باطولوجيا1 الإنسان وتأسيس الوضع الأنثروبولوجي عند جورج غوسدورف2-رُؤية بينتخصصيّة-Human Pathology and the Establishment of Anthropological Status in Georges Gusdorf’s Philosophy -An Interdisciplinary Vision-
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

باطولوجيا1 الإنسان وتأسيس الوضع الأنثروبولوجي عند جورج غوسدورف2-رُؤية بينتخصصيّة-

Human Pathology and the Establishment of Anthropological Status in Georges Gusdorf’s Philosophy -An Interdisciplinary Vision-
ص ص 08-19
تاريخ الارسال: 30/10/2018 تاريخ القبول: 13/06/2019

محمد الأمين جلالي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

لطالما شكّل الإنسان محور اهتمام الإنسان ذاته، وسيبقى سُؤاله، أكبر مُشكلة واجهته، وهاجسه الذّي عجز الفلاسفة والعلماء عن فكّ شفرته وخبر كُنهه الحقيقي والكامل، لتأتي مُحاولة غوسدورف، والمُعزّزة بقراءات مُكثّفة ومُتنوعة، لمجالات معرفيّة عديدة، لتأسيس علم الإنسان بوصفه مركزاً إبيستيميّاً، يُشكّل الموضوع الأجدر والحقيقي لكلّ العلوم والمعارف، عن طريق تطبيق رُؤية بينتخصُصيّة كاملة، تُحاول الجمع بين جُهود العلماء والفلاسفة للإجابة عن سُؤال الإنسان، الأنطولوجي، المعرفي، والأكسيولوجي.

الكلمات المفاتيح

الإنسان، الوضع الأنثروبولوجي، تجزيئ المعرفة، البينتخصُّصيّة، المركزيّة الأنثروبولوجيّة

La question de l'homme, a été toujours, le plus grand problème auquel L'homme  est confronté et son obsession, que les philosophes et les scientifiques n’aient pu déchiffrer sa vérité complète, c'est alors qu'apparait la tentative de Gusdorf, renforcée par des lectures étendues et variées de nombreux domaines épistémologiques. L'homme est Le sujet le plus vrai de toutes les sciences et de toutes les connaissances, en appliquant une vision Interdisciplinaire, tente de combiner les efforts des scientifiques et des philosophes pour répondre à la question de l'homme, ontologique, cognitif et axiologique Qui constitue le véritable sujet de toutes les sciences.

Mots clés : l'homme, le statut anthropologique, la fragmentation de la connaissance, l’interdisciplinarité, l’anthropocentrisme l’interdisciplinarité, l’anthropocentrisme

The question of man, is the greatest problem that faces man himself and his true obsession remains unable to decipher by both philosophers and scientists. for this reason, Georges Gusdorf’s attempt, reinforced by intensive and varied readings of various fields of knowledge to establish the science of man as an epistemological center is the best and real subject of all science and knowledge by applying a full-fledged vision which tries to combine scientists’ and philosophers’ efforts to answer the question of man ontologically, cognitively, and axiologically.

Keywords: Human, Anthropological Status, Fragmentation of knowledge, Interdisciplinary, Anthropocentrism

