الفلسفة الوضعية وأزمة علوم الإنسان من منظور "روجيه غارودي" نحو أفق فلسفي وإبستمولوجي بديلPositivism and human sciences crisis according to Roger Garaudy point of view: Towards an alternative epistemological and philosophical horizon.
XML sitemap





































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques




pp 08-21

الشريف طوطاو
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

 يتمحور هذا المقال حول فكرة أساسية مفادها، أن علوم الإنسان تعاني أزمة ابستمولوجية، جعلتها تعيش حالة من الاغتراب المعرفي، وهو ما يؤكده الفيلسوف الفرنسي "روجيه غارودي" الذي استأنسنا به في مقاربة هذا الموضوع، والذي رد هذه الأزمة إلى الفلسفة الوضعية بوصفها الرؤية المعرفية التي أطرت هذه العلوم، حيث تمت المماهاة بين الفكر الوضعي والفكر العلمي. وفي ضوءذلك، سارت العلوم الإنسانية على خطى العلوم الطبيعية، حيث اختزلت الإنسان في بعده المادي فحسب، وطبقت عليه نفس المناهج المطبقة في العلوم الطبيعية، وبذلك أفرغته من أبعاده الإنسانية، وهنا مكمن الأزمة.

الكلمات المفاتيح:الفلسفة الوضعية، أزمة، رؤية معرفية، العلوم الإنسانية، أفق إبستمولوجي، اغتراب.

Le présent article s'articule autour d'une idée fondamentale : les sciences humaines sont hantées par une crise épistémologique, laquelle est responsable de l'état d'aliénation épistémologique dont elles souffraient toujours. Ce constat est confirmé par le philosophe français Roger Garaudy, dont nous somme inspires dans notre approche de ce sujet. Pour lui, la crise est imputée à la philosophie positiviste en tant que cadre épistémologique dont les sciences humaines se sont inspirées, particulièrement son idée majeure d'identification exclusive la pensée positiviste et la pensée scientifique.

      Cependant, les sciences humaines ont pris le même chemin parcouru par les sciences de la nature, en réduisant l'homme (l'objet) uniquement dans sa dimension matérielle, et c'est exactement ici que réside la crise.

Mots clés :Philosophie positive, Crise, Vision épistémologique, Les sciences humaines, Horizon   épistémologique, Aliénation.

This article revolves around a basic idea that human sciences suffer from an epistemological crisis, which has led to a state of cognitive alienation. The mentioned state is confirmed by the French philosopher Roger Garaudy, whose insights have been used in approaching this subject. Garaudy sees that the positivistic philosophy is responsible of the crisis. This philosophy formed the cognitive outlook that framed the human sciences, where positivistic thought was mixed up with scientific thought. In light of that, human sciences followed the footsteps of natural sciences, where the human has been reduced to the material dimension, and put under the implementation of the same methods applied in the natural sciences.                                                                                                                              Therefore, the human has been emptied of its human dimensions, and here lies the crisis.

Keywords:Positivistic philosophy, Crisis, Cognitive outlook, Human sciences, Epistemological horizon, Alienation

Quelques mots à propos de :  الشريف طوطاو

 جامعة خنشلةtaou_cher01@yahoo.fr

مقــــــــــدمة

تعد الفلسفة الوضعية واحدة من أهم الفلسفات الغربية الحديثة، وإذا كان البعض يقر بأن الحضارة الغربية الحديثة مدينة في تقدمها بالشيء الكثير لهذه الفلسفة، فإن نقاد هذه الحضارة ينظرون إلى هذا التقدم على أنه تقدم زائف وأعرج، إذ يسير على رجل واحدة هي الرجل المادية في مقابل إهماله وإنكاره للأبعاد الأخرى للتنمية، ومنها البعد الروحي، وهو ما يمثل حسبهم أزمة داخل هذه الحضارة، وبالتالي، فهم يحملون هذه الفلسفة مسؤولية كبيرة في هذه الأزمة، ومن هؤلاء "روجيه غارودي"Roger GARAUDY)) (ت2012) الذي اعتبر الفكر الوضعي مظهرا من مظاهر التأزم في الفكر الغربي، وفي نفس الوقت سببا للأزمة التي تعاني منها الحضارة الغربية المعاصرة، ومن خلالها الإنسان المعاصر، وذلك بما تضمنته الفلسفة الوضعية من رؤية معرفية، ومنه نتساءل: ماطبيعة هذه الرؤية المعرفية؟ وكيف كانت سببا في أزمة علوم الإنسان؟ وماهي أبعاد هذه الأزمة؟ وهل من مخرج لها؟

 إن ظهور الفلسفة الوضعية في العصر الحديث على يد "أوغست كونت"1(Auguste Comte)(ت 1857)، جاء كتعبير عن روح هذا العصر التي طغت على الحضارة الغربية، وهي الروح المادية، التي ظهرت كنتيجة لتطور العلم الطبيعي، حيث يرى غارودي أن ظهور هذه الفلسفة يمثل لحظة حاسمة من لحظات الانفصال التي ميزت الفكر الغربي2، ونعني بذلك، الانفصال عن المعنى، أي عن التعالي، وعن القيم المرتبطة به، وهي القيم الدينية3، وبهذا يكون أوغست كونت،  بحسب غارودي، هو من وقع شهادة وفاة الفلسفة الحقة، وهي تلك التي تطرح أسئلة المعنى والحقيقة. حيث لا نجد في الفكر الوضعي تلك التساؤلات التي لها علاقة بوجود الإنسان ومصيره وبحياته وغايتها ومعناها، ومن أمثلة هذه التساؤلات: ما معنى الحياة؟ ما مصدر الحرية التي نتمتع بها؟ وما مهمتها؟ كيف نهيئ أنفسنا لتلبية ما يريده الله منا؟ لماذا خلق الإنسان؟ وما علة وجوده؟ وما غايته؟4

إن هذه الأسئلة تنتمي إلى مجال الحكمة، وهو مجال تقطع معه الفلسفة الوضعية معرفيا، إذ تصنفه في خانة الميتافيزيقا واللامعقول، أو عالم "الذي لا معنى له" أو الفارغ من المعنى" بعبارة الوضعيين المناطقة. ومن هنا شكلت هذه الفلسفة الوضعية قطيعة مع العقل ماقبل الوضعي، ومع العقلانيات غير الوضعية، التي عبرت عنها الفلسفات المثالية التأملية، والفلسفات الروحية، أو بصورة عامة مع ما أسماه أوغست كونت في قانون الأحوال الثلاث، بالمرحلة اللاهوتية والمرحلة الميتافيزيقية5، ومن هنا نجد الفلسفة الوضعية تقطع مع الفلسفة التقليدية بوصفها فلسفات مثالية وتأملية، أي، غير وضعية (غير علمية).

إن هذا الفكر الميتافيزيقي أو اللاهوتي الذي تقطع معه الفلسفة الوضعية هو الذي انبرى للإجابة على هذه التساؤلات التي طرحها الإنسان بالفطرة، بحكم الطبيعة الميتافيزيقية للإنسان، فالإنسان كائن ذو بعد ميتافيزيقي، بحيث يمكن تعريفه بأنه حيوان أو كائن ميتافيزيقي، إذ أنه يحس بافتقاره إلى قوة مفارقة أو موجود أعلى وأكمل، منه يستمد وجوده، وعن طريقه يفسر ظواهر الكون والوجود، وإن اختلفت تصوراته عن هذه القوة وهذا الموجود الكامل، المطلق، فالإنسان كما يقول غارودي "هو المخلوق الوحيد الذي لا يمكنه أن يعيش بدون أن يثير هذه التساؤلات"6، وقد وجد نفسه وهو بصدد الإجابة عن هذه التساؤلات، مشدودا إلى السماء، إلى قوة غيبية يستمد منها معنى حياته ووجوده، ولعل هذا ما يفسر لنا كيف أن التفكير الفلسفي وحتى العلمي بدآ ميتافيزيقيان، وهو ما يظهر في الفلسفات القديمة، مثل فلسفات الهنود، والصينيين، وقدماء المصريين، والفرس، وصولا إلى الفلسفة اليونانية، خصوصا في مرحلتها ماقبل السقراطية، فقد قدمت هذه الفلسفات، أو بالأحرى الحكم، رؤى كونية دينية تتقاطع  إلى حد كبير مع الأديان السماوية التوحيدية.

إن التفكير القديم، إذن، كان تفكيرا غير وضعي، وهو ما يظهر في التفكير الأسطوري، والتفكير الفلسفي الميتافيزيقي، والتفكير الديني واللاهوتي، وميزة هذا التفكير أنه قدم رؤية كونية اتصالية أو توحيدية، تؤكد علاقة الاتصال بين الله والكون من جهة، وبين الكون والإنسان من جهة أخرى، ومن ثمة، فلا يمكن طبقا لهذا الفكر تقديم نظرية عن الإنسان تفسر لنا وجوده، في أي بعد من أبعاده المختلفة، إلا في ضوء هذه الوحدة، وهذه العلاقة الاتصالية بين الله والكون والإنسان، وهو ما يسمى في أدبيات المتصوفة بوحدة الحقيقة التي تستند بدورها إلى وحدة الوجود، وهي التعبير الفلسفي الصوفي عن التوحيد.

وعلى نقيض هذا التفكير، فإن الفلسفة الوضعية اختزلت الوجود فيما هو مادي، أي في الوجود الطبيعي، والإنسان ليس إلا جزءا من هذا الوجود، ومن ثمة، رأت أن مهمة العلم تقتصر على دراسة المادة/الطبيعة، وعلى التفسير المادي الوضعي للظواهر، بما فيها الظواهر الإنسانية، وجعلت التقدم العلمي والحضاري رهين بالقطيعة مع التفكير ماقبل الوضعي7، فكان ذلك التوجه إيذانا بانفصال العلم عن الحكمة، وعن الميتافيزيقا، وعن الدين، والأسطورة، والقيم، ومذ ذاك دخلت علوم الإنسان في أزمة، متأثرة بهذه الفلسفة الوضعية.

 وللوقوف على ملامح هذه الأزمة، وعلاقتها بالفلسفة الوضعية ورؤيتها الإبستمولوجية للعلم، سنحاول بداية أن نقف عند أهم مقولات هذه الفلسفة، ومن ثمة، نبين أهم مظاهر التأزم في هذه الفلسفة، ودلالاتها وانعكاساتها على الإنسان، لننتهي بعد ذلك إلى الأفق الإبستمولوجي والفلسفي البديل لمجاوزة هذه الأزمة من منظور روجيه غارودي الذي حاولنا من خلاله مقاربة هذا الموضوع.

