السلطة التنظيمية والسلوك القيادي مقاربة سوسيولوجيةOrganizational power and leadership behavior are a sociological approach
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


Issue 03 volume 17-2020


Issue 01 volumes 18-2021


Issue 02 volumes 18-2021


Issue 01 volumes 19-2022


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 19-2022

السلطة التنظيمية والسلوك القيادي مقاربة سوسيولوجية

Organizational power and leadership behavior are a sociological approach
ص ص 148-165
تاريخ الإرسال: 2020-03-02 تاريخ القبول: 2021-10-04

بلقاسم نويصر / علي بشاغة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

تُعد السلطة ظاهرة اجتماعية أهتم بها الإنسان مند القدم، لكن هذا الاهتمام أختلف من عصر إلى آخر، فقد تطور مفهوم السلطة عبر العصور من مفهوم نسقي سياسي إلى مفهوم اجتماعي تنظيمي، لاسيما بعد الثورة الصناعية وظهور المؤسسات الكبرى والنمو والمكننة السريعة التي عرفتها. ومن أجل فهم وشرح ظاهرة السلطة وكيف تمارس داخل التنظيم، فقد حظيت علاقات السلطة والقوة في علاقتها بالسلوك القيادي بالعديد من الدراسات والأبحاث والتي تناولت الجوانب المختلفة التي تربط بينهما، حيث حاولت العديد من الاتجاهات النظرية أن تطور نماذج مختلفة تربط بين أساليب ممارسة السلطة والسلوك القيادي داخل التنظيم، وذلك وفق مقاربات شاملة ووجهات نظر مختلفة. وتماشيا مع السلوكيات القيادية في المنظمة الحديثة وانطلاقا من إشكالية بحثية تتمحور حول مدى الاستفادة من المقاربات النظرية في استخدام السلطة والسلوك القيادي، اعتمادًا على التساؤل التالي: ما هي أبعاد ومقومات السلطة التنظيمية والسلوك القيادي حسب المقاربات السوسيولوجية؟ وللإجابة عليه تمّ تقديم مقاربة سوسيولوجية لمختلف الاتجاهات النظرية، التي تناولت السلطة والسلوك القيادي ومختلف الجوانب المتعلقة بها، والتي تمَّ التوصل من خلالها إلى أنَّ السلوك القيادي يختلف تبعًا للسمات الشّخصية للقائد وتوقعات الأتباع والظروف أو المواقف التي تُمارس فيها السلطة وطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة داخل التنظيم، كما أنّه لا توجد حاليًا مقاربة نظرية وحيدة قادرة على وضع نموذج تفسيري شامل لسلوك القائد في ممارسة السلطة داخل التنظيم.

الكلمات المفاتيح:

السلطة، القيادة، السلطة التنظيمية، السلوك، السلوك القيادي

Le pouvoir est un phénomène social auquel l'homme s'intéresse depuis les temps anciens, mais cet intérêt a varié d'une époque à l'autre, car le concept de pouvoir a évolué à travers les âges d'un concept de coordination politique à un concept d'organisation sociale, en particulier après la révolution industrielle et l'émergence d'institutions majeures, la croissance et la mécanisation rapide.  Afin de comprendre et d'expliquer le phénomène du pouvoir et comment il s'exerce au sein de l'organisation, les relations de pouvoir et de puissance dans sa relation avec le comportement de leadership a bénéficié de nombreuses études et recherches traitant de différents aspects qui les relient, où de nombreuses tendances théoriques ont tenté de développer différents modèles liant les méthodes d'exercice du pouvoir et le comportement de leadership au sein de l'organisation. Organiser, selon des approches globales et différents points de vue. Nous chercherons à travers cet article à fournir une approche sociologique des différentes tendances théoriques qui traitent du pouvoir et du comportement de leadership et des divers aspects qui y sont liés.

Mots-clés : pouvoir, leadership, pouvoir organisationnel, comportement, comportement de leadership

Power is a social phenomenon in which man has been interested since ancient times, but this interest has varied from time to time, because the concept of power has evolved through the ages from a concept of political coordination to a concept of social organization, especially after the industrial revolution and the emergence of major institutions, rapid growth and mechanization. In order to understand and explain the phenomenon of power and how it is exercised within the organization, the relationship of power and power in its relation to leadership behavior has benefited from numerous studies and research dealing with different aspects connecting them, where many theoretical tendencies have attempted to develop different models linking the methods of exercising power and leadership behavior within the organization. Organize, according to global approaches and different points of view. We will seek through this article to provide a sociological approach to the different theoretical trends that deal with power and behavior of leadership and the various aspects related to it.

Keywords:Power, leadership, organizational power, behavior, leadership behavior

Quelques mots à propos de :  بلقاسم نويصر

 جامعة محمد لمين دباغين سطيف2،nouicerbelkacem@yahoo.fr

Quelques mots à propos de :  علي بشاغة

[1]، جامعة محمد لمين دباغين سطيف2،b.alisocio21@yahoo.com
[1]المؤلف المراسل

مقدمة

شكلت السلطة وممارسة السلطة مصدر للعديد من النقاشات والأبحاث، فهي غالبًا ما توحي بالكثير من الأحاسيس والعواطف المشوبة بالكثير من الغموض واللُبس، فهي تُسبب تارةً الخوف وتارةً الجاذبية، كما تشير أحياناً إلى الاحتقار والاستخفاف وأحياناً أُخرى تدعو للإعجاب.                                                         إنّ المواقف المتعلقة بالسلطة وممارستها كثيرًا ما تُوصف بالتناقض, فهي من جهة تقمع الطموحات الساعية لامتلاك القوة, وتحتقر التفاعلات العاجزة من جهة أُخرى، فالاضطراب، والمضايقة، والأحكام المسبقة وقوة الانجذاب هي تفاعلات في تعايش دائم مع وجود السلطة، هذا التوتر وجو الحذر والظن المرتبط بالتعامل مع هذا المفهوم، يجعل دراسة وتحليل السلطة وممارستها داخل التنظيم موضوع صعب معالجته، ليس لكونه شائك ولكن لكونه يُغطي على حقائق معقّدة مرتبطة بالسلوك الإنساني، هذا التعقيد يحيلنا للاستعانة ببعض المفاهيم المفّسرة له وهذا من أجل الكشف بشكل مقبول عن مختلف أوجه علاقات التأثير بين الأفراد.

وباعتبار السلطة كآلية لتحديد العلاقات الاجتماعية داخل التنظيم، فإنّ طبيعة علاقات السلطة ترتبط بالسلوك القيادي وتختلف بحسب الأساليب التي يتبعها القادة في إدارة العلاقة مع الأفراد أو المرؤوسين، وباختلاف السمات الشخصية التي يتحلى بها القادة والمواقف وتعددها.

ونتيجة لهذا الاختلاف فقد تباينت آراء الكتاب والباحثين بشأن المقاربة المتبعة في هذا الشّأن وذلك باختلاف طروحاتهم واتجاهاتهم، والتي أفرزت نماذج مختلفة تربط بين ممارسة السلطة والسلوك القيادي، حيث سنحاول من خلال هذه الدراسة، تحليل ونقد المقاربات الموجودة وذَلك باستعراض مبادئها الأساسية وأبعادها وإسهامات أصحابها وأوجه التقارب والتباعد بينها ووفق التسلسل الزمني لظهورها.

ومن خلال المقاربات التي تناولت الموضوع وما هو متناول في مجال الإدارة والأعمال فإننا نلمس هناك نوعا من التداخل والتصادم في فهم أسس ومقومات السلطة وهو ما دفعنا إلى البحث في هذا الموضوع وتقديم مقاربة شاملة متكاملة انطلاقا من إجابتنا على تساؤل هام: ما هي أبعاد ومقومات السلطة التنظيمية والسلوك القيادي حسب المقاربات السوسيولوجية؟

أولا- الاجراءات المنهجية

1-                       المنهج المعتمد: تبعا لطبيعة وأهداف هذه الدراسة، فقد تمّ الاعتماد على المنهج الوصفي، وذلك انطلاقًا من تصور نظري حول موضوع السلطة التنظيمية والسلوك القيادي.

2-                      - مفاهيم الدراسة

مفهوم السلطة: ويقصدبه وفقا لهذه الدراسة، الصلاحية المخولة لممارس السلطة في اتخاذ القرارات، واعطاء الأوامر للتابعين في إطار نظام داخلي يتحدد على اثره الممارسات الوظيفية للفاعلين، سواء ممارس السلطة أو التابعين لجزء من التنظيم يؤثر ويتأثر به.

مفهوم القيادة:ويقصد به وفقا لهذه الدراسة على أنه النشاط الذي يمارسه القائد داخل التنظيم للتأثير في سلوك الأفراد وجعلهم يتعاونون لتحقيق الأهداف المرغوبة من المنظمة من جهة، ومن طرف الأفراد من جهة أخرى.

مفهوم السلطة التنظيمية:ويقصد به وفقا لهذه الدراسة على أنها: حرية التصرف واتخاذ القرارات والإجراءات وإصدار الأوامر، ومراقبة إنجاز المهام وتوجيه المرؤوسين في إطار محدد وواضح المعالم والصلاحيات.

مفهوم السلوك: ويقصد به مجمل التصرفات والأعمال والنشاطات التي يقوم بها الإنسان في بيئة أو مكان ما قصد تحقيق أهداف معينة.

السلوك القيادي: ويقصد به وفقا لهذه الدراسة عل أنه مجمل النشاطات والاعمال التي يقوم بها القائد التنظيمي في تسيير شؤون المنظمة والاشراف على مختلف العمليات التنظيمية.