Quelques mots à propos de :  محمد الأمين جلالي

جامعة عبد الحميد مهري -قسنطينة2djellaliamine@outlook.com

مُقدّمة

الفلسفة أُمُّ العلوم"، مقولة إغريقيّة شهيرة صَوّرت واقع الفلسفة وأنزلتها منزلتها الحقّة، التّي غادرتها مع مطلع عصر النّهضة؛ فبعدما لعبت دور الوصاية المنهجيّة، وحتّى الإيديولوجية على العلوم، ما لبثت هذه الأخيرة أن انفصلت موضوعاً ومنهجاً عن الفلسفة، حيث تاهت، وطُرح بإلحاح سُؤال وظيفتها الجديدة a quoi sert la philosophieما فائدة الفلسفة؟ ففي أعقاب عصر النّهضة، انهالت حولها التُّهم والافتراءات والتّهكُّمات، التّي يُمكن اختصارها في شُبهة كونها "عجوزاً شمطاء تبحث عن قطّة سوداء   في غُرفة ظلماء"، هذا ما عبّر عنه فريديريك نيتشه في صُورة احتجاج الفلسفة في وجه أفلاطون: " أيُّها الشّعب التّعيس! أهو خطئي، إذا كُنت مُكرهة على التّجوّل في بلادك كعرّافة مُغامرة، وعلى التّستّر والتقنّع، كما لو كنت المُتّهمة وأنتم قضاتي؟ انظروا فقط حالة أخي الفن! إنّ حالته كحالتي، فنحن تائهان وسط برابرة، ولم نعد نعرف كيف نؤمِّن خلاصنا. صحيحٌ أنّنا لا نملك مُبرّراً ولكن القُضاة الذّين سيحكمون علينا لسوف يُدينونكم أيضاً ويقولون لكم: لتكن لكم بادئ ذي بدءٍ حضارة، ولسوف   تُدركون فيما بعد، ماذا تُريد وماذا تستطيع الفلسفة أن تفعل3". لتجد محبّة الحكمة ضالتها في المُمارسة الإبيستيمولوجيّة عند كثير من الفلاسفة والعلماء والمُرادفة -كما ذهب أندري لالاند- للدّراسة النّقديّة لمبادئ وفرضيّات ونتائج العلوم4. وتُصبح الوظيفة الجديدة للفلسفة-آنذاك- معرفيّة عُموماً إبيستيميّة على وجه الخُصوص.

بالرّغم من المكانة الإبيستيميّة الجديدة للفلسفة، إلاّ أنّها     لم تُعالج الخرق الكبير الذّي أحدثه    تفكُّك العلوم عنها، وكذا ظهور تاريخ العلوم النّاتج عن الأزمات العلميّة في الرياضيّات والفيزياء والبيولوجيا، بالإضافة للعلوم الإنسانيّة التّي يُمثّل الإنسان موضوع دراستها المُباشر والتّي تُعدّ أقلّ علميّة من الأولى لينحلّ وثاقها بالعالمين الأكبر والأصغر5، وتغرق فيما اُصطلِح عليه بالإفراط في التخصُّص Hyper spécialisation 6.

لتنبثق بعد هذا في منظور جورج غوسدورف مُشكلة تحديد العلاقات بين ميادين المعرفة والعلوم المختلفة، فظهور سؤال علاقة الفلسفة بالعلوم، والإنسان بالموضوعات، لهو بداية التّجزُّؤ، حيث لم تتسّع الهوّة بين العلوم –التّي تبدو في الظّاهر على أنّها مُختلفة من حيث الموضوع- فحسب، بل حتّى داخل التخصّص الواحد. وتنزُّلاً عند ما سبق هل تعني الفلسفة في العُرف الغوسدورفي مجموع العُلوم؟

أبان فيلسوفنا -من خلال شخص الاقتصادي ورجل السياسة الفرنسي جاك ترغو Jacques Turgot (1727-1781) - هيمنة الفلسفة على كلّ علوم القرن الــثّامن عشر، فكان أثرها كأثر الفُتوحات الرُّومانيّة بين الأُمم، التّي وحدّت قطاعات العالم الأوروبي، فحطّمت حواجز كُلِّ علم مُنفصل ومُستقلّ عن بقيّة العُلوم؛ كما أوضحت أزمة الأُسس علاقة المنطق بالرّياضيّات      وبدأت بوادر أكسمة الفيزياء في الظُهور، جرّاء استعمالاتها الواسعة للرّياضيّات 7.