أولاـ مفهوم ومقولات الفلسفة الوضعية

 قبل الحديث عن مقولات الفلسفة الوضعية، لابد أولا من إشارة، ولو سريعة، إلى مفهوم هذه الفلسفة، لأن ذلك من شأنه أن يساعدنا على استخلاص أهم هذه المقولات والظفر بها، فالوضعية، كما يعرفها أندريه لالاند :"نزعة عقلية بسيطة جدا، إنها إرادة واعية نسبيا، إرادة الأخذ بالواقع وعدم تجاوزه أبدا"8، هي لا تتجاوز الواقع، لأنها "تقضي بمراقبة الظواهر والبحث عن القوانين التي تتحكم بها والتي هي علاقات ثابتة تربط بين الظاهرة والأخرى"9، فالوضعية بهذا المعنى، ترى أن الوجود المادي هو الواقع الحقيقي الذي لا وجود، ولا واقع بعده أو خلفه، ومن ثمة، فإن مهمة العلم ينبغي أن تقتصر على دراسة الظواهر والوقائع الحسية وحدها من دون مجاوزتها10. فالوقائع "هي المثمرة وحدها، وأن العوامل الاختبارية هي التي تمدنا بنموذج اليقين، وأن العقل البشري لا يجانب في الفلسفة، كما في العلم، اللفظية أو الظلال إلا بشرط الاتصال الدائم بالاختبار أو الإقلاع عن كل ماهو قبلي[...] وأن مجال الشيء بذاته غير قابل للتناول، وأن الفكرة لا يمكنها سوى بلوغ العلاقة والقوانين مع الابتعاد عن الوضعانية الأصلية"11.

 وفي تحديده للوضعية "يطابق أوجست كونت بين الوضعي والحقيقي والعقلي مقابل ماهو مجرد متخيل، أي، ذلك الذي يتطلب اليقينية مقابل ماهو غير حاسم، التام بخلاف ماهو غير معتمد، النافع في مقابل الصلافة، وأخيرا، ذلك الذي يتطلب الصلاحية النسبية في مقابل المطلق"12.

والوضعية ليست مذهبا واحدا، وإنما تنقسم إلى مذاهب واتجاهات منها، الوضعية الكلاسيكية، وهي التي تنسب إلى أوغست كونت، كما أشرنا، والوضعية الجديدة13، والتي تتفرع بدورها إلى اتجاهات عدة في الفلسفة المعاصرة، منها: الوضعية المنطقية، التي تمثلها حلقة فيينا بزعامة كارناب ومورتس شليك وغيرهما، والتجريبية الجديدة بزعامة أرنست ماخ ورايشنباخ، والعقلانية النقدية بزعامة كارل بوبر، والذرية المنطقية بزعامة راسل، وغيرها من فروع الوضعية الجديدة أو المعاصرة مثل وضعية ألفريد آير، ووضعية فتجنشتين. فهذه الفلسفات الوضعية برغم اختلافها، إلا أنها تلتقي، مع ذلك، حول مجموعة من المقولات، الأمر الذي يسوغ تصنيفها ــــــــــــ ولو بحذر ـ في خانة مذهب واحد هو الفلسفة الوضعية، فماهي أهم هذه المقولات يا ترى؟

1_ يتفق الوضعيون، بمختلف اتجاهاتهم، على اتخاذ موقف سلبي ونقدي من الميتافيزيقا، حتى أضحت الوضعية مرادفة لإنكار الميتافيزيقا، ومعنى هذه المقولة، رفض أي شيء لا يدرك بالحس14، وهذا يعني، أن الحس هو مصدر الحقيقة ومعيارها، فلا يمكن الجزم بوجود شيء إذا لم نتحقق منه عن طريق الحواس والتجربة (الاختبار والتحقق التجريبي)، وبما أن القضايا الميتافيزيقية والأخلاقية لا يمكن إخضاعها لمعيار الحس والتجربة، فإنها تستبعد من مجال المعرفة العلمية، فهي، كما يقول الوضعيون المناطقة، وعلى رأسهم "كارناب"، عبارات فارغة تماما من كل معنى. وهو ما يؤكده "هابرماس" في قوله: "لا تقيم الوضعية جدالا مع الميتافيزيقا، بل تكتفي بسحب البساط من تحتها، فهي تعلن أن القضايا الميتافيزيقية لا معنى لها"15، ومن جهته يؤكد زكي نجيب محمود (وهو أبرز ممثل للفلسفة الوضعية في الفكر العربي) ذلك إذ يقول: "إن فلسفتنا التحليلية تقضي على الميتافيزيقا بالحذف لاستحالة أن يكون لكلامها معنى"16، فالوضعيون يصنفون القضايا الميتافيزيقية ضمن القضايا التي لا معنى لها، طالما أنها لا تقبل الاختبار والتحقق التجريبي، وبذلك، فهي لا تنتمي عندهم إلى مجال العلم، وحتى إذا كان بعضهم، كما يقول رينيه غينون، لا يجرؤون على إنكار بصراحة إمكانية وجود أمر لا يقع تحت قبضتهم كالميتافيزيقا، فهم ينكرون إمكانية معرفته بأي كيفية كانت17. ولهذا، فهم يقررون أنه لا ينبغي للعلم أن يخوض أصلا في بحثها، يقول هابرماس: "كونت (comte) يرفض العتبة التي عندها يناقش الأسئلة التي تطرحها الميتافيزيقا، فهي لا تناقش وإنما تقمع كليا، في الوقت الذي تقصر فيه الوضعية مجال الأسئلة القابلة للحسم على شرح الحقائق، فإن الأسئلة الميتافيزيقية تقصى من النقاش، يختار كونت التعبير الحاسم "ما ليس قابلا للبحث"18.

وهكذا نلاحظ بأن الوضعية، وتحت تأثير نتائج العلم الطبيعي، أرادت أن تؤسس الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية على أساس وضعي (علمي)  مقتدية في ذلك بالعلم الطبيعي، وهذا يقتضي بحسبها أمرين: أولهما، اعتماد المنهج التجريبي والاستنتاج الرياضي كمنهجين للبحث والتفكير، والثاني، اعتبار موضوع العلم، موضوعا حسيا، مهما كان هذا العلم، طبيعيا أو إنسانيا، أي، التعامل معه بوصفه شيئا أو واقعة قابلة للملاحظة والقياس والتجريب، وفي هذا السياق تندرج محاولة أوغست كونت تأسيس علم اجتماع وضعي يحاكي العلوم الطبيعية (التي تعد الفيزياء أنموذجا لها)، وقد أطلق عليه مصطلح الفيزياء الاجتماعية تأسيا بعلم الفيزياء. وضمن هذا المنظور الوضعي تخلت الفلسفة الوضعية تماما عن نظرية المعرفة في صورتها التقليدية، بالنظر إلى مضمونها الفلسفي الميتافيزيقي، واستعاضت عنها بنظرية العلم19، فالوضعية ترى "أن الفلسفة ليست إلا تجميعا لنتائج العلم، العلم مأخوذا بالمعنى الميكانيكي"20.

2_ إن كل حقيقة علمية، باعتبارها صورة دقيقة ومضبوطة للواقع الطبيعي، لا تجيز أن تكون أي فكرة من الأفكار العلمية الأساسية موضعا للشك. وكل تقدم في المعرفة هو هنا تتويج لمجموعة هذه الحقائق العلمية، وهذا يعني أن العلم يقود إلى اليقين، طالما التزم بالشروط الوضعية، فالقانون العلمي الذي تمدنا به العلوم التجريبية يكون مطابقا للواقع، ومن هنا، فإن هذه العلوم، التي تعد الفيزياء نموذجا لها، هي التي تحقق المثل الأعلى لليقين21.

3_كل واقع، سواء كان طبيعيا أو إنسانيا، قابل للدراسة بنفس المنهج الذي تعتبر الفيزياء والرياضيات نموذجا مثاليا له، فالمنهج التجريبي الاستقرائي الاستنتاجي هو المنهج الوحيد للعلوم بصنفيها، الطبيعية والإنسانية، يستتبع ذلك منطقيا أن كل المشاكل، بما فيها مشاكل الأخلاق والسياسة والمجتمع يمكن حلها فعلا بنفس المنهج، وهكذا تحولت الوضعية من نظرية في العلم إلى علموية scientismeأي إلى إيديولوجيا تزعم قدرة العلم الوضعي على حل مشكلات الإنسان، وهو ما يؤكده غارودي في قوله: "بهذه الفرضيات أصبح العلم مذهبا ينادى به لكل المعارف"22.

4_ وظيفة العلم وصفية وليست تفسيرية، أي أن العلم يصف الوقائع دون محاولة البحث عن أسبابها، فمهمة العلم هي البحث عن كيفية حدوث الظواهر (كيف تحدث؟) وليس البحث عن أسبابها (لماذا تحدث؟) لأن البحث عن الأسباب هو بحث ميتافيزيقي23، وهو ما عبر عنه أوغست كونت في قوله: "إن الخاصية الأساسية للفلسفة الوضعية هي النظر إلى كل الظواهر على أنها خاضعة لقوانين طبيعية ثابتة، اكتشافها الدقيق وردها إلى أقل عدد ممكن هو الهدف من كل جهودنا، في الوقت الذي نعتبر فيه أن البحث عما يسمى بالعلل الأولى أو النهائية هو أمر غير مقبول وخال من كل معنى"24. هكذا، وتحت تأثير هذه الفلسفة الوضعية وتصورها الابستمولوجي للعلم، أخذ القانون العلمي معنى جديدا، فقد صار يعبر عن العلاقات الثابتة بين الظواهر، فالوضعية لا تتجاوز الواقع، لأنها تقضي بمراقبة الظواهر والبحث عن القوانين التي تتحكم بها، والتي هي علاقات ثابتة تربط بين ظاهرة وأخرى من نفس النوع، فالظواهر تفسر بعضها، ولا يمكن ردها إلى ظواهر فوق طبيعية خارقة أو مجهولة، أو إلى أسباب وعلل بعيدة.

4_ ترى الفلسفة الوضعية أن صفة "التقدم" هي التي تميز التاريخ البشري، بمعنى أن التاريخ يسير في اتجاه أفقي نحو التقدم، وأن العقل الإنساني كلما صار عقلا وضعيا صار بذلك المجتمع متقدما، وهذا ما عبر عنه" أوجست كونت" في قانون الأحوال الثلاث. وبحسب كونت، فإن الحضارة الغربية الحديثة تعيش المرحلة الثالثة من هذا القانون، وهي المرحلة الوضعية، التي تبنى فيها المعرفة على أسس تجريبية، وبمنهج علمي صحيح، وأن نتائجها ستؤدي إلى الارتقاء بالإنسان، فالوضعية تقرر"أن هناك قانونا يدفع بالإنسانية إلى التقدم، وما بنوا الإنسان إلا أدوات لتحقيق هذا التقدم، فمتى ما وعينا هذا القانون، بدلا من أن نكون مسوقين به عن غير إرادة، استطعنا أن نجعل منه قاعدة لناموس أخلاقي جديد، وعلينا في المجتمع الوضعي أن نحقق هذا الوعي، وأن نسرع عن هذا الطريق بتقدم الإنسانية وبتحقيق هدف التاريخ"25، فالتاريخ، حسب كونت، يسير بصورة حتمية باتجاه التقدم، وكل محاولة لإعاقة سيره ستكون بلاجدوى، وعابرة، وبالتالي، حافلة بالأخطار. والتقدم المقصود هنا، ليس التقدم المادي وزيادة السعادة، وإنما يعني به نمو وتطور الطبيعة الإنسانية نفسها. و"كونت" يؤمن بأن الإنسان في تقدم معنوي مطرد، وهذا التقدم يتجلى خارجيا في الكشوف العلمية والاختراعات الصناعية الفنية، وفي تحسن الظروف المعيشية للإنسان، وفي ازدياد الإحكام في تنظيم المجتمع البشري، وفي تزايد عدد السكان26.

