في التفكير حول فلسفة الدين عند روني ديكارتReflections on the philosophy of religion at René Descartes
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 17-2020

في التفكير حول فلسفة الدين عند روني ديكارت

Reflections on the philosophy of religion at René Descartes
ص ص 54-64
تاريخ الإرسال: 2019-09-09 تاريخ القبول: 12-04-2020

هشام شراد
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

إن الهدف من هذا المقال، كما يتضح من خلال العنوان، هو النظر في إمكانية وجود فلسفة للدين في المنظومة الفلسفية لديكارت من منظور العلاقة التي أقامها هذا الأخير بين العقل والإيمان من جهة، وكذا العلاقة بين "الحقائق الموحى بها" و"الحقائق المكتسبة" من جهة أخرى. بالنظر إلى "محتوى الإيمان" الذي يتميز بغموض معناه ومغزاه بالنسبة للعقل، وكذلك اليقين الذي تتميز به "الحقائق الموحى بها" بالمقارنة مع "الحقائق المكتسبة"، فإن هذا المقال يخلص إلى نفي وجود فلسفة للدين عند ديكارت، نظراً لغياب توظيف للعقل الفلسفي داخل مبحث الدين، وكذا بسبب الغموض الذي يعتري محتوى الإيمان ومجاوزة "الحقائق الموحى بها" لحدود العقل. إن التباين بين "الحقائق الموحى بها" و"الحقائق المكتسبة" لا تفضي إلى التعارض بينهما، بل إن ديكارت ينتهي إلى المصالحة بينهما، وهو الهدف الذي وضعه مسبقا، أي تبيان توافق الديانة الكاثوليكية وفلسفته وعدم تعارضهما، ومن ثمة تقديم بديل عن فلسفة أرسطو.

الكلمات المفاتيح

 فلسفة الدين، العقل، الإيمان، الحقائق الموحى بها، الحقائق المكتسبة

Le propos de cet article, comme l’indique son titre, est de s’interroger sur l’éventuelle existence d’une philosophie de la religion dans le système philosophique de Descartes sous le prisme du rapport qu’avait établi ce dernier entre la raison et la foi, d’une part, et de celui entre les « vérités révélées » et les « vérités acquises », d’autre part. Considérant la nature de la foi -dont le contenu se caractérise par sa nébulosité pour l’entendement humain- et la certitude des « vérités révélées » par rapport aux « vérités acquises », le présent article réfute l’existence d’une philosophie de la religion dans le système cartésien : d’abord, du fait de l’absence d’un investissement de la religion par le biais de la raison philosophique, ensuite parce que les « vérités révélées » transcendent la raison humaine. La ligne de démarcation séparant les deux ordres de vérités n’aboutit guère, dans le système de Descartes, à une contradiction, mais plutôt à une réconciliation et une complémentarité entre celles-ci. Il s’agit là d’un objectif tracé au préalable par cet auteur : montrer que la philosophie cartésienne était plus compatible avec le Catholicisme que la philosophie aristotélicienne.              

Mots-clés :Philosophie de la religion, Raison, Foi,Vérités révélées, Vérités acquises

The content of this article, as indicated by its title, is to ask the possible existence of a philosophy of religion in Descartes' philosophical system under the prism of the report established by the latter between reason and faith on the one hand, and the relationship between « revealed truths » and « acquired truths », on the other hand. Given the nature of faith whose content is characterized by its obscurity for the human understanding, as well as by the certainty of «revealed truths » over «acquired truths », this article refutes the existence of a philosophy of religion in the Cartesian system; first, because of the fact of the absence of an investment of religion through philosophical reason, then, because « revealed truths » transcend human reason. The line of demarcation separating the two orders of truths does not lead, in Descartes' system, to a contradiction, but rather to reconciliation and a complementarity between them. This is an objective drawn beforehand by this author, that is to say, to show that Cartesian philosophy was more compatible with Catholicism than Aristotelian philosophy.

Keywords : Philosophy of religion, Reason, Faith, Acquired truths, Revealed truths

Quelques mots à propos de :  هشام شراد

جامعة محمد لمين دباغين، سطيف2 Cherrad.hichem@hotmail.fr

مقدمة

يُعتبر موضوع الدين من أقدم مواضيع الفلسفة، إذ أن تاريخها برمته قد شكل مجالاً للجدل والمناظرة بخصوص مواضيع أصل ونشأة الكون ووجود الإله وخلود النفس والحرية الإنسانية. ومن ثمة ظهور مَوقِفين بخصوص هذه المواضيع: الموقف الدوغماطيقي الذي يُجزم بالنفي أو الثبات دون أي نقاش، والموقف الشكي الذي يُشدد على ضرورة الامتناع عن الإثبات أو النفي1. فظهور كل من "علم اللاهوت" و"الميتافيزيقا" لم يكن بمحض الصدفة، بقدر ما كان مرتبطا بالنقاشات الأولى التي عرفتها الفلسفة في بداياتها الأولى، أي منذ العصر اليوناني.

إن فلسفة الدين لها دور ووظيفة يمكن مقارنتهما بالميتافيزيقا والفلسفة الدينية وعلم اللاهوت من جهة، وكذا العلوم الاجتماعية التي تعالج ظاهرة الدين من جهة أخرى. بما أن الميتافيزيقا - وهي أحد فروع الفلسفة- تبحث في المبادئ الأولية للكائن، فإنها تتقاطع مع الانطولوجيا وعلم اللاهوت لاشتراكهم في الاشتغال في موضوع "المطلق"، أي الإله. لكن الميتافيزيقا لا تعتبر موضوعات الدراسة التي تتقاسمها مع فلسفة الدين جزءا من الدين. أما علم اللاهوت، فيبدو مرتبطا بالتزام فكري ومؤسساتي داخل الإطار العام لدين ما، فمهمته تبقى دفاعية وتبريرية للمعتقد، أما الفلسفة فإنها تضع بين قوسين "الحقائق الموحى بها"، من أجل تطوير نقد ايجابي أو سلبي للوحي. ومع ذلك، فان هذا التمييز بين الفلسفة وعلم اللاهوت يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مكانة الفلسفة الدينية بصفتها مجالا لنظر الفيلسوف في الأفق الديني، يختلف تماماً مع مبادئ ووجهة عالم اللاهوت2.

في المقابل، فان فلسفة الدين يتحدد معناها بمقارنتها بعلم اللاهوت الطبيعي، ففي حين يشير علم اللاهوت الطبيعي إلى ذلك الخطاب المستند إلى العقل في تناوله لمسائل الألوهية، فإن فلسفة الدين تعني فحص جوهر الدين بالاستناد إلى العقل الفلسفي، ففلسفة الدين تتسم بطابع الحياد الديني (neutralité religieuse)، وبالتالي نزع البعد الدوغماطيقي عن الدين، ومن ثمة فإنها تعتبر مكونات الدين التاريخية ومختلف تجلياته قابلة للفهم والمعرفة الفلسفية3. من هذا المنظور، فإن الحدود الفاصلة بين الميتافيزيقا وفلسفة الدين تكاد تزول، لأن الفحص الفلسفي للممارسات الدينية يؤدي حتما إلى مباشرة التفكير الميتافيزيقي حول موضوع "المبدأ الأول"، وبالتالي فان مُساءلة فلسفة الدين في حد ذاتها، يقود حتما إلى التساؤل عن طبيعة الاختصاصات ذات الصلة بهذه الأخيرة، أي مدى حضور العقلانية داخل هذه المباحث.         