ثانيا- التصور المفهومي للسلطة التنظيمية

1- مفهوم التنظيم

إنَّ المتتبع لمنظومة التعريفات الخاصة بالتنظيم، أول ما يلاحظ عليها وجود تباين فيما بينها يمكن إرجاعه إلى تباين الانتماء العلمي وتباين الاستناد النظري والايديولوجيا.                                                                                                      إنّ كلمة تنظيم ترجمة لكلمة organisationوتعني الشيء ذُو البُنية العضوية، فهناك مجموعة من الأعضاء تنتظم معًا في تناسق مُشكلة بُنية متكاملة تسعى لتحقيق هدفا مشتركًا رغم أهدافها الجزئية. (رشوان، 2004، ص 05)

ويعرفه اتزيوني  Etzioni"بأنه وحدة اجتماعية يتم انشاؤها من أجل تحقيق هدف معين." (لطفي، 2004، ص 23)                             

ويعرفه روبنز Robbinsعلى أنّه "كيان اجتماعي منسق بوعي وله حدود واضحة المعالم، ويعمل على أساس دائم لتحقيق هدف معين أو مجموعة أهداف. " (القريوتي، 2008، ص 49)

وعرّفه ألن (allen) بأنه "الهيكل الذي يوضح العمل ويقسمه إلى مجموعات والذي يوضح المسؤوليات والسلطات وينشئ العلاقة التنظيمية، وذلك لغرض تمكين الأفراد من العمل في سبيل تحقيق الأهداف." (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 89)

2- مفهوم السلطة: تُعد السلطة ظاهرة اجتماعية وتنظيمية، فهي تُمثل عصب العملية الادارية، فقد كتب بيرتراند راسل (1938)"أنّ المفهوم الأساسي في العلوم الاجتماعية هو السلطة بنفس المعنى الذي يعنيه مفهوم الطاقة في العلوم الفيزيائية (collertte & roy, 2002, p 63)

فالسلطة مفهوم مجرّد قابل للتطبيق في العديد من الحالات، فكثيرًا ما نسمع عن سلطة الطبيعة، سلطة العقل، سلطة الأب، سلطة الرئيس وسلطة المدير وغيرها من المعاني التي يتخذُها المفهوم، فالسلطة في اللغة العربية مشتقة من الفعل الثلاثي سلّط بمعنى القهر وكذلك السلطان بمعنى الحُجة. (ابن منظور، 1988، ص 183).                                                                                                           السلطة أيضا هي فرصة شخص على تحقيق طاعة هؤلاء الذين يدينون نظريا له، ويكمن الاختلاف بين القوة والسلطة في أن مفهوم القوة لا يتضمن فكرة الحق في الأمر وواجب الطاعة، بينما تتضمن السلطة امكانية تحقيق الطاعة الارادية من جانب الخاضعين. ( فياض ، 2018، ص 42).                                                                                                                           ومن الناحية الاصطلاحية يتخذ المفهوم عدة معاني وذلك حسب التخصصات وحسب العلماء وتوجهاتهم النظرية المختلفة، فمن الناحية القانونية يُتناول مفهوم السلطة من زاوية قانونية، إذ يمكن تعريف السلطة على أنّها " الحق في اصدار الأوامر، أما المسؤولية فتعني مقدار المسائلة الناجمة عن التمتع بحق اصدار الأوامر". (المغربي م.، 2016، ص 17).

ومن الناحية السياسية تُعرف السلطة على أنّها " القدرة على فرض إرادة ما على إرادة أُخرى وذلك يتم في صورتين أساسيّتين، إما بواسطة القّهر والعنف أو بواسطة الإقناع الحر" (السويدي، 1990، ص 172).

أما علم النّفس فينظر إلى السلطة من زاوية سلوكية نفسيّة، إذ يمكن تعريفها بأنّها "قدرة القائد على خلق شروط التعاون الدائم والمستمر في التنظيم." (Plane, 2015, p 4).

 ويعتبر شيستر برنارد من الكتاب السلوكيين الأوائل الذين كتبوا في التنظيم من وجهة نظر سلوكيّة، حيث ينظر بيرنارد إلى التنظيم على أنّه نظام تعاوني، وقد أعطى وزن كبير للعوامل النفسيّة والاجتماعية التي تؤثر على درجة التعاون المطلوب داخله.

أما علم الاجتماع فيُنظر للسلطة من زاويّة اجتماعية, وقد تعددت تعريفاتها ولا يمكن تعريف السلطة إلا في ظل اتجاهين:         الاتجاه الأول: يعتبر السلطة على أنّها ملكة واستعداد عند شخص معين، والسلطة بهذا المفهوم موجودة مند هوبز " السلطة بمفهومها الواسع هي الوسائل التي يعتمد عليها في الوقت الحاضر للحصول على المصالح المحتملة والمنتظرة (collertte & roy, 2002, p 64).الاتجاه الثاني: يعطي للسلطة طابع العلاقات الاجتماعية حيث يعرف ماكس فيبر السلطة على أنّها " القوة القانونية أو الشرعية التي تمنح الحق للرؤساء في إصدار الأوامر إلى المرؤوسين والحصول على امتثالهم للقرارات والأعمال المكلفين بها " (Bettahar, 2014, p 83)ويتجسد هذا الاتجاه بقوة مع تيار علم الاجتماع التنظيمي, وخاصة في أعمال ميشال كروزييه الذي أتخذ السلطة كمفهوم مركزي لتحليل التنظيمات, وذلك من خلال التحليل الاستراتيجي لتصرفات الفاعلين الاجتماعيين داخل التنظيم، ليصل إلى أنَّ " السلطة هي علاقة وليست صفة مميزة للأفراد أو الفاعلين، أي أنَّ السلطة تكمن في طبيعة العلاقة بين الطرفين وليس في الأفراد أنفسهم" (Crozier & Friedberg, 1977, p 56).                                                                                            3- الخصائص البنائية والوظيفية للسلطة التنظيمية

يتكون هذا المفهوم من مصطلحين سلطة وتنظيم، وهذا ما يعني السلطة الممارسة داخل التنظيم، وهي ذات أهداف يجب تحقيقها.

كما تعرف السلطة داخل المؤسسة على أنّها الصلاحية المخوّلة للإطارات الإدارية والمشرفين في اتخاذ القرارات وإعطاء الأوامر، وكذا القرارات التي تسبقها من اجل تنفيذ مختلف الخطط الإستراتيجية والبرامج العلمية في المؤسسة والتي تتوافق مع السياسة العامة للمؤسسة، فسُلطة التصرف واتخاذ القرارات الإستراتيجية المتعلقة بنشاط المؤسسة سواء كانت خاصة أو عامة. (دادي عدون، 1998، ص 236)

ويُعرفها ماكس فيبر بأنّها:"احتمال ان تطيع جماعة معيّنة من الناس الأوامر المحدّدة التي تصدر عن مصدر معيّن." (غربي وآخرون، 2002، ص 190).                                                                                                 ويُعرفها تاتينيوم كما يّلي "السلطة تصنف العلاقات والاتصال الشخصي حيث يتقبل الفرد أو المرؤوس قرارا صدر عن سواه (أي الرئيس)، سامحًا له بالتأثير المباشر على سلوكه" (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 114).

ويعرفها هربرت سايمون كما يلي " إنّ السلطة هي قوة اتخاذ القرارات التي تحكم وتقود أعمال الآخرين" (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 114).

 فالسلطة داخل التنظيم هي التي تعطي للتنظيم شكله الرسمي، وللقائمين عليه القوة التي تمكنهم من اتخاذ القرارات لتحقيق أهداف المنظمة، ولذا فإنّ السلطة تمثل القوة المؤسسيّة للمنظمة، ولا تعني السلطة استعمال القسوة مع المرؤوسين لإجبارهم على إنجاز الأعمال المُوكلة إليّهم، كما أنّها لا تعني أنّ للمدير الحق في إصدار ما يشاء من أوامر وتعليمات، لأنّ هناك حدودًا وقيودًا للسلطة الإدارية، بعضها داخلي في المنظمة وتتمثل في القيود المنصوص عليها في قرار تأسيس المنظمة ونظامها الداخلي أو في القيود المتمثلة في أهداف المنظمة وسياساتها العامة، وبعضها يتمثل في الأنظمة والقوانين والسياسات للدولة التي تعمل بها المنظمة وكذلك الأعراف والقيّم الاجتماعية والثّقافية السائدة في بيئة المنظمة.

  ثانيا- مصادر السلطة داخل التنظيم

بشكل عام في المجتمع كما في التنظيمات فإنّ الأشخاص يقبلون طاعة غيرهم ويخضعون إرادتهم بشكل إرادي وعن طواعية وهذا كونهم يقبلون أيضا نسق السلطة السائد، وهذا القبول مؤسس على عوامل وأسباب متعلقة باكتساب السلطة في حد ذاتها أو ما يسمى بمصادر اكتساب السلطة والتي يمكن حصرها فيما يلي :                                                                                    

1-                      الشرعية: للشرعية قواعد متعددة أجملها ماكس فيبر في شرحه للسلطة البيروقراطية وباعتماده على تصنيفات للسلطة تعتمد على أنواع ومصادر معينة للشرعية، وهذه الشرعيات هي: 

أ‌-الشرعية التقليدية: هذه الشرعية مستمدة من الاعتقاد بقداسة القوانين التقليدية والأكثر شيُوعا في المجتمع، أو الهيمنة المبنية على الوراثة (كشرعية ملك في الدولة)، وأما في التنظيمات فإنّ هذه الشرعية يمكن أن نُلخصها في الجانب غير الرسمي للتنظيم والقائمة على الإرث الثقافي وتاريخ التنظيم والعادات والتقاليد والأعراف المتراكمة.      

ب‌-                     الشرعية الكاريزمية: وتستمد هذه الشرعية قوتها من الإيمان والاعتقاد والعاطفة، وهذا النوع من الشرعية مُستحدث بناءً على الوحي أو الإلهام أو النموذج المُحتدى، فهذا النوع من الشرعية قائم على الإمكانات الاستثنائية للقائد أو المدير والذي يتمتع بكفاءات عالية مقارنة بالآخرين.

         وفي التنظيمات فإنّ هذا الشكل من الشرعية يمكن أن نلاحظها أكثر في الجانب غير الرسمي للتنظيم أو بخاصة في العلاقات ما بين الأفراد وفي أبعادها النّفسية والاجتماعية وفي بعض الخصائص الاستثنائية للشّخصية عند بعض الأفراد والتي تكسب صاحبها سلطة ليصبح الشّخص المهم أو الأكثر أهمية في التنظيم.                                                                                            ج- الشرعية العقلية والقانونية: لقد أشار ماكس فيبر في تفسيره لعلاقة الأشخاص بالشرعية في مجال التنظيمات البيروقراطية إلى أنّ أنقى نموذج لممارسة السلطة القانونية هو الذي يستخدم طاقم إداري بيروقراطي، موضحا انّ البيروقراطية تستمد شرعيتها من الاعتقاد القانوني الذي يملكه الفاعلين الاجتماعيين. والشرعية العقلية القانونية هي كل سلطة قائمة على العلم، القواعد والقانون، وكما في الميدان السياسي والاجتماعي فإنّ العقلانية تعني السلطة أو الهيمنة المؤسسة على الاعتقاد بعدالة الأوامر وبعدالة وجدارة وكفاءة ممارسي السلطة.

      وفي مجال السلطة القانونية التي تحكم العلاقات الرسميّة ضمن النظام البيروقراطي يمتثل الموظف للسلطة بصفته "عضوًا في المنظمة" نظرًا لأنّ الطاعة هي فقط للقانون، كما يمتثل أعضاء المنظمة لمن لديه السلطة ليس بصفته الفرديّة ولكن بصفته أنّه يمثل النظام غير الشخصي (رشوان، 2004، ص ص 42-43).

 وفي التنظيمات فإنّ الشرعية متطابقة أو ممثلة في البناء أو الهيكل الرسمي للتنظيم والتي يستند على مجموعة القواعد الواضحة التي تتضمن السير الجيد والحسن له.                                                                        وهذا الشكل من الشرعية يمكن تسميتها الشرعية القائمة على القواعد والقوانين، والتي يطلق عليها أيضا السلطة الرسمية والتي تعطى لمن هو موجود في أعلى الهرم الحق في اصدار الأوامر وممارسة السلطة.

2- انتهاز الفرصة: في كثير من الأحيان لا تقوم ممارسة السلطة داخل مجموعة أو تنظيم بناءً على واحدة من الشرعيات السابقة، بقدر ما تقوم هذه الممارسة وبصفة غير رسمية على انتهاز الفرص التي تتيح للشخص لمراقبة موارد السلطة، بغض النظر عن شرعية هذه الرقابة.

