الحركات سلفية في عقائدها ولكن لا تقبل إلا بشمولية الإسلام وخاصة فيما يتعلق بطبيعة الدولة والسلطة السياسية5.وقد استخدم مصطلح الإسلاموية أو الإسلام السياسي من طرف المفكرين الغربيين الذين تناولوا الظاهرة الإسلامية بالدراسة، يضفون تلك الأيديولوجية المتشبعين بها والتي ترى بأن الإسلام مجرد شعائر فيكفي الإسلام الصوفي الذي لا يسعى إلى إقامة الدولة، أما الإسلام الذي يناضل من أجل تشييد الدولة الإسلامية التي تهدد مصالح الغرب فهو إسلام أصولي مرفوض.لم تكن الحركة الإسلامية وليدة اللحظة الراهنة بل ترجع إلى ثلاثينيات القرن الماضي أين أسس حسن البنا تنظيم الإخوان المسلمين، لكن اهتمام الدارسين الغربيين بالظاهرة الإسلامية جاء متأخرا بعد أن هيمن على الفكر الغربي مفهوم صراع الحضارات، وأصبح الإسلام في نظرهم – ليس الإسلام كمنظومة شعائرية تعبدية- بل الإسلام الذي يمارس في شؤون الحكم هو القوة الناشئة التي تدير هذا الصراع مع الغرب الرأسمالي. ومع ذلك فقد نقل مصطلح الإسلام السياسي إلى الحقل التداولي الإسلامي كتمييز بين الإسلام الصوفي التعبدي، وبين الأحزاب التي تتخذ من الإسلام مرجعية لشرعنة مشروعها الحضاري، والتي تسعى بكل السبل إلى إقامة الدولة الإسلامية.

4-الدولة الإسلامية: جدلية المفهوم

يعتبر مفهوم الدولة الإسلامية من المفاهيم الشائكة والمعقدة في الفكر السياسي الإسلامي والتي لاقت اهتماما كبيرا من طرف الباحثين في الحقل السياسي، وذلك بسبب غياب التنظير من طرف مفكري الإسلام السياسي في هذا المجال، وأصبح المفهوم متداولا في أدبيات التيارات الإسلامية للدلالة على النظام السياسي البديل للأنظمة القائمة العلمانية والذي يستمد روحه من مبادئ الإسلام، لم يهتم منظروا الإسلام السياسي بتحديد معالم الدولة الإسلامية بقدر اهتمامهم بالجانب العملي الذي يسعون من خلاله إلى إقامة الدولة المنشودة – دولة الخلافة. "وتعود حالة التجاذب الفكري المحيقة بمفهوم الدولة الإسلامية إلى عوامل متعددة يمكن إرجاعها إلى ظاهرة الازدواج الثقافي التي تعانيها الأمة. وتتجلى هذه الظاهرة في انقسام القيادة الفكرية للأمة إلى جبهتين، تتمثل أولاها في حماة الموروث الثقافي الإسلامي، ويعتمد موقف هؤلاء على شعور قوي بالأصالة الإيمانية، وإحساس عميق بقصور الرؤية الغربية، بينما تتجلى ثانيتهما في أنصار الحداثة الغربية، ويستند موقفه إلى رغبة عارمة في مواكبة قطار التقدم المادي والتقني، وتحقيق الفعالية للبشري"6.لقد ركزت التيارات الإسلامية في تقديم مشروعها البديل على إخفاقات الأنظمة القائمة في تحقيق النهضة وعجز المولعين بالحداثة الغربية عن خلق نموذج حداثي عربي ينقل المجتمعات العربية من الركود والتخلف إلى مصاف المجتمعات الراقية، وهذا الإخفاق الحداثي العربي قد ساهم بقدر كبير في تنامي مشروع الإسلام السياسي في المنطقة العربية بشكل عام.لقد " فتح انهيار مشروع التحديث العربي، قوميا كان أم وطنيا، باب مراجعة ممزقة. وبدأت المفاهيم التي ارتبطت به سواء ما تعلق منها بتصور الذات أو التاريخ أو القيم أو البرامج، تفقد بسرعة صدقيتها ومدلولها. فلم يتردد استخدام مصطلح الأزمة في أية حقبة ماضية في المناظرة الفكرية العربية كما تردد ولايزال يتردد منذ بداية العقد التاسع من هذا القرن العشرين"7.تشير أدبيات الإسلاميين المستخدمين لمصطلح الدولة الإسلامية إلى ذلك الاجتماع الإنساني الذي تنتظم فيه العلاقات الاجتماعية وفقا لما تفرضه الشريعة الإسلامية، الدولة الإسلامية تتميز عن باقي الدول بتطبيقها لشرع الله المنزل على نبيه محمد– صل الله عليه وسلم- في الأحكام والمعاملات، في مقابل المجتمعات التي تلجأ إلى القوانين الوضعية التي تتعارض مع نصوص الشريعة والتي أقصت الدين من الحياة العامة، ويبرر حسن البنا نظريته السياسية في قوله: "نعم إنها الحقيقة القائلة لا خير في دين لا سياسة فيه، ولا خير في سياسة لا دين لها. بل هي سياسة كافرة مرفوضة، والإسلام جاء بسياسة لإسعاد الناس في الدنيا والآخرة، سياسة ترعى شؤونهم كلها، ويوم أن عاش المسلمون أنفسهم وغيرهم بهذه السياسة سعدوا وأسعدوا من عاش بكنفهم آمنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم"8. ويعمق أبو الأعلى المودودي الفكرة أكثر ليركز على غاية الإسلام من الدولة يقول في كتابه نظرية الإسلام السياسية: "للدولة الإسلامية القائمة على أساس هذا الدستور غاية ذكرها الله تعالى في كتابه في مواضع كثيرة منها قوله:" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس "فالمراد من الحديد في الآية هو القوة السياسية، والآية قد بينت ما بعثت الرسل لأجله وهو أن الله قد أراد ببعثهم أن يقيم في العالم نظام العدالة الاجتماعية على أساس ما أنزله من البينات وما أنعم عليهم في كتابه من الميزان أي حياة الإنسان العادل"9.وإذا كانت التيارات الإسلامية ترى بأن عودة الدولة الإسلامية حتمية تاريخية للخروج من المأزق الحضاري الذي تتخبط فيه المجتمعات العربية والذي كان نتيجة استبعاد الدين من الحياة بتأثير الحداثة الغربية، والدولة الإسلامية في نظرهم هي ذلك الوعاء الذي تتحقق فيه حاكمية الله، "وحين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده – متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية – تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررا كاملا وحقيقيا من العبودية للبشر وتكون هذه هي الحضارة الإنسانية، لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع.. ولا حرية – في الحقيقة – ولا كرامة للإنسان – ممثلا في كل فرد من أفراده في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد يطيعون.." 10.في المقابل ترفض التيارات العلمانية فكرة الدولة الإسلامية وترى فيها عودة للأصولية المتخفية وراء الدولة للهيمنة على مجالات الحياة، لأن الدولة ما هي إلا ظاهرة تاريخية، والدين هو عقيدة تربط المخلوق بالخالق وتظهر في أمور العبادات والشعائر وأن الإسلام لم ينتج أبدا نظاما سياسيا، أما الدولة فهي تنظيم لشؤون الحياة بما يضمن مصلحة الأفراد والجماعات. و لعل هذا الطرح من طرف العلمانيين من أهم العوامل التي أدت إلى التباس مفهوم الدولة الإسلامية، "وعلى الرغم من اعتقادنا أن الفكر العلماني يتحمل مسؤولية التشويه الذي طرأ على معالم النظام الإسلامي، نظرا إلى إسقاطه نتائج التجربة السياسية الغربية على الواقع التاريخي الإسلامي، فإننا نحمل الفكر الإسلامي المعاصر قدرا مساويا من المسؤولية لسببين: الأول أن الفكر الإسلامي المعاصر حاول إعادة تشكيل المحتوى المعرفي الموروث باستخدام قوالب فكرية مستعارة من تجربة مغايرة، لذلك نجد مفكرا مؤثرا مثل أبي الأعلى المودودي يصف الدولة الإسلامية بالشمول، فيكتب: فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أن تحد دائرة عملها، لأنها دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها وتطبع كل فرع من فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص، فليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثني أمرا من أموره قائلا إن هذا أمر شخصي لكيلا تتعرض له الدولة. وبالجملة، إن الدولة تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي. فإذا، هي تشبه الحكومات الفاشية والشيوعية بعض الشبه. ولكن مع هذه الهيمنة، لا يوجد في الدولة الإسلامية تلك الصبغة التي اصطبغت بها الحكومات المهيمنة والاستبدادية في عصرنا هذا. فلا يوجد في الدولة الإسلامية شيء من سلب الحرية الفردية، ولا أثر للسيطرة الديكتاتورية والزعامة المطلقة. إن المقتطف السابق يعكس حالة تخليط بينة، ففي فقرة واحدة يسم المؤلف الدولة الإسلامية بالشمول، ويشبهها بالدولة الشيوعية والفاشية، ويشدد على أن ليس لأحد أن يقوم في وجهها ويستثني أمرا من أمورها قائلا هذا أمر شخصي خاص لكيلا تتعرض له الدولة، ليعود فينفي بعد جملتين أن يكون في الدولة الإسلامية شيء من سلب الحرية الفردية أو أثر للسيطرة الديكتاتورية والزعامة المطلقة. أما السبب الثاني للتشويه الحاصل في فهم طبيعة الحياة السياسية تضمن الدولة الإسلامية فيعود إلى قبول النموذج السياسي التاريخي من دون إخضاعه لعملية نقد وتمحيص"11. لكن ورغم هذه التجاذبات والتداخلات في مفهوم الدولة الإسلامية إلا أن العمل على إقامتها لا يزال مطلب التيارات الإسلامية وهدفا لنضالها.

5-الحركة الإسلامية في الجزائر سياقات النشأة وتشكل المشروع

لم تظهر الحركة الإسلامية في الجزائر من فراغ بل سبقتها إرهاصات أنذرت بظهورها، وتعود أصولها إلى الأيام الأولى من الاستقلال، فلم يكن التيار الإسلامي بمنأى عن الثورة التحريرية التي انطلقت تحت راية الجهاد ضد المستعمر وكان من مبادئ ثورة نوفمبر " العمل من أجل إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية "، هذا المبدأ سوف تنقلب عليه القيادة الجديدة في الجزائر المستقلة، إذ كان المنتظر من الدولة الجديدة أن تعلن إقامة دولة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية لكن الانحراف هو الذي ميز الدستور الجديد، إذ تم تبني الخيار الاشتراكي كإيديولوجية للدولة الجزائرية المستقلة، فقد أعلن في ميثاق 1964 أن اختيار النظام الاشتراكي ضرورة لأنه أسمى النظم التي تحقق العدالة الاجتماعية، فالشعب الجزائري الذي عانى ويلات الاستعمار الذي فرضته النظم الإمبريالية الرأسمالية لن يقبل إلا بنظام عادل يزيل الفوارق الاجتماعية ويقضي على الطبقات المستغلة لثروات المجتمع، فالرأسمالية ما هي إلا أداة للسيطرة والهيمنة وإتباع النظام الرأسمالي معناه الوقوع في الاستعمار بشكل جديد، وبهذا المنطق بررت السلطة الجديدة اختيارها للتوجه الاشتراكي.

1.5-البشير الإبراهيمي يؤرخ لبداية الصراع الإسلامي

لكن المسألة التي طرحتها قيادات التيار الإسلامي ممثلة في قيادات جمعية العلماء المسلمين وعلى رأسهم الشيخ البشير الابراهيمي أنها كانت تدعو إلى إقامة دولة مستقلة في إطار المبادئ الإسلامية ولم تدع إلى تبني النظام الرأسمالي، وهذا معناه أن حركة التحرير الوطني لم تحقق الأهداف التي ثار الشعب من أجلها فقد فشلت السلطة الجديدة في تحقيق دولة تنتمي إلى حاضنة الحضارة الإسلامية. وفي خضم هذا السجال يخرج البشير الإبراهيمي ليعلن رفضه لهذا التوجه الذي في نظره ينذر بإنزلاقات خطيرة قد تذهب بمكتسبات الاستقلال، فقد عبر في بيانه التاريخي قائلا: " ...غير أني أشعر أمام خطورة الساعة وفي هذا اليوم الذي يصادف الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله-أنه يجب علي أن أقطع ذلك الصمت، إن وطننا يتدحرج نحو حرب أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل. لكن المسؤولين فيما يبدو لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية، وأن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية .." 12. لقد كان هذا أولى لبنات تشكل المعارضة الإسلامية التي جعلت من العودة إلى الأصول الإسلامية منهجا في مشروعها الحضاري وأداة لمعارضة السلطة القائمة، ولم يكن موقف الإبراهيمي إلا بداية لمواقف سوف تطبع التيار الإسلامي في مواجهة مشروع الدولة الوطنية العلمانية.