أما فلسفة الدين، كميدان من ميادين الفلسفة، فلم تعرف بداياتها الأولى إلا مع النصف الثاني من القرن الثامن عشر مع ايمانويل كانط (1724-1804)، حيث تكمن أصالة الفلسفة الكانطية في هذا المجال في كونه قد زحزح مسالة الدين من دائرة الميتافيزيقا (فمواضيع الميتافيزيقا كالإله والنفس لا سبيل لمعرفتها) ووضعها على أسس أخلاقية ومن ثمة قوله بالدين الأخلاقي الكوني. فكون العقل هو الجوهر الوحيد القادر على إنتاج القانون الأخلاقي، بدون الاستناد إلى الامبريقية (Empirisme)، فان الأخلاق ليست نتاج الدين، بل هي التي تقود إلى الدين. وقد عرض كانط أهم أفكاره بخصوص فلسفة الدين – والتي ليس بوسعنا التطرق إليها في هذا المقال- في كتابه "الدين في مجرد حدود العقل" (1793).

ورغم التقدم الهائل الذي عرفته فلسفة الدين منذ هذه المرحلة مع الكثير من الفلاسفة خاصة الألمان والانجلوسكسونيين، إلا أن هذا الميدان لا يزال اليوم يراوح مرحلة الإرهاصات الأولى، بسبب جملة من الأسباب التاريخية-الإيديولوجية والابستمولوجية. فخلال الفترة السوفيتية، على سبيل المثال، تم نشر كتب "الإلحاد العلمي" (l’athéisme scientifique) كالانطولوجيات من كلاسيكيات الماركسية حول مفهوم الدين وجوهره، وكان الهدف من ذلك محاربة الدين واستئصاله واجتثاثه من المجتمع بدلاً من أن يكون موضوعاً للتفكير والفحص الفلسفيين. أما فلاسفة الدين الغربيين فقد تعرضوا لانتقادات شرسة من طرف الحركات الماركسية الشيوعية العالمية، واعتبارهم بمثابة فلاسفة مساعدين (philosophes auxiliaires) في خدمة مصالح الطبقة البرجوازية، التي تجد هي الأخرى مصالحها في تحريك الدين. لذا فانه ليس غريبا أن النقاشات الأولى حول مواضيع فلسفة الدين لم تظهر في روسيا إلا بعد سقوط وانهيار الإلحاد الرسمي، وهنا نشير إلى كتاب يوري كيميلاف (Yuri Kimilev) المعنون "فلسفة الدين الغربية المعاصرة" الذي نشره عام 19894.

مما لا شك فيه، فان الموضوعات الميتافيزيقية قد شكلت أحد اهتمامات الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت (1596-1650)، فقد تعرض هذا الأخير إلى فكرة الإله، والنفس والافخارستيا (Eucharistie) والإيمان. لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو كيفية وطريقة تعامل ديكارت مع هذه المواضيع، التي تعتبر اليوم مواضيع تختص بها فلسفة الدين، بعبارة أخرى، هل يمكن الحديث عن فلسفة للدين في المنظومة الفلسفية لديكارت؟ ولماذا اهتم هذا الأخير بالميتافيزيقا، وما هي الغايات من إدراجها في مباحث فلسفته؟   

ان البحث عن فلسفة للدين عند ديكارت يستوجب أولا التساؤل عن الملة التي كان يدين بها ديكارت، والمكانة التي تحظى بها في فلسفته. بهذا الخصوص نجد الكثير من التضارب، ففي كتاب " مقال عن المنهج"، يبدو دين ديكارت مرتبطا بالتنشئة الاجتماعية والوراثة، اذ يقول: " فأنني وضعت لنفسي قواعد للأخلاق مؤقتة لا تشتمل إلا على ثلاث حكم أو أربع أدلي إليكم بها: الأولى أن أطيع قوانين بلادي وعوائدها، مع ثبات في محافظتي على الديانة التي أنعم الإله على بأن نشأت فيها منذ طفولتي5". أما أدريان باييه Adrien Baillet (1649-1706) الذي يعتبر أول من كتب سيرة ذاتية لديكارت، فانه يرى أن هذا الأخير كان على " دين المربية"(La religion de sa nourrice). أما في "مراسلاتهفنجد ديكارت يفشي عن انتمائه الديني الكاثوليكي، ففي إحدى رسائله التي بعث بها إلى صديقه الأب مارين مارسي Marin Mersenne (1588-1648)، في سنة 1640، يعتبر ديكارت نفسه "متحمسا للديانة الكاثوليكية"(Zélé à la religion catholique)، مستدلا في ذلك بالمواضيع الدينية الكبرى التي عالجها في فلسفته6.

-1فلسفة الدين عند ديكارت من منظور العلاقة بين العقل والإيمان

إن الحديث عن موضوع الإيمان في المنظومة الديكارتية يستدعي أولا جرد كل النصوص التي عالج فيها ديكارت مبحث الإيمان مع تحديد موقعها داخل منظومته والمغزى من توظيفها. في هذا الصدد، سنتطرق إلى كتابات ديكارت الأولى ثم المتأخرة. في هذا الصدد، نشير إلى أن الكثير من الاقتباسات التي قمنا بتوظيفها في هذا المقال قد قمنا بترجمتها من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، وذلك راجع لعدم توفر الترجمة.  

 في كتابه " قواعد لتوجيه الفكر" (Règles pour la direction de l’esprit) الذي نشره ديكارت في سنة 1629، يشير هذا الأخير في القاعدة الثالثة إلى كيفية تحصيل المعرفة والعلوم بتأكيده على عدم الاكتفاء بآراء الآخرين أو بمجرد الاحتمالات، بل لا بد من تركيز اهتمامنا على الحقائق البديهية وكل ما هو ممكن استنباطه من خلالها. يقول ديكارت: "ولا يجب فيما يتعلق بالفكر، أن نقبل أكثر من ذلك، بل يجب أن نطرح جانبا جميع السبل الأخرى باعتبارها مشبوهة معرضة للخطأ. غير أن ذلك لا يمنعنا من أن نعتقد أن ما كان موضوع كشف إلهي هو أكثر يقينا من أي معرفة أخرى. ونحن إذ نؤمن فيما يتعلق في كل الحالات بأشياء غيبية، فان هذا لا يصدر عن فكر وإنما عن إرادة. وإذا كانت لها أسس في الفكر فنستطيع، بل ويجب العثور عليها قبل كل شيء عبر أحد السبيلين (أي الحدس والاستنباط) اللذين أشرنا إليهما سابقا على الوجه الذي يمكن أن نوضحه في وقت لاحق توضيحا موسعا7".         