5_ تقوم نظرية العلم في المذهب الوضعي، على استبعاد الذات الإنسانية من عملية المعرفة، توخيا للموضوعية، فالموضوعية شرط ضروري لتحقيق شرط العلمية، وتحصيل اليقين العلمي، وهذه الموضوعية تقتضي وصف الواقع كما هو، وبالتالي، استبعاد العوامل الذاتية في بناء المعرفة العلمية، وهذا ما يفسر استبعاد الوضعية لنظرية المعرفة (التقليدية) والاستعاضة عنها بنظرية العلم، على اعتبار أن نظرية المعرفة تقوم على ثنائية الذات والموضوع، وهو ما يجعل منها مبحثا ميتافيزيقيا بالأساس.

هذه أهم مقولات الفلسفة الوضعية التي يلتقي عندها الوضعيون بمختلف اتجاهاتهم، ومن خلال هذه المقولات نلاحظ مدى تأثر الوضعيين بالعلم الطبيعي، ومن هنا محاولة تأسيس فلسفة علمية تحاكي العلم الطبيعي، وإذا كانت هذه الفلسفة قد أغرت الفكر الغربي في بداية المشروع الحداثي الغربي الذي استلهم كثيرا من هذه الفلسفة، وكان يعول عليها كثيرا، وخصوصا بعد أن ظهرت ثمارها في الجانب المادي للحضارة الغربية الحديثة، إلا أنه سرعان ما بدأت النتائج العكسية لها تظهر مع بوادر أزمة الحداثة الغربية التي يرى البعض أن للفلسفة الوضعية نصيب كبير فيها، وهو ما سنتناوله فيما يلي من خلال تجليات هذه الأزمة في علوم الإنسان وانعكاساتها على الإنسان المعاصر.

ثانياـ أزمة الفلسفة الوضعية وتجلياتها في علوم الإنسان

إن المقولات التي نادت بها الفلسفة الوضعية تنطوي على الكثير من الأبعاد الإنسانية والحضارية، فضلا عن الأبعاد الإبستمولوجية والفلسفية، وذلك بالنظر إلى أهمية هذه الفلسفة في الفكر الغربي، باعتبارها أحد مرتكزات الحداثة الغربية، ويظهر ذلك من خلال مقولة العقلانية، وهي المقولة الأساسية لهذه الحداثة، والعقلانية المقصودة هنا هي العقلانية الأداتية التي تتوسل بالعقل الأداتي (الوضعي)، مثلما يؤكد ذلك غارودي في قوله: "إن ما اعتاد الغرب أن يسميه العقل هو عقل وضعي النزعة"27. ذلك أن الحداثة الغربية أسقطت من حسابها كل أنواع العقل، وكل أنواع العقلانية، باستثناء العقل الأداتي الوضعي ذو الطبيعة التجريبية والرياضية (التجريدية) والتقنية على نحو مايظهر في العلوم الحديثة بشقيها الطبيعية والإنسانية، فهي علوم وضعية بامتياز، بحيث تمت المماهاة بين العلم بمفهومه العام، والعلم الوضعي، ومن هنا أصبحت صفة العلم تطلق على العلم الوضعي وحده دون سواه، وحتى علوم الروح وعلوم الأخلاق والدين تمت وضعنتها، سواء على مستوى الموضوع أو على مستوى المنهج أو حتى على مستوى الهدف، وهو ما يظهر في الاسم الذي أطلقه أوجست كونت على علم الاجتماع، وهو الفيزياء الاجتماعية، وذلك تأسيا بعلم الفيزياء.

 وبالنظر إلى ما سبق، فإن غارودي ينتقد الفلسفة الوضعية نقدا لاذعا، ويحملها مسؤولية كبيرة في الأزمة التي انتهت إليها الحضارة الغربية، ومعها الإنسان المعاصر، وذلك بالنظر إلى مايشوب هذه الفلسفة من نقائص وآفات سواء على المستوى الفلسفي أو على المستوى الابستمولوجي، حددها روجيه غارودي في الآفات التالية:

1ـ الاختزالية

 تعتبر الفلسفة الوضعية أحد أشكال الفلسفة المادية، ذلك أنها نظرت إلى موضوع العلم على أنه شيء مادي قابل للملاحظة الحسية والتجريب، وقابل للقياس والتقدير الكمي، سواء تعلق الأمر بالعلوم الطبيعية أو بالعلوم الإنسانية، وما يهمنا هنا هو الأخيرة منها، أي علوم الإنسان، فقد اختزلت هذه العلوم أبعاد الإنسان المختلفة التي تشكل إنسانية الإنسان وتميزه عن غيره من الموجودات في بعد واحد هو البعد المادي، وبذلك أقصت وتجاهلت أبعاده المعنوية والكيفية كالبعد الروحي أو الأخلاقي أو الميتافيزيقي، أي كل ما لا يقبل الملاحظة والقياس (التقدير الكمي) وهنا مكمن الخطورة في التصور الوضعي للإنسان، وهو ما جعل هذه الفلسفة الوضعية محل انتقاد في الفكرين الغربي والإسلامي على السواء، يقول "باقر الصدر": "ونصل هنا إلى نتيجة خطيرة، وهي أن للإنسان جانبين أحدهما مادي يتمثل في تركيبه العضوي، والآخر روحي ـ لا مادي ـ وهو مسرح النشاط الفكري والعقلي، فليس الإنسان مجرد مادة معقدة، وإنما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادي وآخر لامادي"28، بهذا المعنى، فإن الفلسفة الوضعية هي فلسفة مادية تفكيكية، كما يصفها بحق عبد الوهاب المسيري، ذلك أنها تعمل على تفكيك الإنسان بحيث تستبعد الجوانب أو الأبعاد الإنسانية فيه، وتستبقي الجانب أو البعد المادي منه فحسب، في حين أن الإنسان هو هذا الكل المركب الذي تتكامل فيه الأبعاد المادية والمعنوية، وإذا كانت الأبعاد المعنوية ،وهي التي تشكل فرادة الإنسان وتميزه عن الأشياء المادية، لا تقبل الملاحظة والقياس، فإن هذا ليس مدعاة أو مبررا لإنكارها، إذ يمكن الإحاطة بها بالاعتماد على مقاربات أخرى غير وضعية، وهو ما تجاهلته الفلسفة الوضعية التي اختزلت العلم في مقاربة واحدة هي المقاربة الحسية التجريبية، فوقعت بذلك في مشكلة ابستمولوجية أفضت بدورها إلى مشكلات أخرى تصنف عادة تحت مسمى مشكلة الإنسان، وهو ما يؤكده "زكريا إبراهيم" الذي يرى من جهته أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، ومن ثمة، فإن كل تصور للإنسان لا يأخذ بعين الاعتبار جميع أبعاده، هو تصور اختزالي مأزوم، وسوف تترتب عنه بلا شك أزمات أخرى على صعيد الاقتصاد، والسياسة، والقيم، والثقافة، والتنمية بصورة عامة، حيث يقول في ذلك: "إن كل "مشكلة الإنسان" إنما تنحصر على وجه التحديد في صعوبة تفسير الإنسان بجسده فقط، أو بعقله فقط، أو بإرجاعه إلى التاريخ فقط، لأن الإنسان هو كل هذا، مضافا إليه شيء هو أكثر من هذا كله"29، وهذا الشيء لن يكون شيئا آخر غير البعد الروحي، فالإنسان مكون من مادة وروح، وذلك ما يجعل منه كائنا ربانيا كما يصفه غارودي، باعتبار أنه الكائن الوحيد الذي نفخ فيه الله من روحه، هذا من الناحية الفلسفية.

وأما من الناحية الإبستمولوجية، فإن طغيان التصور الوضعي/ المادي على علوم الإنسان جعل الإنسان يدرس كما تدرس الأشياء المادية (الظواهر الطبيعية)، فالإنسان، طبقا للمنظور الابستمولوجي الوضعي، ليس إلا جزءا من الطبيعة، وهو نوع من أنواع المادة، وبالتالي، فلا فرق بين الظواهر الإنسانية والظواهر الطبيعية، والقوانين التي تسري على الطبيعة تسري بدورها على الإنسان. وهكذا، أصبحت هذه الرؤية الوضعية هي السائدة في علوم الإنسان، وأصبحت هذه الأخيرة تحاكي علوم المادة سواء من جهة الموضوع أو من جهة المنهج أو من جهة الهدف، وصار العلم بشقيه الطبيعي والإنساني له معنى واحد هو العلم الوضعي، وهكذا فقدت علوم الإنسان خصوصيتها الإنسانية، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه باغتراب العلم، والتي تعبر عن أزمة العلم الحديث كما يصفها البعض، وهي أزمة بمثل ما ساهمت في أزمة النموذج الحضاري الغربي، بمثل ما تمثل مظهرا لأزمة هذا النموذج الحضاري، التي يلخصها غارودي في أزمة الإنسان، أي، فقدان الإنسان لإنسانيته، وقد كرس غارودي مشروعه الفكري لنقد هذه الأزمة التي تظهر على كل المستويات: المعرفية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ومن ثمة، حاول تقديم مشروع حضاري بديل يستهدف استعادة إنسانية الإنسان، وهو ما نصطلح عليه بمشروع أنسنة الحضارة، وضمن هذا المشروع تندرج مسألة نقده للعلوم الإنسانية الغربية بوصفها علوما وضعية تنطلق من تصور وضعي اختزالي للإنسان، وهو ما يؤكده في قوله: "أصبحت الفلسفة الوضعية [...] القاعدة الضمنية لكل ما ينضوي تحت اصطلاح "العلوم الحديثة" أو "العلوم الغربية"، وقد شمل هذا الاتجاه للأسف كل العلوم الإنسانية (الإنسانيات والعلوم الاجتماعية) منذ أيام (كونت)، فأصبحت جميعها مبنية على المقدمة المنطقية القائلة بأن الإنسان هو شيء من أشياء الطبيعة لا يختلف عنتلك الأشياء التي تدرسها الفيزياء والكيمياء والأحياء"30، وهنا مكمن الأزمة في هذه الرؤية الوضعية المادية، فقد قضت هذه الفلسفة، ومن خلالها العلوم الإنسانية، على كل تفرد أو خصوصية تميز الإنسان عن أشياء الطبيعة، بل وتميز الإنسان عن أخيه الإنسان حتى، وذلك باختلاف الانتماءات الثقافية والحضارية للبشر، وهذا ما يسميه "عبد الوهاب المسيري" بـ "الرؤية الواحدية المادية"، وبالنموذج المعرفي المادي، وهو ذلك النموذج الذي يفسر كل شيء تفسيرا ماديا برده إلى عنصر أو جوهر مادي/طبيعي31، وبذلك فقد العلم دلالته وأبعاده الإنسانية، وأصبح عاملا من عوامل اغتراب الإنسان ليس فقط الغربي، بل الإنسان أينما كان، طالما أن الوضعية أصبحت خاصية جوهرية ملازمة للتفكير العلمي ومعيارا له، ومن هنا استحقت النقد بالنسبة لغارودي الذي يقول في ذلك: "إن النظرة الوضعية إلى العلم القائمة على إرجاعه إلى مجرد سلسلة من الوقائع قد أفقدت العلم دلالته الإنسانية، لأنها استبعدت قضية الوجود الإنساني: معناه وقيمته. وأصبح الإنسان من وجهة نظر هذا الاتجاه العلمي المتطرف غائبا من الطبيعة عند معالجة علوم الطبيعة. أما في مجال العلوم التي تسمى بالعلوم الإنسانية فقد استحال الإنسان إلى مجرد طبيعة"32، وهذا ما يصطلح عليه بتشيؤ الإنسان، وهو مظهر من مظاهر اغترابه التي تعبر عن أزمة الإنسان الحديث والمعاصر التي أشار إليها أكثر من فيلسوف ومفكر ومنهم زكريا إبراهيم الذي يقول في ذلك: "إن الإنسان ليستطيع أن يحيا على نحو ما "توجد" الأشياء، فما عليه سوى أن يترك نفسه نهبا للقوى الخارجية، ولكن لما كان الموجود البشري ليس بشيء، فإن مثل هذه الحياة لابد من أن تبدو له بمظهر التنازل عن إنسانيته"33. ومن هنا نفهم ذلك النقد الذي وجهه فيلسوف الفينومينولوجيا "إدموند هوسرل" للعلوم الأوروبية في كتابه الهام "أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا، فلم يكن المقصود بتلك الأزمة سوى أزمة الاتجاه الوضعي لهذه العلوم والذي أفقدها بعدها الإنساني وهو ما عبرنا عنه باغتراب العلم، فهو يرى بأن العلوم التي تعالج مجرد الوقائع الخالصة قد أنتجت إنسانا لا ينظر إلا إلى مجرد وقائع خالصة34، ومعنى هذا أن أزمة العلوم الغربية لم تتوقف عند حدود المستوى الإبستمولوجي، بل امتدت إلى مستويات وأبعاد أخرى تتعلق بالوعي الأوروبي وبالإنسان الغربي عموما الذي صار إنسانا ينظر للأشياء نظرة مادية، وهكذا، فإن أزمة علوم الإنسان تعبر عن أزمة في النموذج المعرفي الغربي والتي أفضت بدورها إلى أزمة في النموذج الحضاري الغربي، بالنظر إلى العلاقة الجدلية بين هذا وذاك، فكل نموذج حضاري يتوكأ على نموذج معرفي كامن يتوارى خلف الظواهر الحضارية اقتصادية كانت أو سياسية أو اجتماعية أو قيمية، بحيث تجد كل ظاهرة من هذه الظواهر تفسيرها المنطقي داخل هذا النسق المعرفي الكامن، وهذا ما يسميه عبد الوهاب المسيري بالنموذج المعرفي التفسيري، ومثل هذا النموذج نجده أيضا عند غارودي مع بعض الاختلاف في تطبيقاته، ولا غرابة في ذلك إذا ما عرفنا بأن كلاهما يتبنى رؤية كونية إنسانية توحيدية.