ثالثا-أشكال علاقات السلطة: لتوضيح الطابع العلائقي للسلطة التنظيمية، وعلى أنّ السلطة لا تحمل أي خاصية في حد ذّاتها بل هي علاقة تفاوض دون توقف تنشأ وتنمو مع الآخر، وهي تزيد وتنقص تبعا للسلطة التي يمتلكها الآخرين ونوع العلاقة التي تنسج معهم. "فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتفاوض، إنها علاقة تبادل، إذًا علاقة تفاوض، يلتزم بها شخصان على الأقل" (Ansar, 1990, p 71). فالسلطة التي يمارسها أي فرد قد تنقلب في أي لحظة وتحت أي ظرف، بمعنى أن سلطة أي شخص قد يأتي عليها ظرف يفقد أثنائها خاصيّة السلطة التي كان يمتلكها ويقع تحت تهديد اضعاف سلطته والعكس، ويمكن من خلال هذا المفهوم العلائقي التمييز بين ثلاثة أبعاد:                                                                                                                     

أ‌-بعد التبعية أو الارتباط: إنّ مفهوم التبعية موجود في كل علاقة سلطة  وتبعية, ذلك أنّ الذي تمارس عليه السلطة هو بمثابة الوجه الآخر للسلطة، أي تطابق آلي بين المفهومين سلطة- تبعية، بمعنى أنّه إذا كان شخص أ يملك سلطة على شخص ب هذا لأنّ ب هو تابع ل أ  فهو في حاجة إلى أ  لبلوغ هدف معيّن، وقد لخص ريشارد إمرسون هذه الفكرة كما يلي : " أن علاقات السلطة تتضمن روابط اعتماد متبادل بين الوحدات، حيث الفاعل (أ ) يعتمد على (ب) إذا كانت أهدافه وإشباعاته التي يحققها تتسهل بموجب أفعال يقدمها (ب) ...وباختصار فإن السلطة ترتكز بشكل واضح على اعتمادية الآخر" (الحوراني، 2008، ص ص 62- 63)

  ب- بعد التبادلية: في تحليل السلطة كمفهوم "علاقة" لابد من الإشارة إلى أنّ السلطة لا تقع في جهة واحدة فقط من طرفي العلاقة، وبأنّ الطرف الضعيف في هذه العلاقة يملك جزء من السلطة حتى لو كان يبدو غير مهم، كما أنه يمكن للذي يملك القوة والسلطة في أي مؤسسة أن يجبر أي عامل بسيط على تطبيق الأوامر، لكنّه في المقابل العامل يملك أساليب متعددة لتطبيق هذه الأوامر، فهو يستخدم ما يعتقد أنّه صحيح ومهم ودون مراعاة مصالح من هو أعلى منه، كما يمكن للضعيف في هذه العلاقة أحيّانًا بأن يحقق رغبات وأشياء من خلال طاعته الأوامر واستجابته لضغوط وإكراهات رئيسه المرتفعة (كزيادة الأجر أو التحويل ....) .

إذن فكرة التبادل ضرورية لعلاقة السلطة، وهي تظهر أكثر من خلال الإكراهات الممكنة الممارسة من طرف مستقبل الأوامر تجاه مصدر هذه الأوامر، فكلما كانت الرهانات كبيرة بالنسبة لمن هو في الأعلى كلما كانت ضغوط من هو في الأسفل عالية للحصول على امتيازات أكبر.                    

ج- بعد اللاتوازن: مهما تكن السلطة الرسمية أو غير الرسمية التي يحوزها من هو في الأسفل فإنّ من هو في الأعلى يبقى يمتلك امتيازات أكبر ناتجة عن مصادر متعددة، النظام التسلسلي، التحكم الأمثّل في المعلومات، نسق العلاقات، وقدرات التدخل. إلخ وهذا ما يؤدي في غالب الأحيان إلى اللاتوازن في العلاقة.

رابعا- السلوك القيادي ودلالاته

لقد حظيت القيادة باهتمام المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور نظرا لأهميتها في تحقيق الكفاءة والفاعلية لكل تنظيم، وفي تحقيق رفاهية أفراد المجتمع وتحقيق الأهداف المطلوبة، كما تشكل القيادة محورا مهما ترتكز عليه مختلف النشاطات في المنظمات، حيث يعد السلوك القيادي والنمط المتبع في القيادة العامل الرئيس في نجاح المنظمات أو فشلها وذلك لما للقائد من دور هام في التأثير على سلوك الأفراد وفي توفير المناخ التنظيمي السائد فيها. 

   1- مفهوم القيادة:لقد تعدّدت التعريفات التي تعرضت لمفهوم القيادة وذلك بتعدد المدارس التي تناولت هذا المفهوم، كما تباينت التعريفات من باحث لآخر وذلك باختلاف الاتجاه الذي يؤمن به. 

فقد عرّف تيد Teadالقيادة بأنهّا "النشاط الذي يمارسه شخص للتأثير في الناس وجعلهم يتعاونون لتحقيق هدف يرغبون في تحقيقه" (الشماع وكاظم، 2007، ص 222).

كما عرّفها القريوتي 1997على أنّها: " قدرة تأثير شخص ما على الآخرين لبدل جهود تتجاوز المستويات العادية من اجل تحقيق الاهداف" (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 134).

ويعرف هول(hall) القيادة بأنّها شكل من أشكال القوة التي تحقق طاعتها بصورة جبرية. 

     ويشير علماء الاجتماع بأنّها " ممارسة القوة أو النفود في التيارات الاجتماعية مثل الجماعات، والتنظيمات، والمجتمعات المحلية والأمم " (رشوان، 2004، ص 19).

وتعرف القيادة أيضا بأنها " القدرة على التأثير في العاملين من أجل تحقيق أهداف مشتركة." (المغربي، 2016، ص 131)

وتقع القيادة في في قمة الهرم الوظيفي، ولها دور دينامي يتمثل في التخطيط والتنسيق، وصياغة أهداف وأغراض التنظيم، ورسم السياسات، والمراقبة، واتخاذ القرارات واصدار الأوامر، والاشراف الاداري على آخرين، واستخدام السلطة الرسمية، والتأثير والاستمالة بقصد تحقيق هدف (رشوان، 2004، ص 21).                                                                                                            وتعتمد فاعلية القيادة الإدارية على مصادر ثلاثة كما حددها (الدويك,2001)وهي:

*- عملية التأثير التي يمارسها القائد مع مرءوسيه والوسائل التي يستخدمها لتحفيزهم على الإنتاج -والعمل ومضاعفة الجهود      ومنها:                                                                                       - تقديم المكافآت، لأنها تعتبر عاملًا مهمًا في شحذ همم العاملين.                                         

 - الإكراه، حيث يقوم القائد باستخدام سلطته لدفع العاملين على العمل عن طريق التهديد والتخويف. 

- الأسس المرجعية للمرؤوسين، حيث يستفيد القائد من دراسته لشخصيات العاملين معه ونفسيتهم في التأثير عليهم.                                                                                               

- الخبرة الشخصية، حيث يزداد تأثير القائد على مرؤوسيه كلما زادت خبرته في النواحي الخاصة بالنشاط الذي يعمل به. وهذه الوسائل هي بالأساس مرتبطة بموارد السلطة في التنظيم.

*- توجيه المرؤوسين: حيث يتوقف الكثير من نجاح القائد على قدرته على توجيه جهود العاملين معه، وتنظيم جهودهم وتوجيهها نحو الهدف المشترك، والتغلب على الصعوبات التي تواجهه في سبيل ذلك.

*- تحقيق الهدف الوظيفي: إنّ الهدف الرئيسي لأي عملية توجيهية يقوم بها القائد هو تحقيق أهداف المنظمة التي يديرها، وهو هدف مشترك ومرغوب يسعى جميع العاملين لتحقيقه. (طوالبة، 2008، ص 16)

وتعتبر مصادر السلطة مصادر قوة للقائد، فكلما امتثل القائد لمصادر سلطة متعدّدة كلما كان أكثر فعالية في التأثير على مرؤوسيه.

2-                      من أين يستمد القائد سُلطته؟

يعتمد القائد في المنظمة لتحقيق الأهداف التنظيمية والذّاتية على علاقات السلطة التي تستند على عدة مصادر ترتبط بالشرعية التنظيمية، وكذا الصفات الشخصية للفرد، أو المزاوجة بين العنصرين السابقين، ومن بين هذه المصادر الأساسيّة لإمتلاك القوة والسلطة داخل التنظيم نذكر ما يلي: يعتبر فرانس ورافان (French-Raven) بأنّ هناك خمسة مصادر للسلطة:

ثلاثة مصادر ترتبط بالتنظيم وهي: السلطة الشرعية، سلطة منح المكافأة، والسلطة القسرية، ومصدران مرتبطان بالشّخص وهما السلطة المرجعية وسلطة امتلاك المعلومات.                                           

أ‌-السلطة الشرعية: وهي المستمدة من الصلاحيات المخولة للوظيفة حسب موقعها في الهيكل التنظيمي الرسمي، وتتدرج هذه القوة من الأعلى إلى الأسفل، فالوظيفة الأعلى تُمارس السلطة القانونية على الأدنى منها.    

ب‌-                     سلطة منح المكافأة: هذه القوة مصدرها توقعات الفرد من قيامه بمهامه على الوجه المطلوب، وأنّ امتثاله لأوامر رئيسه سيعود عليه بمكافآت مادية او معنوية من قبل الرئيس.

ت‌-                     السلطة القسرية: أساس هذه السلطة الخوف، وهي مرتبطة بتوقعات الفرد من أنّ تقاعسه أو قصوره في تأدية واجباته أو عدم امتثاله لأوامر رئيسه سيعرضه إلى العقاب المادي أو المعنوي من قبل الرئيس.     

ث‌-                     السلطة المبنية على الخبرة: أساس هذه القوة هو المعرفة المكتسبة لدى الفرد، حيث ينفرد بهذه الصفة عن غيره من الأفراد، مما يجعل الآخرين يقبلون قيادته نتيجة قبولهم وقناعتهم بهذه الخبرة الفنية.   

ج‌-                     السلطة المبنية على امتلاك مصادر المعلومات: تنتج هذه السلطة نظرًا لتمتع القادة بصلاحية الوصول إلى المعلومات، ومعرفتهم بالخطط وسياسات المنظمة، والتي تعتبر أمورًا هامة، وسريّة في بعض الأحيان وتحليلها للأفراد للتأثير على سلوكهم. 

ح‌-                     قوة المرجعية: ويحصل عليها الفرد عادة نتيجة إعجاب تابعيه ببعض سماته الشخصية بحيث تشدهم إليه نتيجة الجاذبية في شخصية القائد. (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 137).

خامسا- السلطة والقيادة من منظور سوسيولوجي

 تختلف طبيعة علاقات السلطة بحسب الأساليب التي يتبعها القادة في ادارة العلاقة مع الأفراد أو المرؤوسين في المنظمة، وباختلاف السمات الشّخصية التي يتحلى بها القادة والمواقف وتعددها، ونتيجة لهذا الاختلاف فقد تباينت آراء الكتاب والباحثين بشأن المقاربة المتبعة في هذا الشّأن وذلك باختلاف طروحاتهم واتجاهاتهم النظرية.