هذه الأسطر هي في الأصل عبارة عن مقتطفات من المذكرات اليومية لديكارت التي كتبها في فترة يتعذر علينا تحديدها، ولكنه من المؤكد أن ديكارت قد ضمنها في مذكراته في مرحلة كان فيها اهتمامه موجها إلى القضايا الكبرى التي سيعالجها فيما بعد في كتبه المعروفة. ويمكن، من خلال القاعدة الثالثة، استنتاج ما يلي:

1.                       التنويه بموضوع الإيمان ارتبط بتناول ديكارت لقاعدة البديهة.

2.                       قيمة الإيمان: المواضيع المتعلقة بالإيمان تتميز باليقين، واليقين هو أكثر اتساعا من البداهة.

3.                       سيكولوجية الإيمان: انه فعل الإرادة.

 أما في " مقال عن المنهج" وكذا " تأملات ميتافيزيقية"، فان الشك المنهجي (le doute méthodique) والشك الجذري (le doute hyperbolique) يمتدان إلى كل الأشياء، باستثناء ما يطلق عليها ديكارت "بالحقائق الموحى بها" (les vérités révélées). يقول في الفصل الأول من " مقال عن المنهج":

"وإن الحقائق الموحى بها، والتي هي تهدي إلى الجنة، هي فوق فهمنا (sont au-dessus de notre intelligence)، لم يكن لي أن أجرؤ على أن أسلمها لضعف استدلالي، ورأيت أن محاولة امتحانها امتحانا موفقا تحتاج لأن يمد الإنسان من السماء بمدد غير عادي، وأن يكون فوق مرتبة البشر8 ".

أما في الفصل الثالث من "مقال عن المنهج"، فإن ديكارت يضع لنفسه أخلاقا مؤقتة، بمعنى جملة من المبادئ العملية التي تتجاوز كل من الحقيقة والخطأ، لذا فإن ديكارت لا يُعاينها عندما يقوم باستعراض وفرز جميع معارفه: "وبعد أن استوثقت كذلك من هذه الحكم، ووضعتها ناحية مع حقائق الإيمان، التي لها المنزلة الأولى في اعتقادي. حكمت بأن ما بقي من أرائي، هو أن أعمل على التخلص منها9".  

في الجزء الأول من "مبادئ الفلسفة"، يبرهن ديكارت في "مبادئ المعرفة البشرية" على وجود الإله، مؤكدا على أنه لا متناه، وأن البشر متناهون (المبدأ 24)، ومن ثمة فإنه "يجب علينا أن نؤمن بكل ما أنزله الإله، وإن يكن فوق مداركنا10"(المبدأ 25). أما في "تقديم" كتاب "مبادئ الفلسفة"، يعرف ديكارت الفلسفة على أنها دراسة للحكمة التي تكمن في أربعة أمور: الوعي، وتجربة الحواس، والنقاشات مع الآخرين ومطالعة الكتب، وبالتالي، يقول ديكارت "يبدو لي أن الحكمة التي يقع امتلاكها في مألوفنا مكتسبة بهذه الطرق الأربعة فقط؛ لأني لا أضع الوحي الإلهي من بينها؛ إذ إن هدايته ليست على درجات، وإنما يرفعنا دفعة واحدة إلى إيمان لا يتزعزع11".    

وبالتالي فان الحدس12 (intuition) والاستنتاج (déduction) اللذين يشكلان عند ديكارت طريقا للمعرفة العقلية، لا يمكن تطبيقهما على مبحث الإيمان، لأن الإيمان يشتمل على أمور غامضة، بمعنى أن "ما أوحي به" هو "فوق فهمنا". بيد أن ديكارت يميز بين "محتوى الإيمان" الذي يكتنفه الغموض اللافت للفهم البشري و"السبب الحقيقي" للإيمان الذي يعتبره واضحا ويقينيا: " فإنني تعلمت ألا أعتقد اعتقادا جازما في شيء ما بحكم التقليد أو العادة، وكذلك تخلصت شيئا فشيئا من كثير من الأوهام التي تستطيع أن تخمد فينا النور الفطري وتنقص من قدرتنا على التعقل13".

   هذه الاقتباسات، التي قمنا بجردها من خلال النصوص الديكارتية، ستمكننا من توجيه هذه الدراسة:

·  لأي غرض يتكلم ديكارت عن الإيمان؟ يبدو أن الأمر متعلق بمشكلة الوضوح واليقين؛ فتارة يقوم ديكارت بربط قناعاته عن الإيمان بتحليلاته لقاعدة البداهة (المبدأ 76)، وتارة أخرى يجعلها (قناعاته عن الإيمان) سابقة لطرحه لمبدأ البداهة، حتى ينزه الإيمان من كل شك وريبة (في "مقدمة" كتاب "مبادئ الفلسفة")، أو أنه يضعها قبل الشك المنهجي الذي يتصف بنقضه كل المعارف ماعدا البديهيات (الفصلين الأول والثالث من "مقال عن المنهج"). وعلاوة على ذلك، فديكارت يقوم كذلك بتمرير قناعاته عن الإيمان عند حديثه عن صفات الإله، حتى لا تعكر أسرار الوحي ذوق البداهة بداخلنا (المبدأ 25).

·  لماذا يتحدث ديكارت عن الإيمان؟ حتى يستثني الإيمان من المنهج ومن ثمة جعله الإيمان بعيدا عن فلسفته. إن مجال اليقين هو أكثر اتساعا من مجال البداهة، ولما كان كذلك، فإن الفلسفة ومختلف العلوم تختص فقط بمجال البداهة، أما الإيمان فيدخل في دائرة اليقين، دون أن يكون بديهيا؛ فمحتوى الإيمان يتميز بالغموض وتجاوزه للعقل البشري. 

·  ما هو مصدر الإيمان؟ بما أن الإيمان هو امتثال وتقيد بحقائق "غامضة"، فان قبول محتوى الإيمان لا يترتب عن مدى التأكد من مصداقيته، بل هي الرحمة الإلهيةla Grâce divine)) التي تتيح للذات العارفة النظر في هذه الأمور والتسليم بها دون أن تنير البداهة طريق العقل. فعل الإيمان هو فعل الإرادة (القاعدة الثالثة). في هذا الصدد، تقر السيكولوجية الديكارتية على أن معرفتنا وإدراكنا بالأشياء محدودتان على عكس إرادتنا التي هي غير محدودة؛ فالإرادة بإمكانها إذًا تجاوز ما يمكن للعقل أن يدركه، فلا شيء يعوق الإرادة على بلوغ الحقائق الغامضة. ولكن السؤال المطروح: فيما يتعلق بالإيمان، من أين يتأتى حافز الإرادة؟ من الإله، يقول ديكارت، فالإيمان هبة من الإله. لذا فإن "طريق الجنة ليس ممهدا لأجل الجهلاء أقل مما هو ممهد لأعلم العلماء14".  