2.5-جمعية القيم نواة الحركة الإسلامية

وفي نفس الفترة تأسست جمعية تربوية سميت بجمعية القيم الإسلامية وهي جمعية تعنى بالتربية ونشر الأخلاق والفضائل الإسلامية، وتهتم بشؤون المجتمع في جوانبها السلوكية، ومن بين مؤسسيها عباسي مدني، الهاشمي التيجاني، أحمد سحنون وبعض الوجوه المهتمة بنشر قيم  الإسلام في المجتمع، ولم يكن لها شأن بالنشاط السياسي أو معارضة السلطة في توجهاتها السياسية ومشاريعها التنموية، غير أن السلطة قامت بحلها ومنعها من النشاط سنة 1966، بحجة أنها تدخلت في أمور السياسة بإرسالها رسالة إلى جمال عبد الناصر تطلب منه العفو عن سيد قطب ورفاقه. لم تكن جمعية القيم غير جمعية تربوية تعنى بتعليم الآداب والأخلاق الإسلامية ونشر الفضيلة بين أفراد المجتمع، لأن بناء الدولة الإسلامية في منهجهم يبدأ ببناء المجتمع الإسلامي، الذي تسود فيه قيم الإسلام، وأي تغيير في المجتمع لن ينجح إلا إذا ركز على بناء القاعدة، ولذلك لم يكن العمل السياسي يعنيهم على الأقل في هذه المرحلة، يقول مؤسسها الهاشمي التيجاني عن أهدافها: "إحياء القيم الإسلامية التي تتمثل في المبادئ الأخلاقية التي جاء بها القرآن والتي كونت مثلا عليا سامية لوحت عواطفا وأفكارا وأعمالا حطمت حكم القلة والاستبداد، والشرك والمادية واحتكارية أرباب الأموال. سواء كانت تعمل في الداخل أو الخارج. فأقامت الأمن والعدل. ونظمت على أسس علمية محاربة المرض والفقر والجهل فحققت المعجزات في ميدان التكوين الروحي والعقلي والعاطفي والبدني. وفاقت الحضارات الإنسانية السابقة والمعاصرة كلها اكتسابا وإنتاجا وغزارة وتفننا وإبداعا. وتتلخص المثل العليا هذه في الإيمان بالله وحده وفي قدرته وعلمه ورحمته. وبأنبيائه صفوة قادة الإنسانية في الشؤون الدينية والدنيوية معا..."13. لم تكن جمعية القيم معنية بالعمل السياسي ولا حتى بمعارضة السلطة في توجهاتها الإيديولوجية بالرغم من أن هذه الفترة سادها نوع من الغضب المتنامي من طرف التيار الإسلامي اتجاه السلطة جراء مشروعها الاشتراكي، لكن السلطة استغلت ظروف الاستقلال حيث المجتمع بكل طبقاته وأطيافه كان ينظر إلى الدولة المستقلة مكسبا وينتظر ما ستقدمه للنهضة والتطور، فقمعت كل رأي  أو توجه معارض لسياساتها وتوجهاتها تحت مبرر أنها في مرحلة البناء ويستوجب التضامن الاجتماعي من أجل نجاح مشروع الدولة والمجتمع الجديد وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. لم يكن تعامل السلطة مع التيار الإسلامي ليحد من انتشاره وتغلغله داخل المجتمع بل جعلته يتنامى بشكل أقوى وأسرع ويجد احتضانا له من طرف المجتمع خاصة أنه يدعو إلى إقامة الدولة الإسلامية التي تحقق العدالة الاجتماعية، فهذه العدالة إنما تتحقق في حضن الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لا في الخيارات  الاشتراكية  المستمدة من النظريات الملحدة، فالاشتراكية في نظرهم ما هي إلا آلية لإنتاج الفقر واللامساواة، والتشبث بها هو ذريعة لتبرير الاستبداد والديكتاتورية التي تحاول السلطة أن تحكم بها الدولة المستقلة، ويتعمق الصراع بشكل أكبر بين السلطة والتيارات الإسلامية خاصة سنوات السبعينيات أين اتجهت السلطة نحو الخيارات الكبرى.

3.5-الحركة الإسلامية والمشروع الاشتراكي أو مرحلة الخيارات الكبرى

تعتبر مرحلة السبعينات أزهى مراحل تغلغل النظام الاشتراكي في المجتمع الجزائري، حيث استطاعت السلطة أن توظف كل أجهزتها الأيديولوجية لتمكين المشروع الاشتراكي، وبذلك اتجهت نحو الخيارات الكبرى التي سميت بالثورات الثلاث، في إشارة إلى الثورة الزراعية، والثورة الصناعية، والثورة الثقافية، وجاء المشروع الاشتراكي تحت مسمى الثورة كإشارة إلى إعادة بناء المجتمع على نظم جديدة غير تقليدية، وهذا لا يستقيم إلا بعد تحطيم النظم القائمة، و قد بدأ هذا المشروع منذ المخطط الثلاثي 19671969 وذلك بتعزيز سلطة المركز خاصة بعد التصحيح الثوري أو انقلاب جوان 1965، " ينطلق مشروع إعادة إنتاج المجتمع بشكل فعلي كما أراده النظام المنبثق عن 19 جوان 1965 في سنة 1966، عبر الدفع بمشروع تنموي طموح جدا بإطلاق المخطط الثلاثي 1967-1969. ثم الاتجاه إلى تحديد مباني الدولة الجزائرية داخليا وخارجيا من خلال المؤسسات السياسية والإدارية التي سوف يتم إيجادها. وأيضا العمل الدبلوماسي الذي سيعرف محطات ذات أثر.كان هذا المشروع قد تمت صياغته وفق إستراتيجية تنموية تقوم على تحقيق ثلاثة أهداف وهي: -تعزيز الاستقلال الوطني-بناء مجتمع حر من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان-تحسين وترقية وضعية الإنسان-التخلص من الإرث الكولونيالي وتحفيز إقامة جهاز إنتاجي كامل. لقد كان هذا التوجه حسب القائمين عليه، تكريسا للمبادئ الثورية التي أفرزتها الروح الثورية الجزائرية ضمن نهج اشتراكي، كما يعرضه هواري بومدين في خطابه بمناسبة الاحتفال بإعلان ثورة أول نوفمبر في سنة 1967 في برنامج شامل لـ: " الخطط العملاقة للثورة الاشتراكية "، فيعتبر أن الثورة لم تكن غاية في ذاتها، ولم يكن مجرد الاستقلال هدفها بل إنها :" في الوقت الذي كانت تهدف فيه إلى استرجاع سيادتها وعزتها كانت ترمي إلى تهيئة الأسباب لإتمام هذا استقلال، باسترجاع جميع ثرواتنا واسترداد عناصر شخصيتنا، والتمهيد بذلك لإقامة مجتمع اشتراكي عادل، يحمي مكتسبات ثورتنا، ويفجر الطاقة الكامنة في إمكانياتنا، ويضمن تنمية بلادنا، ويحقق العدالة الاجتماعية التي كانت الهدف الثاني لشهدائنا الأبرار ".14لقد بررت السلطة أن بناء المجتمع الاشتراكي كان هدفا للثورة التحريرية، لذلك لا يمكن أن نعارض هذا التوجه، وهذا ما عمق الهوة أكثر بين السلطة والتيار الإسلامي بمشروعه نحو المجتمع الإسلامي، ويعارض أقطاب التيار الإسلامي هذا التوجه بالتركيز على هدم مبادئ النظام الاشتراكي باعتباره مستمدا من النظم الفاسدة في عقائدها ونظمها، ويذهب عبد اللطيف سلطاني- أحد قادة جمعية العلماء المسلمين – إلى أن الاشتراكية مستمدة من المزدكية التي هي نظام فاسد مبني على عقيدة فاسدة، يقول في كتابه المزدكية هي أصل الاشتراكية: "فالشيوعية أصلها من مادة – شيع –و–شاع – ومعاني هذه المادة الذيوع وعدم القسمة أو التعيين وعدم الاختصاص بالشيء، وكذلك شقيقتها الاشتراكية، فإنها تزيل الاختصاص وتفرض الاشتراك، فالشيوعية والاشتراكية فرعان لأصل واحد قديم– كما علمناه سابقا – وهو المزدكية، وفي الاشتراكية من مادة الشرك حروفه كما قيل. فهل ما نراه في هذا العصر نذير ينذر وينادي بأن المزدكية ستظهر إلى الوجود مرة أخرى بواسطة هذين المذهبين، متسترة باسميهما؟ فالدعوة لهما بشتى الوسائل وإفساح المجال لنشرهما، وانتشارهما حجة قوية على ذلك، ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا مهما طرز الخطاب، وشرح الأسباب وفتح الأبواب .." 15، وقد نقل محمد حربي عن عبد اللطيف سلطاني قوله: "الإسلام دين سماوي موجود مستقل بنفسه، والشريعة خالصة كاملة لا ينقصها شيء لكي تكمله القوانين الوضعية والذي يدعي أن الإسلام يعاني من نقص وأنه غير قادر على حل مشاكل العصر الحالي هذا كاذب وجاحد وملحد ، إذا قالوا أن في الإسلام عدة أهداف اجتماعية أو ميولات تشبه الاشتراكية نقول نعم بالفعل، لكن أن يقولوا أن الاشتراكية هي الإسلام وأن الإسلام هو الاشتراكية فلا، لن يقارن الإسلام أبدا مع الاشتراكية مهما فعل الذين باعوا دينهم"16.لم تستطع السلطة بالرغم من استخدامها لكافة الإمكانيات الفكرية من إقناع التيار الإسلامي بأن الاشتراكية هي النظام القادر على تحقيق العدالة الاجتماعية وأنه لا يتعارض مع الإسلام في شيء، وظهرت نقاشات بين النخب تنص بأن الاشتراكية من الإسلام وقد ظهرت ممارسات اشتراكية بين الصحابة أمثال عثمان بن عفان وأبي ذر الغفاري، بالإضافة إلى محاولتها الهيمنة على المجال الديني حيث أنشأت وزارة الشؤون الدينية لتشرف على الشعائر الدينية للمجتمع الجزائري،" من جهة أخرى حاولت الحكومة الجديدة على غرار الاستعمار الفرنسي التحكم في الإسلام من منظور علماني، وهكذا أنشئت وزارة للشؤون الدينية وأسندت إلى أحمد توفيق المدني من جمعية العلماء السابقة، قصد تحييد الإسلاميين. إن إنشاء هذه الوزارة استهدف بالضبط التحكم في الأنشطة الإسلامية في المساجد، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هي التي تعين الأئمة وتدفع لهم أجورهم. وأصبح النشاط السياسي والتربوي والتجمعي الحر من منظور إسلامي ممنوعا مذاك فصاعدا "17. كما حاولت السلطة احتواء العمل الإسلامي بفتح مساحة للنقاش العلمي حول القضايا التي تهم الأمة في إطار لقاءات علمية تحت مسمى ملتقيات الفكر الإسلامي، وإن كان هدف السلطة من وراء هذه الملتقيات هو توجيه العمل الإسلامي، إلا أن هذه الملتقيات ساهمت بقدر كبير في نشر الأفكار الإسلامية واحتكاك رجال العمل الإسلامي، ونقل تجارب الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، فهذا التقارب أضاف الكثير للنشاط الإسلامي في الجزائر.