كشف القرن التّاسع عشر ثراءً فكريّاً، تمثّل في كثرة الأساليب واختلاف الرُّؤى العلميّة من حيث تناولها للموضوعات، حيثُ أدّى إلى ظهور زمن المتخصّصين وتفتّت المعارف وضُمور الحقيقة اليقينيّة8. هذا ما حفّز غوسدورف على إرجاع سبب تعدّد العُلوم الإنسانيّة وكثرة تخصّصاتها بالأساس، لفعل التشّظي المعرفي    في حدّ ذاته 9، فقد تجاوز إعلانه الصّارخ:" كلّ علم إنساني هو وعي للإنسان10" الاستشكال التّقليدي للعلوم الإنسانيّة والمطروح على مُستوى الموضوع والمنهج، إلى نظرة أخرى مُغايرة تنفي مفهوم أزمة المعرفة، وتُحمّل مرض الوعي مسؤوليّة باطولوجيا الإنسان، ليوضّح فيلسوفنا صلة الإنسان بالكون، بعدما ماهي بين العلم والوعي، الرّوح والمادّة، لتصوير حقيقة أنّ مرض المعرفة مُرتبط بالوعي الكوني الشّامل لكلّ مجالات الحياة والذّي تُشكّل وحدتُه أصلاً فيه والتشتُّت شُذوذاً أصابه.

لم يكتف فيلسوف ستراسبورغ بتوضيح صلة الإنسان بالطّبيعة، بل جعل الطّب مجالاً لتوافق الإنسان مع ذاته، ومن الميتافيزيقا توافقاً مع الذّات الإلهيّة11، لتحتل معرفة الإنسان مركز المُشكلات الفلسفيّة والعلميّة والفكريّة عامّة؛ فيُصبح الحديث عن معرفة المعرفة فقط غير كافٍ بل ينبغي أيضاً معرفة الذّات والعالم، فإذا كان التّخصّص المفرط منتوجاً علمياًّ، يدّعي خلق الأنوار قد تسبّب في ابتعاد ميادين البحث عن بعضها البعض فإنّه سيكون علّة ظهور ظلاميّة جديدة من نوع آخر أكثر خُطورة   لأنّ مصدرها مُختلف كامن في الثّقافة وفي قلب المعرفة  في حدّ ذاتها، عكس ظلاميّة العصور الوُسطى12.

1-البينتخصصيّة: المفهوم وعائق التّرجمة 

إذا كانت المعرفة مريضة وتحتاج إلى ملاذٍ يُعيد سالف مجدها ويُخلِّصُها من أزمة عُقم نتائجها، مُخرجاً إيّاها من فوهة العدميّة دافعاً بها نحو التّطوّر أكثر، فما هو علاجها الأمثل الذّي سيكون بمثابة الأرضيّة الإبيستيميّة أو البُنية التّحتيّة –بتعبير كارل ماركس- المُؤسِّسة للمشروع المعرفي عامّة والأنثروبولوجي بالخصوص عند جورج غوسدورف؟

تأبى البينتخصصيّة l'interdisciplinarité إلّا أن تظهر كحلّ أنموذجي، للمّ شتات المعرفة الإنسانيّة وإعادة مجدها الغابر حيث يُصرّح فيلسوفنا: " لن يتخلّف الاختصاصيّون، في اعتقادي عن جعلي أعرف ما يعرفون أنّي لا أعرفه، وإذا أرضاهم هذا، فهم يقسّمون المعرفة إلى أجزاء مثل أسماك القرش التّي لا تُبقي إلّا الهيكل العظمي من سمكة كبيرة، في رواية أرنست همنغواي   " العجوز والبحر"، وسأبيّن جهلهُم بما يظُّنُّون معرفتَه. فالمعرفة المحدودة هي دوماً غير كاملة ولا يقينيّة، ذلك أنّ التّفاصيل لا تجد معناها إلّا بفضل تموضعها معاً13". لتكون البينتخصصيّة ردّ فعل طبيعي على تشظّي وحدة المعرفة14.

إنّ أوّل صُعوبة تُواجهنا بهذا الصّدد تتمثّل في ترجمة المُصطلح بما يتلاءم والاستعمالات البراغماتيّة لغوسدورف، والتّي رُجّحت أن تكون البينتخصصيّة، وهذا ما يُحتّم علينا خبر معناه اللّغوي والاصطلاحي الذّي من شأنه أن يُساهم في تقريب معناه الحقيقي أكثر، لتبرير ترجمته على هذا المنوال دون غيره.