    -1-1نمطان من الحقيقة؟

وبالرغم من أن روني ديكارت يشير في كتاباته إلى التباين الكبير بين "الحقائق الموحى بها" و"الحقائق المكتسبة"(les vérités acquises)، بتأكيده على التفوق الابستيمي (المعرفي) "للحقائق الموحى بها" على "الحقائق المكتسبة"، كونها فوق العقل البشري وفي منأى عنه، ومن ثمة تمتعها "بحصانة" على المستوى الابستمولوجي الذي يعفيها من الشك المنهجي والجذري15، إلا أنه يرفض، في الوقت ذاته، فكرة "ازدواجية الحقيقة". "فالحقائق المكتسبة" التي يتم الوصول إليها عن طريق العقل، و"حقائق الوحي" النابعة عن الرحمة الإلهية (La Grâce)، كلاهما وجهان لعملة واحدة، أي الحقيقة. وبالتالي، فإن "الحقائق المكتسبة" تعني تلك " التي نستطيع فهمها" من حيث أنها مُنْفَتِحَةُ على العقل، أما "حقائق الوحي" فإنها تُحيل إلى تلك " التي وجب التصديق بها"، لأنها مستوحاة من الرحمة الإلهية. وبما أن "حقائق الوحي" ليست في متناول العقل، فإنها من اختصاص علم اللاهوت (théologie) وبالتحديد ما يطلق عليه ديكارت بعلم اللاهوت الايجابي (la théologie positive) المختص بالتعاليم الدوجماطيقية للكنيسة، في مقابل علم اللاهوت التأملي (la théologie contemplative) الذي تنبثق منه عادة مذاهب لاهوتية مختلفة. فالكنيسة الكاثوليكية، عند ديكارت، هي السلطة المعيارية الوحيدة التي يخول لها التعامل مع "الحقائق الموحى بها" والمتأتية من الكتابات المقدسة، بعبارة أخري، فان ديكارت، يحدد مجال تخصص اللاهوتي (Le théologien) بالاشتغال على المضامين المقدسة ومنعه العقل من الاشتغال بما ليس في وسعه إدراكه. فديكارت يمتنع عن النظر في المسائل اللاهوتية، كما يتضح ذلك من خلال الرسالة التي بعث بها إلى الأب مارسين بتاريخ 06 ماي1630: "فإنني لا أريد أن أقحم نفسي في علم اللاهوت، خشية أن تحكم على فلسفتي بالتحرر المفرط16". وفي رسالة أخرى موجهة إلى الأب ماسلاند (P. Mesland) بتاريخ 02 ماي 1644 يقول صاحب "مقالة في المنهج" مايلي : "فإنني أمتنع، قدر المستطاع، عن النظر في المسائل المتعلقة بعلم اللاهوت17".

 مهما يكن، فإن ديكارت يؤكد على استحالة النظر في "حقائق الوحي" عن طريق العقل، وعلاوة على ذلك فإنه يستحيل على الفيلسوف توظيف واستخدام معطيات الوحي والاستناد عليها قصد وضع معارف علمية وفلسفية، بيد أن الفلسفة -كما يتبين ذلك من خلال محتوى الرسالة التي وجهها ديكارت إلى الأب مارسين في شهر مارس 1642- بإمكانها خدمة (علم اللاهوت) بإعدادها الوثنيين والجاحدين لاستيعاب محتوى الإيمان (La philosophie peut servir à préparer les infidèles à recevoir la foi).          

   في هذا الصدد، يقوم ديكارت من خلال نصه اللاتيني "المجهول" والمعنون: (Notae in programma 18quoddam)، بعد ضبطه للعلاقة بين الحقائق الموحى بها والحقائق المكتسبة، والتأكيد على "وحدة الحقيقة" ونبذ ازدواجيتها (l’unité de la vérité) من جهة، والتأكيد على استقلالية الميدان الفلسفي من جهة أخرى، بإضافة مستوى ثالث للحقيقة:   

·  الحقائق المشروطة بالوحي التي يختص بها علم اللاهوت، كمسائل أسرار الثالوث والتجسيد، كما تم ذكر ذلك سالفا.

·  الحقائق المنفتحة على العقل.

·  بعض الحقائق تحتل مرتبة وسطا، كونها من جهة تتعلق بميدان الإيمان، ومن جهة أخرى تبقى منفتحة على العقل، كما هو الحال بالنسبة لبعض القضايا الميتافيزيقية كفكرة وجود الإله وطبيعة النفس.

 إن هذا التقسيم الديكارتي مهم جداً لنا، فهو يبين أن ديكارت كان شديد الحرص على احترام خصوصية كل ميدان: فهو يحدد مجال كفاءة عالم اللاهوت في حدود "الحقائق الموحى بها"، مشددا على ضرورة عدم تجاوز هذا الأخير لهذه الحدود المرسومة. في المقابل، فإن مجال كفاءة الفيلسوف هي الحقائق المكتسبة، فلا يسمح له كذلك النظر في "الحقائق الموحى بها". مهما يكن، فإن ديكارت يؤكد على استحالة النظر في حقائق الوحي عن طريق العقل، كما يستحيل توظيف الفيلسوف واستخدامه لحقائق الوحي في وضع حقائق علمية (الحقائق المكتسبة). 

-2-1من اللاتعارض إلى المصالحة ثم التقاطع (أو المستوى الثاني من القراءة الديكارتية)

إن القول بالتمايز بين "الحقائق الموحى بها" والحقائق المكتسبة، والتفوق الابستيمولوجي "لحقائق الوحي" على الحقائق المكتسبة لا يحيل إلى التعارض والصدام والصراع بين هذين النمطين من الحقيقة، كون ديكارت يشدد على "وحدة الحقيقة"، فهو يشير في الكثير من نصوصه إلى أن "أي حقيقة لا يمكنها أن تكون مناقضة لحقيقة أخرى" (Une vérité ne peut jamais être contraire à une autre vérité). ومن ثمة فإن عالم اللاهوت والفيلسوف لا يمكنهما الإتيان بحقائق قد تتعارض، بعبارة أخرى، استحالة التعارض بين العقل والإيمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فكرة عدم التعارض تكتسي عن ديكارت معنىً أخر، فهذه الفكرة تقترن بفكرة التقاطع بين هذين النمطين من الحقيقة خاصة في ميدان الميتافيزيقا: فمواضيع الميتافيزيقا يتقاسمهما العقل والإيمان، حيث أن كلاّ من الفيلسوف وعالم اللاهوت، كل في حدوده، ينتجان خطابين مختلفين ولكنهما متكاملان. وعلاوة على ذلك، فإن ديكارت، من خلال نصه المذكور أعلاه، يشير إلى أن الفلسفة يمكن أن تشكل مدخلاً (propédeutique) لعلم اللاهوت. بتأكيده على التوافق بين الإيمان والعقل، فإن ديكارت يُوَسِمُ فلسفته بانتصار كبير على المدرسة السكولاستيكية، ففلسفته تتميز بالتوافق مع المسيحية أكثر من فلسفة أرسطو.

في هذا الصدد، أمكن تفسير اهتمام ديكارت بالميتافيزيقا والانطولوجيا والمواضيع الدينية بضرورات أخلاقية وعملية:

·  تهدف الفلسفة الديكارتية بِرُمَتِهَا إلى تقديم بديل لفلسفة أرسطو، أي بعبارة أخري، محاربة تعاليم المدرسة السكولاستيكية. فديكارت كان يسعى إلى تبيان أن منظومته الفلسفية هي أكثر توافقا مع الديانة المسيحية من فلسفة أرسطو19.