إن اللافت في هذه المرحلة هو ارتباط العمل الإسلامي بشخصيات إسلامية تعمل بشكل منعزل، وتعارض السلطة باعتبارها شخصيات إسلامية لها مكانتها الاجتماعية التي اكتسبتها بانتمائها لجمعية العلماء المسلمين، حيث يظهر في هذه المرحلة كل من: البشير الإبراهيمي، عبد اللطيف سلطاني، مصباح الحويدق، عمر العرباوي، أحمد سحنون... وغيرهم من أعضاء جمعية العلماء المسلمين، ويمكن أن نسمي هذه الفترة بفترة ما قبل التنظيمات الإسلامية، إذ أن الشخصيات الإسلامية لم تكن تنتمي لأي تنظيم إسلامي، حيث يحدد المشروع والأهداف وآلية العمل حتى تكون نشاطاته ذات أثر في المجتمع، وبما أن السلطة لم تكن تسمح بقيام الجمعيات والأحزاب السياسية فإن ظهور مثل هذه التنظيمات يعتبر خروج عن القانون يستوجب العقاب. لكن ورغم هيمنة الدولة على كافة مجالات الحياة بهدف التحكم في قطاعات المجتمع من أجل تمرير المشاريع المجتمعية، إلا أن ذلك لم يمنع التيار الإسلامي من المعارضة السياسية، وتشكيل التنظيمات لمواجهة السلطة.

4.5-الحركة الإسلامية ومرحلة التنظيمات السرية

لا يمكننا البحث في الحركة الإسلامية في الجزائر دون الرجوع إلى إسهامات الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، فالحركة الإسلامية في الجزائر ما هي إلا محصلة لتجارب العمل الإسلامي في أغلب المجتمعات الإسلامية، وفي بعض الحالات امتدادا لها. لقد ظهرت أولى التنظيمات الإسلامية على يد حسن البنا في مصر، الذي أستلهم أفكاره من إسهامات مفكري عصر النهضة من أمثال جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا وعبد الله النديم وغيرهم، الذين رأوا بأن النهضة العربية لن تتحقق إلا بالعودة إلى الإسلام في أصوله الأولى، لقد تلقف حسن البنا الفكرة وأسس حركة الإخوان المسلمين للعمل من أجل إقامة الخلافة الإسلامية وقد وجدت دعوته هذه انتشارا كبيرا في أوساط المجتمع، ولما كانت أغلب الدول الإسلامية ترزح تحت نير الاستعمار فقد لاقت دعوته قبولا لدى معظم المجتمعات العربية والإسلامية، وتقوم دعوته على العمل من أجل إحياء الخلافة الإسلامية، وهذا الأمر في منهجه لا يتم إلا بإصلاح المجتمع وبعث قيم الإسلام الصافية كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله. ونتيجة لهاته الدعوة فقد لاقى حسن البنا مواجهة كبيرة من طرف الاستعمار الانجليزي والأسرة الحاكمة في مصر، وكانت وفاته قتلا في سنة 1949 أي قبل استقلال مصر، لكن دعوته وتنظيمه لم يمت بل أصبح أكثر قوة وتنظيما في مرحلة الاستقلال. لقد شهدت مرحلة ما بعد الاستعمار نشاطا كبيرا لحركة الإخوان المسلمين التي انتقلت إلى معارضة السلطة الحاكمة العلمانية، وفي سنوات الخمسينيات والستينيات ظهرت الأفكار المتطرفة لسيد قطب التي تكفر المجتمع والدولة بالمطلق لأنها تحكم بغير ما أنزل الله. في الجانب الآخر من شبه القارة الهندية تظهر كتابات أبو الأعلى المودودي التي لا تقل خطورة عن كتابات سيد قطب على النظم الحاكمة، إن أي مجتمع لا تكون الحاكمية فيه لله مجتمع كافر وجب هجره، وأي سلطة تحكم بغير ما أنزل الله سلطة كافرة وجب قتالها، ونتيجة لهاته الأفكار المتطرفة وفي مقابلها الممارسات السلطوية العنيفة اتجاه التيارات الإسلامية ظهرت تنظيمات متطرفة تكفر المجتمع كتنظيم التكفير والهجرة، وجماعة الجهاد. وفي ظل هذه التجاذبات والصراعات بين التيارات الإسلامية والنظم الحاكمة، والتي غذتها إخفاقات نظم ما بعد الاستقلال أو الدولة الوطنية على جميع الأصعدة تنامت ظاهرة الإسلام السياسي بشكل كبير، ولم تكن الحركة الإسلامية في الجزائر بمعزل عن هذه التأثيرات، ونتيجة لاحتكاك رجال العمل الإسلامي في الجزائر ونظرائهم في مصر عن طريق البعثات الدراسية -مثل محفوظ نحناح الذي تشرب الفكر الإخواني عن طريق دراسته في مصر-أو عن طريق الكتب والملتقيات العلمية. وقد ظهر أول تنظيم سري للحركة الإسلامية في سنة 1974 على يد عبد الله جاب الله في جامعة قسنطينة تحت مسمى"الجماعة الإسلامية"، هذه الجماعة التي تؤمن بفكر الإخوان المسلمين لكنها ترفض مبايعتها أي ليست امتدادا لتنظيم الإخوان المسلمين، وتعرف في ساحة الحركة الإسلامية بالإخوان المحليين في مقابل الإخوان العالميين التي ينتمي إليها جناح محفوظ نحناح. وفي سنة 1976 يظهر تنظيم آخر سمي "الموحدون " ترأسه محفوظ نحناح، وظهر هذا التنظيم كرد فعل على الميثاق الوطني لسنة 1976 الذي كرس توجه الدولة الاشتراكي، وقد سجل هذا التنظيم ميلاده ببيان عنونه بـ " إلى أين يا بومدين ؟؟ " حمل في ثناياه غضبا متزايدا عن السياسات المنتهجة والتي رغم فشلها تصر السلطة على الاستمرار فيها. إن هذا التذمر من السلطة سيستمر بشكل قوي خاصة سنوات الثمانينيات التي تؤرخ لمرحلة جديدة من المعارضة الإسلامية، لم يعد معارضة السلطة بالبيانات أو الخطابات بل يتطور الأمر إلى تشكيل تنظيم مسلح يعرف باسم الحركة الإسلامية المسلحة يقوده مصطفى بويعلي، وإن كانت محدودية هذا التنظيم في المكان والزمان إلا أنه ينذر بالتحولات العميقة في منهج الحركة الإسلامية، لم تعد المعارضة الإيديولوجية والحضارية تكفيها الشعارات والخطابات بل أصبح التفكير في مشروع أقرب إلى التجسيد أمرا ضروريا ولن يكون إلا مشروع الدولة الإسلامية الذي بدأت أدبيات الحركة الإسلامية تعج به خاصة بعد التعددية الحزبية. إن المتعمق في دراسة مرحلة ما قبل التعددية الحزبية ليدرك ذلك التحول في الخطاب الإسلامي إذ لم نجد استخداما لمفهوم الدولة الإسلامية مطلقا في هذه المرحلة فلم تكن معارضة الدولة تتمحور حول طبيعة النظام السياسي أو شكل الدولة، بل تمركز حول المسائل الثقافية، إذ عارضت الحركة الإسلامية التوجه الإيديولوجي للسلطة باعتبار الخيار الاشتراكي خطرا على هوية الدولة الجزائرية التي تنتمي حضاريا إلى العالم الإسلامي، كما عارضت الخيارات الاقتصادية وخاصة ما تعلق منها بالثورة الزراعية لأنها مكنت مجموعة متطفلة ممن تجاهر ببغضها للبرجوازية من الاستحواذ على أراضي الشعب تحت مسمى تأميم الأراضي الزراعية، كما عارضت السياسة الثقافية لأن هذه السياسة مكنت من تغلغل الطبقة المفرنسة وسيطرتها على مفاصل الدولة مع إقصاء مبرمج للإطارات المعربة.   "يرى أنصار الإسلام السياسي أن حركات الاستقلال لم تحقق وعودها السياسية والاقتصادية، ويبدو ذلك بصورة أوضح في المجال الثقافي: في انتشار الفرنكوفونية والتحدث باللغة الفرنسية، وفي استمرار المؤسسات السياسية والقضائية ذات الطابع الغربي، بالإضافة إلى المجموعات السياحية المتعجرفة التي تثير غضب المناضلين الإسلاميين نظرا لما يتسم به موقعهم من احتقار يفوق أحيانا الازدراء الذي كانت تتسم به الحملات الاستعمارية، وينظر أنصار الإسلام السياسي إلى جميع هذه المواقف التي سبق ذكرها على أنها تنازلات آثمة أمام السيد القديم وأنها مصدر جميع المصائب التي وردت إلى المجتمع مع الحداثة "18.لقد أدت السياسات التي انتهجتها السلطة في هذه المرحلة إلى نتائج عكسية إذ لم تزد السطوة والاستبداد إلا الحقد لدى التيارات الإسلامية ولم تزد سياسة الإقصاء والتهميش التي أتبعها نظام بومدين إلا تمسكهم بمشروعهم، ويعترف عبد الحميد براهيمي – وزير أول سابق –  بأن سياسات السلطة قد ساهمت بقدر كبير في تنامي الرفض الشعبي للسلطة في قوله :" وأسندت الإدارة المركزية لإطارات لديها قناعات سياسية وثقافية ذات توجه فرنسي. وتمسك مناصرو حزب فرنسا مباشرة بالوطنية الجزائرية والثورة اللتين تعتبران مصدرين للشرعية، قصد السماح لممثليهم بشغل وظائف مسؤولة عليا في الوزارات المسماة إستراتيجية، وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، وزارة الاقتصاد والمالية وغيرها. ونجحوا بسد الطريق أمام الإطارات المعربة المتخرجة من الجامعات العربية في القاهرة، أو دمشق أو بغداد أو الكويت، تارة باسم العصرنة والقيم الغربية والانفتاح على الغرب، وطورا باسم الاشتراكية، وهذا ما يتطلب في نظرهم التمكن من اللغة الفرنسية التي تعتبر أداة لا غنى عنها في الإدارة الجزائرية الشابة... إن إقصاء الإطارات عربية اللغة من مراكز المسؤولية  وإرادة حصر الإسلام في دور رمزي في بلد شديد الحساسية تجاه الإسلام والحضارة العربية، ساهما في رهن مستقبل الجزائر بشدة وخلق بذور انفجار لاحق إذا أخذنا بعين الاعتبار تهميش ممثلي تيارات فكرية تتمتع مع ذلك بالأغلبية لدى الجماهير الشعبية"19.