 هكذا، واستنادا إلى هذا النموذج التفسيري، فقد أرجع غارودي هذه الأزمة الإبستمولوجية التي تمس العلوم الإنسانية في صميمها إلى أزمة في التصور الغربي لله وللطبيعة وللإنسان وهي ما يسميه المسيري بـ "الرؤية الكونية المادية"، فمن هذه الرؤية تنبثق أزمة الحضارة الغربية المعاصرة، في كافة أبعادها المعرفية، والقيمية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، وغيرها، ذلك أن هذه الرؤية تفتقر إلى تصورات صحيحة عن الإنسان والله والطبيعة. وقد تبين لنا فيما سبق مكمن الخلل والتأزم في التصور الغربي للإنسان، كما مثلته وعبرت عنه علوم الإنسان. ومن هنا تتجلى مسؤولية الفلسفة الوضعية في أزمة الإنسان الحديث والمعاصر، ومن خلاله أزمة الحضارة الغربية المعاصرة، بالنظر إلى التصور المادي الاختزالي الذي حملته هذه العلوم عن الإنسان، وحاولت في ضوئه تفسير الظواهر الإنسانية، وتقديم حلول لمشكلات الإنسان، بل وتقديم مشاريع تنموية في صورة ذلك المشروع الذي يقوم على مبدأ النمو لأجل النمو (la croissance pour la croissance)، وهو الذي يصفه غارودي بنموذج النمو الأعمى، وذلك لافتقاره إلى الأبعاد الإنسانية للتنمية، وتعد الرأسمالية مثالا لهذا النموذج في النمو، حيث قامت على مبدأ الربح والمنفعة بغض النظر عن تبعاتهما الأخلاقية .

وما نخلص إليه مما سبق، هو أن الفلسفة الوضعية نظرت إلى الإنسان نظرة مادية اختزالية، فأنتجت لنا إنسانا أحادي البعد، همه إشباع حاجاته المادية دون اعتبار للقيم المعنوية الروحية والأخلاقية في بعدها الديني (المتعالي)، وهذا يعني بأن المذهب الوضعي قد تجاهل الجانب الإدراكي والروحي والاجتماعي للإنسان، وذلك بحجة أنه لكي تتوازن الحركة الإرادية للإنسان ينبغي أن تسري عليها ذات القوانين الكونية التي تسري على جانبه العضوي35. ومن هنا يمكن القول بأن أزمة الفكر الوضعي هي أزمة ذات بعدين، ابستمولوجية وحضارية، بحيث لا تقتصر "مساوئه على تدمير الإنسان والطبيعة، وتسويغ الانحراف، وإنما لحقت أيضا بالعلوم الاجتماعية التي انحدرت بها إلى نموذج العلوم الطبيعية، بعد أن أسقطت الوضعية الدوافع والغايات عن الفعل الإرادي، ونظرت إلى الإنسان على أنه مجرد ظاهرة طبيعية"36، أي مجرد شيء من أشياء الطبيعة.

2ـ التشيؤ، وفقدان المعنى

 إن النتائج التي حققها العلم الوضعي، جعلت أنصاره ودعاته من الوضعيين العلمويين يعتقدون بأن في مقدوره حل جميع مشكلات الإنسان والحضارة، الاقتصادية منها، والسياسية، والاجتماعية، والأخلاقية، وغيرها، وأنه ما من مشكلة إنسانية موجودة غير المشكلات التي يطرحها هذا العلم الوضعي وتطبيقاته، وأن العلم هو مصدر كل قيمة، وأنه القادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة للأشياء، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والتقدم، بالتحكم في الطبيعة، وتسخيرها لصالحه بل وهزيمتها تماما37. ونتيجة لهذا المعتقد تحول العلم إلى علموية، أي إلى نزعة شمولية (كليانية)، وثوقية ودوغمائية (قطعية)، ويعتبر غارودي تحول العلم إلى مذهبية (إيديولوجيا) شكل من أشكال الأصولية38، باعتبار أن الأصولية، عنده، هي نزعة مذهبية قطعية تمامية دوغمائية مغلقة، تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ومن ثمة، فهي تسعى إلى فرض منطقها على الآخرين بشتى الوسائل39، وهو ما نجده لدى الوضعيين الذين حاولوا فرض منطقهم الوضعي على العلم والمعرفة، وذلك بإقصائهم لكل معرفة من مجال العلم ما لم تتوفر فيها شروط المعرفة العلمية ونموذجها العلم الوضعي، وطبقا لهذا المعيار المعرفي تم استبعاد الأساطير والمعارف الدينية والميتافيزيقا والحكمة من حقل الدراسات العلمية، وتم تصنيفها في خانة اللامعقول، وهو ما أفضى إلى نوع من المركزية الغربية العنصرية، على اعتبار أن العقلانية الغربية وحدها دون سائر العقلانيات من تحقق فيها شرط التفكير الوضعي.

 إن الفلسفة الوضعية تقوم على اختزال موضوعات المعرفة ومناهجها أيضا، وذلك بجعلها العلم الوضعي معيارا لكل العلوم، سواء على مستوى الموضوع (المشكلات)، أم على مستوى المنهج (الآليات وطرائق التفكير)، فالمشكلات التي لا تقبل البحث التجريبي، كالمشكلات الميتافيزيقية والقيمية والدينية، لا تعد مشكلات علمية بالمنظور الوضعي، وبالتالي، ينبغي استبعادها من مجال المعرفة العلمية، كما أن الموضوعات التي لا يمكن إخضاعها لتقنيات وطرائق البحث العلمي كالتجريب والاستنتاج، لا تندرج ضمن موضوعات المعرفة العلمية. وقد شمل هذا الاتجاه كل العلوم الإنسانية منذ أيام " أوغست كونت"، وطبقا لذلك، فإن الإنسان اتخذ مفهوما آخر في الفلسفة الوضعية، فهو"شيء من أشياء الطبيعة، لا يختلف عن تلك الأشياء التي تدرسها الفيزياء والكيمياء والأحياء"40، بمعنى أنه جرد من أبعاده الإنسانية (المعنوية والكيفية)، فأصبحنا مع الوضعية إزاء "عالم دون الإنسان"41.

لقد جعل "أوغست كونت" "من إقصاء كل غاية نهائية على صعيد الفيزياء، قانونا شاملا، وكان أن طبق على الإنسان ذاته وعلى العلوم المتصلة به، مثل الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع (الذي يسميه أيضا الفيزياء الاجتماعية)، الطرائق ذاتها، أي الجبرية الميكانيكية ذاتها والتي تعتمد مبدأ استبعاد كل تساؤل حول المعنى"42، وحول الغايات النهائية للإنسان، و يعترف غارودي بالخطورة التي ينطوي عليها هذا المنظور الوضعي للإنسان، فالوضعية، حسبه، "تقود إلى اليأس بسبب غياب الهدف لأنه عند تجريد البعد السماوي للإنسان حولت الوضعية العلم إلى علموية"43، ويعتقد غارودي بأن إهمال التأمل في الغايات الإنسانية "إنما يقود إلى تحطيم الإنسان وكوكبه وليس تفتحه الحيوي"44، وهذا يعني أن الخطاب الفلسفي الوضعي الذي يدعي أن العلم الوضعي سيفضي بالإنسانية إلى التقدم، هو خطاب طوباوي لا أساس له في الواقع.

 ومن جهة أخرى، يرى غارودي أن الفلسفة الوضعية، بتبنيها لهذه الرؤية المادية في العلوم، تكون قد فصلت بين العلم والحكمة، حيث حصرت وظيفة العلم في طرح السؤال:كيف؟ أي في البحث عن كيفية حدوث الظواهر لا عن أسباب حدوثها، وهو مايسمى بالقانون العلمي، وبذلك استبعدت السؤال لماذا؟ أي لماذا تحدث الظواهر؟ وهو سؤال الحكمة، لأن الحكمة تهتم بالبحث عن الغايات، أي، عن المعنى، وهذا البحث، في المنظور الوضعي، يعد بحثا غير علمي، إنه بالأساس بحث ميتافيزيقي، وبذلك استبعد "كونت" والوضعيين الجدد من بعده، كل سؤال ميتافيزيقي من مجال البحث العلمي، وهو ما يؤكده غارودي في قوله: "وهكذا ففي كتابه: "قانون الحالات الثلاث...ترفض الحالة اللاهوتية لأنها تطرح سؤال (لماذا) ولا تكتفي بسؤال (كيف). ويمتد ذلك العصر اللاهوتي، حسب رأيه، من أصول البشر إلى القرن الثاني عشر متجاهلا بالكامل كل حكمة غير غربية [...] أما العصر الميتافيزيقي فليس غير مرحلة انتقالية، الترجمة التجريدية للنظرة اللاهوتية ثم يكون العصر الوضعي الذي يكتفي فيه الإنسان بمعاينة ما هو كائن وبناء القوانين انطلاقا منه: "المعرفة بالعلل حلت محلها جبرية القوانين"45. وباستبعاده للميتافيزيقا، وبالتالي، للحكمة، فإن أوجست كونت، كما يقول غارودي، قد "وقع على بيان وفاة الفلسفة التي كانت رسالتها البحث عن معنى وغايات تفكير الإنسان ونشاطه العملي"46.