1-                     مقاربة السّمات الشّخصية

لقد شهدت نهاية القرن التاسع عشر ظهور ما يسمى التصنيع أو الثورة الصناعية والتي أدت إلى إحداث انقلابًا وتغيّرًا جذريًا في التقاليد المتعلقة بالتنظيم، ليس فقط على مستوى الاختراع والابتكار التكنولوجي الذي أدى إلى ظهور أشكال جديدة للعمل(هيكلة العمل-العلاقة مع المنتوج) ولكن أيضًا على مستوى نمو المنظمات من حيث الحجم والتي أصبحت تجمع الكثير من الأفراد في وحدات وظيفية، مما يؤدي إلى انتشار ظواهر إنسانية واجتماعية في بنية العمل، حيث كانت في الماضي العلاقات في ميدان العمل بين الحرفي والمتمرن وبالتالي وظيفة الإشراف كانت بسيطة نسبيًا، كما أن المنظمات في هذه الفترة كانت عبارة عن منظمات صغيرة الحجم، وفي لحظة ما تحولت هذه العلاقة إلى علاقة مراقب العمل مع المرؤوسين، ومع تطور علاقة رب العمل مع العامل فإنّه أصبح من الضروري وجود مسيرين قادرين على التعامل مع الأفراد وذلك من اجل السير الحسن والفعال للعمل وتحقيق             الرضى.                                                                                                         هذه الحاجة الجديدة ظهرت في الوقت الذي شهدت أبحاث علم النّفس في الولايات المتحدة الأمريكية انتشارًا واسعًا، حيث انتقلت من اهتمام فلسفي إلى اختصاص علمي، إذ كان ينظر للإنسان نظرة ستّاتيكية والتي حاولت البحث في مكونات هوية الاشخاص وتصنيف العناصر المكونة للشّخصية الإنسانية، وقد أصبحت  الاختبارات البسيكوميترية أكثر شعبيةً مما أعطى  الأمل في أن يتّم تصنيف مختلف مكونات شّخصية الإنسان، هذا التزامن  ساهم في البحث عن الشروط الممكنة لفعالية ممارسة السلطة والتأثير في المنظمة من خلال تحليل خصائص الشّخصية الإنسانية وهذا ما جعل الظروف مواتية أو ملائمة لظهور الاتجاه الشّخصي في السلوك القيادي.

ونظرًا لما للسّمات الشّخصية من دور مهم في نجاح بعض الأفراد أكثر من غيرهم في ممارسة التأثير فقد حاول أنصار هذا الاتجاه عزل السّمات الشّخصية التي لها علاقة بفعالية ممارسة التأثير في التنظيم.  

وقد حدد هاندي Hundyأربع سمات أساسيّة في القائد الناجح: الذكاء، المبادرة، الثقة بالنّفس والقدرة على التأثير الفوقي. وقد تعدى ذلك إلى تحديد الصفات الجسدية للقائد وذلك بدراسة السير الذّاتية للقادة العظماء في الماضي والحاضر. كما تقتضي نظرية السمات القيادية أن شّخصية القائد مستقلة عن شّخصيات الأتباع وأنّ القيادة أمر فطري أو غريزي لدى البعض دون البعض الآخر أي أنّها ليست سلوكًا يمكن تعلمه، لدى تناول الباحثون في إطار هذه النظرية السمات المرتبطة بالسمات القيادية من ذكاء وحيوية وسيطرة ونحو ذلك. (الوقداني ، 2018، ص 05). 

إنطلاقًا من الأبحاث المنجزة بين 1947و1970فقد قدم باس (bass)مجموعة من السمات التي تميز القائد الفعال: كالصرامة والمثابرة، والقدرة على حشد الأفراد، الثقة بالنفس والمهارة في التأثير على سلوك الآخرين، وكدا القدرة على تنظيم التفاعل بين الأفراد تبعا للأهداف المراد تحقيقها، والاستعداد لتقبل نتائج القرارات والأفعال.

هذه الخصائص وعلى أهميتها فهي تُبرز بشكل واضح وجلي درجة تعقد ظاهرة السلطة في التنظيم، فهي تحتاج إلى توفر مجموعة هائلة من القدرات الفنية والاجتماعية والنّفسية والسّمات الشّخصية في كل فرد يريد قيادة مجموعة من الأشخاص، فهذا الاتجاه قائم على فرضية وجود صورة نموذجية يمكن تعميمها على كل المواقف، لكن الواقع أنّ الحياة اليومية تؤكد بأنّ هناك عناصر مختلفة لوضع ما، أو موقف ما، تؤكد طريقة ممارسة التأثير والسلطة داخل التنظيم، كما يمكن للأشخاص على اختلاف نمط شّخصيتهم أن ينجحوا مقارنة بغيرهم وفي ظروف مماثلة، كما أنّ هناك من ينجحون في أماكن دون غيرها من الأماكن وبنفس الخصائص الشّخصية، فكيف يمكن للسمات الشخصية أن تفسر هذا التقلب؟(collertte & roy,2002, p29-30).ومن المآخذ التي تسجل على هذا الاتجاه هو عدم تفريقه بين السلطة الرسمية والقيادة، فقد تمَّ التركيز على شخصية القائد أو المدير دون الانتباه إلى مركزه الرسمي، في المقابل فقد اهتم هذا الاتجاه أكثر بطبيعة العلاقات بين الرئيس والمرءوسين أي أنه ركز أكثر على مفهوم القيادة.  ومما يحسب لهذا الاتجاه أنّه لفتَ الانتباه إلى ما تُمثله الخصائص الشّخصية كعُنصر أساسي وديناميكي في ممارسة السلطة واعتبارها تشكل مؤشرات دالة على المميزات الأكثر بحثًا لدى القادة.           

2-                     المقاربة القانونية

لقد أدت عملية التصنيع إلى تعقد التنظيمات وأظهرت الحاجة إلى الدقة من أجل الحصول على الفعالية وزيادة الإنتاجية، وقد كان لفريدريك تايلور مردود هائل في توضيح بعض المبادئ الخاصة بتنظيم العمل والتي تهدف بالأساس للرفع من مردودية العامل، حيث دعى إلى ما يسمى بالتدبير العلمي للعمل، والذي ترتكز أفكاره على مفهوم آلي للواقع التنظيمي، مفاده ان كل آلة أو أداة أو حتى إنسان يؤدي وظيفة خاصة من وظائف التنظيم، ولا بد أن تكون هذه الوظيفة محدّدة بدقة كي تحقق أحسن إنتاجية، فقد نظر إلى المنظمة على أنّها آلة.

لقد شغل التفكير الميكانيكي للعمل العديد من المفكرين الغربيين في مجالات شتى حيث انعكس هذا الفكر على أبحاث كل من ماكس فيبر وهنري فايول في العلوم الاجتماعية بصفة عامة وفي تفسيرهما لممارسة السلطة بصفة خاصة، ففكرة الميكانيكية الآلية تعني القانونية عند بعض الباحثين لأنّها تتميز بالعلاقات الميكانيكية أو الآلية داخل التنظيم والخاضعة للقوانين الرسمية  (القانونية)، وهي مفصّلة بشكل خطي هرمي متجه من الأعلى إلى الأسفل، وبهذا الشكل فإنّ هذه المقاربة تعالج مفهوم السلطة على أنّها ظاهرة اجتماعية يجب أن تُضبط وتُطبع بطابع الرسميّة حتى لا تصبح أداة للتعسف الإنساني في اتخاذ القرارات، فقد اقترح فايول نموذج إداري أو ما يسمى بالنظرية الإدارية والتي أبرزت مفهومًا قانونيًا لعلاقات السلطة في التنظيم يرتكز على مجموعة من المبادئ أهمها :

تقسيم العمل: من أجل التخصص الوظيفي وفصل السلطات.    

السلطة والمسؤولية: وهي حق إصدار الأوامر والقوة التي يمكن بها فرض الطاعة. (حنفي ، 2005، ص 36)وأكد على أن مبدأ التكافؤ بين السلطة والمسؤولية الممنوحة لكل فرد في التنظيم.

  بالرغم من أن فايول لم يتكلم إلا عن السلطة الشرعية فإنّه أكد على أن لصناعة أي مسئول ناجح فإن الشّخصية أو الذّاتية هي مكملة أساسية لأي سلطة نظامية، فهو ايضًا عالج مسألة ممارسة السلطة من وجهة نظر قانونية.

   وعَرفت هذه المقاربة تطورًا كبيرًا من خلال اعمال ماكس فيبر والذي عالج المسألة من زاوية أشمل مما طرحه فايول ومن أبحاثه نتجت أغلب المفاهيم المستخدمة في هذه المقاربة.

لقد كان اهتمام هذه المقاربة بالنظام أو البناء أكثر من اهتمامها بالأفراد، فهي تدعو إلى تحرير أو إعفاء ممارسة السلطة من تأثير التعسف الإنساني وإدراجها ضمن البنية التنظيمية وهذا بفضل إحاطتها بمجموعة من القواعد الرسمية عادة ما تسمى بالإجراءات السياسية، فهي تبحث وتهدف إلى تنظيم وتمكين وتثبيت الرقابة المنهجية والواضحة لعلاقات السلطة التي تمارس داخل التنظيم، وبشكل آخر أن تصبح أكثر رسمية.             

فالمقاربة القانونية تبحث بالأساس في مراقبة ميكانيزمات أو آليات اتخاذ القرار وتنميط السلوكيات واستقرار الممارسة اليومية للسلطة، وان لا تكون مرتبطة بالأفراد بل بالعكس أن تربط بالمركز مما يجعل الجدير بالسلطة محدود في إلزام أو تملك الفاعلين، ليس فقط بسبب نمط قيادته أو إدارته ولكن بسبب القواعد الواضحة التي يمنحها التنظيم، حيث ينتج عن هذا ما يسمى السلطة اللاشخصية،  سواء فيما يخص مجالات اتخاذ القرارات أو العلاقات بين الفاعلين، حيث وضع  ماكس فيبر هذا المفهوم كركيزة أساسية في المقاربة القانونية، حيث ذكر أن" أعضاء المجموعات عندما يطيعون الحائزين عن السلطة فإنّهم لا يطيعونهم لأشّخاصهم ولكن للقواعد اللاشّخصية، وبالمثل فإنّه لا يطلب منهم الطاعة إلا في حدود الإمكانات الموضوعية ذات الحدود العقلية أو ما يسمى بالتنظيم الثّابت" (collertte & roy, 2002, p  33).

إن الهيكل التنظيمي هو أحد اهم الرموز التي تتميز بها المقاربة القانونية، فهو يرسم قنوات الاتصالات الرسمية والتسلسل الهرمي داخل التنظيم والذي يشرح ويوضح من له الحق في إصدار الأوامر في الإدارة او القيادة ومن له الحق في الاتصالات ومع من، كما أنّه يحدد مجال القرارات ومختلف مراكز المسؤولية وهذا ما يشير إلى الطابع الخطي للهيكل التنظيمي.