5.5-الحركة الإسلامية من التنظيمات السرية إلى الأحزاب السياسية

تعتبر سنوات الثمانينيات أزهى فترات الحركة الإسلامية في الجزائر، حيث بدأت تتشكل معالم الدولة الإسلامية في مشروعها وخاصة في النصف الثاني من عشرية الثمانينيات، لقد تنامى العمل الإسلامي بشكل لافت في هذه المرحلة وبدأت التنظيمات السرية تخرج إلى العلن، وقد ساهمت الكثير من العوامل داخلية وخارجية في هذه الوضعية الجديدة للحركة الإسلامية. انتهت مرحلة النظام البومديني المستميت في الدفاع عن المشروع الاشتراكي وحلت مرحلة الشاذلي بن جديد الذي قرر أن يتخلى تدريجيا عن هذا النظام الذي لم يحقق إلا الإخفاقات على جميع المستويات، ولم تكن إلا الحركة الإسلامية التي سوف تساعده على هذا الأمر، لقد غض الطرف عن نشاطات الإسلاميين وانهمك بإعادة إصلاح النظام وما تقتضيه عملية الإصلاح من مجهودات لم يمكن ليصرفها في مواجهاته مع التيار الإسلامي، وأستغل الإسلاميون هذه الوضعية ليعمقوا من نشاطاتهم بحيث سيطروا على المساجد وانخرطوا في العمل الجمعوي الذي قربهم أكثر من المواطن، وباعتبار أن منهجهم في هذه المرحلة مبني على الدعوة والتربية فقد استطاعوا أن يكونوا قاعدة شعبية كبيرة وتمكنوا من استقطاب الطبقات الوسطى والمهمشين الذين يكنون الحقد والغضب ضد السلطة التي في نظرهم بإخفاقاتها فرضت عليهم هذا الواقع. لقد لامست الحركة الإسلامية هموم المواطن وطموحاته وأسست خطابا يعبر عن آلامه ويوهمه بأن الحل إنما يكمن في الإسلام، وأن وضعيته هذه نتاج الأيديولوجيات التي فرضها النظام بالقوة على هذا المجتمع ولا تتحقق النهضة إلا بالعودة إلى الأصول. لقد انشغلت السلطة بإعادة تنظيم هياكلها وسياساتها وتركت المجال مفتوحا على مصرعيه للتيار الإسلامي الذي لم يعد يكفيه معارضة السلطة في برامجها التنموية بل أصبح النقاش المطروح حول شكل الدولة. لقد ظهر هذا التغير في خطاب الحركة الإسلامية مع تنامي التيار الإسلامي في العالم والذي أصبح يحقق انتصارات متتالية، فقد كانلنجاح الثورة الإسلامية في إيران الأثر الكبير في مشروع الحركة الإسلامية في الجزائر، إذ أرخت لإمكانية وصول الإسلاميين إلى الحكم وبناء الدولة الإسلامية وتغيير نظام الحكم العلماني ولو عن طريق الثورة، وهذا ما دفع بجهيمان العتيبي إلى الثورة في السعودية واحتلاله الحرم المكي أياما بعد نجاح الثورة في إيران. ولم تكن الثورة الإيرانية إلا أحد العوامل فقد كان عبد الله عزام وأسامة بن لادن في قمة زهوهما وهما يحققان الانتصارات على السوفييتفي الحرب الأفغانية، والتي كان وقودها الشباب العربي الذين أطرهم أسامة بن لادن وعبد الله عزام عقائديا، سوف يعودون إلى بلدانهم محملين بعقيدة " الدولة الإسلامية " التي تشربوا معالمها في معسكرات بيشاور، لقد كان عبد الله عزام يهتف قائلا : "إن إقامة المجتمع المسلم فوق بقعة أرض ضرورية للمسلمين، ضرورة الماء والهواء، وهذه الدار لن تكون إلا بحركة إسلامية منظمة تلتزم الجهاد واقعا  وشعارا  وتتخذ القتال لحمة ودثارا. وإن الحركة الإسلامية لن تستطيع إقامة المجتمع المسلم إلا من خلال جهاد شعبي عام، تكون الحركة الإسلامية قلبه النابض وعقله المفكر، وتكون بمثابة الصاعق الصغير الذي يفجر العبوة الناسفة الكبيرة، فالحركة الإسلامية تفجر طاقات الأمة الكامنة وينابيع الخير المخزونة في أعماقها. فالصحابة رضوان الله عليهم كان عددهم قليلا  جدا  بالنسبة لمجموع عامة المسلمين الذين قوضوا عرش كسرى وثلوا مجد قيصر"20.كان لهذا الاحتكاك عميق الأثر في تغير منهج الحركة الإسلامية في الجزائر، إذ لم يسبق لها أن طرحت مسألة الدولة من قبل حتى وهي تعارض سياسات السلطة، وبالرجوع إلى أدبياتها نجد كما ذكرنا أن الصراع بينهما كان هوياتيا ولم يكن دولتيا، لم تزعم الحركة الإسلامية من قبل أنها تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية ولا حتى قدمت نموذجا للدولة، ففي بيان الموحدون سنة 1976 كانت الدعوة إلى التخلي عن النهج الاشتراكي وتطبيق الشريعة الإسلامية خاصة في قضايا الأحوال الشخصية التي لها علاقة مباشرة مع المجتمع ، كما جاء بيان النصيحة في سنة 1982 بعد أحداث الجامعة المركزية يدعو السلطة إلى تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية وتحقيق العدل والمساواة ولم يشر مطلقا إلى شكل الدولة فكل المطالب كانت اجتماعية. هذه العوامل المتداخلة هي التي ولدت مفهوم الدولة في فكر الحركة الإسلامية التي وجدت نفسها تتدخل في شؤون السياسة لتقدم مشروعها بديلا للسلطة القائمة، ضف إلى ذلك فشل كل مشاريع التحديث التي قررتها السلطة والتي انتهت بانهيار النظام الاشتراكي في نهاية الثمانينات، أين وجدت السلطة نفسها مرغمة على فتح التعددية الحزبية وقبول منافسة المشروع الإسلامي لها، وبدأت تظهر في الساحة الاجتماعية مفاهيم جديدة مثل" الحل الإسلامي"،" من أجل الدولة الإسلامية "وغيرها، وبعد أحداث أكتوبر 1988 التي كانت نتيجة طبيعية للسياسات المنتهجة من قبل السلطة طيلة ثلاثة عقود من الزمن دخلت الحركة الإسلامية مرحلة جديدة حيث انتقلت من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، لقد قدم عبد الله جاب الله إلى السلطة القائمة بتاريخ نوفمبر 1988 كتابا حمل مشروعا متكاملا للدولة سماه " خطوات لازمة في الإصلاح " تطرق فيه إلى تبيين مزايا النظام الإسلامي، الذي يعتبره جاب الله القادر على تحقيق العدالة الاجتماعية، حيث يقول:".. من خلال ما سبق يتبين لنا أن المناهج الوضعية قد افتضح حالها وانتهى أمرها وانكشفت عوراتها وأن السبيل الوحيد الذي تجب العودة إليه إنما طاعة الله وإتباع سبيله ممثلا في الكتاب والسنة وطاعتنا له إنما هو وفاء لعهد الشهداء واستجابة لنداءات الأمة وتلبية لرغبتها ثم هو بعد ذلك ما تدعو إليه المصلحة وتتطلبه المرحلة فنحن إذا سلكنا هذا المسلك وأتبعنا هذا الطريق حققنا الفوائد التالية على سبيل المثال لا الحصر : تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بعد الاستقلال السياسي لأننا إنما نطبق منهجا جرب في تاريخ هذه الأمة فحقق لها أسمى النتائج التي سعدت بها الإنسانية جميعا ونتبع دينا يستمد قدسيته من الله تعالى فله التأثير على النفس ما يسهل على الجميع تعلم تعاليمه والاستجابة لأحكامه والتأدب بآدابه فيسهل علينا عملية  الإصلاح وييسر لنا جهد البناء( قال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ).."21. إن الحراك الذي عرفه المجتمع الجزائري بعد أحداث 5 أكتوبر 1988، والذي كان نتيجة حتمية لسياسات السلطة التي فشلت في خلق منظومة سياسية متفتحة على كل القوى الاجتماعية بإشراكها في عملية التسيير، والإقصاء الممنهج للتيار الإسلامي الذي بالرغم من أنه كيان يحتل حيزا كبيرا في الخارطة المجتمعية الجزائرية، بالإضافة إلى تهاوي المشروع الاشتراكي الذي بنت عليه السلطة الإستراتيجية التنموية الاقتصادية، قد أدى في النهاية إلى الإقرار من طرف السلطة بانهيار النظام الشمولي التوتاليتاري، وأجبرها على إعادة تكوين المجال السياسي وفتحه لكافة القوى الاجتماعية للمشاركة في عملية التنمية، فجاء دستور 23 فيفري 1989 ليعلن انتهاء مرحلة هيمنة الدولة على مجمل نواحي الحياة.

6.5-الحركة الإسلامية والتحول الديمقراطي

 في الخامس من شهر أكتوبر سنة 1988 شهدت الجزائر انتفاضة شعبية كبيرة مست جميع القطاعات نتيجة لتردي المستوى المعيشي، وقد كانت المطالب اجتماعية محضة طالب فيها المحتجون بإصلاحات على جميع المستويات بما يحقق العيش الكريم للمواطن. وحتى نفهم حقيقة هذه الأحداث علينا أن نعود إلى السنوات التي سبقتها لأنها في الواقع محصلة لإصلاحات عرجاء بدأها الشاذلي بن جديد منذ توليه السلطة في بداية الثمانينات، حيث عزم على إجراء تغييرات بنيوية وهيكلية في النظام السياسي، وأولها التخلص من إرث البوميدينية التي كرست الهيمنة والشمولية، بالإضافة إلى الإخفاقات التنموية وهذا ما ولد الهوة بين السلطة والشعب. كما سعى إلى تحييد حزب جبهة التحرير الوطني -الذي هو في الأصل أمينه العام -كمؤسسة حزبية حاكمة والتفرد بالسلطة وتهميش كوادر حزب جبهة التحرير الوطني. وقد ظهرت ميولات الرئيس الشاذلي بن جديد الليبرالية منذ توليه السلطة حيث فتح مجال الحرية وخاصة حرية التعبير. وإن كان النصف الأول من الثمانينات تميز بالاستقرار نتيجة لتحقيق التنمية في بعض جوانبها إلا أن النصف الثاني منها تميز بالتوترات والاحتجاجات، ففي سنة 1986 شهدت أسعار البترول انخفاضا كبيرا في الأسواق العالمية وبما أن الاقتصاد الجزائري اقتصاد ريعي مبني على المداخيل البترولية فقد تأثرا سلبا بانخفاض الأسعار، وقد ظهر هذا التأثير في انخفاض القدرة الشرائية للمواطن، وارتفاع نسبة التضخم، ونقص مواد التموين خاصة المواد الأساسية (السميد، الزيت، الحليب ...). هذه الوضعية الاجتماعية الصعبة أدت إلى ظهور حركة اجتماعية احتجاجية ناقمة على هذه الأوضاع لاسيما مع اتساع طبقة المهمشين والفقراء في المجتمع. إن هذه الطبقة التي ستكون محور الاحتجاج قد بدأت في التوسع بشكل كبير في منتصف الثمانينيات مع تقلص كبير لفئة البرجوازية الناشئة. لقد عرف النظام الاشتراكي بحقده الشديد للبرجوازية وإعلائه من شأن الطبقة الوسطى، وكان الرئيس بومدين كثيرا ما يتوعد البرجوازيين في خطاباته وهذا ما يفسر عدم ظهور البرجوازية في فترة السبعينات، لكن مع التحول الذي ظهر في سياسة الشاذلي بن جديد تحت مبرر الإصلاحات قد انفتح المجال أمام طبقة طفيلية اغتنت بالمال العام بأساليب وطرق غير شرعية. مشكلة طبقة برجوازية، لكن هاته الطبقة لم تتشكل نتيجة لتراكم رؤوس الأموال وفقا لشروطها التاريخية، في حين صارت الطبقة الوسطى إلى الفقر نتيجة لاستئثار طبقة البرجوازية الناشئة بالثروة، " لقد بدأت الأزمة الاجتماعية تتفاقم منذ عام 1986 بوجه خاص. وقد انعكس اختلال الاقتصاد سلبا على ذوي المداخيل المتدنية. وتغذى احتدام التوترات الاجتماعية بوجه خاص بعوامل إخلال في التوازن، كالتضخم والسوق الموازية، وتعزيز وضع الشرائح الاجتماعية الطفيلية التي لا تقدم إسهاما اقتصاديا فعليا وتتبنى نمطا استهلاكيا تفاخريا. إن مجمل هذه العوامل ساهم في زيادة التباعد بين أقلية من الأغنياء (غالبا ما حصلت على ثروتها بطرق غير مشروعة)، وغالبية الجزائريين التي تتخبط في البطالة والفقر والحرمان. فصلا عن ذلك لم تشهد الجزائر يوما ما سوف تشهده في النصف الثاني من الثمانينيات من ظواهر كظاهرة تشكل أصحاب مليارات وجمع ثروات كبيرة في مدة قصيرة جدا، وبشتى أنواع الحيل غير المشروعة، في مناخ من الإفلات الكلي من العقاب. وقد تفاقمت هذه الظاهرة في التسعينيات "22. لقد أدت هذه الوضعية إلى انفجار الوضع الاجتماعي، وصب المحتجون جام غضبهم على مؤسسات الدولة، وأهم شيء أنهم أحرقوا مقرات حزب جبهة التحرير الوطني في إشارة منهم إلى رفضهم للسلطة والثورة ضدها، وانتهت هذه الأحداث بإعلان السلطة السياسية فتح المجال السياسي. لم تكن هذه الأحداث من افتعال الإسلاميين ولم تكن مؤطرة من طرفهم على الأقل في بداياتها، لقد كانت انتفاضة المهمشين والفقراء وهم الشريحة الأكثر إيمانا بمشروع الحركة الإسلامية." اندلعت المظاهرات أولا بقيادة زعماء الأحياء، ولم يلبث أن تولى قيادتها الزعماء الإسلاميون، وكانت الدهشة الشديدة لأن الحركة كانت ذات طبيعة مختلفة عما تعودت عليه الجزائر حتى ذلك اليوم، فقام بعضهم على وجه السرعة بعمل خلية أزمة تولت مهمة الوساطة بين السلطة والمتظاهرين. وفي السادس من أكتوبر صدر بيان من الخلية وبتوقيع من الشيخ أحمد سحنون (أحد قدامى جمعية العلماء وهو متشدد مع السلطة ومن ثم فهو يتمتع باحترام كبير لدى جماهير الشعب) يعلن أن الأزمة ترجع أسبابها ودوافعها إلى موقف عام مترد بسبب سياسة البدخ والتسيب والهيمنة على مصالح الأمة العليا، ولا يمكن حلها إلا بالعودة إلى الإسلام كشريعة ومنهج بعد فشل النظم الفاسدة المفسدة "23. وهكذا أصبحت الحركة الإسلامية في قلب الحدث وأصبح المشروع الإسلامي في مقابل السلطة، لقد طرحت الحركة الإسلامية أن الحل يكمن في الإسلام عقيدة وشريعة في ظل فشل الأنظمة العلمانية القائمة مهما كان توجهها. لقد تجاوز الخطاب الإسلامي مرحلة الدعوة إلى القيم والأخلاق، إنه اليوم أمام تحدي مشروع الدولة. وبالفعل لم تبق الحركة الإسلامية رهينة خطاباتها التقليدية الداعية إلى عبادة الله وإقامة الشعائر الإسلامية أي لقد انتقلت من مرحلة الدعوة إلى أسلمة المجتمع إلى مرحلة الدعوة إلى أسلمة الدولة، وقد ظهر هذا التوجه لأول مرة في العريضة التي قدها علي بن حاج باسم الحركة الإسلامية والمتكونة من عشرة نقاط أهمها: " إطلاق صراح جميع السياسيين المحتجزين قبل وأثناء الأحداث، وإلغاء المحسوبيات والمفاسد السياسية والإدارية وضمان حد أدنى للحياة لكل جزائري، وحرية الدعوة إلى الإسلام دون قيود، وحرية التجمع والتعبير ونقد الدولة، وإصلاح القضاء وتحسين أوضاع رجال القضاء درءا للمفاسد، وإصلاح التشريع لإلغاء كل ما يعارض الإسلام، وإصلاح التربية والتعليم سعيا لإقامة تعليم إسلامي.."24. لقد وعت الحركة الإسلامية أنها أمام فرصة كبيرة لتقديم مشروعها الحضاري الذي يخلص المجتمع من هذه الوضعية، خاصة وأن هذا المجتمع مستعد لتقبل هذا المشروع واحتوائه والدفاع عنه، فلم تعد الأنظمة العلمانية المستوردة قادرة على تلبية طموحاته. إن تجربة المجتمع الجزائري مع الاشتراكية المنهارة والتي جعلته يعيش في تخلف وبؤس سوف تجعله يأمل في الحل الإسلامي وفي مشروع الدولة الإسلامية. إن هذه الأحداث فرضت على السلطة إجراء إصلاحات جذرية في طبيعة النظام السياسي وأهمها فتح المجال السياسي الذي كان محتكرا على حزب جبهة التحرير الوطني، وأقر دستور 23 فيفري 1989 بحرية تأسيس أحزاب سياسية. تنص المادة 40 منه على أن: "حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به .. وعلى هذا الأساس بدأت الحركة الإسلامية تتبلور في شكل أحزاب سياسية، وقد تشكلت ثلاثة أحزاب كبرى: الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تأسست في سبتمبر 1989 وترأسها عباسي مدني وعلى بن حاج وقد تشكلت تركيبتها من خليط من الأفكار والتيارات منها السلفيون والجهاديون والإخوان والجزأرة وقد كان لهذا التنوع الفكري والمذهبي أثر في منهج الحزب في بناء الدولة الإسلامية، وحركة النهضة الإسلامية التي تأسست في 1990 وقد ترأسها عبد الله جاب الله الذي يؤمن بالفكر الإخواني في المنهج لكن يرفض الانتماء تنظيميا لجماعة الإخوان المسلمين ، وحركة المجتمع الإسلامي تأسست في سنة 1991 وترأسها محفوظ نحناح والذي يمثل مراقب جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر، بالإضافة إلى الجمعيات الإسلامية مثل رابطة الدعوة الإسلامية التي أسسها أحمد سحنون، وجمعية الإرشاد والإصلاح التي ترأسها محمد بوسليماني.