 وتحت تأثير النزعة الوضعية تم إقصاء جميع أنواع العقلانيات الأخرى بالخصوص العقلانية الدينية والأسطورية والعرفانية (الغنوصية) من النموذج المعرفي الغربي، فيما خلا "العقلانية الوضعية"، وبذلك صار العلم الحديث مرادفا للعلم الوضعي، وهذا الأخير مرادفا للعقل الوضعي، وكل ما عداه من علوم ومعارف اعتبر لا معقولا (أسطورة، خرافة، لاهوتا، ميتافيزيقا...)47. وهو ما اعتبره غارودي مؤشر قوي على إفلاس النموذج الحداثي الغربي لارتكازه على نموذج معرفي مأزوم، وهذا الإفلاس من شأنه أن يقود إلى "انتحار الغرب"، حيث يقول في ذلك: "إن ما اعتاد الغرب أن يسميه "العقل" هو عقل "وضعي النزعة" أي عقل عاجز مبتور من بعده الأساسي، إنه لم يعد يطرح مشكلة الغايات وإنما مشكل الوسائل... فتحول العلم في هذا الدرب إلى نزعة علموية، والتقنية إلى ثقافة"48.

هذه هي طبيعة الإيديولوجيا العلموية التي انتهت إليها الفلسفة الوضعية، وهي تعبير، في نظر غارودي، عن أزمة حقيقية في الفكر الغربي، ومن ثمة، في الحضارة الغربية. إنها أزمة غياب المعنى والقيم، كما يصفها، وهي تعكس الإفلاس الروحي والقيمي للإنسان الغربي المعاصر.

 لقد أوجدت الفلسفة الوضعية إنسانا مختزل الأبعاد، إنسان بلا تعالي، إنسان دنيوي مادي (أرضي) ومجرد من الذاتية، وبالتالي، إنسان لا إنساني، وعن هذا التصور الخاطئ للإنسان سوف تنتج كل انحرافات الحضارة الغربية في العلم، وفي الاقتصاد، والسياسة، والتكنولوجيا، والدين، والقيم، والتنمية بصفة عامة، ذلك أن هذه الفلسفة، قد تحولت، كما أسلفنا الذكر، إلى مذهب شامل (حيث ظهر ما يسمى أخلاق وضعية، ودين وضعي، وعلم السياسة (الوضعي)، وعلم الاقتصاد (الوضعي)، وعلم الاجتماع الوضعي، والفن الوضعي...الخ). يدعي أنصاره قدرة العلم (الوضعي) على حل جميع مشاكل الإنسان، وبالتالي، إسعاده وتقدمه، أي أن تأثيره تجاوز حدود العلم، حيث أن أوغست كونت أراد إصلاح المجتمع في كافة جوانبه (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية، والأخلاقية...إلخ) عن طريق الفلسفة الوضعية، وذاك هو مشروع كتابه الذي نشر عام 1822تحت عنوان "مخطط الأعمال العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع"، والذي يضم، حسب غارودي، منظومة "كونت" التي طرحها في ثلاثة كتب رئيسية هي49: "محاضرات في الفلسفة الوضعية (1830/1848)، وكتاب"السياسة الوضعية"(1851/1854)، ثم كتاب"تعاليم العبادة الوضعية" (1852).

 ففي الكتاب الأول يطرح كونت مشروعه العلمي الذي يتضمن تصوره الآلي للعلم على طريقة "لابلاس"(1799/1827)، وفي الكتاب الثاني، يتناول مشروعه السياسي العلماني الذي يدافع فيه عن مكتسبات الثورة الفرنسية، ويدعو إلى المحافظة عليها باعتبارها مثالا للتقدم، وبالتالي، فكل دعوة لثورة جديدة أو تغيير على نحو آخر يعد تراجعا أو انقلابا ضد التقدم، وفي الكتاب الثالث، يطرح تصوره لديانة إنسانية علمانية، وهو ما أسماه بـ "الدين الطبيعي".

وينتقد غارودي هذه الفلسفة الوضعية بشدة ويحملها مسؤولية ذلك الانفصال الذي حدث في تاريخ الغرب، والذي قاد إلى أزمة الإنسان والحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة، يقول: "لا محل بعد اليوم إذا، في تلك الفلسفة التاريخية، إلا للاكتشاف الكمي للحاضر تنبؤا بالمستقبل. ويكون أوغست كونت على هذه الصورة أبا لـ "المذهب الوضعي الشمولي" في الاستقصاء التقنوقراطي، وصولا إلى"إنسان الحاسوب" الذي يؤمن بأن العلم (المحتوى في الحاسوب) يمكنه الإجابة عن جميع الأسئلة، ليس"الوسائل" وحسب، بل وبصدد "الغايات النهائية"، منذ أن ارتأى "نوربير فينر"، مخترع السيبرنتيك، بأن المجتمعات البشرية أصبحت مذ ذاك أعقد من أن يشرف على إدارة شؤونها البشر، وأن الواجب يقضي بالتالي، التخلي عن هذه المهمة للآلة لتحل محلهم، مستبعدا كل قرار يتخذه الإنسان: فمما "ينافي العقل" أن نحاول تغيير مجرى التاريخ. لقد حصر المعرفة داخل المعطى، فحصر بذلك النشاط داخل النظام القائم. بينما المطلوب على العكس[...]محاولة وقف ذلك النظام. هنا تكمن قاعدة كل نزعة محافظة...خاصة وأن تلك المنظومة العقائدية المتزمتة سوف يحجر عليها "أوغست كونت" كديانة مغلقة"50، وبهذا تتضح مسؤولية الفلسفة الوضعية في الأزمة التي انتهت إليها الحداثة الغربية.

 إن مذهب العلم والتقنية (العلموية، والتقنوية) حول العلم إلى علموية، والتقنية إلى تقنوقراطية، وبذلك لم يعد هناك مجال للحديث عن المعنى (الإيمان)، وعن الغايات الأخيرة للإنسان، حيث تحولت الوسائل(العلم والتكنولوجيا) إلى غايات في ذاتها، وهو ما يسميه غارودي بديانة الوسائل، ويشكل ذلك أزمة حقيقية في الحضارة الغربية المعاصرة، مثلما تتجلى في أزمة الإنسان المعاصر، الذي افتقد أبعاده الإنسانية في ظل هذا التصور الوضعي وما يمثله من رؤية كونية مادية لا إنسانية، وفي ذلك يقول غارودي: "وتقود هذه الانحرافات انحرافات العقل العاجز ذي النزعة الوضعية إلى الفناء بسبب غياب الغايات"51.

 ويؤكد ذلك "شارلز فرنكل" في معرض حديثه عن أزمة الإنسان الحديث، بقوله: "إن المجتمع الحديث ولد مريضا وأن جميع المقاييس التي استعملناها لقياس تقدمنا إنما كانت في الواقع مقاييس نسير بها مدى تقدم هذا الداء... فعندما تتوقف النفس عن التطلع إلى شيء تهدف إليه، فإنها توجه عنها أضدادها، إذ الثقافة التي تتأثر تأثرا قويا بالآراء العلمية وأوهام النظم التكنولوجية تتعرض لتلاشي وإهمال الفرد"52.

 ويؤكد العديد من المفكرين بأن أزمة الحضارة المعاصرة إنما هي أزمة غياب المعنى، التي ترتد إلى هيمنة الكم53، واستبعاد الذاتية والجمالية والتسامي، ومن ثمة، فإن الفلسفة الوضعية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه الأزمة، لأنها استبعدت البحث في الغايات الأخيرة، وهو ما يؤكده "كولن ولسون" في قوله: "من المتوقع أن تصف الأجيال الآتية النصف الأول من هذا القرن[العشرين] بأنه "عصر اللامعنى"، ففقدان المعنى والهدف يجثم على أدبنا وفننا وفلسفتنا، هذا الشعور العام بأن التأكيدات التي يمنحها الدين قد ضاعت ولا يمكننا استبدالها، فتحليل العلم [العلم الوضعي] للمشكلات العلمية يزيد في اتساع هوة الفراغ المؤلم، ومن خلال هذا تبدو الثقافة الغربية تعاني الانهيار والانتكاس لما لا يقل عن مائة سنة"54.

ونتيجة لذلك، فقد كانت الفلسفة الوضعية محل نقد من طرف العديد من المفكرين والفلاسفة الذين عاصروا غارودي أو سبقوه، ولعله تأثر بكثيرين منهم، على غرار رينيه غينون55، سيد حسين نصر56، وفلاسفة مدرسة فرنكفورت، يتقدمهم هربرت ماركوز57، أريك فروم58، ويورغن هابرماس59، "وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى نقد "شيلر" للفلسفة الوضعية عند كونت كمثال آخر يوضح نزعة إعادة فحص المبحث المعرفي الذي ظهر في القرن التاسع عشر، وذلك بسبب إصرار شيلر على عدم منح العلم صفة سامية مسبقة مقارنة بالدين وعلوم ما وراء الطبيعة. "الدين والماورائيات والتفكير الوضعي والاطلاع ليسوا مجرد مراحل تاريخية لتطور المعرفة فحسب، بل هي توجهات راسخة للعقل ولأشكال المعرفة، وليس بمقدور أي منها أن يحل محل الآخر أو أن يمثله"60.

3ـ التبــرير

 يدرج غارودي الفلسفة الوضعية ضمن الفلسفات التبريرية المحافظة، وهي التي ترمي إلى المحافظة على الواقع وتبرير الأوضاع القائمة، على اعتبار أن هذه الأوضاع هي تعبير عن تقدم العقل، في حين يذهب غارودي، على العكس من ذلك، إلى ضرورة التغيير بل الثورة على الأوضاع القائمة وعلى النموذج الثقافي والحضاري الغربي بكامله، بوصفه نتاجا للعقل الوضعي الأداتي، هذا العقل الذي يقتصر على وصف الواقع دون محاولة الكشف عن تناقضاته، ومن ثمة، نفيه ورفضه، كما يفعل العقل الجدلي النقدي (الثوري)، وبهذا النقد (الإيديولوجي)، فإن غارودي يتقاطع مع النظرية النقدية عند مدرسة فرنكفورت، وخصوصا مع موقف " هربرت ماركيوز" النقدي الذي لم يخف غارودي تأثره به.