·  لم تشكل الميتافيزيقا عند ديكارت مدخلا للعلم، بل سعى من خلالها إلى فهم الدين. فديكارت، على حد تعبيره، كان كاثوليكيا راغبا في تعزيز عقيدته الكاثوليكية المهددة بالكلفانيين والملحدين. لذا فإن التأسيس للفيزياء والدفاع عن الإله، عند ديكارت، يشكلان مهمة واحدة، فالعلم الجديد، - الذي بفضله فقط يصبح الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة-، هو في نفس الوقت المبرر الوحيد للإله بصفته مشرعا للكون20.

-3-1توافق الإيمان والعقل

يتبين مما سبق أن العقل لا يناقض معطيات الإيمان، فديكارت يُذعن طوعاً لهذا الالتزام.  ولقد تنبه إلى هذه القضية أحد تلاميذ ديكارت وهو هنري دي روي21 (1598-1679) عندما تحدث، في لحظة تهور، في إحدى رسائله التي بعث بها إلى ديكارت عن "النفس الثلاثية" (l’âme triple)، فرد عليه ديكارت في رسالة في شهر ماي 1641 قائلا: "هذه الكلمة ضرب من الهرطقة في الدين الكاثوليكي22" («ce mot est une hérésie parmi ceux de ma religion»)، "لأنه غير مسموح للكاثوليكي الروماني القول بأن الإنسان بداخله ثلاثة أنفاس، وأنني أخشى أن تُنسب إلى شخصي كل ما وضعته في أطروحاتك، أتمنى أن تمتنع عن الحديث بهذه الطريقة23 ".

في الفصل الرابع والمعنون " الفلسفة وعلم اللاهوت" (Philosophie et théologie)، من كتابه المعنون "الفكر الديني لديكارت" (La pensée religieuse de Descartes)، يقول الفرنسي هنري قوهيي (Henri Gouhier)، إن جهود ديكارت قد أفضت إلى وضع فلسفة حقيقة بصفتها حليفة للدين "الحقيقي"(Descartes avait apporté la vraie philosophie, celle qui est l’alliée naturelle de la vraie religion) ; فالفيزياء الديكارتية هي في جوهرها فيزياء مسيحية كونها تضع الإله كنقطة انطلاق لجملة استنباطاتها، وأما النظرية الرياضية لديكارت فهي محظورة لدى الملحدين24، وأما ميتافيزيقا ديكارت فهي تبرهن على وجود الإله على نحو أكثر يقينا من 2+2=4، وهذا ما يعتبره هنري كوهيي بمثابة إسهام حقيقي لديكارت بفلسفته في الكاثوليكية25.  

ولكن السؤال المطروح هنا هو كالأتي: إذا كان الوحي يُبْلغنا ببعض الحقائق كمسألة وجود الإله، فلماذا نقوم في نفس الوقت بالبرهنة على ذلك (أي وجود الإله) عن طريق العقل الطبيعي؟ بعبارة أخرى، لماذا نضيف البرهان إلى التعاليم الموحى بها؟ يجيب ديكارت على هذا السؤال في رسالة بعث بها إلى الفيزيائي والفلكي الهولندي قسطنطين هوغنس (Constantyn Huygens) بتاريخ 13 أكتوبر 1642، قائلا : "ومع أن الدين يعلمنا أشياء كثيرة عن هذه المواضيع (الميتافيزيقية)، إلا أنني أعترف في قرارات نفسي بالشعور بالضعف الذي يبدو لي أنه شائع كذلك لدى معظم الرجال، أقصد بذلك، أنه على الرغم من أننا نرغب في الإيمان وحتى أننا نعتقد أننا نؤمن إيمانا راسخا بكل ما يعلمه الدين، ومع ذلك فإنه أصبح من عوائدنا أن لا نتأثر إلا بما نقتنع به لأسباب طبيعية واضحة (بديهية)26".  

-4-1مثال ملموس على توافق فلسفة ديكارت مع الكاثوليكية

 نظرية ديكارت حول "أنفس (أرواح) الحيوانات" تعتبر الشرح الأنسب لما جاء في الكتاب المقدس بخصوص هذا الموضوع؛

 كالإصحاح الثاني عشر من سفر التثنية، الذي جاء فيه: " لكن أحترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس. فلا تأكل النفس مع اللحم" (سفر التثنية 12،23) «sanguis enim eorum pro anima est»،

 أو ما جاء في سفر اللاويين: "لأن نفس كل جسد دمه هو بنفسه، لا تأكلوا دم جسد ما، لأن نفس كل جسد هي دمه" (سفر اللاويين 17: 14)« Anima enim omnis carnis in sanguine est: et Sanguinem omnis carnis non comedetis, quia anima carnis in sanguine est ».

 ففي رسالة بعث بها ديكارت الى بلامبيوس (A Plempius) بتاريخ 30 اكتوبر 1637، والتي ذاع صيتها آنذاك في كل أرجاء هولندا، يتحدى ديكارت السكولاستيكيين، وخاصة بلامبوس الذي كان يشغل وظيفة أستاذ بجامعة لوفان الكاثوليكية (بلجيكا)، أن يقدوا شروحا أفضل وأصلح من التي يقترحها. في هذا الصدد، يحتفي ديكارت- بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ- بانتصاره على المدرسة السكولاستيكية في رسالة وجهها بتاريخ 11 جوان 1640 إلى الأب مارسين قائلا: "منذ فترة طويلة، اطلعت على نص سفر التثنية (لكن أحترز أن لا تأكل الدم، لأن الدم هو النفس. فلا تأكل النفس مع اللحم) ، وقد أدرجته في معرض ردي على اعتراضات بلامبيوس، واستعجلت هذا الأخير قصد إعطائي تفسيرا لهذا النص، ولكنه لم يرد27".  

مما لا شك فيه أن للحيوانات أعضاء تشبه نفسها التي يمتلكها الإنسان، بل إن بعض الحواس عند الحيوانات كالنظر والسمع والشم هي أكثر تطورا مما هي عليه عند الإنسان، باستثناء الذوق. هذا التشابه في الأعضاء بين الإنسان والحيوان يستلزم تشابها بين الوظائف: فالحيوانات تتأثر مثل الإنسان وتستعمل الخداع، كما تكشف أصواتها وصورها تارة الألم والأسى وتارة أخرى المتعة والفرح كما أنها تستنجد أو تهدد بعضها البعض. بالرغم من هذه الحقائق، إلا أن ديكارت يقر بأن الحيوانات لا تمتلك فكراً ولا شعوراً ولا أحاسيس، لأن ما يصدر عن الحيوانات لا يمكن اعتباره رد فعل إرادي، بل مجرد فعل انعكاسي تستجيب من خلاله لمنبهات الوسط الخارجي. ففي نظر ديكارت، الحيوان هو عبارة عن "مادة" تفتقر للروح (النفس) وأن هذه الأخيرة هي وحدها المتصفة بالإحساس. فديكارت لا يقرر –شأنه في ذلك شان أرسطو وتوماس الاكويني- بوجود نفس حساسة (âme sensitive) منفصلة عن النفس العاقلة (âme raisonnable): في كتابه المعنون  "عواطف الروح" (Les passions de l’esprit) ينفي ديكارت عن الحيوانات العواطف والأحاسيس كونه لا ينسب النفس العاقلة إلى الحيوانات. في المقابل، فإن الأحاسيس التي نلحظها عند الحيوانات هي نتيجة تأثير العالم الخارجي على الأعصاب التي تضع أرواح الحيوانات في حالة حركة؛ فأرواح الحيوانية تشبه "غازا جد لطيف" (vapeur subtile) يُولده القلب فيصعد إلى الدماغ ثم يمر في الأعصاب التي تقوم بتوزيعه في العضلات فتحرك الآلة28. ومن ثمة أمكن القول، من خلال هذا المثال، بأن نظرية ديكارت الفلسفية حول البدن والروح تتماشى مع المسيحية الكاثوليكية؛ فلما كانت الحيوانات آلات، فإن دماءها هي أروحها وهو سبب تحريم أكلها.