ومنه فإن المقاربة القانونية تقدم المنظمة على أنها آلة ميكانيكية، حيث يمثل الأفراد بداخلها دواليب ساكنة، وحتى تصبح الآلة في حالة عملية، فهذه المقاربة تُقر بأنّه يجب أن تكون المسؤوليات والأنظمة والقوانين وعملية اتخاذ القرارات واضحة بشكل رسمي وأنّ العلاقات يجب أن تكون محدّدة بإجراءات ملائمة مع كل توقعات مختلف المواقف الممكنة.

فحسب هذه المقاربة فإنّ فعالية ممارسة السلطة مرتبطة بشرعيّة قواعد سير العمل عند أعضاء التنظيم وهذا ما يتطلب أن تكون قواعد واضحة، عادلة وعقلانية، حيث يفترض أنّه كلما كان النظام أو البناء محدد كلما كانت القواعد واضحة، مما يؤدي ذلك إلى عقلانية اكثر في سير العمل وهذا ما يقلل من الغموض والالتباس ويحد من النزاعات والسلوكيات غير الرسمية والتقلبات الفرديّة في ممارسة السلطة والتأثير، وهذا ما ينتج عنه استقرار كبير وفعالية عالية في التنظيم.

قطعًا فإنّ من بين أهداف المقاربة القانونية هو وضع حد وإلغاء كل ما ينتج عن التنظيم غير الرسمي في ممارسة السلطة في تسيير المنظمة بصفة عامة، وبهذا فإن هذه المقاربة لا تهتم إلا بشروط ممارسة السلطة الشرعية، ولا تزال هذه المقاربة هي المسيطرة وتميز المنظمات المعاصرة وخاصة الكبيرة منها، هذا رغم ظهور الفكر النسقي وانتشاره في مجال التسيير، إلا أنّ المقاربة القانونية تبقى تحتل مكانة جوهرية، وهذا لأنّها ورغم مرور وقت على ظهورها إلا أنّها تبقى ملائمة لتفسير جزء كبير من حقيقة التنظيم. (collertte & roy, 2002, p 34).

لقد قدمت المقاربة القانونية الكثير من الإسهامات في مجال المنظمات، فقد سلَطت الضوء على الفائدة من توضيح توزيع مجالات اتخاذ القرار داخل التنظيم وتحديد بعض القواعد الأساسيّة في ممارسة السلطة القانونية أو الرسمية خاصة مبدأ شرعية السلطة، ترقية العدالة والإنصاف وكذا الالتزام بحدود القانون، وبهذا الشكل فإن السلطة الرسمية ليست وليدة أهواء أو نزوات بل هي وليدة معايير يعطيها التنظيم وهي التي يتصرف وفقها الأفراد.

هذه المقاربة تشتمل على محددات والتي من خلالها يمكن تفسير ومراقبة مجموع ظواهر السلطة في المنظمة انطلاقًا من فرضيات ومبادئ الاتجاه القانوني الميكانيكي، ولكن الأبحاث في مجال المكونات العاطفية النّفسية والاجتماعية في التنظيم تؤكد غياب الواقعية في بعض المفاهيم، لأنّه لا يمكن أن ننكر بأنّ عدد هام من عمليات التأثير في التنظيم تحدث داخل التنظيم غير الرسمي، والذي يعمل مختلفا عن التنظيم الرسمي حيث يمكن لقرارات اتخذت من طرف بعض الفاعلين المؤثرين مستقلة تماما عن مراكزهم داخل التنظيم، ليبحث فيما بعد عن آليات رسميّة لشرعنة هذه القرارات.

وبشكل آخر فإنّ المقاربة القانونية يمكن تطبيقها في بعض المواقف، لكن في مواقف كثيرة لا يمكن أن تنجح، فيمكن أن نستخدم المقاربة القانونية للتصرف في المواقف (الظروف) ذات الطابع الرسمي، هذه المواقف تختص خاصة بتسيير النظام داخل النسق العام وذلك في كل ما يتعلق بتسيير الأفراد أو الآليات التنظيمية، وعلى العكس فإن هذه المقاربة تصبح غير عملية كلما تدخلت العمليات الإنسانية فهي تحد من جهة من تدخل العاطفة الإنسانية في التنظيم، والحقيقة أنه في الواقع لا يمكن مطلقًا أن نمنع الأفراد أن ينعموا بالعاطفة وأن يحملوا معهم هذه الملكة إلى التنظيم من جهة أخرى.

فقد كان فيبر مدركًا لهذه الحقيقة فقد أورد هذا التخمين حينما أراد وضع تعريف لأنواع السلطة سواء السلطة القانونية أو السلطة التنفيذية أو السلطة الكاريزمية، حيث أكد ان السلطة الكاريزمية مرتبطة بالأسلوب القيادي للشّخص والمستقل عن القانون الاجتماعي أو عن مركزه الرسمي، هذه الإشارات تجعلنا نفكر في أن ماكس فيبر أراد بهذا التعريف للسلطة الكاريزمية أن يلفت الانتباه إلى وجود واقع غير رسمي يصعب أن يُحاط أو أن يُحكم بقواعد قانونية.

هذه المقاربة أهملت القيادة كمفهوم داخل التنظيم وأكدت على أنّ سلوك القائد هو انعكاس حتمي للقواعد والإجراءات التي تحكم سير العمل، وخطوط السلطة واضحة حيث التسلسل الهرمي وممارستها وفق القانون هو ما يحقق مبادئ العدل والإنصاف ويؤدي إلى الفعالية وتحقيق الأهداف.

3- مقاربة العلاقات الإنسانية

لفهم قواعد وأسس ممارسات هذه المقاربة يجب أن نضعها في سياقها التاريخي وثقافتها الأصلية، فقد ظهرت هده المقاربة في الولايات المتحدة الامريكية في الخمسينيات من القرن الماضي وذلك في أعقاب تطور هائل لعلم النّفس الإنساني، وفي خضم أحداث استثنائية ميزت تلك الفترة أهمها:

 حالة مجتمعات خارجة من حرب عالمية ثانية والحاجة الملحة للنمو الاقتصادي لهذه المجتمعات، والابتكارات التكنولوجية التي جعلت المنظمة كبيئة مثالية لتحقيق كل الطموحات.                    

كما مثّلت الحرب صورة سيّئة عن الديكتاتورية وبروز اتجاه حديث يدعو ويدافع عن إرساء نظام ديمقراطي، حيث مست هذه الثّقافة كل طبقات المجتمع وكل مجالات الحياة اليومية، كما ان لبعض الظواهر التي انتشرت في تلك الفترة، كانتشار التعليم وتطور الإعلام الذي نتج عنه وفرة في المعلومات والسرعة في ايصالها أدى إلى بروز طبقة عمالية أكثر وعيًا لقيمتها الشّخصية او الذّاتية وأكسبها إدراكًا بأنّها ليست دولابًا بسيطًا في آلة تنظيمية، وهذا ما أدى إلى ظهور ما يسمى "بأنسنة" المنظمات من خلال تثمين العمل في فريق وشرعنة المشاركة في اتخاذ القرارات، والاهتمام بعملية الاتصالات بين الأفراد وتوسيع قنوات التشاور.

ونظرا لعدم قدرة المقاربة القانونية في الاستمرار في تطبيق أو ممارسة السلطة بطريقة أكثر رسمية وهرمية، مع الحاجة إلى تطبيق اللامركزية و"دمقرطة" عملية اتخاذ القرار، فإنّ اصحاب مقاربة العلاقات الانسانية اقترحوا مجموعة من المبادئ لمواكبة هذا التطور التنظيمي.

وقد تدعم هذا التوجه بالنتائج التي حققتها تجارب هاوثورن والتي كان أبرزها اعتبار أن أهم عامل من عوامل زيادة الإنتاجية هو الاهتمام بالعلاقات الانسانية إذ تمثل أحد المقومات الأساسية لنجاح القادة الإداريين وهذا ما أدى إلى اكتشاف أهمية الأبعاد غير الرسمية في التنظيم. (كنعان، 2007، ص 75).

وبصفة أساسية فإنّ هذه المقاربة أدت إلى توجيه الاهتمام بالتنظيم إلى الاهتمام بالأفراد وحاجاتهم، فهي بشكل ما تدعو الى استبدال أفكار تايلور التي تعتبر الإنسان كامتداد للآلة، بأفكار تعتبر العمل كوسيلة لتحقيق رضا الأفراد، فقد تدعمت هذه المقاربة من خلال مفاهيم العلاقات الانسانية وخاصة في معالجتها لعلاقات السلطة داخل التنظيم، وقد داع صيتها "بمقاربة العلاقات بين الأفراد " عند كثير من مفكري هذا الاتجاه وذلك من خلال الاهتمام بترقية نموذج يأخذ في الحسبان أولوية  الأبعاد الانسانية والعلاقات بين الأفراد على الأبعاد التنظيمية والأبعاد البيئية مجتمعة، فهي دعوة للاهتمام أكثر بما يسمى القيادة، فهي في رأي أصحاب هذا الاتجاه تدعم عملية التأثير المتبادل بين الأفراد بما يحقق الرضى لجميع الأطراف.

فقد بحثوا في وصف أنماط علاقات التأثير التي تسمح بالمحافظة على عملية اتصالات مفتوحة وحقيقية، أي التوصل إلى أسلوب تسيير قائم على خلق عملية توازن بين متطلبات فعالية التنظيم والبقاء على توافق وتصالح مع الأفراد، فهي تدعو إلى تشجيع التنمية والتطوير الذاتي للأفراد وهي بشكل ما تحدد "الأنماط العلائقية" الأكثر تحقيقًا للرضا أثناء ممارسة السلطة كونها تراعي الخصائص الإنسانية للأفراد من جهة وما تخلقه من تحفيز لديهم من جهة أخرى.

وقد تكلّل هذا المجهود بظهور نماذج معيّارية بالأساس فرضت على الحائزين على السلطة الرسمية تبني أسلوب الديمقراطية التشاركية في ممارسة السلطة، ولهذا فإنّ أغلب جهود أصحاب هذا الاتجاه كانت موّجهة نحو المشاركة الكليّة للأفراد في كل ما يتعلق بالتنظيم، فالمشاركة في اتخاذ القرار مثلا عند بعضهم ليست إجبارية بل تمثّل عقيدة (collertte & roy, 2002, p 38).

كما أكدت هذه النماذج بوضوح وجود عاملين حاسمين في علاقات السلطة والقيادة وهما منح الاعتبار للأفراد والاهتمام بتنظيم العمل والإنتاج، والشبكة الإدارية لكل من موتون وبلاك هي النموذج الأقرب لتوضيح الاستخدام الممكن لهذين البعدين فهو نموذج يفترض بأنّ القيادة في التنظيم مرتبطة بدرجة الاهتمام بالأفراد ودرجة الاهتمام بالإنتاج أو العمل.