 إن الفلسفة الوضعية عند "ماركيوز" تشير إلى كل الفلسفات الإيجابية المحافظة، الرجعية، والتبريرية، التي تعد فلسفة كونت نموذجا لها، بمعنى أنه يعرفها تعريفا إيديولوجيا أكثر منه إبستمولوجيا، وبالنظر إلى ذلك، فهو ينتقدها في ضوء فلسفة النفي التي ينادي بها ويتبناها61.

ولاغرو في أن يتقاطع غارودي مع ماركيوز في هذا الموقف النقدي، ذلك أن هذا الأخير يعتبر من أكبر الفلاسفة المعاصرين الذين نقدوا المجتمع الصناعي المعاصر الذي هو نتاج هذه الفلسفة الوضعية، مثلما هي نتاج له، ومن ثمة، نجد أن غارودي، الذي كرس فكره ونضاله لنقد النموذج الحضاري الغربي، ونقد الحداثة الغربية، قد اعتمد على أغلب المبررات التي استند إليها "ماركوز" في نقده للفلسفة الوضعية، ومن أهمها، أن الفلسفة الوضعية فلسفة برجوازية محافظة، تريد الحفاظ على الأوضاع الاجتماعية (السياسية بالخصوص) على نحو ماهي عليه، وبذلك، فهي ترفض كل مجهود فلسفي أو سياسي يسعى إلى النقد والثورة، بل تهدف إلى تبرير الواقع القائم والدفاع عنه62.

 وهذا ما جعل ماركوز يصفها بأنها فلسفة "رجعية استسلامية"، "إنها فلسفة تعني الرضوخ للأوضاع القائمة والوقوف منها موقف التأييد. وهكذا يضع ماركوز تضادا بين فلسفة هيجل، بوصفها فلسفة نقدية، إذ ترتكز أساسا على منطق السلب والرفض (الجدل)، وبالتالي، تنتهي إلى الثورة على النظم السياسية والاجتماعية القائمة ـ حسب رأيه ـ وبين الفلسفة الوضعية، التي اعتبرها واقفة من هذه النظم موقفا ايجابيا، وتعمل على الدفاع عنها ضد أي اتجاه إلى تغييرها تغييرا ثوريا63. وهكذا، فإن ماركوز، على غرار غارودي، ينتقد الفلسفة الوضعية بوصفها فلسفة إيجابية (محافظة) وليست فلسفة نقدية، هي ليست فلسفة نفي وفعل (ثورية)، لأنها تدعو إلى تقبل الواقع كما هو، وترفض أي محاولة لتغيير الأوضاع، على اعتبار أن تغييرها يعد تغييرا للنظام، هذا النظام الذي يعبر من وجهة نظر الوضعية على انسجام قوانين العقل مع قوانين الواقع (الطبيعة والمجتمع).

فمنطق الوضعية هو منطق الثبات وليس منطق الديالكتيك والسلب، فإذا كان هيجل قد استطاع، في نظر ماركيوز، أن يحيل العقل إلى قوة ثورية قادرة على السلب والرفض، فإن الوضعية قد جعلت منه قوة محافظة، من حيث أنها قد تصورت أن مهمة العقل هي تحليل ما هو موجود على ما هو عليه، وقبول الواقع دون محاولة تغييره أو حتى تجاوزه بالفكر64، وهذه الدعوى المحافظة، وإن كانت تتذرع بالعلم، إلا أن "ماركوز" يكشف عن طابعها الإيديولوجي، غير العلمي، فالوضعية، وتحديدا وضعية كونت، تمثل دفاعا إيديولوجيا عن مجتمع الطبقة الوسطى، وتحمل أيضا بذور تبرير فلسفي "للنزعة التسلطية".

 إن فكرة "النظام" التي تنادي بها الوضعية، تشير إلى مجموعة من القوانين تختلف كل الاختلاف عن مجموعة القوانين الجدلية، فالقوانين الوضعية إيجابية في أساسها تشيد نظاما ثابتا، أما القوانين الجدلية فهي سلبية في أساسها تدمر الثبات. الأولى تنظر إلى المجتمع على أنه عالم من التوافق الطبيعي، والثانية تنظر إليه على أنه نسق من الأضداد المتنافرة65.

وهنا تتجلى الخلفية الماركسية والهيجلية لدى "ماركوز" ومدرسة فرنكفورت إجمالا، شأنه في ذلك شأن غارودي، وخصوصا في المرحلة الماركسية من حياته، فكل منهما يأخذ بالمنطق الجدلي (منطق الديالكتيك والرفض والسلب) كأساس للفلسفة النقدية بوصفها الفلسفة الحقة، لأن كلا منهما يرى بأن الواقع لا يعبر عن الحقيقة، وهذا يقتضي رفضه وتغييره، وذلك خلافا لما تراه الفلسفة الوضعية، التي هي فلسفة ايجابية محافظة، ترمي إلى تبرير الواقع والنظام القائم، وفق المنطق الوضعي (الإستاتيكي)، وعلى هذا فإن "الوضعية بكافة أشكالها هي ـ في نظر ماركيوز ـ تقبل هذا الواقع على ماهو عليه ولا تتخذ منه موقفا نقديا، ولو بصورة ضمنية، وتتركه ـ من حيث المبدأ ـ سليما لا يمس.

إنها قمة ذلك الاتجاه العقائدي المستسلم للوضع القائم، الذي يرى ماركوز أنه كان ملازما للمنطق الصوري منذ نشأته على يد أرسطو، إذ أن أي اهتمام بالصورة وإغفال للمضمون يساعد المسيطرين على إحكام قبضتهم على زمام الأمور، لأن ذلك الاهتمام يجعل الناس منصرفين عن محاولة تغيير أسلوب الحياة، ميالين إلى ترك الأمور على ما هي عليه"66.

 إن هذا التوجه الإستاتيكي المحافظ يجعل الفلسفة الوضعية في عداد الفلسفات غير الإنسانية، لأنها لا تحمل أي مشروع إنساني، طالما أنها لا تأبه بأوضاع الإنسان، ولا تحمل أي مشروع ثوري يغير أوضاع الإنسان وحياته نحو الأفضل، وقد يعترض على هذا النقد بالقول أن الفلسفة الوضعية تحمل مشروعا إنسانيا ثوريا، ولكنه مشروع إبستمولوجي وليس سياسي أو ايديولوجي، بحيث أنها تريد إسعاد الإنسان وتحقيق التقدم عن طريق العلم والعقلنة، فسيادة العقلانية يؤدي إلى التقدم، والذي يؤدي بدوره إلى ازدهار الإنسان، وكما قال ديكارت، "بالعقل يصبح الإنسان سيدا على الطبيعة". ولكن، هذا المشروع كان ليكون فعالا لو اشتمل على مفهوم إيجابي للعلم، مفهوم لا يقوم على رؤية وضعية اختزالية، أدت إلى اغتراب العلم، كما مر معنا.

 وثمة مسألة أخرى يركز عليها ماركوز وكذلك غارودي في نقدهما للوضعية، ألا وهي مسألة الذاتية، فالفلسفة الوضعية، على غرار الفلسفات المادية، تستبعد عنصر (جانب) الذاتية، لأنها تقول بأولوية الموضوع على الذات، وذلك على خلاف فلسفات الذاتية وفلسفات الفعل.

 إن الفلسفة الوضعية، بوجه عام، ووضعية القرن العشرين، بوجه خاص، فلسفة واقعية، إنها لا تريد أن تضحي بوجود الطبيعة والأشياء في سبيل الذات، فإذا كانت الفلسفات المثالية تصر على قراءة الطبيعة من خلال العقل أو الذات، وتربط وجود الأشياء المادية بعجلة هذه الذات بحيث تجعلها مسؤولة لا عن معرفة الأشياء فحسب، بل عن وجودها أيضا، فإن الوضعية، بحكم واقعيتها، تميل، على العكس من ذلك، إلى الاعتراف بوجود مستقل للطبيعة وللأشياء.

وهي وإن كانت لا تنكر أمر الذات في عملية الإدراك، إلا أنها لا تريد أن تفهم العلاقة بين الذات والعالم أو الأشياء على أنها تسير في اتجاه واحد (من الذات إلى الأشياء فقط)67، وهذا على خلاف فلسفة ديكارت مثلا التي تنطلق من الذات نحو العالم، على نحو ما يتجلى في الكوجيتو الديكارتي: "أنا أفكر، إذا فأنا موجود".

 إن استبعاد الذاتية في الفلسفة الوضعية، يعكس في الواقع اتجاهها المحافظ، على غرار كل فلسفات الوجود الأخرى، وعلى خلاف ذلك، فإن فلسفتي "ماركوز" و"غارودي"، تؤكدان على أهمية الفعل الإنساني (دور الذات الفردية الواعية)، وذلك تحت تأثير فلسفة الفعل، وخصوصا فلسفتي ماركس وهيجل، ومن هنا جاء التأكيد على دور الفاعلية الإنسانية، المتمثلة في الوعي بالواقع الاجتماعي. إن هذا الوعي الاجتماعي، أو ما يسميه " حسن حنفي" بالذاتية المنفتحة، في مقابل الذاتية الفردية المغلقة، هو الذي يتيح للطبقة الكادحة القيام بعملية التغيير الثوري، إلا أنه، وعلى الرغم من هذا التقاطع، فإن مضمون الذاتية عند غارودي يأخذ أبعادا تختلف بعض الشيء عما نجده عند "ماركوز".

ومرد ذلك، إلى أن "ماركسية غارودي" هي ماركسية تشتمل على عناصر دينية (مسيحية أولا ثم إسلامية لاحقا) في حين أن "ماركسية ماركوز" تخلو من البعد الديني، كما أن "ماركسية ماركوز" هي ماركسية ممزوجة بعناصر وجودية وفرويدية، ما جعلها تركز أكثر على البعد الفردي (الذاتية)، بينما يركز غارودي أكثر على البعد الاجتماعي، رغم المحاولة التي قام بها من أجل أنسنة الماركسية.

 وأما النقطة الأخيرة التي تمثل نقطة تقاطع بين غارودي وماركيوز في نقدهما للفلسفة الوضعية، فتتمثل في مسألة التعالي (transcendance)، فالفلسفة الوضعية تستبعد أي محاولة للتعالي، وهذا ما جعلها تنكر كل الفلسفات الميتافيزيقية على غرار الفلسفات المثالية التأملية،كما أنكرت الديانات أو استبعدتها من مجال المعرفة العلمية، فالعقل الوضعي لا يقر إلا بما هو واقعي، قابل للإدراك الحسي وللتجريب، وأما ماعدا ذلك، فهو إما غير موجود، أو هو بلا معنى، وهذا ما يجعل منها فلسفة محافظة أو استسلامية، كما وصفها ماركوز، لأنها ترفض كل محاولة لتجاوز الواقع والتعالي عليه، بوصفه الواقع الحقيقي.