     يتكوّن مُصطلح linterdisciplinarité من شقّين: Inter والتّي تحتمل عدّة دلالات من بينها؛ الدّاخل ،البين أو ما اشترك بين مجالات عدّة. كما تعني كذلك النّظام15 فإذا ما اتّصلت الكلمة البادئة Inter بمُصطلح      ما فهي تعني تموقع مجاله، واشتراك معناه بين مجالات أخرى ذات صلة بموضوع دراسته16، ولا يُشّكّل مُصطلح  disciplinarité الاستثناء من هذا، حيث يُشتّق من الجذر اللّاتينيّ لكلمة  Disciplus أو Disciplina التّي كانت تعني pupil المُرادفة للتّلميذ Student  وتُنسب لتلاميذ المسيح-عليه السّلام-.كما يحمل المُصطلح دلالات سُلطويّة تُوحي بالتّحكُّم الذّاتي للسّلوك، فهو فعل تدريب شخص ما على اتّباع مجموعة من التّعليمات الصّارمة، وكذا العقاب وفرض الطّاعة17،  وقد ذهب بريان تورنر Bryan Turner إلى أنّ مُصطلح Disciplineمُصطلح واسع الاستعمال؛ فهو النّظام المُعتمد في الكنيسة، وهو الحمية الغذائيّة المفروضة من قبل الطّبيب للحفاظ على صحّة المريض ،أمّا من المنظور الأكاديمي فهو: "وضع علميّ تدريبيّ خاص وصارم18". كما تضمّن أيضاً تأمين بعض طُرُق التّفكير؛ فكلّ ما هو مُنحرف أو خارج عن النّظام، يُمكن إعادته إلى النّهج الصّحيح أو استبعاده19، ليدُّلّ هذا على إمكان إدراج أفكار جديدة- مهما بدت غير قابلة للتّجانس مع النّظام -، وهذا ما يُضفي على مُصطلح البينتخصصيّة صفة المُرونة مُمثَّلةً في قَبول أفكار مُختلفة، داخل تخصّص ما، مهما كانت تبدو غريبةً عنه.

     زيادة على ما سبق وجب تحديد خصائص الاختصاص والمُمكن إيجازها فيما يلي:

 أ- يدّعي كُلّ اختصاص دراسةَ موضوعٍ مُحدّد وخاصّ به، مانعٍ لمُساهمة عامّة البشر. ب- يصبو كلّ اختصاص إلى سنّ نظريّات ومفاهيم، تُمكّنُه من تنظيم المعرفة بفعاليّة؛ وذلك بواسطة جهاز لُغوي خاصّ بالبحث. ج- تأخذ بعض المُؤسّسات الأكاديميّة، شكل مواد ومقاييس، تُدرّس داخل الجامعات أو الكليّات في مقاعد بيداغوجيّة، تجعلها تُطوّر أبحاثها ومناهجها20. بالرّغم من كلّ هذا، لا تنطبق كلّ الصّفات السّابقة على جميع التّخصّصات؛ حيث يُمرَّرُ الأدب الإنجليزي -على سبيل المثال-  كاختصاص، مع افتقاره لموضوع بحث مُحدّد، فلا تُوجد حقيقة فوضويّة في عالم العلم، أكثر من أنّ كلّ اختصاص يُمكنه المُطالبة بالاحتراف المعرفي ضمن مجاله، حيث تقع الاختصاصات ضحيّة الدُّوغمائيّة العلميّة، فيعتبر كلّ صاحب اختصاص أنّ مجاله أكثر فائدة، صرامة، وصُعوبة، وحتّى أكثر أهميّة من مجالات البحث الأخرى21. كما تسمح كلمة Inter بالتنقُّل المُريح بين "التخصّصات" من دون المُبالاة أو الالتزام بضروريّات التخصُّص من حيث طبيعة الأسئلة، الموضوع والمناهج المُعتمدَة 22. رغم أنّ كلمة "داخل التخصُّص" هي المُقابل الحرفي لـــ : l'interdisciplinarité، إلّا أنّها تبقى بعيدة عن المعنى الذّي يُريده غوسدورف، ليترجّح أنّ البينتخصُّصيّة هي المُقابل الأنسب في اللّسان العربيّ.