6-الحركة الإسلامية ومسألة الدولة

لقد أشرنا سابقا أن مسألة الدولة لم تطرح في أدبيات الحركة الإسلامية إلا بعد تحولها إلى حركة سياسية، أي بعد تأسيس الأحزاب السياسية مع الانفتاح الديمقراطي الذي أقره دستور 1989، حيث تحولت من حركة تربوية دعوية تسعى إلى نشر القيم الإسلامية في المجتمع، أي تسعى إلى تحقيق المشروع الثقافي في المجتمع الجزائري، ولذلك كانت طبيعة الصراع مع السلطة صراعا ثقافيا حول هوية الجزائر الإسلامية، لكن هذه الحركة وجدناها تنتقل إلى العمل على تغيير النظام السياسي القائم، وتطعن في شرعية الدولة لأنها تستمد مشاريعها من نماذج غربية تهدم عقيدة المجتمع الجزائري المسلم، ولأجل ذلك انتقلت إلى العمل السياسي متخذة من الدولة الإسلامية مشروعا وهدفا مجتمعيا تناضل من أجله. فالمتعمق في دراسة أدبيات الحركة الإسلامية خاصة لفترة بدايات التسعينات ليقف على الانتشار الكبير لمفهوم الدولة الإسلامية، في المقابل يصطدم بالنقص الكبير في التنظير لمعالم الدولة الإسلامية، وذلك راجع إلى اهتمام أقطاب الحركة الإسلامية بالعمل الميداني على حساب العمل التنظيري، لكن يمكن للباحث أن يستخلص تصور الحركة الإسلامية للدولة من خلال الخطابات والمحاضرات والكتابات التي كانت تعج بها سنوات التسعينات والمتناثرة في مراجع متعددة. لقد كان لنجاح الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات جوان 1990 وسيطرتها على أكثر من نصف المجالس البلدية أول امتحان لمشروع الدولة الإسلامية، وتحد لقدرة لحركة الإسلامية على تجسيد أهم مبادئ العمل الإسلامي وهو تسيير المجتمع وفقا لتعاليم الشريعة الإسلامية، وهذه المحطة في الواقع هي أول اتصال بين الحركة الإسلامية التي كانت تقدم تصورات نظرية حول آليات التسيير وبين الواقع الذي وجدت نفسها تواجهه، فهي اليوم تشرف على مؤسسات تعتبر الأهم بالنسبة للمجتمع، فهي مطالبة بتجسيد الأخلاقيات والقيم التي تؤمن بها، وكانت تدعو الناس إلى الالتزام بها، وإذا كنا لا نهدف إلى تقييم فترة تسيير الجبهة الإسلامية لشؤون البلديات والتي لم تدوم أكثر من سنة، ولكن تجدر الإشارة إلى أن هاته المرحلة مهمة جدا في فهم تلك النماذج التسييرية التي حاولت الحركة الإسلامية تجسيدها في الميدان والتي تعبر عن مشروعها.و لم تكتف بشؤون البلديات التي هي في الأصل محطة فقط للوصول إلى الهيمنة الشاملة على المجالس التشريعية بغرض إقامة الدولة الإسلامية، وهذا ما دفعها إلى الانتخابات البرلمانية في 26 ديسمبر 1991 والتي فازت بأغلبية مقاعدها، لكن إعاقة التحول الديمقراطي من طرف العسكر حال دون وصولها إلى مبتغاها. نتفق ضمنيا أن مشروع الحركة الإسلامية قد وجد رواجا والتفافا جماهيريا واسعا، بالرغم من أن الشعب لم يسبق له أن أختبر قدرة الإسلاميين في تسيير شؤون الحياة اليومية، لكن إيمانه بقدرة المشروع الإسلامي على تقديم إجابات عن كل القضايا المطروحة ساهمت بقدر كبير في انتشار المشروع الإسلامي مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المشروع يتغذى من التاريخ والعقيدة، فالتاريخ أثبت قدرة الإسلام على بناء مجتمع متكامل يسوده العدل وهو ما ظهر جليا في الخلافة الراشدة، وعقيدة الإسلام التي تفرض على المؤمنين الانتصار للمشروع الإسلامي، وهذا ما يفسر ظهور شعارات في الانتخابات تدفع المواطن لانتخاب التيار الإسلامي، تقول هاته الشعارات " صوتك أمانة تحاسب عنه يوم القيامة "، وتتضمن هاته الشعارات توجيهات نفسية لاختيار المشروع الإسلامي.

7-معالم الدولة في فكر الحركة الإسلامية

كثر النقاش حول معالم الدولة الإسلامية، ففي الوقت الذي تسعى الحركة الإسلامية في الجزائر بكل مناهجها للوصول إلى الحكم وتحقيق حلم الدولة الإسلامية، يظهر في الطرف الآخر الرافضون لهذا المشروع المشككون في صدق نوايا الحركة الإسلامية، ففي رأيهم أن التيار الإسلامي لا يملك أية رؤية للعمل السياسي الذي لا يؤمنون به أصلا، وأن انخراطهم في هذا المسار ما هو إلا ظرف مرحلي للهيمنة الشاملة على مفاصل الدولة ثم إلغاء كل عمل سياسي يهدد كيانها، وهذا يعتبر تهديدا للديمقراطية الفتية في الجزائر فالإسلاميون لا يؤمنون بالديمقراطية ويكفرون كل من يقبل بها، والنظام السياسي الإسلامي نظام شمولي لا يختلف في بنيته عن النظم الاستبدادية فهو يلغي كل معارضة ويرفض النقد لأنه يعتبر أن شرعيته مستمدة من الدين وأي انتقاد له يعتبر انتقادا للدين، وانطلاقا هذه الرؤية يعتبر التصدي للمد الإسلامي واجبا وطنيا للحفاظ على المكتسبات الديمقراطية التي ضحى الشعب الجزائري من أجلها. في الطرح الآخر ترفض الحركة الإسلامية أي اتهام لها وتعتبر النظام الإسلامي أسمى النظم والسعي لإقامته واجبا دينيا لإحياء الخلافة الإسلامية، والنظام الإسلامي لم يكن يوما نظاما ثيوقراطيا بل نظاما يحمي الحريات العامة ويسمح بالتعددية السياسية وحرية الرأي. قد يصعب على الباحث العثور على نصوص لقادة العمل الإسلامي في الجزائر تنظر للدولة الإسلامية لانشغالهم بالعمل الميداني عن التنظير، لكن يمكن أن نستخلص تصورا عاما لمعالم الدولة الإسلامية من خلال كتاباتهم المتناثرة في أدبياتهم.