يمكن تحديد نمط قيادة أي مسير من خلال سلوكه على متغيري الاهتمام بالأفراد والاهتمام بالإنتاج، فقد قسما  كل من هذه الأبعاد إلى تسع درجات من الاهتمام، واهتما بوصف خمسة أنماط أساسية للقيادة ويمثل نمط القيادة (9.9) الأحسن حيث يهتم هذا الشكل القيادي بكل من الأفراد والعمل بشكل متوازن وبالحد الأعلى من الاهتمام، في حين يمثل نمط القيادة (5.5) سلوك مسير يبحث عن تحقيق توازن بين الاهتمام بالإنتاج والاهتمام بالأفراد ولكن ليس بالاهتمام الذي يصل إلى الحد الأعلى (الجيوسي وجاد الله، 2009، ص 150).

أما دوغلاس ماكريجور (1960)فقد وضع من جهته نموذج يصنف المسيرين إلى نوعينyوxحيث المسيرون من نموذج xيحملون نظرة تشاؤمية تجاه الانسان باعتباره كسول وهو لا يستجيب إلا بواسطة الحافز المادي وغير قادر على المبادرة وعلى تحمل المسؤولية، وبالتالي لابد من توجيهه باستمرار ومراقبته وألا نثق فيه، أما المسيرين من نموذج yمن جهتهم فهم يحملون نظرة تفاؤلية تجاه الإنسان فهم يرون أنّ الانسان محفّز بطبعه مهتم بعمله ويتوقعون أنّ لديه إرادة لاستخدام كل إمكاناته وعلى استعداد لتطويرها (الشماع وكاظم، 2007، ص 71).

فقد قدم ماكرجور النموذج xعلى أنه قد تم تجاوزه واقترح أن يتم اختيار النموذج yفهو يؤكد ومن خلال تجربته في العمل كرئيس لإحدى المؤسسات بأنّه لا يمكن لمسئول أن يمارس سلطته القانونية دون أن تكون لديه مسؤولية تجاه الفريق الذي تصدر له أوامر هذه السلطة.

في حين فإن نموذج كل من لوين، ليبيت ووايت  هو الأكثر استخداما فحسبهم فإنّه يمكن أن يكون سلوك القائد في ممارسته للسلطة وفق ثلاثة أنماط أساسية النمط الأوتوقراطي النمط الديمقراطي والنمط دعه يعمل، حيث يتميز النمط الأوتوقراطي بدرجة رقابة عالية ويتخذ المسئول أو القائد القرار بنفسه فهو يعبر عن أسلوبه عن طريق الأوامر التي يرسلها لمرؤوسيه، أما في النمط الديمقراطي فالقائد أو الرئيس يملك اتجاه لعرض الكثير من الاقتراحات على مرؤوسيه وذلك قصد توجيههم في عملهم، فهو يحاول أن لا يفرض إرادته عليهم ويسمح لأعضاء التنظيم بالمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات، أما النمط دعه يعمل فالقائد أو الرئيس يترك لأعضاء الفريق حرية التصرف ولا يتدخل إلا من أجل تحفيزهم (كنعان، 2007، ص ص  130-131).

إذا كان الهيكل التنظيمي هو رمز المقاربة القانونية أو الرسمية فإنّ الهيكل الاجتماعي هو بمثابة رمز للمقاربة الاجتماعية، فإذا كان الهيكل التنظيمي يرسم القناة التسلسلية للتحكم والضبط واتخاذ القرار فإن الهيكل الاجتماعي يوضح تموج وانعطافات الشبكات غير الرسمية في ممارسة التّأثير داخل التنظيم، ولإبراز خصائص كل هيكل يمكن القول بأنّه إذا اعتبرنا الهيكل التنظيمي كخارطة طريق للتنظيم فإنّ الهيكل الاجتماعي هو خارطة طبوغرافية لنظام العلاقات، الأولى تشير إلى الطرق الرّسمية أو القنوات الرّسمية التي يمكن استخدامها في ممارسة السلطة في حين الثانية توضح الميدان الذي يفترض توفره على قنوات وطرق غير رسمية collertte & roy, 2002, p 4)).

لقد تطورت المقاربة الانسانية للسلوك القيادي في ممارسة السلطة وزادت شعبيتها في مرحلة رخاء اقتصادي وانتشار ثّقافي للحضارة الغربية، لكن هذا الرخاء لم يكن بنفس القوة دائمًا، فقد عرفت سنوات السبعينات ما يسمى بأزمة البترول وما صاحبها من تأثيرات على النمو الاقتصادي مما أدى إلى تراجع في مفهوم الإنسانية والتشاركيّة في التنظيم، وقد تعمّقت الأزمة مع بداية الثمانينات والتي تميّزت بندرة في الموارد وظهور المعوقات المالية بشكل قوي وصعوبة في اتخاذ القرار وهذا ما أدى إلى ضرورة البحث في طرق للتسيير أكثر نجاعة.

فتاريخيًا ظهرت أنّه بعد أن جربت حصر ممارسة السلطة في بعدها القانوني- الرسمي" autorité" فقد حاول البعض تجريب عكس ذلك حيث تم المزج أو الجمع بين ممارسة السلطة ونوعية العلاقات مع الأفراد والنمط الذي يميز هذه العلاقات، ومع مرور الوقت أصبح واضحًا وجلي بأن الأنماط الانسانية للسلوك القيادي في ممارسة السلطة والتأثير وحدها غير قادرة على شرح نجاح أو فشل هذا السلوك على اعتبار أن كل تنظيم هو أصلًا مبني على علاقات السلطة، وإن حاولنا في بعض الحالات أو الاستثناءات إهمال هذه العلاقات لصالح ظهور علاقات بين الأفراد فإن نظام السلطة الرسمية يعاود الظهور كلما كان هناك أمور تحتاج إلى مسؤولية لاتخاذ قرارات بشأنها ومن هنا يمكن القول أنّ المقاربة الإنسانية تفتقر إلى الواقعية مقابل حقيقة التنظيمات.

كما يؤخذ على هذه المقاربة أيضًا اعتمادها على تقديم "نموذج مثالي", فقد بحثت في الشكل الواحد والأحسن على افتراض وجود " نموذج جيّد" في ممارسة السلطة من جهة وإهمالها لوجود عوامل موقفية من جهة أخرى.

بالمحصلة فإنّه يمكن القول بأنّ المقاربة الانسانية وبتركيزها الكبير على العلاقات بين الأفراد في فهم سلوك القادة في ممارسة السلطة والتأثير، فإنّها قد أهملت باقي أبعاد الحياة التنظيمية، فإذا كانت المقاربة القانونية لم تهتم إلا بممارسة السلطة الرسمية وأغفلت وجود التنظيم غير الرسمي، فإنّ المقاربة الإنسانية من جهتها فعلت العكس فهي لم تهتم بحقيقة التنظيم الرسمي لكي تركز وفقط على التنظيم غير الرسمي أو القيادة.

4- المقاربة الموقفية

إنّ عجز المقاربة الإنسانية عن شرح وبشكل كامل ظواهر السلطة، أظهر الحاجة إلى مقاربة أكثر تعبيرًا عن الفوارق وأقل معيارية لممارسة السلطة والتأثير داخل التنظيمات، ولهذا فقد انتشرت مقاربة تقدم ممارسة السلطة على أنّها محدّدة بعوامل كل موقف، وهو ما يطلق عليها بالمقاربة الموقفية أو الاحتمالية، وحسب هذه المقاربة فإنّ الحقيقة غير ثابتة أي ديناميكية، وكل موقف أو وضع تمثله خصائص مميّزة له وبالتالي فإنّه لا يوجد هناك شكل واحد للتصرف أو الفعل الذي يمكن تكيّيفه مع جميع المواقف، بل العكس فإنّ كل موقف تقابله طريقة خاصة للتصرف والفعل وهي ملائمة أكثر من غيرها من الطرق، ولمعرفة أي أسلوب أو أي مقاربة تكون أكثر تطابقًا لابد أن نرجع إلى خصائص الموقف الذي يحدّد لنا ما هو فعال وما هو غير فعال.

يمكن القول أنّ التأثير لا يمارس في فراغ اجتماعي ولكن في بيئة وحوادث مختلفة، بمعنى وجود مختلف القوى وهذا ما يتطلب تعاون مستمر في مجال ممارسة التأثير، فهذه المقاربة ترى بأنّ قوة أي شخص غير مرتبطة بمركزه في السلم الإداري ولا هي حتمًا ناتجة عن العلاقات الإنسانية القوية التي يمتلكها، فهي تعتقد بأنّ لا هذه ولا تلك من المقاربتين قادرة على توضيح ديناميكية السلطة، ولا بد من البحث عن تفسير ذلك من خلال درجة التطابق بين المواقف وكذا خصائص مركز الشخص وسلوكه.

إنّ اهتمام هذه المقاربة غير موجه للبناء أو التنظيم ولا للأشخاص ولا للعلاقات بين الأفراد، فهو موجه للتفاعل الحاصل بين مختلف المتغيرات الحاضرة في الموقف، وقد تمّ تناول هذه المقاربة بطرق مختلفة وقد أفرزت لنا نماذج متعددة نذكر منها:

*- نمودج هاوس 1974:حسب هذا النموذج فإن القائد الفعال يعظم دافعية الأفراد ورضائهم عندما يساعد المرؤوسين على تحديد الأهداف وتحديد المسارات التي توصل إلى هذه الأهداف. (أبو ناعم، 2015، ص 191)

*- نمودج فروم وياتون1973:فقد اشتغلا على ما يسمى نمط اتخاذ القرار، والذي يتلاءم مع كل موقف وقد وضعا أداة لذلك سميت "شجرة اتخاذ القرار" حيث اكدا على ضرورة أن ينتبه أي قائد إلى بعض الأسئلة قبل اتخاذ أي قرار وهي المتعلقة بالمتطلبات الضرورية لشرح المشكلة وتوفر المعلومات اللازمة لاتخاذ قرار ذو جودة عالية، ومدى تقبل المرؤوسين للقرارات وتقاسمهم لنفس الاهداف المرجوة من حل نفس المشكلة، وهل تؤدي هذه الحلول إلى احتمال نشوب صراع بين الأفراد.

وبحسب الإجابة على هذه الاسئلة يمكن تحديد النمط المتبع في القيادة، وقد حدد فروم وياتون ثلاث أنماط للقيادة، أوتوقراطي، استشاري أو تشاركي، فكلما احتاج رئيس او قائد مساهمة المرؤوسين او التابعين في صناعة القرارات او تسهيل تنفيذها كلما اقترب من النمط الإستشاري، وكلما قلل من مساهمة المرؤوسين كلما اقترب من النمط الأوتوقراطي (المغربي،2007، ص ص  241-243)

 بالمجمل فإنّ هذا المقاربة تشير إلى الكيفية التي تساهم بها المواقف في توزيع السلطة بين من هو في اعلى الهرم ومن هم في أسفله، فهي غير ممركزة حول النمط المتبع بل في العلاقة المرتبطة بخصائص الموقف وقد حاول هذين النموذجين البحث في المطابقة بين الفرد وسلوكه والموقف الذي يجب أن يتشكل وذلك من خلال تأكيدها على ضرورة أن يأخذ ممارس السلطة في الحسبان درجة تعّقد ومرونة الحقيقة التنظيمية.