بينما يرى غارودي، على غرار ماركوز، أن هذا الواقع، واقع مزيف غير حقيقي، إنه من نتاج العقل الأداتي الذي يجد تطبيقاته في المجتمع الصناعي، وبالتالي، فهو محاولة لاحتواء الإنسان، واستلابه، وانطلاقا من هذه المسلمة، يؤكد كلا منهما على فكرة التعالي، كضرورة لابد منها لتجاوز الواقع، والتعالي به، فالإنسان بإمكانه العيش بطرق أخرى وبصور أخرى ممكنة، وأصول هذه الفكرة تعود إلى الماركسية وكذلك إلى الوجودية، غير أن غارودي يختلف، بعد ذلك، مع ماركوز في مفهوم كل منهما للتعالي، وذلك باختلاف المكونات والمرجعيات الفكرية لدى كل منهما، فالتعالي عند غارودي يتخذ شكلين أو معنيين68، يعكسان التطور الذي يميز مساره الفكري، أما المعنى الأول فيدل على تجاوز الواقع عن طريق الثورة والرفض(النفي)، وهو ما يسمى بالتعالي الأفقي. وهذا المعنى استمده من فلسفة ماركس، لذلك فهو يشترك في هذا المعنى مع ماركوز، وأما المعنى الثاني، فيأخذ بعدا دينيا، وهو ما يعرف بالتعالي الرأسي (العمودي)، حيث يؤكد فيه على الحضور الإلهي في حياة الإنسان (الإيمان الديني)، فالإنسان يمكنه أن يعيش بصورة مغايرة وأفضل عن طريق نوع من المشاركة والاتصال بالله، وفي هذا المفهوم يبدو غارودي متأثرا بالتصوف المسيحي (كيركجورد) والتصوف الإسلامي (ابن عربي والأمير عبد القادر)، بينما لا نجد هذه الخلفية الدينية ضمن مكونات فكر ماركوز، لذلك، فإن التعالي عنده يفهم في ضوء النظرية النقدية لمدرسة فرنكفورت بمرجعياتها الماركسية والهيجلية والوجودية.

 إن مهمة الفلسفة عند ماركوز، كما هي عند غارودي أيضا، هي، كما حددها ماركس، مهمة تغييرية ثورية وليست مهمة تفسيرية تأملية، ومن هنا وجه كلا منهما نقده للوضعية التي أرادت الحفاظ على الواقع وعدم تغييره ورفضت كل محاولات التعالي عليه، "وهكذا كانت الوضعية حربا على كل ميتافيزياء، وكل نزعة إلى العلو والتجاوز، وضد كل مثالية، على أساس أن هذه كلها طرق غيبية عتيقة في التفكير. وبذلك يصبح الفكر في نظرها مثبتا ايجابيا، ويمارس النقد الفلسفي (داخل) الإطار الاجتماعي القائم"69.

وبالنظر إلى هذه النزعة التبريرية المحافظة، فقد استحقت النقد من طرف غارودي وماركوز على السواء، اللذين يتفق مشروعيهما الفلسفيين حول نقد المجتمع الصناعي، ويقران معا بإفلاس الحضارة الغربية المعاصرة، بالنظر إلى ما نتج عنها من أزمات إنسانية، ويعتبر نقد ماركيوز للفلسفة الوضعية، صورة مصغرة للنظرية النقدية لدى مدرسة فرنكفورت، فقد "وجه الرعيل الأول لمدرسة فرنكفورت انتقاداته الحادة إلى النزعة العلمية المفرطة وأنساقها التي تحولت إلى إيديولوجيات تستند إلى يقين معرفي ومعتقدات إيمانية. فكلها في نظرهم قد غذت أنظمة معرفية مغلقة تعتمد أشكالا تنظيمية جد مقننة للحياة الاجتماعية، وحمالة قيم وسلوكيات تنافح وتدافع عنها، من خلال إسقاط آليات فهم الظواهر الطبيعية على الظواهر الاجتماعية. بمعنى أنها أصبحت إيديولوجيات شمولية تنظم علاقات الإنسان بالإنسان والإنسان بالأشياء، مما حدا برواد مدرسة فرانكفورت رصد تحول العقلانية الغربية إلى إيديولوجيات شمولية، ومنه أسباب انتقادهم علانية العقلانية كإيديولوجيا، ومحاولة الكشف عن مكامن التسلط فيها ومحاربة نزعتها الوثوقية"70.

 ويتفق غارودي مع أعضاء معهد فرنكفورت في الكثير من الانتقادات التي وجهها هؤلاء للفلسفة الوضعية، ومنها مثلا قولهم، بأنه "لا جدوى من نظرية تعلو على الواقع، كما لا مصلحة أيضا في العقلانية الأداتية التي تستخدم لنسخ الفرد على منوال يخدم مصالح النظم الاجتماعية القائمة التي تسلبه حريته وتكيف ذوقه وتشل تفكيره. فالمعرفة العلمية التي سخرت لفهم الطبيعة والتحكم فيها تم استخدامها أيضا للتحكم في الإنسان، بمعنى أن منطق النظام الذي تصوره الإنسان للسيطرة على الطبيعة، تم نقله بالكامل للتحكم بالأفراد والجماعات.

وهذا ما يتبادر إلى ذهننا عند فحص مختلف التنظيمات القانونية والإدارية وأشكال الترشيد والضبط والتقنين والعقلنة لمختلف جوانب الحياة في العالم المعاصر، فكل هذه الآليات تعمل وفق نظمها ومنطقها الداخلي وتكرارها يكرر إنتاج المجتمع طبقا لمقاسات ومواصفات معينة. لكن مدرسة فرنكفورت ترفض أي تناظر أو تماثل تجريبي قد يعقد بين الظواهر الطبيعية والاجتماعية، يمكن صياغته في قواعد وقوانين. فقواعد السلوك البشري لا تمت بصلة للقواعد التي تتحكم في ظواهر الطبيعية. الأمر الذي حدا برواد مدرسة فرنكفورت للوقوف جنبا إلى جنب لمعارضة الوضعية والتجريبية والنزعة التقنوعلموية الجامحة في حدود عواقبهما وآثارهما الاجتماعية والثقافية71. ولعل ما يميز هذا النقد العنيف محاولة الكشف عن العقلانية (بوصفها آلية للهيمنة والتسلط) التي يتطور بها العقل التقني تحت ستار العلم من أجل العلم وبدعوى الحياد والموضوعية العلمية72.

 ولا عجب في أن يتقاطع غارودي مع مدرسة فرنكفورت في هذه الانتقادات73، بالنظر إلى المرجعية الماركسية التي يتوكأ عليها مشروع كل منهما الفلسفي.

خاتمة: نحو أفق فلسفي وابستمولوجي بديل

في ختام هذا المقال، وعلى ضوء ماتم تناوله، يمكن القول بأن النقد الذي تعرضت له الفلسفة الوضعية يقوم على أساسين متلازمين، أساس فلسفي، وآخر ابستمولوجي

_ الأساس الفلسفي:وهو أن الفلسفة الوضعية اعتمدت على عقلانية وضعية أداتية، فانتهى بها المطاف إلى أن تصبح إيديولوجيا محافظة، هدفها الإبقاء على الأوضاع الحالية كما هي، وإلى السيطرة على الإنسان والتحكم فيه، وإخضاع الفرد إلى النظام الاجتماعي القائم بوصفه نظاما عقلانيا، وهكذا يمكن القول بأن الفلسفة الوضعية تحولت إلى نزعة لا إنسانية من حيث أرادت أو لم ترد. وقد انعكس ذلك في فلسفتها للعلوم الإنسانية حيث أدت إلى اغتراب علوم الإنسان في النهاية، كما بينا ذلك في متن المقال.

_ الأساس الإبستمولوجي:وهو أن الفلسفة الوضعية تعد فلسفة اختزالية في نظرتها للإنسان، بحيث أنها اختزلت جميع أبعاد الإنسان في بعد واحد ألا وهو البعد المادي، وهو ما جعلها من الناحية الإبستمولوجية تؤسس لعلوم إنسانية وضعية تتعامل مع الظاهرة الإنسانية على أنها نوع من الظواهر الطبيعية/ المادية التي لا يمكن أن تدرس إلا بأدوات ومناهج العلوم الطبيعية.

ومن هذا المطلق الفلسفي/الإبستمولوجي تعرضت هذه الفلسفة إلى انتقادات حادة، بحيث طالب البعض بفلسفة بديلة للفلسفة الوضعية، تكون أكثر نقدية (ثورية) وإنسانية في أبعادها، وهذا ما نلمسه لدى النظرية النقدية لمدرسة فرنكفورت التي سارت في اتجاه تأسيس ماركسية مؤنسنة من خلال تطعيم الماركسية وتخصيبها باتجاهات فلسفية إنسانية على غرار الوجودية، وهو نفس الاتجاه الذي نجده عند غارودي الذي انفتحت ماركسيته على الدين والتصوف، وعلى فلسفات أخرى كالفينومينولوجيا والشخصانية وفلسفة الفعل عند بلوندل وغيرها من الفلسفات ذات الملمح الإنساني74.

 وبحسب هؤلاء النقاد، فإن هذه الفلسفة الإنسانية النقدية تنهض بديلا للفلسفة الوضعية في التأسيس لعلوم إنسانية حقيقية تحيط بجميع أبعاد الإنسان، ليس فقط على سبيل الوصف والتفسير، بل على سبيل التعالي والتنمية. وهو ما كرس له غارودي العديد من أعماله الفكرية.

 وضمن هذه المراجعة النقدية لعلوم الإنسان الوضعية، ظهرت إبستمولوجيات بديلة للإبستمولوجيا الوضعية تنطلق من رؤية تركيبية للإنسان، رؤية تقوم علىى مقاربات ومناهج متعددة من شأنها الإحاطة بأبعاد الظاهرة الإنسانية، وبمختلف جوانبها وخصوصياتها، وضمن هذا المنظور الإبستمولوجي البديل ظهرت مناهج الفهم والتأويل (الهرمنيوطيقا) كما هو الحال عند دلتاي مثلا، والفينومينولوجيا كما عند هوسرل، وإبستمولوجيا التعقيد عند إدغار موران، والابستمولوجيا العرفانية التوحيدية كما عند رينيه غينون وسيد حسين نصر، والإبستمولوجيا النسوية كما عند ليندا جين شيفرد مثلا.

وهذه الابستمولوجيات، على اختلافها، طرحت من جديد مشكلات المنهج والموضوعية والقانون في العلوم الإنسانية، وتشكل فلسفة غارودي، كما مر معنا، واحدة من هذه المنظورات الإبستمولوجية البديلة التي حاولت أن ترسم أفقا جديدا لعلوم الإنسان وللفلسفة يخرجها من النفق المظلم الذي قادتها إليه الفلسفة الوضعية، هذا الأفق هو ما يدعوه غارودي في الغالب بالحكمة، وهو يندرج ضمن مشروع الأنسنة الذي يشكل عمدة مشروعه الفلسفي والحضاري، وبغض النظر عن قيمة هذا الأفق الإبستمولوجي والفلسفي البديل، وسواء اتفقنا معه فيه أم اختلفنا، فلا مندوحة من الاعتراف له بأهمية وقيمة النقد الذي وجهه للفلسفة الوضعية وتداعياتها على علوم الإنسان، وهو ما عبرنا عنه بأزمة علوم الإنسان، التي انعكست بدورها على الإنسان المعاصر، وهو ما يقتضي من المشتغلين بهذا المجال التفكير في بدائل إبستمولوجية للخروج من هذا الأزمة، ومما يحسب لغارودي أنه لم يكتف بالنقد بل قدم رؤية تركيبية. وهنا تكمن أهمية مقاربته لهذا الموضوع، سواء في بعدها النقدي الذي يظهر في  نقده للفلسفة الوضعية بوصفها الرؤية المعرفية التي تقوم عليها العلوم الإنسانية الحديثة، أو في بعدها التركيبي، أين يفتح المجال أمام الباحثين للخروج من دوغمائية الاتجاه العلموي الوضعي نحو أفق ابستمولوجي جديد من شأنه أن يساعد على تقدم العلوم الانسانية سواء من جهة فهم الإنسان والظاهرة الانسانية، أو من جهة تنمية الإنسان والتعالي به إلى المكانة اللائقة به، وهو ما يسميه غارودي بـ "الإنسان الإنساني"، بعد أن جعلته الفلسفة الوضعية جزءا من الطبيعة، أي مادة استعمالية، في مقابل تلك الرؤية الكونية الإنسانية التوحيدية التي اعتنقها غارودي ودعا إليها، وهي التي تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنا إنسانيا مركبا من مادة وروح، ومن ثمة، ينبغي أن يدرس وفق مقاربة تحفظ للإنسان إنسانيته وخصوصياته لا وفق مقاربة وضعية.