1.7.طبيعة النظام السياسي الإسلامي

من أهم الانتقادات التي وجهت للنظام السياسي من طرف الحركة الإسلامية هو فساد هذا النظام لأنه يستمد مبادئه من نظريات سياسية غربية أنتجت في حقل غريب عن المجتمع الجزائري، وأن مشروع المجتمع الذي تحاول الاشتراكية -الملحدة في نظرهم – بناؤه يتعارض مع عقيدة المجتمع الجزائري المسلم، وهذا ما أدى إلى إخفاق مشروع المجتمع الاشتراكي. وأنتج نظاما خاصيته الظلم والاستبداد، و "من نتائج تاريخ الأمم لمختلف النظم السياسية أن آفة الحكم هي الظلم وأن مرد الظلم الاستبداد وأن سبب الاستبداد طغيان الحكام لعدم وجود وازع أعظم من عظمتهم وأقوى من قوتهم وأكثر نفوذا من نفوذهم، فلا يلتزمون بشريعة إلا ما شرعوا ولا يتقيدون بسيادة مشرع تفوق سلطته سلطتهم، ولا يردهم اعتبار إرادة كلية لأمتهم ولا يحدهم حمى حرية لرعاياهم فيفقدون جميع المبررات الشرعية والأخلاقية ولم يبق عندهم غير قوة الشوكة أو العصبية "25. والبديل يكمن في الحل الإسلامي، و" يعتمد الحل الإسلامي على مصدرين أساسين: هما القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ولئن ساهمت العبقرية في التعمق في فهمه واجتهدت في شروط العمل به، فإن جهود العلماء في الملة لم تخرج عن نطاق ما حدد من أصول ومقاصد للشريعة مما استحدث للناس من القضايا وما استجد من الأمور في مختلف العصور. فبناءا على ذلك كانت دعوتهم ربانية رسالية، فكان بمقتضاها نموذجهم الإصلاحي الذي سعوا إلى تحقيقه ربانيا، ابتداءا من الصحابة الخلفاء وهم علماء الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم..."26.فالدولة الإسلامية هي البديل إن أردنا الخروج من المأزق الحضاري الذي نعيشه، والدولة الإسلامية لا تسعى إلى هدم الدولة القائمة أو إسقاط أجهزتها، بل تحافظ عليها قائمة لتأطير المجتمع فإسقاطها سوف ينتهي إلى فوضى اجتماعية، لكن تحاول أخلقة الأجهزة الموجودة في الدولة،"إن العمل الإسلامي– حسب محمد السعيد - ينبغي ألا يسعى إلى هدم الدولة القائمة أو إسقاط هيبتها لأن سقوط هيبة الدولة كمؤسسة ساهرة على نظام المجتمع لن يكون في صالح الدعوة خاصة أن الدعوة غير مهيأة لأسباب ذاتية وموضوعية لإقامة البديل، فالحكم الإسلامي لا يعني الإستئنافية بالمعنى الفقهي للكلمة، لأن من المغالطات التي يروجها أعداء النظام الإسلامي أن يتحدوا أنصار الإسلام، أين هو النظام الإداري؟ أين هو نظام الإعلام؟ أين هو نظام التربية؟ أين هو نظام الاقتصاد؟ أين هو النظام السياسي؟ وكأن ما كل ما جاء به العصر عبارة عن رجس من الأوثان، بل إن كثيرا من الأنظمة التي جاء بها العصر تعتبر خلاصة التجارب الإنسانية التي ساهمت كل البشرية في إنضاجها، ولذا فإن الإسلام إذا وصل إلى الحكم ما عاذ الله أن ينكص بالإنسانية إلى العصر الحجري بل سيأخذ كل ما جد به وما أتى به العصر ويرشده ويوجهه توجيها رساليا "27.والنظام الإسلامي من مزاياه أنه نظام يعمل على حماية الحريات ويدافع عن الحقوق ويمنح الفرص لكل الشرائح الاجتماعية، ويعترف بحقوق كل القوى السياسية، فالنظام السياسي الإسلامي" يهدف إلى تحقيق الاستقلال والاجتماعي والثقافي بعد الاستقلال السياسي لأننا إنما نطبق منهجا جرب في تاريخ هاته الأمة فحقق لها أسمى النتائج التي سعدت بها الإنسانية جميعا ونتبع دينا يستمد قدسيته من الله سبحانه وتعالى فله من التأثير على النفس ما يسهل على الجميع تعلم تعاليمه والاستجابة لأحكامه والتأدب بآدابه فيسهل علينا عملية الإصلاح وييسر لنا جهد البناء "28.ومن أسس النظام الإسلامي" الفصل بين السلطات، إن تأكيد مبدأ الفصل بين السلطات والعمل على تجسيد ذلك بقوانين واضحة وصريحة، تكفل التوازن والتكامل بين السلطات المختلفة، وتقوي تعاونها على حفظ المصلحة العامة، ورعاية حقوق وحريات الأفراد والجماعات، وتمنع طغيان السلطة التنفيذية على السلطات  الأخر، وتعلي من مبدأ لا سلطة إلا بمسؤولية، وتفرض السهر على احترام القوانين، وبناء مؤسسات الحكم على الأسس الدستورية والقانونية، والتطبيق الحازم لاحترام تلك المؤسسات للأخلاق الإسلامية.."29.

2.7. شرعية العمل السياسي

إن قيام النظام السياسي الإسلامي لا يتم في هاته المرحلة إلا عن طريق العمل السياسي، الذي هو في الأصل مشروع وما يزعم الكثيرون من جنوح الحركة الإسلامية نحو العنف وتبني العمل الثوري كمنهج لقيام الدولة الإسلامية فيه الكثير من المبالغة، ولعل كتابات أقطاب الحركة الإسلامية تتفق جميعا على شرعية العمل السياسي وأنه من صميم الإسلام، فالمدعون بأن ممارسة السياسة كفر زعم باطل في نظرهم، " إن الانتقال لا يحدث فجأة في لحظة من لحظات الزمان كما ظل الحلم يراودنا مدة طويلة، وإنما الانتقال يتم بصفة تدريجية عن طريق المطالبة والمغالبة بين الأصالة والاغتراب، وغياب هذا التصور قد أدى إلى ما يسمى بالعزلة ومقاطعة المؤسسات غير الإسلامية في نظر الكثيرين مخافة التمديد من عمرها، إن ضرورة إرجاء المواجهة الشاملة بالإسلام إلى أن تستجمع كل الشروط حتى لا تحدث الانتكاسة لا يعني أن الغيورين على الإسلام لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بل عليهم أن يسعوا باستمرار لتغيير المنكر بالوسائل المشروعة بحيث لا يؤدي إلى منكر أكبر منه، وأن يوظفه خصوم الإسلام، خصوم الدعوة لاستدراجها إلى خوض معركة شاملة غير متكافئة من أجل قضية جزئية"30.ومعنى العمل السياسي:" هو التنافس السلمي والرسمي والعلني على الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات من أجل تدبير شؤون الأمة ورعاية مصالحها وحفظ حقوق وحريات الأفراد والجماعات وفقا لبرنامج الحزب الفائز، أو وفقا لبرنامج مشترك تضعه الأحزاب الفائزة إذا لم يحصل واحد منها على الأغلبية، إن العمل السياسي بهذا المعنى منهج من مناهج التغيير، يتبنى وسيلة الانتخابات في الوصول إلى السلطة لممارسة التغيير أو الإصلاح من داخل مؤسساتها..."31.ولا يقوم النظام الإسلامي إلا عن طريق العمل السياسي وهذا ما أقرت به الشريعة الإسلامية، " إن السياسة من صميم ديننا وأن الاشتغال بها من أجل سياسة الأمة بشرع الله مقربة من القربات وعبادة من العبادات، ولا ينكر هذا إلا جاهل لا يفقه طبيعة هذا الدين الحنيف.."32." إن السياسة بكل تأكيد هي فن الممكن، فن الممكن بمعنى استخدام المتاح والمشروع من الوسائل والأساليب لتحقيق الغايات المرسومة والأهداف المحددة، ونقصد بالوسائل الممكنة والمشروعة، الوسائل التي لا تخالف شريعة القانون ولا تهتك شريعة الأخلاق ولا تدوس شريعة الأعراف الحميدة التي تحكم حياة التجمعات المتحضرة والدول المتمدنة، وفن الممكن بمعنى رسم الغايات وتحديد الأهداف الواقعية الممكنة التحقيق والقابلة للتجسيد، أي الأهداف التي تراعي ظروف الخلق وتحولات العصر وضرورات الواقع وحدود الوسائل والطاقات. لا الأهداف الموغلة في عوالم الأحلام والأوهام. وفي عالم السياسة تتعدد الغايات والأهداف وتتعدد بشكل كبير وواسع جدا بتنوع الأزمنة والأماكن والظروف والأشخاص. لكننا نعتقد أن مبدأ تحقيق المصلحة العامة شكل قاسما مشتركا بين غالبية الغايات المعلنة لجل الفلسفات والأفكار والجماعات التنظيمات السياسية على مر العصور. ونعتقد أن هذا المبدأ مازال صالحا ومناسبا ليكون غاية مثلى للسياسة. وليشكل معلما لترشيد السياسات والأعمال العامة، وتقييم المواقف والشخصيات السياسية على اختلاف مشاربها وإيديولوجياتها، ومعيارا للحكم على أخلاقياتها ومن ثم مشروعيتها أو شرعيتها "33.و أو شرعيتها

3.7. مصدر السلطة في الدولة الإسلامية

ظهر مصطلح في الأدبيات الإسلامية منذ خمسينيات القرن الماضي، التبس على الكثيرين وفتح المجال إلى تأويلات متعددة، وهو مصطلح " الحاكمية"، وهذا المفهوم جاء ردا على سؤال من هو صاحب السيادة في الدولة الإسلامية؟ فكانت الإجابة أن السيادة العليا لله تعالى وذلك لقوله تعالى" إن الحكم إلا لله "، والحقيقة أن هذا المفهوم قديم متجدد، فقد ظهر في أوائل العصر الإسلامي في فقه الخوارج ، ثم أعيد إنتاجه في الحقل المعرفي الإسلامي المعاصر مع بعض الفقهاء والمفكرين، وأول من أخرج هذا المفهوم إلى أدبيات الفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي، ومعنى هذا المفهوم أن صاحب السيادة هو الله تعالى من خلال كتابه الكريم، ولذلك فكل النظم التي تعتمد التشريع الإنساني في الحكم هي نظم كافرة، وفي نظر سيد قطب أن المجتمع الذي يرضى بغير حاكمية الله فهو مجتمع كافر بالمطلق، وانتقل هذا المفهوم إلى المجال التداولي في الخطاب الإسلامي في الجزائر عن طريق كتابات أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وخاصة كتابه معالم في الطريق، لكن الدعاة في الجزائر حاولوا تهذيب المفهوم وعقلنته حتى يتماشى مع آليات العمل الإسلامي وأهدافه، ففي نظر عباسي مدني أن الحاكمية لله منوطة بالخلق،" لئن اقتضت حكمة الخالق شمول عنايته بالأكوان كي تسير وفق إرادته محققة لمرادها من الوجود بعنايته، فقد اقتضت أيضا حكمته من إيجاد الإنسان على فطرة الإسلام وعلى حال من الكيان المتكامل الحضاري فكي يحقق الإنسان علة إيجاده ومراد استمراره الكيفي والنوعي والوظيفي، احتاج إلى عناية ربه كي تحفظه من عواقب الاستلاب التي وقع فيها جراء إتباع الأيديولوجيات الطاغوتية في الفكر الحديث، فلذلك اقتضت العناية الربانية أن تتميز الدولة الإسلامية بأن تكون فيها  الحاكمية لله. فبمقتضى ذلك يكون التشريع الرباني لازما، فيلتزم به القائد والمقود على حد سواء لأن ضمان العدل هو مبرر لزوم رعاية الراعي للأمة، وقيادة القائد في توجيهها للجهة الشرعية السوية. فالحدود التي شرعها الله من حيث هي ضامنة للمصالح فهي محددة للحقوق والواجبات، وحتى لا تتعارض المصالح ولا الحقوق ولا الواجبات كما تعارضت في الأيديولوجيات الحديثة فإنها تخضع لمنهج الشرع ومبرراته، فتحققت بذلك أهم الشروط المنهجية المطلوبة في المشرع لأن مقاصد الشريعة – كما جاءت في الإسلام- مناطها مصالح المشرع لهم .."34.إن مصدر السلطة في الدولة الإسلامية هي الأمة التي لها الحق في تعيين الحاكم وعزله، ولا تنعقد ولاية الحاكم إلا برضى الشعب، لأن " الأصل الأصيل في شرعية الحاكم هو اختيار الأمة له من غير رغبة أو رهبة فالأمة صاحبة السلطة في تعيين الحاكم بمحض اختيارها خلافا للشيعة الذين يرون أن الحاكم والإمام يتولى ذلك بالنص لا بالاختيار، وخلافا لمفهوم الدولة الثيوقراطية في أوروبا أثناء القرون الوسطى حيث يرى الحاكم نفسه حاكما بأمر الله، ولنترك علماء الإسلام يوضحون ذلك: قال الإمام علي رضي الله عنه:" إن هذا أمركم ( أي اختيار الحاكم ) ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، ألا إنا ليس لي أمر دونكم" وقال أيضا:" لا تنعقد البيعة إلا ببيعة المسلمين..."35. وهذا المبدأ ثابت في التاريخ الإسلامي الذي تجسد بحق في الخلافة الإسلامية، وهو ما ميز النظام الإسلامي عن باقي النظم في العالم، و" الحقيقة أن الخلافة الإسلامية بالمفهوم الإسلامي الأصيل فإنها تتباين عن أنظمة الحكم المعروفة قديما أو حديثا، إنها ليست الثيوقراطية المعروفة في الغرب أن الحاكم يستمد السلطة من الله سبحانه وتعالى، أنه يجسد الإرادة الإلهية في الأرض، فمن خالفه أو عارضه فقد بارز إرادة الله في الأرض، ولذلك كان الملوك قديما يعتقد فيهم أنهم يجسدون إرادة الله في الأرض ولذلك فهم يقتلون من يشاؤون ويستحيون من يشاؤون ولا أحد يعترض على حكمهم، كما أن الخلافة  في الإسلام ليست علمانية بمعنى تنفصل على الدين، إذن فالخليفة من الذي يعينه؟ ليس بنص شرعي وإنما تعينه الأمة ليكون نائبا عنها في تنفيذ الأحكام الشرعية، وبالتالي فمن حقها أن تحاسبه وتراقبه وإذا حاد عن الصراط المستقيم من حقها أن تعزله، ولذلك فالحكم في الإسلام ليس ثيوقراطيا ولا علمانيا لا دينيا، فإن مصدر القوانين والأحكام من الشرع وأما مصدر السلطة فمن الشعب والأمة، فلا يجوز لخليفة أن يقول بأن الله هو الذي نصبني وهو الذي عينني بل الأمة هي التي تنيبه وتفوضه في تنفيذ الأحكام وبالتالي فهي تراقبه وتحاسبه وتعاونه، وإذا خرج عن جادة الصواب تعزله"36.ومسألة شرعية السلطة في فكر الحركة الإسلامية قد تم الحسم فيها، فالأمة هي مصدر الشرعية وصاحبة الحق في تعيين الحاكم لكن صاحب السيادة العليا هو الله تعالى في أحكامه، فالحاكم في الدولة الإسلامية ينوب عن الأمة في تنفيذ الأحكام الشرعية التي قررها الشارع الحكيم في القرآن ولا يحق للحاكم وضع التشريعات، لأن التشريع مرتبط بالحاكمية التي هي من اختصاص الله في كتابه الكريم، "فالشرع في الدولة الإسلام يجب أن يكون مرجعية الدولة الأولى والأساسية، في نظامها القانوني العام، وفي مناهجها وبرامجها المختلفة، لأن دولة الإسلام موصوفة بكونها دولة الفكرة التي تجعل من الدين نظاما شاملا لجميع جوانب حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. قال الله تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس  لا يعلمون " ثم قال في موضع آخر من نفس السورة : " كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ". أي ما كان ليأخذ أخاه في نظام الملك. فدل ذلك على أن الدين هو النظام، وهذا الدين نص في آيات كثيرة على أن سلطانه على الناس يجب أن يكون مطلقا بحيث لا يزاحمه سلطان آخر، وساميا بحيث تعلو سلطاته فوق كل السلطات ومنفردا بحيث لا تزاحمه على أتباعه سلطة أخرى. وأصيلا فسلطته قائمة بذاتها مستغنية عن غيرها، ومعصوما فلا يتطرق إليها الخطأ وقانونها مطابق لقواعد الحق والعدل، وعاما فهو لا يقبل التملك ولا التجزئة. ومثل هذه المواصفات هي التي تجعلنا نقول بأن سلطة الإسلام أو سلطة الشرع أو القانون الإسلامي ثابتة على كل مسلم أيا ما كان مركزه القانوني، وثابتة في كل دولة الإسلام، وأن دولته من ثم هي دولة القانون الذي يعلو على كل الإرادات، والذي تكون جميع الإرادات فوق أرضها خاضعة لها. ومثل هذه المواصفات تنطبق على مصطلح السيادة التي عرفها الفكر القانوني الغربي. والتي عرفها أصحابها بأنها السلطة العليا المطلقة، التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء الأفعال، فهي تملك جعل الفعل واجبا أو محرما أو مباحا. وهي تملك جعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا. ولذلك نقول أن السيادة بهذا التعريف تقابلها في مصطلحات المسلمين كلمة الحاكمية، وهي في الإسلام لله سبحانه لقوله تعالى: " إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم "37.