-2هل يمكن الحديث عن الاغنوستية (اللاأدرية) الديكارتية؟

أشار الفيلسوف الفرنسي موريس بلوندال (1861-1949) في كتاباته إلى الاغنوستية (Agnosticisme) الديكارتية29 . والاغنوستية هو الاعتقاد بعدم قدرة العقل البشري على الوصول إلى المطلق (Absolu) ومختلف القضايا الغيبية كونها تتصف بالغموض. وقد كان ديكارت يصر غالبا على استعصاء إدراك غايات الإله ((desseins de dieu، لذا فإن الفيزيقا الديكارتية ألغت البحث عن "السبب النهائي" في تفسيرها للطبيعة (الكون المادي). إذ دأبت الفلسفة منذ أرسطو إلى المدرسة السكولاستيكية على اعتبار "السبب النهائي" المبدأ الوحيد الذي يمكن من خلاله شرح قوانين الطبيعة، وكان هذا نتيجة "للرؤية إلى العالم" (vision du monde) السائدة خلال هذه المراحل التاريخية، والتي مفادها أن الكون هادف وهو لاهوتي، بمعنى أن هناك هدفا ونهاية وغاية لسيرورة (écoulement) وصيرورة (devenir) الكون، وهو ما يطلق عليه أرسطو "السبب النهائي"30.

مع نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، ظهرت رؤية جديدة للطبيعة؛ أنه، على حد تعبير توماس صاموييل كوهن (1922-1996)، تحول جديد في الباراديغم أو النمط الفكري، وهذا التحول لا يخص فقط محتوى مجمل الخطابات، بل يتميز بتغير نمط التساؤل الموجه للطبيعة. فأضحت الفلسفة لا تتساءل فقط حول عَلْمَويّة (scientificité) تفسيراتها، بل شمل ذلك حتى جملة التساؤلات الفلسفية في حد ذاتها. في هذا الإطار، تمثل جهود ديكارت صياغة لمتطلبات العلوم الطبيعة الجديدة، إذ يُعد هذا الأخير أول مفكر قام بوضع القواعد الأولى لهذه العلوم. لذا فإن رفض ديكارت لفكرة البحث عن "السبب النهائي" لا بد أن يُحظى بأهمية خاصة ويتم فحصه من حيث غاياته. مما لا شك فيه فإن هذا الرفض هو منهجي، ذو وجهتين متكاملتين؛ أولا، لأن رفض تفسير الكون بشكل غائي هو نتيجة (ضمنية ولكنها) حتمية للمنهج الجديد الهادف "لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم" (حسب عبارات العنوان الفرعي لكتاب "مقال عن المنهج")؛ ثانياً، لأن هذا الرفض يمكن تبريره (بصورة صريحة) لاعتبارات منهجية، وليس لاعتبارات أنطولوجية31. يقول ديكارت، بشأن عقم التفسير الغائي، ما يلي: " ألا أعلم أن طبيعتي ضعيفة محدودة جدا، وأن طبيعة الله، بالعكس، واسعة شاسعة مجهولة؟ لا عجب إذن أن يقدر على ما يحصى من الأمور التي تتجاوز أسبابها أطر عقلي. هذا الاعتبار كاف وحده، لإقناعي بأن ما اصطلح على تسميته عللا غائية، لا محل له في الأشياء الفيزيقية، أو الطبيعة. إذ يبدو لي الخوض في غايات الله، ومحاولة الكشف عن أسراها، جرأة عليه32".

   في هذا الصدد، يقول ديكارت أنه تصفح كتاب جون باتيست موران33 ، ووجد أن عَـْيبه الأساسي هو معالجته، في كل المواضع، للمتناهي (dont le principal défaut est qu’il traite partout de l’infini) ، وكأن ذهن مُؤلفه (أي موران) هو فوق المتناهي(comme si son esprit était au-dessus) ، وأن بإمكانه فهم خواص الإله. ويرى ديكارت أن هذا العيب يشترك فيه الجميع وأنه حاول تجنبه؛ فديكارت يعالج المتناهي بهدف الخضوع له، وليس لتحديده وتعريف خواصه34.

بوجه عام، يقر ديكارت، بأنه يمكن أن نَضْمَن لأنفسنا أن الإله يفعل كل ما يمكننا فهمه، فالإله وضع قوانين في الطبيعة ثم طَبَعَ أفكار هذه القوانين في أذهاننا؛ إنها الأفكار الفطرية. وبالتالي، أمكن للعقل أن يفترض تطابقاً بين قوانين الطبيعة والأفكار الرياضية المطبوعة في أذهاننا، بصفتها مشروطة بالإله. وأنه لولا هذه الحقائق الخالدة كالأفكار الرياضية لما تمكن العقل الإنساني من فهم قوانين الطبيعة، أي بعبارة أخرى، فان الحقائق الرياضية المطبوعة في أذهاننا يمكن أن تتحقق في الطبيعة خارج نطاقنا وحتى خارج نطاق صورها المادية35.     

يرى موريس بلوندال أن عزوف ديكارت عن حقائق الإيمان بوضعه لها جانبا لم يكن من باب الحيطة والحذر (la prudence) ولا بغرض التخلص من القضايا المزعجة (les questions gênantes)، بل كان ذلك ثمرة إلهام ديني (inspiration religieuse)36. في هذا الإطار، لم يَنْفِ ديكارت، حسب موريس بلوندال، الأسباب النهائية لغاية علمية بل كان لدوافع دينية، كون حقائق الإيمان تتجاوز النور الطبيعي للعقل؛ إن فكرة اللامتناهي (الإله) هي الفكرة الأكثر يقيناً والأكثر إيجابية والأكثر غرابةً من بين كل معارفنا (La notion d’infini est la plus certaine, la plus positive et la plus mystérieuse de nos connaissances)، وعلاوة على ذلك، فإن الفكر الإنساني متناهٍ، ومن ثمة يستحيل عليه معرفة اللامتناهي37.

في نفس السياق، يذهب توماس الاكويني إلى القول بأن الإله غير قابل للوصف (Dieu est ineffable) وأن البشر جاهلون، وأن المعرفة الأسمى التي يمكن أن نُكَوِنَها عن الإله في هذه الحياة هي الوعي بأن معرفة الإله هي فوق كل ما يمكننا تصوره".