أمّا المعنى الإبيستيمي لـ: ـéـ l'interdisciplinarit فقد جاء بإشراف المدير العام للمجلس التّنفيذي لمُنظّمة اليونسكو  فيتوريو فيرونيزي Vittorino Veronese (1910-1986) ما ديباجته: "يُمكن النّظر إلى مفهوم البينتخصصيّة في العُرف الإبيستيمولوجي، على أنّه شكلٌ من أشكال التّعاون بين مُختلف التّخصّصات، حيث يُساهم في تحقيق أهداف وأماني مُشتركة اتجاه شركائهم Their Association،والسّير قُدُماً نحو ظُهور وتقدُّم معرفة جديدة23".

إنّ الحديث عن ظهور معرفة جديدة، يبدو على أنّه يتناقض والحديث عن إعادة مجد المعرفة لوحدتها؛ فستكون كلّ معرفة جديدة، بمثابة براديغم تقدّمي، في حين أنّ الوحدة المنشودة هي نوعٌ من العودة الأركيولوجيّة لوضع كان أحسن من الحالي فكيف يُمكن تهذيب هذا التّناقض الظّاهر؟

صحيح أنّ دعوى الوحدة قديمة كطريقة أو منهج، لكنّ المعرفة التّي ستُنتَج، جرّاء التّأليف بينها، ونتيجة التقدُّم الحاصل في مُختلف المجالات العلميّة24 ستكون جديدة، ليبحث غوسدورف عن وضع جديد للمعرفة تقليديّ ببيداغوجياً، يُصيِّرُ مجدها وضعاً لا مضموناً.

تُمثّل البينتخصصيّة طريقة تنسيقيّة، تأليفيّة، وتوحيديّة للتخصُّصات المُختلفة، والسّير بخُطى ثابتة نحو فلسفة جديدة للتّركيب، لا لتجاوز أزمة المعرفة المُعاصرة فحسب، بل مُساهمةً في إصلاح أوضاع مجالات أخرى: بيداغوجيّة، سياسيّة وأخلاقيّة مُعبّراً بذلك عن نظرة شاملة للمعرفة، الحياة والكون25 . والتّي سيستثمرها فيلسوفنا فيما بعد، وذلك استناداً لتصريح مُديرة معهد جورج غوسدورف في سبتمبر 2008 باريس- فرنسا، قالت فيه: "لم يُدافع أحد بخلاف إدغار موران عن "الفكر المركّب" مثلما فعل جورج غوسدورف، إذ يبدو أنّه أقرب إلى الأطفال وبقدرات عاليّة، من حيث طريقة التّفكير حول العالم(...)كما تُجسّد كتاباته تركيباً للأفكار26".

2- طبيعة المُمارسة البينتخصصيّة:

يُعتبر الكثير من الكتّاب والفلاسفة تجسيداً للبينتخصصيّة على غرار: أرسطو، كارل ماركس، ليبنيتز، فوكو كلود ليفي ستروس...إلخ، لأنّهم جمعوا بين عدّة تخصّصات في مجال واحد لتكون البينتخصصيّة بهذا واقعاً وحدثاً مُوثِّقاً لتاريخ العلوم. وبناءً على ما سبق، إذا كانت البينتخصصيّة نظريّاً، بمثابة ترياق للمعرفة، فما هي طبيعتها كمُمارسة إجرائيّة؟ أو بتعبير آخر هل هذه المُمارسة ذات طابع إبيستيمي   أم ميتافيزيقي؟