4.7. النظام السياسي الإسلامي بين الشورى والديمقراطية

من مبادئ النظام السياسي الإسلامي أن تعيين الحاكم يكون عن طريق الشورى، فهي الآلية الوحيدة التي تمنح الشرعية لنظام الحكم، فأي حاكم وصل إلى الحكم بغير اتفاق المسلمين عليه فحكمه باطل، و" الشورى فريضة سياسية ولذلك ذكرت بين فريضتين فريضة تعبدية وفريضة اجتماعية، قال الله تعالى: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" سورة الشورى الأية 38 ومن هنا فهي واجبة عند اختيار الحاكم ولا شرعية لمن وصل إلى سدة الحكم بغيرها "38." إن مسؤولية الأمة عن الالتزام بالدين والمحافظة عليه وسياسة الدنيا به تجعل من السياسة في الإسلام مسؤولية مشتركة بين السلطة التي وجدت لتنوب الأمة في أداء واجباتها والتي منها تستمد أحد ركني شرعيتها، وبين الأمة التي منحت السلطة الشرعية بإنابتها ورضاها عنها، إلا أنها لم تتخل بصفة كاملة عن واجباتها لاستحالة ذلك بحكم مبدأ المسؤولية الفردية والجماعية عن الدين ومصالح العباد في الدنيا والآخرة. فالمسؤولية لذلك قائمة ومستمرة وهي مسؤولية تبادلية بين ركني الدولة الأساسيين السلطة والأمة، أو السلطة والشعب، فكل هؤلاء يتعاونون على الاضطلاع بمهمة حفظ الدين وسياسة الدنيا به بما يرعى الصالح العام، ويحفظ حقوق وحريات المواطنين، ويعمر الأرض ويقوي من مكانة الدولة ويعزز من هيبتها في الداخل والخارج، وهذا يعني أن الأمة أو الشعب تشارك في تسيير شؤون الدولة. والسؤال كيف تشارك الأمة في تسيير شؤون الدولة؟ الجواب باختصار هو أن الأمة تشارك في ذلك عن طريق الشورى، فالشورى لذلك وسيلة الأمة في أداء مسؤوليتها في تسيير شؤون الدولة ونظام الحكم في أي موقع كانوا، وأنها أحد أهم صفات المسلمين ومقومات مجتمعهم، وهي كما دلت على ذلك آيات الشورى في سورة آل عمران أساس علاقة السلطة بالشعب، وأبرز خاصية من خصائص الدولة في الإسلام يلتزم بها الحاكم مهما كانت النتائج المترتبة عليها مادامت غير خارجة عن دائرة الإسلام"39.يتفق قادة العمل الإسلامي أن الشورى هي الآلية الوحيدة التي تجعل من نظام الحكم شرعيا، وقد طبق هذا المبدأ في الدولة الإسلامية الأولى حيث تتكفل جماعة الحل والعقد بمهمة مبايعة الخليفة نيابة عن مجموع المسلمين، ومعنى ذلك أن الأمة الإسلامية تمارس مهمة اختيار الخليفة بواسطة ممثليها وهم جماعة الحل والعقد، وهذا ما يجعلنا نستنتج أن الخلافة الإسلامية كانت انتخابية، وهذا من خصائص النظام الإسلامي فالسلطة فيه" انتخابية أي ليست بالتعيين عن طريق النص أو الوراثة، في كل مرة يحدث شغور في منصب الخلافة يجب أن يجتمع أهل الحل والعقد من أجل أن يعينوا الخليفة الجديد، ليست وراثيا ولا توقيفيا. كما أنها خلافة شورية"40.والشورى هو مفهوم متداول في التراث الإسلامي والتزام تيارات الإسلام السياسي به إنما لتقديمه كبديل للديمقراطية التي تصر الأنظمة العلمانية على تقديمه كآلية لتحقيق مشاركة الأمة في الحكم، والديمقراطية في نظر الإسلاميين مرفوضة لأنها نتاج تطور المجتمع الغربي العلماني، ومن أسس الديمقراطية في رأيهم معاداة الدين والحرية الفردية، والليبرالية، وكل هذه المبادئ تتعارض بشكل مطلق مع الإسلام، فالديمقراطية ليست مجرد انتخاب الحاكم بل هي نظام حياة متكامل يبدأ من الحريات الفردية المطلقة وينتهي بانتخاب الحاكم، والإسلام نظام شامل شريعة وعقيدة ولا يحتاج إلى الديمقراطية الغربية حتى تكمله، فالنظام الإسلامي أسمى النظم لأن التشريع فيه رباني ولا مكان للخلل فيه، أما الديمقراطية الغربية فهي نتاج الفكر الإنساني أنتجه المجتمع الغربي لينظم شؤونه، أما المجتمعات الإسلامية فهي غير معنية بهذه الديمقراطية، "..إن نظامنا السياسي ليس نظاما ديمقراطيا ليبراليا وليس نظاما ديمقراطيا اشتراكيا ونحن لسنا في حاجة لنكمل نظامنا السياسي بجزء من الديمقراطية الليبرالية أو بجزء من الديمقراطية الاشتراكية، لسنا في حاجة على الإطلاق، لأننا نملك كما نعتقد وكما نزعم نظاما كاملا متكاملا مستغنى عن غيره من الأنظمة ولذلك من يريد أن يجعل النظام السياسي في حاجة إل جزء من الديمقراطية مخطئ في فهم الدين والديمقراطية، ولذلك فالإنسان الذي يزعم بأنه يريد أن يتبنى الديمقراطية فقط كوسيلة للوصول إلى الحكم ويظن أن الديمقراطية كذلك فقط مخطئ في فهم الديمقراطية، والإنسان الذي يتبنى الديمقراطية ظانا أنها مجرد حرية مخطئ كذلك في فهم الديمقراطية، وهكذا يعتقدون أن الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، وللأسف تجد من يقول هذا الكلام زعيما لحزب سياسي أو تجد البعض زعماء لأحزاب سياسية، وقد تجد بعضهم قادة هنا وهناك لتشكيلات سياسية أو جمعيات أو ما إلى ذلك، نقول لهم لو كانت الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى الانتخابات لأننا نعلم أن هناك وسيلة تسمى الانتخابات. كل الدساتير الوضعية... كل القوانين الوضعية تسميها انتخاب، فمن يقول بأن الديمقراطية انتخاب؟ لا أحد...إنما كل علمائهم يقولون بأن الانتخاب ما هو إلا حق من الحقوق السياسية التي يوفرها النظام الديمقراطي.."41.لقد فتحت الديمقراطية نقاشا عميقا بين مختلف القوى الإسلامية وإن كان الجميع يتفق بأنها منتوج غربي علماني لكن أصبح من الضروري التعايش معها تفاديا للإقصاء، فأصبح الطرح يدور حول مدى التقاطع الذي يمكن أن يحدث بين الشورى والديمقراطية، فإذا نظرنا إلى الديمقراطية مجردة من الأيديولوجية فهي آلية تمكن من إشراك المجتمع في الحكم، انطلاقا من اختيار الحاكم ومراقبته وإمكانية عزله إذا حاد عن الصواب، والفصل بين السلطات وسيادة القانون، وفتح مجال الحريات السياسية والتعددية الحزبية، وهذا ما يسعى إلى إقامته النظام السياسي الإسلامي من خلال تكريس مبدأ الشورى، "من خلال تحليلنا لمفهوم الديمقراطية ومراجعتنا لتعريفها، يتضح لنا خاصية المنهج ( = الطريقة ، الآلية ) هي الخاصية الأكثر دلالة على الممارسة الديمقراطية الراهنة، بمثلما تفيدنا الملاحظة والتتبع أن صفة العقيدة الشاملة هي أبعد وأضعف الصفات تعبيرا عنها. فتأثير العقائد على الممارسات الديمقراطية المعاصرة قائم من خلال تأثيرها على اختيارات وتوجهات الأفراد والجماعات والمنظمات التي تكون المجتمع، إن تأثيرها على العملية الديمقراطية تأثير غير مباشر، ويختلف من مجتمع لآخر ومن زمن لآخر في ضوء الثابت من شرائع المجتمعات والمتغير من قيمها، والمتحول في الظروف التي تحيط بها وتؤثر في توازناتها الداخلية، أما الديمقراطية في حد ذاتها فإنها منهج علمي وطريقة إجرائية لاتخاذ القرارات العامة. وهذا بالتحديد لا يلغي المفاهيم والأبعاد والزوايا الأخرى المرتبطة بماهية الديمقراطية، لكنه يركز على جوهر الديمقراطية باعتبارها في المقام الأول نظاما يتم التوصل عن طريقه إلى القرارات الجماعية الملزمة داخل المجتمع، من خلال ضمان حق المواطنين في المشاركة الفعالة، بشكل مباشر في اتخاذ القرارات. يلتزم نظام الحكم الديمقراطي بعدد من المبادئ التي تنبثق عنها مؤسسات دستورية، تضمن مشاركة أفراد المجتمع في عملية اتخاذ القرارات الجماعية. ولا توجد هناك شروط أو مواصفات عامة تحدد أو تضبط مضمون القرارات المتخذة في حد ذاتها، فتلك قضية متغيرة تتعلق أساسا بمتخذي القرارات والمعينين بها في ضوء قيمهم وعقائدهم وأفكارهم التي تحددها الدساتير نفي ظل الثوابت والقيم التي يرتضيها المجتمع ويسعى إلى تجسيدها في حياته الاجتماعية، الاقتصادية والأخلاقية الخ، لذلك نجد النظم الديمقراطية المعاصرة مقيدة بدساتير تركز على ضرورة الحفاظ على الثوابت التي يؤسس عليها إجماع كاف يحقق استقرار المجتمع واستمراره. وعلى هذا الأساس نؤكد مرة أخر ى على أن مفهوم الديمقراطية المعا صرة يؤكد على صفة المنهج لا على صفة العقيدة أو الأيديولوجيا. وهذا الوصف لا ينفي عن الديمقراطية أوصافها الأخرى، من حيث هي مجموعة من الحقوق أو أنها نسق من المؤسسات والممارسات أو نظام حكم يضمن الوصول إلى نتائج معين. وإنما يؤكد هذا الوصف على أن ما هو مشترك وعام بين جميع التجارب الديمقراطية الناجحة والمستقرة، والذي يمثل الحد المشترك الأدنى بينها، يتمثل في عناصر المنهج العلمي الذي يضبط وينظم عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة، فهي الصفة الأكثر دلالة على جميع الممارسات الديمقراطية المستقرة "42.