الهوامش

1.-أوغست كونت: (1757 ـ 1858) عالم اجتماع فرنسي، ومؤسس المذهب الوضعي الكلاسيكي، وقد تطور هذا المذهب ليظهر فيما بعد تحت اسم الوضعية الجديدة بفروعها واتجاهاتها المختلفة. حول حياته، ينظر: عبد الرحمن بدوي، 1984، موسوعة الفلسفة،ج2، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص311.

2.- يرى غارودي أن الحضارة الغربية مرت منذ نشأتها بثلاث لحظات مفصلية صنعت أزمتها التي تعيشها في هذا العصر، أنظر: غارودي، 2001، كيف صنعنا القرن العشرين؟ تر. ليلى حافظ، ط2، دار الشروق، القاهرة، ص35 ومابعدها.

3.- يعتقد البعض أن الحضارة الغربية قد انفصلت عن القيم وأهملتها، ونحن نرى على خلاف ذلك، أن هذه الحضارة لم تتخل عن القيم، وإنما تخلت عن القيم الدينية، التي تستمد مرجعيتها من الدين، وأسست لنفسها قيما وضعية مادية نفعية ذات مرجعية إنسانية (العقل، المجتمع، الطبيعة...).

4.- غارودي، 1990، كشف حساب الفلسفة الغربية في هذا القرن، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، مجلة إسلامية، ثقافية، سنوية، تصدر عن كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ليبيا، العدد 07، ص 630.

5.- August Comte, Cours de Philosophie Positives (1830), P19

6.- غارودي، كشف حساب الفلسفة الغربية في هذا القرن، ص 630.

7.- August Comte, Op.Cit.P03

8.- لالاند أندريه، 2001، موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثاني، تر. خليل أحمد خليل، ط2، منشورات عويدات ، بيروت ـ باريس، ص 1003.

9.- روني إيلي آلفا، 1992،موسوعة أعلام الفلسفة العرب والأجانب، تر.جورج نخل، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت،  ص203.

10.- رينيه غينون، 2016، شرق وغرب، تر. عبد الباقي مفتاح، ط1، دار عالم الكتب الحديث، الأردن، ص77.

11.- لالاند أندريه، مرجع سابق، ص 1002.

12.- هابرماس، 2002، المعرفة والمصلحة، تر.حسن صقر، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،  ص73.

13.- في نقده للفلسفة الوضعية يركز غارودي كثيرا على الوضعية الكلاسيكية، وضعية أوغست كونت تحديدا، وهو مايظهر في كتبه: الإرهاب الغربي، كيف صنعنا القرن العشرين؟، كشف حساب الفلسفة الغربية (محاضرة موسعة)، نظرات حول الإنسان، بينما لم نجد له نقدا للوضعية المنطقية سوى في كتابه (الصغير) الموسوم بـ:

 La philosophie occidentale au XXe siècle, El Borhane, Alger, 2015, p 84

14.- غارودي، كشف حساب الفلسفة الغربية، ص 635.

15.- هابرماس، المعرفة والمصلحة، ص 79.

16.- زكي نجيب محمود، 1983، موقف من الميتافيزيقا، ط2، دار الشروق، القاهرة، ص69.

17.- رينيه غينون، شرق وغرب، ص77.

18.- هابرماس، المعرفة والمصلحة، ص78.

19.- المرجع نفسه، ص 67.

20.- بوخنسكي، سبتمبر، 1992الفلسفة المعاصرة في أوروبا، تر. عزت قرني، د.ط، عالم المعرفة، الكويت،ع 165، ص31.

21.- بدوي عبد الفتاح، 2001 ، فلسفة العلوم، د.ط، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص 317.

22.- غارودي، كشف حساب الفلسفة الغربية، ص 635.

23.- المصدر نفسه، ص 634.

24.- بدوي عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ج2، ص 313.

25.- المرجع نفسه، ص314.

26.- المرجع نفسه، ص314.

27.- غارودي، 2001، الإسلام، تر. وجيه أسعد، ط2، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ص137.

28.- باقر الصدر، 1998 ، فلسفتنا، ط2، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ص 334.

29.- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، ص 159.

30.- غارودي، كشف حساب الفلسفة الغربية، ص 635.

31.- المسيري عبد الوهاب، 2002 ، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، ط1، دار الفكر، دمشق، ص 39.

32.- غارودي، 1983،  نظرات حول الإنسان، تر. يحي هويدي، د.ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ص 32.

33.- زكريا إبراهيم، مشكلة الإنسان، ص 22.

34.- هوسرل، 2008، أزمة العلوم الأوربية و الفينومينولوجيا الترنسندنتالية، تر. إسماعيل مصدق، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

35.- المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، ص147.

36.- حسين غانم، 1992، المستقبل للإسلام، ط1، دار المنار الحديثة، مصر، ص 37.

37.- المسيري عبد الوهاب، 2002، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، مجلد 1، ط1، دار الشروق، القاهرة،  ص11.

38.- غارودي، 2001، نحو حرب دينية ؟ جدل العصر، تر. صياح الجهيم، ط 3، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، الجزائر، ص 37.

39.- غارودي، 2000، الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها،تر.خليل أحمد خليل،د.ط، دارعام ألفين،باريس،ص 37.

40.- غارودي، كشف حساب الفلسفة الغربية، ص 635.

41.- غارودي، الإرهاب الغربي، 2007، تر. سلمان حرفوش، ط1، دار كنعان، دمشق، ص 173.

42.- المصدر نفسه، ص 174.

43.- غارودي،1997، الإسلام والقرن الواحد والعشرون. شروط نهضة المسلمين، تر. كمال جاد الله، ط1، دار الجيل للكتب والنشر، القاهرة، ص 24.

44.- غارودي، الأصوليات المعاصرة، ص 24.

45.- غارودي، الإرهاب الغربي، ص ص (174 _ 175).

46.- المصدر نفسه، ص173.

47.- ينظر في ذلك: René Guénon, La crise du monde moderne, éd: Gallimard,1943, p79.

48.- غارودي، الإسلام، ص 137.

49.- غارودي، الإرهاب الغربي، ص 173 و ما بعدها.

50.- المصدر نفسه، ص 175.

51.- غارودي، الإسلام، ص138.

52.- تشارلز فرنكل، 1959،أزمة الإنسان الحديث، تر.نقولا زيادة، د.ط، مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر، بيروت، نيويورك،  ص77.

53.- رينيه غينون، 2013، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، تر. عبد الباقي مفتاح، ط1، عالم الكتب الحديث، الأردن.

54.- كولن ولسون، 1987، ما بعد اللامنتمي "فلسفة المستقبل"، تر. يوسف شرور، عمر يمق، ط6، دار الآداب، بيروت، ص 15.

55.- حول نقد رينيه غينون للفلسفة الوضعية، ينظر مؤلفاته التالية: أزمة العالم الحديث، شرق وغرب، هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان، ومن الواضح في هذه المؤلفات الموقف النقدي لغينون من العلم الغربي الحديث بسبب ما يستند إليه هذا العلم من فلسفة وضعية مادية، وهو ما جعله يدعو إلى علم بديل يقوم على رؤية روحية صوفية توحيدية.

56.- ما قيل عن رينيه غينون يقال أيضا عن سيد حسين نصر الذي انتقد بدوره العلم الحديث بوصفه علما وضعيا، ودعا في مقابل ذلك إلى علم مقدس، ولا عجب في أن يحدث هذا التقاطع بين هؤلاء المفكرين الثلاثة: غينون، حسين نصر، وغارودي، بحكم وحدة المرجعية المتمثلة في فلسفة ابن عربي الصوفية.

57.- يظهر نقد ماركوز للفلسفة الوضعية في كتابه العقل والثورة، وكثير مما جاء فيه من انتقادات نجدها تتكرر عند غارودي، ولا غرابة في ذلك، فقد كان غارودي صديقا لماركوز ومعجبا بفكره النقدي، وكلاهما ينهل من الماركسية ومن هيجل.

58.- يعد أريك فروم من أكبر نقاد النزعة الوضعية في علوم الإنسان وهو ما يظهر، مثلا، في كتابه: مساهمة في علوم الإنسان، الصحة النفسية للمجتمع المعاصر.

59.- يظهر نقد هابرماس للوضعية في كتابه الهام المعرفة والمصلحة.

60.- أحمد داوود أوغلو، 2006، العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية، تر. إبراهيم البيومي، ط1، مكتبة الشروق الدولية، ص 42.

61.- هربرت ماركيوز، 2008، العقل والثورة، تر.فؤاد زكريا، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر،الإسكندرية، مصر، ص332 ومابعدها.

62.- حسن محمد حسن، 1993، النظرية النقدية عند هربرت ماركيوز، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ص 177.

63.- قيس هادي أحمد، 1980، الإنسان المعاصر عند هربرت ماركيوز، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص ص (70_ 71).

64.-قيس هادي، مرجع سابق، ص70 وكذلك : حسن محمد حسن، مرجع سابق، ص175.

65.- قيس هادي أحمد، الإنسان المعاصر عند هربرت ماركيوز، ص72.

66.- المرجع نفسه، ص79.

67.- يحي حامد هويدي، أضواء على الفلسفة المعاصرة، ص ص 184 ، 185، نقلا عن: قيس هادي أحمد، ص 75.

68.- محسن الميلي، 1993، روجيه غارودي والمشكلة الدينية، ط1، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق، ص 147.

69.- فؤاد زكريا ، 1980،هربرت ماركوز، ط1، دار مصر للطباعة، القاهرة، ص 77.

70.- حسن مصدق، 2005، يورغن هابرماس ومدرسة فرنكفورت النظرية النقدية التواصلية، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، بيروت، لبنان، ص 35.

71.- المرجع نفسه، ص 36.

72.- المرجع نفسه، ص 37.

73.- ينظر انتقادات أخرى ضمن نفس المرجع، ص 37 وما بعدها.

74.- Roger Garaudy, Perspectives de l'homme, Presses Universitaires de France, Paris, 1960. 

الشريف طوطاو, «»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 28 مجلد 15-2018N°28 Vol 15- 2018
Papier : pp 08-21,
Date Publication Sur Papier : 2019-01-09,
Date Pulication Electronique : 2019-01-09,
mis a jour le : 20/02/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5183.