مما سبق، يمكن القول بأن الاغنوستية عند ديكارت تجد جذورها في؛

·  وَعْيُ العقل المتناهي (La raison finie) باللامتناه (l’infini) وعدم القدرة على تصوره.

·   النظرية الديكارتية التي قام من خلالها ديكارت بضبط العلاقة بين العقل والإيمان تتميز من جهة بإحداث قطيعة بين العقل والإيمان قصد عِصْمَةِ الإله من التَوْصِيف (l’ineffabilité)، ومن جهة أخرى فإن هذه النظرية تستند إلى العقل قصد إضفاء شرعية على الميتافيزيقا.       

   ما نلتمسه من خلال فحص الفكر الديني لديكارت هو أن الميتافيزيقا - حتى بعد تجربة الشك المنهجي- لم تفقد من جاذبيتها داخل المنظومة الفلسفية الديكارتية؛ فقد تَضَمَنَتْ هذه الأخيرة، على سبيل المثال، فكرة "كَرم الله"(La bonté divine) التي تعتبر سِمَةً من سِمَات الإله عند ديكارت دون أن يقوم هذا الأخير بتقديم برهان على ذلك. في هذا الصدد، يشير عالم الاجتماع الفرنسي ألفريد فيكتور ايسبيناس (Alfred Victor Espinas) في كتابه "ديكارت والأخلاق: دراسات حول تاريخ فلسفة الفعل" (Descartes et la morale : études sur l’histoire de la philosophie de l’action) إلى أن ديكارت ذكر فكرة "كَرم الله" خمس مرات في "التأمل السادس"، وكانت غاية هذا الأخير من ذلك هو نَزْع مسؤولية الإله عن الأخطاء التي تصدر عن البشر والبؤس الذي يعيشونه.

لم تشكل الأغنوستية بالنسبة لديكارت مَخْرجاً مناسباً للتخلص من القضايا الحساسة كما يدعيه بعض علماء اللاهوت الكاثوليك والسكولاستيكيين الذين وجهوا لديكارت جملة الاعتراضات. بل هذا يعني أنه فيما يخص    طبيعة الإله وأسراره، فإن ديكارت يَعي الكثير، ولكنه يجد أن التعقيدات الفلسفية واللاهوتية التي طالت مواضيع الوحي غير مُجدية ولا لزوم لها. ما الفائدة من إهدار الوقت في البحث عما لا يُمكن معرفته (l’inconnaissable) في حين أن "ما نَجهله" (l’inconnu) يتيح لنا معرفة أسراره، فالفيلسوف مُطَالَبٌ إذن بالتطلع إلى معرفة العالم الفيزيقي لأن الإله أوْجَدَهُ في متناول العقل البشري.

خاتمة

  عالج ديكارت في نصوصه الكثير من القضايا الميتافيزيقية والدينية، وأقحم قناعاته الدينية في نقاشاته الابستمولوجية، فقد استثنى "الحقائق الموحى بها" من الشك المنهجي والشك الجذري لأنها فوق فهمنا، وأكد، في نفس السياق، على غموض محتوى الإيمان، وبالتالي فقد عَطل عمل العقل داخل مبحث الإيمان. فالتَصْدِيق والتَسليم بالحقائق الإيمانية لا يستند إلى النور الطبيعي للعقل، بل يحتاج إلى معونة من السماء، ومن ثمة الاعتراف بدوجماطيقية هذه الحقائق.      

إن هذه المقاربة للإيمان وحقائق الوحي هي التي عَطلت قيام فلسفة للدين عند ديكارت، وذلك لأن الإيمان يحتوي على أشياء غامضة تفوق العقل الفلسفي، ومن ثمة فالإيمان لا يمكن أن يكون موضوعاً للمقاربة الفلسفية. بعبارة أخرى فإن التسليم بغموض محتوى الإيمان يجعل التعامل معه فلسفيا مستحيلاً. أما فيما يخص حقائق الوحي فهي الأخرى تتعالى على العقل وتستوجب الرحمة والعناية الإلهية، ومن ثمة فلا بد من التصديق بها، دون معرفتها معرفة عقلية والتعامل معها فلسفياً.

ولما  كانت فلسفة الدين هي فحص للدين عن طريق العقل الفلسفي، أي تحرير الدين من الدوجماطيقية والتزام الحياد الديني، فإنه أمكن القول أن ديكارت جاء بفلسفة دينية كونه حاول إثبات مصداقية حقائق الوحي فلسفياً بقوله بعدم تعارض حقائق الوحي والحقائق المكتسبة، أي توافق العقل والوحي. هذا ما جعل كذلك بعض الدارسين يذهب إلى أن ديكارت كان أقرب إلى علم اللاهوت من فلسفة الدين لأنه كان يدافع عن عقيدته الدينية باستعمال العقل، وهو ما نلمسه من خلال البراهين العقلية التي وضعها في إثبات وجود النفس وخلود الروح وتعاطيه مع بعض المواضيع الدينية خدمةً لقناعاته الدينية ودفاعاً عنها.     

وبالرغم من وضعه لهذه البراهين العقلية على وجود الإله وخلود النفس، إلا أن ديكارت يُقِرُ بِتَعَذُرِ تَوْصِيف الإله والتعرف على مميزاته، لأن الفكر البشري المتناهي لا يمكنه، بل يستحيل عليه، سبر أغوار وأسرار اللامتناهي، أي الإله، وهو ما جعل بعض الدارسين كموريس بلوندال يضع ديكارت في خانة الفلاسفة الاغنوسيين

1. Dhilly, Olivier. (2011), Comprendre la philosophie, Edition Ellipses, Paris, p. 227.

2.Schmitt, Yann. (2016), « Sur l’idée de philosophie de la religion », ThéoRèmes [Online], 9 | 2016, Online since 20 December 2016. URL : http://journals.openedition.org/theoremes/848

3. Chukurian, Aurélien. (2016), « A la recherche d’une philosophie cartésienne de la religion : le rapport raison - foi et l’ambivalence de la norme d’interprétation de la Bible », ThéoRèmes [Online], 9 | 2016, Online since 20 December 2016. URL : http://journals.openedition.org/theoremes/858 ; DOI : 10.4000/theoremes.858

4. Kirillovitch, Shokhin Vladimir. (2008), « La philosophie de la religion. Un nouveau domaine de la philosophie russe », Diogène, 2008/3 (n° 223), p. 58-74. DOI : 10.3917/dio.223.0058. URL : https://www.cairn.info/revue-diogene-2008-3.htm-page-58.htm

5. رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمد محمود الخضيري (الطبعة الثانية)، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1978، ص ص 137-138.

6.Chukurian, Aurélien., « A la recherche d’une philosophie cartésienne de la religion : le rapport raison - foi et l’ambivalence de la norme d’interprétation de la Bible », op.cit.

7. رينيه ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، (ترجمة وتقديم سفيان سعد الله)، دار سراس للنشر، تونس، 2001، ص 38.

8.رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ص 116.

9. المرجع نفسه، ص ص 134-144.    