*- نمودج هارتس وبل ونشار1977:فقد حاولا أن يضعا نموذجا عمليا وقد اشتهر تحت اسم ""نمط القيادة حسب الموقف" ويقوم هذا النموذج حول محورين وهما نفس المحورين الذين اهتمت بهما المقاربة الإنسانية، أي الاهتمام بالأفراد والتي يمثلها السلوك الاجتماعي للقائد، والاهتمام بالإنتاج والمتمثل في السلوك الإداري للقائد، التنسيق بين هذين المحورين يسمح بظهور أربعة انماط للقيادة النمط الإداري _النمط البائع_ النمط التشاركي _ النمط المفوض.

وحسب هارتس وبلونشار فإنه يمكن اختيار نمط من هذه الانماط تبعا لدرجة نضج المرؤوسين ويقاس نضجهم وفق معيارين أساسيين، فكلما أبدى المرؤوسين درجة عالية من النضج كلما اتجه القائد إلى تفويض الصلاحيات والمسؤوليات، وكلما انخفض مستوى النضج لديهم كلما اتجه القائد نحو الأسلوب الإداري أي النمط الأوتوقراطي أي حسب هذا النموذج فإنّ درجة نضج المرؤوسين غير ثابتة وبالتالي لا بد للقائد أن يعيد تقيّيمه باستمرار من اجل أن يتوافق سلوكه القيادي مع ذلك (طوالبة، 2008، ص 20).

  فأحيانًا تظهر هذه المقاربة قريبة من المقاربة الإنسانية كونها ترتكز على نفس المتغيرين (الفرد والإنتاج) وتستند على أنماط العلاقات التي تظهر بين القائد والأتباع.

 ومن المآخذ التي تؤخذ على المقاربة الموقفية أنّ نجاح أي شّخص مرتبط بمطابقة أسلوبه الشّخصي مع احتمالات الموقف، وأن نجاحه في ممارسة السلطة تزيد من قوة سلطته الشّخصية وبالتالي فإنّ قُدراته في التكيف مع المواقف تزيد من مصداقيته، كما أنّها لم تقدم الكثير في عملية ممارسة السلطة، فهي اشتغلت في حدود معيّنة فهي لم توضح الفرق بين السلطة الرسمية والقيادة وذلك كون اغلب مفكري هذا الاتجاه لا يفرقون بين المفهومين.

إن مفهوم القيادة في المقاربة الموقفية قد يؤدي إلى إلغاء أو إخفاء هوية القائد الحقيقية، وهذا من اجل مطابقة مزاجه باستمرار مع تفاعلات مرؤوسيه، كما أنّ سلوك القائد لا يمكن أن يدرك إلا من خلال المواقف وهذا يتناقض ومفهوم القيادة، كما أنّها يمكن أن تخلق لدى القائد فكرة العمل على المدى القريب "المواقف الآنية" وهذا ما يخلق مشاكل توجيه على المستوى المتوسط والبعيد وأنّ هذه النماذج لا تأخذ في الحسبان شّخصية القائد كمتغير.        

رغم ذلك فإن المقاربة الموقفية قدمت عناصر أساسيّة ومهمة تدعم دراسة ظواهر السلطة في التنظيم فقد وجهت الانتباه المرُكز على القائد ونقلته للاهتمام بالأتباع.

5- المقاربة التبادلية

 بالموازاة مع المقاربة الإنسانية والمقاربة الموقفية تطورت مقاربة أخرى وكانت العلوم السياسية مصدر الهام هذه المقاربة، وتوصف بالمقاربة التبادلية وهي تبدوا أحيانا قريبة من المقاربة الموقفية على اعتبار ان السلطة تتغير حسب المواقف من جهة وهي مشروطة بتفاعل المرسل اليهم من جهة أُخرى، وهذه المقاربة لم تنل القبول مقارنة مع باقي المقاربات وهذا راجع إلى درجة التعقيد المفاهيمي من جهة وعدم توافق بعض مقترحاتها مع الثّقافة السائدة سنوات السبعينيات، وعلى عكس المقاربات السابقة  فقد اهتمت هذه المقاربة في البداية بمفهوم السلطة خاصة عند هومانس(1661) وبلو (1964) لينتقل الاهتمام فيما بعد إلى مفهوم القيادة وهذا  مع أعمال إدوين وهولوندر 1978واللذان طورا نظرية ما يسمى " القيادة التبادلية " فحسب هذه المقاربة فإنّه من أجل فهم ديناميكية السلطة داخل التنظيم لا يجب أن نحصر ذلك في سلوكيات القادة أو مرؤوسيهم، وذلك لأنّ السلطة عبارة عن مفهوم يتميّز بالسكون والمحدودية مقابل ما يحدث في الواقع، ولدى فلابد من الاهتمام بالتفاعلات التي تحدث بين الأفراد عند ممارسة السلطة، على اعتبار أن العلاقات تمثل تعاقدات اجتماعية يقوم من خلالها الفاعلين بالتبادل، ولكي ندرك ونفهم علاقات السلطة لابد من فحص والتمعن في التبادلات الموجودة بين الأفراد.

تلصق خاصية التعاقدية بمفهوم القيادة لوجود عملية تبادل اجتماعي داخل التنظيم بما يجعل القائد والتابعين يعطون ويقبلون المنافع، وهذا التبادل هو أساس لدعم واستمرار علاقة التأثير بين الطرفين، أي بمعنى أنّه يمكن أن يتأثر القائد بالأتباع في الوقت الذي يمارس هو عليهم التأثير، وقد أكد هولاندر افتراضات سابقه هومانس والتي مفادها:              

الحصول على ممارسة التأثير في الآخرين ثمنه تقبل تأثيرهم عليك أيضا، ومن ثم فإنّ ارادة أفراد المجموعة لقبول تأثير رئيس أو قائد مرتبطة بعملية تبادل والتي يعطي فيها القائد شيء ما ليحصل على شيء آخر في المقابل، كما أنّ في مفهوم القيادة عند بيرنز هي عملية تتضمن في جوهرها قائدا يتبادل أو يعد بتبادل الخدمات مقابل الحصول على تحقيق الأهداف (الروسان، 2017، ص 286).

حيث يرتكز هذا المفهوم على افتراض أنّ السلطة قائمة عل القدرة على مراقبة المصادر والموارد المتوفرة في البيئة، فكلما كانت الموارد المراقبة أو المتحكم فيها من طرف شّخص أو مجموعة أشّخاص على قدر من الأهمية كلما تراكمت لديّه أو لديّهم سلطة وأمكنهم ممارستها، وقد وصفها بيتر بلو 1964بالموارد ذّات قيمة في حين عبّر عنها ميشال كروزييه 1973بالموارد الاستراتيجية.

وحسب كروزييه فإن السلطة تشمل أو تستلزم دائما إمكانية أن بعض الأفراد أو المجموعات لهم قدرة التحكم في أفراد أو مجموعات أخرى؛ وهذا التحكم يقصد به الدخول معهم في علاقة، وهذه الأخيرة تتطور في خضمها سلطة البعض على البعض الأخر. إن السلطة عند كروزييه ليست صفة أو ميزة يتسم بها الفاعلون، ولكنها علاقة تبادل تتأسس انطلاقا من التفاوض بين شخصين على الأقل. 

لقد حاول كل من  كروزييه وفريدبرغ من خلال مقاربة التحليل الاستراتيجي تقديم تصور جديد يحاول دراسة علاقات السلطة  داخل التنظيم، والاستراتيجيات الممكنة التي تحكم سلوكيات الفاعلين،  ففي كتابهما "الفاعل والنسق" يشدد المؤلفان  في البداية على انه لا ينبغي النظر إلى التنظيمات كونها كيانات مجردة، ولا كونها معطيات شبه طبيعية وموضوعية ، فالوهم المستمر ينزع إلى جعل هذه التنظيمات طبيعية ، بينما يجب اعتبارها كإنبناءات اجتماعية » فالتنظيم ليس ظاهرة طبيعية وكذلك العمل الجماعي الذي ينتج، « إنه إنبناء اجتماعي يطرح وجود مشكلة، ويبقى علينا تفسير ظروف بروزه وبقائه (Ansar, 1990, p 70).                                                                                                فالأفراد الذين يتبارون في خدمة التنظيم يشاركون باسهاماتهم ضمن ظروف توجهها الأصول التنظيمية، إنما من أجل ملاحقة مصالحهم وفق استراتيجيات تتلاءم مع تمثلهم لهذه المصالح.فهم يلجئون تارة إلى استراتيجية هجومية إن كان ذلك ممكنا، وأحيانا أخرى إلى استراتيجية دفاعية، يستخدم الفاعل استراتيجية هجومية من خلال تقوية الاكراهات تجاه الأعضاء الآخرين وهذا لتحقيق متطلباته الخاصة، ويستخدم استراتيجية دفاعية من خلال  جهوده المستمرة للتهرب من الاكراهات  والإفلات من الضغوط وذلك بالاعتماد على حريته النسبية  التي يحميها النسق، وهامش المناورة،  ومن تمّ فلا يمكن ان نختصر علاقات السلطة على أنّها علاقات واحدة أو في اتجاه واحد، أي علاقات سيطرة وهيمنة، بل هي علاقات على أعلى درجة من العلائقية، والتي تتشكل وتبنى من خلال مختلف التوترات الهجومية والدفاعية التي تحدث داخل المؤسسة وبين الفاعلين.                                                                                                                                                                                                                             

ولتوضيح  مسألة السلطة باعتبارها مفهومًا متعدد الأبعاد، بمعنى أن علاقات السلطة تشمل متطلبات البيئة الداخلية للتنظيم، كما تشمل أيضًا البيئة الخارجية له، فقد اقترح هنري منتزبرغ  في مؤلفه "السلطة في التنظيم" مقاربة نموذجية، تعتبر التنظيم كنسق من التحالفات، أين نسمي مختلف الفاعلين "بالحائزين على التأثير" فهم دائما يحاولون مراقبة القرارات والتصرفات التي تحدث داخل التنظيم، وتأخذ  التحالفات تبعا للحائزين على التأثير شكلين، فمن جهة هناك تحالف  خارجي:  أو ما يسمى الحائزين على التأثير الخارجي، ومن جهة  أخرى يوجد تحالف داخلي،  أو ما يسمى بالحائزين على التأثير الداخلي . 

التحالف الخارجي:ويعرفه منتزبرغ على أنه مجموع للحائزين على التأثير الخارجي أي غير الأجراء في التنظيم أي الأشخاص من أعضاء التنظيم ويشمل ملاك التنظيم، الشركاء، النقابة، الجمهور. 

التحالف الداخلي:ويشمل السلطة داخل التنظيم، ويتكون من الحائزين على التأثير داخل التنظيم وهم الافراد العاملين بشكل دائم داخل التنظيم، ويشمل الرئيس المدير العام، الاطارات الوسيطة، العمال التنفيذيون.                                                                                                                                                                                         وعلى هذا الأساس فإنّ الفاعلين الاجتماعيين يحوزون على موارد تمكّنهم من أن يستعملوها في عمليتا التبادل والتأثير وحين يحدث عدم توازن في مستويات أو نوعية الموارد المراقبة يؤدي ذلك إلى تراكم في السلطة لجهة ما وهذا ما يسمح بظهور علاقة سيطرة - تبعية.