للإجابة على هذا التّساؤل وجب تحديد الفرق بين المفهومين فالميتافيزيقا في التّقليد الأرسطي  تترادف و علم معرفة الأمور الإلهيّة ومبادئ العلوم والعمل27، ليكون موضوع الميتافيزيقا    هو اللّه والإنسان، ولعلّ هذا الأخير     هو مركز البحث، فهو يتعلّق بالميتافيزيقا، من حيث هي نمطٌ خاصٌ من المعرفة  أو الفكر بوصفه معرفة مُطلقة لا نسبيّة، مصدرها الحدس            في مُقابل العقل، مُؤَسِّسَةً بذلك لعلمٍ لا يتوسّل الرّموز عكس العلوم الوضعيّة28، كما يذهب كانط إلى أنّها: "جملة المعارف التّي تُستفاد من العقل وحده، أيّ من ملكة المعرفة قبليّاً بالمفاهيم، دون الاستعانة بمُعطيات التّجربة ولا بحُدوس الزّمان والمكان(...)وهي من جانب آخر ليست صوريّة مثل المنطق لكنّها ماديّة، من حيث انطباقها على أغراض مُحدّدة، تسمح بصياغة قبليّة لشروط وجودها المظهري29".

تدّلُّ الإبيستيمولوجيا على: "فلسفة العلوم، لكن بمعنى أدّق فإنّها ليست حقّاً دراسة المناهج العلميّة التّي هي موضوع الطّرائقيّة (الميتودولوجيا)، والتّي تنتمي إلى المنطق. كما أنّها ليست توليفاً وإرهاصاً ظنيّاً بالقوانين العلميّة(على منوال المذهب الوضعي النّشوئي)، جوهرياً ،المعلوميّة(الابيستيمولوجيا)       هي الدّرس النّقدي لمبادئ مُختلف العُلوم وفرضيّاتها ونتائجها الرّامي إلى تحديد أصلها المنطقيّ، قيمتها، ومداها الموضوعي(...)، فهي تمتاز عن نظريّة المعرفة، بأنّها تدرُس المعرفة بالتّفصيل وبشكل بعديّ، في مُختلف العُلوم والأغراض أكثر ممّا تدرُسها على صعيد وحدة الفكر30". وعليه فمعرفة مبادئ العلوم، موضوع مُشترك بين نظريّة المعرفة، التّي تحمل رواسب ميتافيزيقيّة والابيستيمولوجيا، إلّا أنّ الأولى مصدرها الحدس لهذا فهي معرفة قبليّة بوحدة الفكر، ذات طبيعة مُطلقة ودوغمائيّة في حين تحمل الثّانية مَلكَات التّحليل والنّقد، بعد أن ينتهي العلم من وضع نظريّاته، ممّا يجعلها مُتنّوعة المجالات، ويُصيّرُها نسبيّة مفتوحة، ما يتلاءم ومُرونة البينتخصصيّة أكثر من المُمارسة الميتافيزيقيّة المُغلقة. لتكون البينتخصصيّة ذات طبيعة إبيستيمولوجيّة؛ ويظهر ذلك جليّاً من خلال الإعلان الغوسدورفي : "يظهر الادعاء البينتخصّصي Interdisciplinaire كترياق ابيستيمولوجي، يُعالج كلّ سوء يُصيب الوعي العلمي   في عصرنا31".

3- الحُدود التّاريخيّة للمُمارسة البينتخصصيّة: 

أثار التّطوّر الهائل للعلوم وتسارُع عجلتها خاصّة مع التّقدّم العلمي والتّقني، ضرورة الوُقوف عند اللّحظة التّاريخيّة

بالعودة إلى الماضي لمُسائلته، تعديله أو تصحيحه، بُغية استشراف المُستقبل32، لتبرز حاجة فيلسوف ستراسبورغ لتاريخ العلوم، ويجعلنا نتساءل عن معالم الحُدود التّاريخيّة للمُمارسة الإبيستيميّة البينتخصصيّة.

يُمكن رسم حُدود البحث الإبيستيمي -بصفة عامّة وليسهل خبر المُمارسة الغوسدورفيّة-  من حيثُ المنهج لا من حيث الموضوع 33من خلال دراستين34:

1- دراسة سانكرونيّة Synchronique  تزامنيّة: وهي نزعة علميّة تتناول العلوم كما هي في لحظتها الرّاهنة والتّي عبّر عنها جان بياجيه بمنهج التّحليل المُباشر.