10.                     رينيه ديكارت، مبادئ الفلسفة، (ترجمة عثمان أمين)، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2010، ص 68. 

11.                      المرجع نفسه، ص 34.

12.                     المقصود بالحدس هنا، عند ديكارت، هو البداهة. يقول ديكارت في كتابه " قواعد لتوجيه الفكر" : " ولا يوجد ما يمكن أن يحظى بالقبول سوى عمليتين اثنتين هما الحدس والاستنتاج. ولا أقصد بالحدس شهادة الحواس المتبدّلة أو حكما خادعا تولّده مخيّلة تركّب موضوعها بطريقة سيّئة، وإنّما أقصد به التّصوّر الذي ينشئه الفكر الخالص المنتبه إنشاء على قدر من اليسر والتّميّز لا يبقى معه مجال للشك حول ما نفهمه أو، وهو نفس الشيء، هو التّصوّر الذي ينشئه الفكر الخالص المنتبه متولدا عن نور العقل وحده، وبما انّه أكثر بساطة، فإنه لذلك يكون موثوقا به أكثر من الاستنتاج ذاته الذي مع ذلك لا يمكن إجراؤه على نحو سيء..."، أنظر ؛ رينيه ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، ص 36.   

13.                      رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ص 119.

14.                      [1]  المرجع نفسه، ص 143.  

15.                                           Descartes, René. Lettre à l’Hyperaspistes, août 1641. Cf. Marion, Jean-Luc. (2009), « Section 1. De la science à son fondement », in. Marion, Jean-Luc. (coord.), Sur la théologie blanche de Descartes. Analogies, création des vérités éternelles et fondement, Paris cedex 14, Presses Universitaires de France, « Quadrige », pp. 229-346.

16.                                          « Je ne veux pas me mêler de théologie, j’ai peur même que vous ne jugiez que ma philosophie s’émancipe trop… ». 

17.                                           « Je m’abstiens, le plus qu’il est possible, des questions de théologie ».

18.                     18. صدر كتاب quoddam   Notae in programmaفي سنة 1647 والذي رد فيه ديكارت على أحد تلامذته ومساعديه وهو المدعو هنري دي روي (Hendrik De Roy) والمعروف كذلك  Henricus Regius باللغة اللاتينية. 

19.                                           Chukurian, Aurélien., « A la recherche d’une philosophie cartésienne de la religion : le rapport raison - foi et l’ambivalence de la norme d’interprétation de la Bible », op.cit.

20.                                         Cf. Gouhier, Henri. (1924), La pensée religieuse de Descartes, Librairie philosophique J. Vrin, Paris, 1924.

21.                     هنري دي روي (Henricus Regius)  هو فيلسوف وطبيب هولندي، يعتبر من بين الأطباء الأوائل الذين دافعوا عن فكرة الدورة الدموية وتدفق الدم في الجسم. في بداية مشواره العلمي والفكري، تأثر كثيراً بديكارت وأصبح من طلبته الأوفياء وقد قدم بعض الدراسات حول الفلسفة الديكارتية، لكنه سرعان ما انقلب ضد هذا الأخير. أنظر كتاب هنري دي روي المعنون (La philosophie naturelle) على الرابط :https://books.google.dz/books

22.                                        Gouhier, Henri., La pensée religieuse de Descartes, op.cit, p. 217.

23.                                         Gouhier, Henri., ibid., p. 217.

24.                     عندما عَلِم ديكارت أن الملحدين يُسَلمون فقط بالحقائق الرياضية التي يعتبرونها الحقائق اليقينية الوحيدة، فَنَدَ ديكارت ذلك قائلاً أنه بإلغاء إرادة الإله المتناهي فإن البداهة في حد ذاتها تصبح مُضَلِّلَةً وزائفة، لأن الحقائق الرياضية هي خالدة، قد وضعها الإله في  تركيبة العقل والعالم الفيزيقي في آن واحد.           

25.                                         Gouhier, Henri., La pensée religieuse de Descartes, op.cit, p. 237.

26.                     نظرا لغياب وعدم توفر هذه الرسالة باللغة العربية، فإننا قمنا بترجمة هذا الاقتباس من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية:

27.                                          « Quoique la religion nous enseigne beaucoup de choses sur ce sujet, j’avoue néanmoins en moi une infirmité qui, ce me semble, commune à la plupart des hommes, à savoir que, quoique nous veuillions croire et même que nous pensions croire fort fortement tout ce que la religion nous apprend, nous n’avons pas toutefois coutume d’en être si touchés que de ce qui nous est persuadé par des raisons naturelles fort évidentes ».       

28.                                        Descartes, René., Beeckman, Isaac., Mersenne, Marin. (2015), Lettere 1619-1648, (Rédacteurs Giulia BelgioiosoJean-Robert Armogathe), Giunti (Il pensiero occidentale), Milano, Italie, p. 1012.

29.                                         « Que l’âme des brutes n’est rien autre chose que leur sang, à savoir celui qui, étant échauffé dans leur cœur et converti en esprits, se répand des artères par le cerveau en tous les nerfs et en tous les muscles ».

30.                                          Cf. Blondel, Maurice. (1896), « Le christianisme de Descartes », in. Revue de Métaphysique et de Morale, Tome IV (n°4, 1896), pp. 551-567. 

31.                                           Dhilly, Olivier., Comprendre la philosophie, op.cit, p. 154.

32.                                         Duflo, Colas. (1996), « La mise à l’écart méthodique des causes finales », in. Duflo, Colas. (coord.),  La finalité dans la nature. De Descartes à Kant, Paris cedex 14, Presses Universitaires de France, « Philosophies », pp. 14-22.

33.                     رينيه ديكارت، تأملات ميتافيزيقية، (ترجمة الدكتور كمال الحاج)، منشورات عويدات، بيروت-باريس، 1988، ص 41.

34.                     جون بابتيست موران  (1583-1656)طبيب ورياضي وعالم فلك فرنسي. تبادل هذا الأخير مع ديكارت الكثير من الرسائل التي تمحورت مواضيعها حول بعض القضايا الرياضية خاصة نظرية الضوء وكذا اللاهوتيات.

35.                                          Descartes, René., Lettre au père Mersenne, 28 janvier 1641. Cf. Quillien, Philipe-Jean. (1994) Dictionnaire politique de René Descartes, Presse Universitaire de Lille, Lille, p. 163.   

36.                                          De Michio, Kobayashi. (1993), La philosophie naturelle de Descartes, Librairie Philosophique J. VRIN, Paris, p. 28.

37.                                          Blondel, Maurice., « Le christianisme de Descartes », op.cit, pp. 551-567.

38.                                          Blondel, Maurice., ibid., pp. 551-567.

 

@pour_citer_ce_document

هشام شراد, «في التفكير حول فلسفة الدين عند روني ديكارت»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences SocialesJournal of Arts and Social Sciences العدد 01 مجلد 17-2020Issue 01 volumes 17-2020N°01 VOL 17-2020
Papier : ص ص 54-64,
Date Publication Sur Papier : 2020-04-22,
Date Pulication Electronique : 2020-04-22,
mis a jour le : 22/04/2020,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6692.