فهذه المقاربة وبالرغم من أنها لم تقترح نماذج محدّدة مثل ما قدمت المقاربات السابقة، فقد ساهمت بشكل كبير في التأّمل والتفكير في مسألة السلطة، واهتمت من البداية بالبحث في ديناميكية السلطة باستخدام مقاربة وصفيّة للظاهرة بمعنى مقاربة تحاول أن تفك شفرة ما يحدث في علاقة حقيقية بدل أن تقرر ما يتمنى أن يكون، فهي بذلك قد ساهمت في توسيع مجال التحليل ليشمل من تقع عليهم ممارسة السلطة وكذا الظروف التي تُمارس فيها السلطة.

ومن بين نقاط ضعف هذه المقاربة أنّها تبدو غير عملية لتطبيقها خاصة داخل المنظمات، وخاصة بالنسبة للذين لا يملكون قدر من المعارف النظرية ومن الصعب أن تنقل مفاهيم هذه المقاربة إلى الواقع المُعاش، ولهذا فهي تصنف أحيانا كشبكة تحليل أكثر منها نموذج للفعل، كما يؤخذ عليها أيضًا أنّها لم تقدم الكثير حول خصوصيات كل من مفهوم السلطة الرسمية ومفهوم القيادة وهذا ما يجعلها صعبة التطبيق في مجال التنظيم.

6- المقاربة التحويلية

لقد ظهرت في نهاية السبعينيات مقاربة جديدة للتأّمل والبحث في مسألة السلوك القيادي في ممارسة السلطة في التنظيمات وهي المقاربة التحويلية. 

حيث يمكن القول أنّ هذه المقاربة مرتبطة بشكل أساسي بمفهوم القيادة دون أن تغفل رهانات السلطة الرسمية، وحسب هذه المقاربة فإنّ القائد الفعال هو القائد الذي يملك سلطة تحويلية لمرؤوسيه، فهو دائمًا ينجح في تعبئة طاقاتهم وقدراتهم لتحقيق ما هو أفضل، فهذا النمط من القادة يملك سلطة تحويل الأفراد والتجاوز عن محدوديّتهم المألوفة أحيانًا، فهي تقترب أحيانًا من خصائص القيادة الكاريزمية والتي ترتكز أكثر على خصائص القائد وفعاليته في تعبئة الأفراد collertte & roy, 2002, p 54)).

فقد انتشرت هذه المقاربة في ظروف تميزها أزمة بترول لسنوات السبعينيات والمتاعب الاقتصادية التي شهدتها سنوات الثمانينات وحالة الفراغ الفكري الذي أدى إلى ندرة في القيادات القادرة على تعبئة الموارد البشرية وممارسة التأثير الاجتماعي.

فإذا كانت مقاربة السمات قد ركزت على تطوير قدرات القائد فإن المقاربة التحويلية أكدت على المميزات الاجتماعية واهتمت أكثر بالقدرة على تعبئة طاقات المرؤوسين، أي تمكينهم والحصول على ثقتهم والتزامهم المطلق وجعلهم يعملون أكثر مما يتصورون.

وفيما فشلت المقاربة الموقفية في تفسير دور القائد في توجيه الأفراد وتركيزها على التفاعل الخاص في الموقف، فإنّ المقاربة التعاقدية كشفت عن نموذج واحد للعلاقة وهي تبادل المنافع بين الرئيس ومرؤوسيه، ظهر مصطلح القيادة التحويلية أساسا لدراسة القيادة وقد استخدم في الغالب للتمييز بين القيادة والإدارة، برنس (1978) في كتابه "القيادة" استخدم مصطلح القيادة التحويلية على أنّها "علاقة التحفيز والارتقاء المتبادل، الذي يحول الأتباع إلى قادة وزعماء، وذلك بتحويل العوامل الأخلاقية (باشا، 2017، ص 54).

فسلوك القيادة التحويلية يبدأ من القيم الشّخصية للقائد ومعتقداته، وليس من تبادل المصالح مع المرؤوسين.

ويرى باس (1985) أنّ القائد التبادلي يحصل على نتائج تابعيه من خلال التفاوض معهم على تبادل المنافع مقابل خضوعهم، في حين فإنّ القائد التحويلي من جهته يعمل على إبراز وانبثاق الطموح السامي لدى الأتباع وتحفيز تعبئة الطاقات.إن المقاربة التحويلية للقيادة زادت شعبيتها في نفس الوقت الذي زاد فيه الاهتمام أيضًا بالثّقافة التنظيمية، فأغلب الأبحاث والإسهامات التي ظهرت خلال هذه الفترة كانت تتحدث عن الدور الذي يلعبه ما يسمى " المُخَّلص" أو" المُنقد" أو الدور المحوري الذي يجب أن يلعبه المسيرون لخلق ثقافة ديناميكية في مؤسساتهم وقد شكّلت المقاربة التحويلية محفّز ليكون القائد كمُجسد للثّقافة الداخلية للمنظمة.

وما يحسب لهذه المقاربة أنّها تشتغل على التحليل الوصفي للقيادة دون أن تنكر فعالية باقي النماذج، فهي تفرض نفسها على أنّها تمثّل النموذج الأفضل للقيادة، كما أنّها شددت على الانتباه للوظائف الرّمزية للقيادة وضرورة أن يظهر القائد بشّخصيّته الأصليّة، ودون إغفال سماته الشّخصية والعلاقات الممكنة مع الآخرين.

ومن بين الانتقادات التي وُجهت لهذه المقاربة أنّها تفتقد للواقعية كون أنّ نماذجها غير قابلة للتطبيق كما أنّها وباهتمامها أكثر بشّخصية القائد قد أهملت حقيقة أين يعمل أو البيئة التي يتصرف فيها هذا القائد، فقد اختصرت ممارسة سلطة القائد في شخص، بالرغم من أن ممارسة السلطة والتأثير هي عبارة عن عملية كاملة موزعة داخل أي تنظيم أو داخل أي مجموعة.

ولهذه الأسباب ومواكبة للتحولات الكبرى التكنولوجية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية، لا يزال البحث متواصلًا لوضع نماذج أكثر اندماجًا مع هذه التحولات كالنموذج الثقافي، ونموذج التدبير بالمشروع وغيرها من النماذج وكلها تدخل تحت اتجاه التغيير التنظيمي.

خاتمـة

قدمت هذه الدراسة حوصلة لأهم المقاربات التي اهتمت بالسلوك القيادي في ممارسة السلطة داخل التنظيم.

هذه المقاربات تمثل مجموعة من النماذج النظرية لسلوك القائد في ممارسة السلطة، حيث ساهمت الظروف الاقتصادية، التكنولوجية، السياسية والاجتماعية في بلورة أفكار تغير النموذج والانتقال من مقاربة إلى أخرى.

وهذا لا يعني عدم وجود أكثر من مقاربة في نفس الظروف، حيث أمكن استخدام مقاربات متعددة في سياق تاريخي واحد وفي ظرف تنظيمي نفسه.

ومن الواضح أنه لا توجد حاليًا مقاربة نظرية وحيدة قادرة على وضع نموذج تفسيري شامل لسلوك القائد في ممارسة السلطة داخل التنظيم، فالسلوك القيادي يختلف تبعا للسمات الشّخصية للقائد وتوقعات الأتباع والظروف أو المواقف التي تمارس فيها السلطة وطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة داخل التنظيم

المراجع والمصادر

ابن منظور. 1988، لسان العرب، دار الجبل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان.

طوالبة، توفيق حامد. 2008،" أثر الأنماط القيادية على إدارة الصراع التنظيمي"، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية العلوم المالية والمصرفية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، الأردن.

فياض، حسام الدين محمود. 2018، نظرية الفعل الاجتماعي عند ماكس فيبر، ط 1، مكتبة نحو علم اجتماع تنويري.

رشوان، حسين عبد الحميد أحمد. 2004، علم اجتماع التنظيم، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية.

الشماع، خليل محمد حسن، وكاظم، حمود خضير. 2007، نظرية المنظمة، ط3، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان الأردن.

أبو ناعم، عبد الحميد .2015، الإدارة العامة، بناء منظمات وقادة المستقبل، جامعة القاهرة، القاهرة.

حنفي، عبد الغفار. 2005، أساسيات إدارة منظمات الأعمال، الوظائف والممارسات الإدارية، الدار الجامعية، الاسكندرية.

الوقداني، عبد الله بن مسفر. 2018، "القيادة والبيروقراطية"، الأكاديمية للدراسات الاجتماعية والانسانية، العدد (20).

الروسان، عصمت محمد علي سلامة. 2017، "القيادة التحويلية والقيادة التبادلية لدى مديري المدارس الحكومية وعلاقتها بسلوك المواطنة"، المجلة الدولية التربوية المتخصصة، المجلد 6، العدد (12).

غربي، علي، وآخرون. 2002، تنمية الموارد البشرية. دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، الجزائر.

باشا، فاتن.2017، "اتجاه القادة الإداريين نحو المسؤولية الاجتماعية للمنظمات"، (أطروحة دكتوراه غير منشورة). كلية العلوم الاجتماعية والانسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، بسكرة.

القريوتي، قاسم محمد 2008، نظرية المنظمة والتنظيم. دار وائل للنشر والتوزيع عمان، الأردن.

المغربي، كامل محمد. 2007، الإدارة أصالة المبادئ ووظائف المنشأة، ط1. دار الفكر ناشرون وموزعون، الأردن.

طلعت، لطفي ابراهيم. 2004، علم اجتماع التنظيم، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع.

السويدي، محمد. 1990، علم الاجتماع السياسي، ميدانه وقضاياه، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

المغربي، محمد الفاتح محمود بشير. 2016، السلوك التنظيمي، ط1، دار الجنان للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

الجيوسي، محمد رسلان، وجاد الله جميلة. 2009، الادارة علم وتطبيق، ط3، دار الميسرة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

الحوراني، محمد عبد الكريم. 2008، النظرية المعاصرة في علم الاجتماع، ط1، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، الأردن.

دادي عدون، ناصر. 1998، اقتصاد المؤسسة، ط2، دار المحمدية العامة، الجزائر.

كنعان، نواف. 2007، القيادة الإداري، ط1، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان،الأردن.

 Ansar, Pierre. 1990, les sociologies contemporaines, edition seuil, france.

Bettahar, Hamid.2014. Management des organisations, edition outhmania, alger.

collertte, pierre, & roy, mario. 2002, pouvoir leadership et autorite dans les organisations, presse de l'universite de québec, canada.

Crozier, michel., & Friedberg, Edhard. 1977, l'acteur et le systéme.edition seuil.

Plane, Jean Michel. 2015, théoriees du leadership, edition dunod.

@pour_citer_ce_document

بلقاسم نويصر / علي بشاغة, «السلطة التنظيمية والسلوك القيادي مقاربة سوسيولوجية»

[En ligne] ,[#G_TITLE:#langue] ,[#G_TITLE:#langue]
Papier : ص ص 148-165,
Date Publication Sur Papier : 2022-04-29,
Date Pulication Electronique : 2022-04-29,
mis a jour le : 29/04/2022,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=8626.