 2-دراسة دياكرونيّة Diachroniqueتطوريّة: تُمثّل النّزعة الفلسفيّة؛ حيث تتناول العلوم داخل سياقها التّاريخي التّطوّري أو منهج التّحليل التّكويني، الذّي يعتبر المعرفة ذات طبيعة تاريخيّة، لتتحتّم العودة لماضي العلم بُغية إجراء مُقارنات من شأنها ضمان الشُّموليّة.

يرى غوسدورف أنّ التّاريخ المُفسّر L'histoire compréhensive، والذّي يمتاز بشموليته للمعرفة قد نظر       في مجالاتها كافّة، تعبيراً عن حضوره في العالم وعن طريقة للحياة. فيرى الفيزيائيّ هذه الأخيرة، على منوال طبيعة معرفته فلا يُحاول العيش من أجلها فحسب، بل الدّفاع عنها، بواسطة اختراع أسلحة مُدمّرة. كما تكفل المعرفة المُحافظة على الحياة والتخلُّص من الألم، وحتّى جعلها أفضل، هذا ما يتجسّد في الطّب، الذّي لن يتأخر في الاستفادة من الكيمياء والبيولوجيا. حيث ساهم الوضعيّون، بتقديم رؤية خاصّة وبراغماتيّة للحياة لتُشكّل بهذا كلّ معرفة شكلاً من أشكال المُعاش الوُجودي. هذا ما أدّى إلى توجيه مدار الوعي الغربي، فاختبر كلّ أعضاء الهيئة العلميّة -بتعبير طوماس كوهن-، باختلاف تخصّصاتهم، وضع إحساس ثقافي يتبادل المعنى مع الإحساس الجمالي والدّيني مُتجاوزين بذلك الحُدود الآنيّة الجامدة، إلى أفق أركيولوجي مُنفتح، أين يجب على تاريخ العلوم أن يتخذ مكانه الحقيقي ضمن نظريّة لمجموع الوعي الإنساني35.

تأبى المُمارسة الغوسدورفيّة، إلّا أن تكون أركيولوجيّة، ما يجعلها أقرب إلى الدياكرونيّة منها إلى الجُمود والستاتيكيّة فتأكيدها على البُعد التّاريخي التطوريّ، وطبيعتها المرنة المُنتقلة بين المجالات المعرفيّة المُتعدّدة، وحقب التّاريخ المختلفة، هي عوامل تُساعدها على ذلك، وهذا ما أكدّه غوسدورف في كتابه «مُقدّمة في العُلوم الإنسانيّة" قائلاً: "سيكون مُؤلّفي هذا، مُحاولة حقيقيّة في تاريخ وابستمولوجيا العلوم الإنسانيّة، والتّي مازالت     في تقديري غائبة لحدّ السّاعة في أكبر لغات الثّقافة36".

 

4- الإنسان: مرض التشظّي والتّرياق الإبيستيمولوجي

لم يكُن من المُمكن قيام علم الإنسان، من غير مُحايثته لسُؤال المعرفة، من حيث هي منتوجه الفكري والعلمي، فإذا كانت البينتخصصيّة ترياقا لمرض المعرفة، وكانت هذه الأخيرة خاصيّة إنسانيّة خالصة، فهي بهذا ستتحمّل عبء مُعالجة باطولوجيا الإنسان، وتأسيس علم الأنثروبولوجيا.