إن التعامل مع الديمقراطية كمنهج كما يذهب إلى ذلك محفوظ نحناح يجعلها تتقاطع كثيرا مع الشورى، لأنها في المحصلة سوف تجعل المجتمع يشارك في الحكم فلا يستبد حاكم بأمر، وطاعة الحاكم منوط بانتخابه لأن الديمقراطية كمنهج تمكن الشعب من اختيار الحاكم الأصلح. إن الفهم الجديد للديمقراطية هي التي جعلت عبد الله جاب الله يقول فيها بعد أن كان يرفضها: " لقد تطورت اليوم النظم السياسية، وأصبح النظام الديمقراطي التعددي هو المهيمن على مستوى الحكم والفكر وهو في جوهره وحقيقة أمره يضع منهجا قانونيا رسميا في كيفية تنظيم السلطة وكيفية الوصول إليها، وكيفية أداء الأمة لدورها في تسيير شؤونها وتنظيم حياتها ومراقبة ومساءلة ومحاسبة من تنيبه في ذلك، ثم كيفية عزله إذا حاد عن حدود النيابة، وكل ذلك يوضحه الدستور الذي هو في جوهره العقد الذي يربط الأمة بالسلطة ويبين صلاحيات وحقوق كل طرف. إن الديمقراطية التعددية اليوم هي أرقى ما وصل إليه الفكر السياسي البشري، وهي وإن كان لنا عليها كإسلاميين الكثير من المآخذ منها أننا نرفض مبدأ فصل السياسة عن الدين والخلق، ونرفض النزعة الليبرالية المتوحشة ونرفض الإباحية في الأخلاق لما في ذلك من تعارض صارخ مع أحكام الدين القطعية في الثبوت والدلالة، إلا أننا نكبر طريقة تنظيم السلطات والاعتراف بحق الشعب في اختيار حكامه وممثليه وفي محاسبتهم ومساءلتهم وعزلهم عند الاقتضاء، واحترام الحقوق والحريات العامة الفردية والجماعية "43.لقد تمكن قادة  العمل الإسلامي من إيجاد حل لهاته المسألة، فالتشبث بحرفية الشورى باعتبارها نتاج النظام الإسلامي في ظل التغيرات الحاصلة في المجال السياسي قد يحرم الحركة الإسلامية من الوصول إلى تحقيق مشروعها. فالديمقراطية ليست بالشر المطلق الذي اعتقده الإسلاميون سابقا بل القبول بالديمقراطية كآلية للتنافس السلمي على السلطة تؤدي إلى نفس النتيجة التي تنتهي إليها الشورى، ومادامت النتيجة واحدة وهي تمكين المجتمع من ممارسة السلطة فالمسألة لا خلاف في صحتها وصدقيتها. إن الاختلاف في الآراء وتعدد البرامج والمشاريع تكفله الدولة الإسلامية فهي حامية للحريات السياسية وتحفظ التعددية الحزبية وتقبل بمنافسة الآخر مهما كان مشروعه شرط أن يحترم مرجعية المجتمع والمتمثلة في الإسلام.

8.نتائج الدراسة

من خلال ما تقدم يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1-أن مفهوم الدولة مفهوم حديث في أدبيات الحركة الإسلامية في الجزائر، إذ لم يستعمل في السابق للدلالة على مشروع حضاري متكامل وإنما استعمل في الفترة التي تحولت فيها الحركة الإسلامية من حركة دعوية تربوية إلى حركة سياسية.

2-أن الحركة الإسلامية كانت تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تتحدث عن دولة إسلامية.

3-أن مطلب إقامة الدولة الإسلامية ظهر مع الأحزاب السياسية الإسلامية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات.

4-أن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية ثيوقراطية كما يزعم أعداؤها، فهي دولة مدنية كما قدمها قادة العمل الإسلامي، تمارس فيها الحريات بكل ديمقراطية.

5-أن الدولة في مشروع الحركة الإسلامية دولة تستمد مرجعيتها من الإسلام كنظام متكامل عقيدة وشريعة، وتؤمن بما وصل إليه العقل البشري من تنظيم للسلطات، ففي الدولة الإسلامية مجال واسع لممارسة العمل السياسي من طرف جميع الأطياف الاجتماعية.

خاتمة

لم تهتم الحركة الإسلامية في الجزائر في السنوات الأولى لظهورها بمسألة الدولة بل كان كل اهتمامها منصبا على نشر القيم والأخلاق الإسلامية بين أفراد المجتمع مع المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية من طرف السلطة الحاكمة، فمنذ ظهورها في السنوات الأولى للاستقلال ومعارضتها للسلطة معارضة أيديولوجية نتيجة لانحراف هذه الأخيرة عن تبني النظام الإسلامي واتخاذ النظام الاشتراكي مشروعا مجتمعيا، أما طرح مشروع الدولة الإسلامية كبديل للنظام السياسي القائم فلم تظهر معالمه إلا في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات أين انتقلت الحركة الإسلامية إلى العمل السياسي، مشكلة الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، وقد اتضحت معالم هاته الدولة من خلال أدبيات الحركة الإسلامية التي زخرت بها سنوات التسعينات خاصة وهي المرحلة الحاسمة في مسار الحركة الإسلامية. وبرجوعنا لهاته الأدبيات اتضحت لنا رؤية الحركة الإسلامية للدولة فهي ليست دولة دينية ثيوقراطية تمارس فيها السلطة عن طرق التفويض الإلهي، بل هي دولة مدنية تحترم حقوق المواطنة لجميع فئات المجتمع وتعترف بالعمل السياسي كأداة للوصول إلى الحكم، فالدولة الإسلامية يمارس فيها الشعب سيادته عن طريق الديمقراطية، وهو صاحب السيادة في اختيار الحاكم ومراقبته وعزله إن حاد عن الطريق الصحيح


الهوامش

1. حسن الترابي وآخرون: الإسلام السياسي والمسألة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 2001، ص206.

2.يوسف القرضاوي: أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، القاهرة: مكتبة وهبة، 2006، ص36.

3.سعد الدين العثماني: الإسلام والسياسة تمييز لا فصل، دار الكلمة للنشر والتوزيع، ط6، القاهرة 2015. ص 43

4.راشد الغنوشي وآخرون: الحركة الإسلامية رؤية نقدية، مؤسسة الانتشار العربي، ط1، لبنان،2011، ص 35.

5.أوليفيه روا: تجربة الإسلام السياسي، ترجمة نصير مروة، دار الساقي، ط2، بيروت 1996، ص 41-42.

6. مجدي حماد وآخرون: الحركات الإسلامية والديمقراطية-دراسات في الفكر والممارسة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1 بيروت 1999، ص 111.

7. برهان غليون: المحنة العربية الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2 بيروت 1994، ص 209.

8.محمد عبد القادر أبو فارس: الفقه السياسي عند حسن البنا، دار البشير للثقافة والعلوم، عمان 1999، ص23.

9.أبو الأعلى المودودي: نظرية الإسلام السياسية، دار الفكر، بيروت 1968، ص40.

10.سيد قطب: معالم في الطريق، دار الشروق، القاهرة 1968، ص 107-108.

11. مجدي حماد وآخرون: مرجع سابق، ص 114.

12.أنظر البيان التاريخي في أوصديق فوزي: محطات في تاريخ الحركة الإسلامية في الجزائر، دار الشهاب، الجزائر 1988، ص 33.

13.أوصديق فوزي: نفس المرجع، ص 45.

14.عبد السلام فيلالي: الجزائر الدولة والمجتمع 1965-1979، الوسام العربي للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر 2016، ص 189-190.

15.عبد اللطيف سلطاني: المزدكية هي أصل الاشتراكية، مطابع دار الكتاب، الدار البيضاء 1974، ص 35.

16. Mohamedharbi:L’islamisme dans tous ses états, rahma édition,alger 1992,p137. 138.

17.عبد الحميد براهيمي: في أصل الأزمة الجزائرية 1958-1999، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت 2001، ص95.

18.فرنسوا بورجا: الإسلام السياسي. صوت الجنوب، ترجمة لورين زكري، دار العالم الثالث، ط2 القاهرة 2001، ص 84.

19.عبد الحميد براهيمي، مرجع سابق، ص95.

20.عبد الله عزام: الحق بالقافلة، مركز عزام الإعلامي بيشاور 1987، ص 6.

21.عبد الله جاب الله: خطوات لازمة في الإصلاح -رسالة إلى رئيس الجمهورية، نوفمبر 1988. أرشيف حركة النهضة الإسلامية.

22.عبد الحميد براهيمي، مرجع سابق، ص194.

23.سيقيرين لابا: الإسلاميون الجزائريون بين صناديق الاقتراع والأدغال، ترجمة حمادة براهيم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2003، ص55.

24. نفس المرجع ونفس الصفحة.

25.عباسي مدني: أزمة الفكر الحديث ومبررات الحل الإسلامي، مكتبة رحاب الجزائر 1989، ص58.

26. نفس المرجع، ص 55.

27.محمد السعيد: العمل الإسلامي من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، محاضر ألقيت بالملتقى الثاني للدعوة الإسلامية، بمسجد الطلبة الجزائر سنة 1990.

28.عبد الله جاب الله: خطوات لازمة في الإصلاح، مرجع سابق.

29. عبد الله جاب الله: إستراتيجية الإصلاح والبناء، دار المعرفة للنشر، الجزائر 1997، ص18.

30.محمد السعيد: مرجع سابق.

31. عبد الله جاب الله: شرعية العمل السياسي، دار المعرفة، الجزائر 2000، ص 103-104.

32. علي بن حاج: فصل الكلام في مواجهة ظلم الحكام، منشورات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الجزائر 1992، ص 16.

33.محفوظ نحناح: الجزائر المنشودة، دار النبأ، ط1، لجزائر،1999، ص62-63.

34. عباسي مدني: مرجع سابق، ص 64.

35.علي بن حاج: مرجع سابق، ص 37.

36. محمد السعيد: طبيعة النظام السياسي في الإسلام، محاضرة علمية ألقيت بمسجد طارق بن زياد حي الجبل بوروبة الجزائر 1990.

37. عبد الله جاب الله: رؤية إسلامية لنظرية الدولة، محاضرة علمية ألقيت على طلبة الدراسات العليا بقسم الحقوق، الجامعة المستقلة  

      مدريد إسبانيا، 1994.

38. علي بن حاج: مرجع سابق، ص 36.

39. عبد الله جاب الله: شرعية العمل السياسي، مرجع سابق، ص75-76.

40.محمد السعيد: طبيعة النظام السياسي في الإسلام، مرجع سابق.

41.عبد الله جاب الله: الكلمة التاريخية. خطاب ألقاه في تجمع بقسنطينة بتاريخ 20 ديسمبر 1991، مجلة النهضة، ص12.

42.محفوظ نحناح: مرجع سابق، ص 152-153.

43.عبد الله جاب الله: شرعية العمل السياسي، مرجع سابق ، ص 99

عبد الرزاق قربوع, «إشكالية الدولة في مشروع الإسلام السياسي في الجزائر»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 01 مجلد 16-2019N°01 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 241-262,
Date Publication Sur Papier : 2019-04-11,
Date Pulication Electronique : 2019-04-11,
mis a jour le : 11/04/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5581.