     يُشخّصُ غوسدورف مرض علم الإنسان بقوله: "لقد كانت بداية فقدان الإنسان لوحدته، والمُتجذّرة مُنذ ظُهور الإنسانيّة  إلى غاية الحقبة الوسيطيّة المسيحيّة، نتيجة حتميّة جرّاء تفجير تطوّر العلوم والتكنولوجيّات للكون في مجموعه37"، هذا ما انعكس سلباً على الثّقافة المُعاصرة، والتّي عبّرت عنها لوحات بيكاسو حيث يظهر الوجه فيها مُتفكِّكاً، العين والأذن في غير موضعهما الفم  في وسط  الجبهة، الأنف مزروع في الذّقن...إلخ من التّشويهات الخَلقيّة، التّي تجعل صاحب هذا الوجه أحد الشّواذ المجانين، مُمثّلاً في شخص الإنسان المُعاصر. تجد أزمة الثّقافة المُعاصرة معناها الأكثر إدهاشاً في أزمة صورة الإنسان هذه. فقد أدّى تطوّر العلوم والتّقنيات إلى خسارة وحدة الإنسان38. حيث لا تُشكّل الوحدة تجمُّعاً لأفكار أو لاحتياجات معرفيّة، فلسفيّة              أو إستيطيقيّة فقط. إنّها تبدو كمخطّط منظّم للفكر وللفعل، إلّا أنّها تتطوّر بطريقة فوضويّة، هذا التناقض سيدفع المثقفين       إلى رفض النّظر  في صورة الإنسان، إذا وجدوا تفكّكهم الذّاتي والمتحلّل، سيقرّرون من دون شكّ، محاولة تدارك الموقف عن طريق إيجاد علاجٍ، في حدود إمكانيّاتهم، أين يُصبح من المُمكن تدريجيّاً تجميع الكيان الإنساني والذّي سيُخولّه تحديد العمل الفنّي، و توضيح  أنّ لا أحد يُمكنه التّموقع في منظر هَلوَسي لتظهر المُعاناة اللّاواعية للإنسان في منتوجه المعرفي، العلمي والفلسفي، وحتّى الفنّي، جرّاء التّشظّي 39.

اقتحمت الثّقافة الغربيّة – مع بداية القرن الثّامن عشر-  بحزم، مسلك الثّورة الميكانيكيّة، لأوّل مرّة من قبل غاليلي، هذا ما فسح المجال أمام التّطوّر المجهول والأعمى للعلوم والتّكنولوجيّات، فبعدما كان الواقع التّقليدي نظاماً للقيم، أصبح الكون الحديث رُكاماً من الوقائع ،التّي يسعى العلماء لتبسيطها بفضل تطبيق مناهج تحليليّة صارمة 40.

يتهمّ غوسدورف أصحاب النّزعة العلميّة الضّيقة، من خلال قوله: "وحدها الميداليّة تملك وجهين، لا يجب الاحتفال بالفتوحات المُذهلة للعلم؛ يجب أيضاً أن نخبر كم كلفتنا هذه الفتوحات. تقسيم العمل العلمي، الشّرط الضّروري للتطوّر، ومن جهة أخرى تفكيك موضوع المعرفة. الفيزيائي، الكيميائي، لصياغة معرفة الواقع عن قرب أكثر من أيّ وقت مضى. وبما أنّ الرياضيّات هي ملكة العلوم، فإنّنا نصرّح بأنّه، ومنذ برتراند راسل لا يعلم الرياضيّ عن ماذا يتحدّث أو ما إذا كان ما يقوله حقيقي41".

عالج الوعي الغربي بعد غاليلي ونيوتن، الإنسان بوصفه موضوعاً للدّراسة مُشجّعاً بنجاحاته، فقد طُبّقت على الإنسان المعايير ذاتها للمعقوليّة النّاجحة في دراسة المادّة، تظهر طفرة العُلوم الإنسانيّة منذ قرنين من الزّمن كتجسيد لعلوم نعتها غوسدورف بأنّها لاإنسانيّة. لطالما سيطر مثال العلوم الدّقيقة والصّارمة، على تطوّر علم النّفس، علم الاجتماع، وحتّى الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة. ولم يسلم جسد الإنسان   من التّدخّل العلمي فيه، فقد تمكنّت الكيمياء من تحديد كميّات الماء، الكربون، الكبريت الفوسفور، الحديد إلخ، الموجودة في الجسم بدّقة، والمتدخلّة في التّركيب العُضوي له. لا يعتبر فيلسوفنا انتصارات العلوم الطّبيعيّة والإنسانيّة، سوى عبارة     عن تفكيك للإنسان الذّي أصبحت صورته عاتمة وغير واضحة لدرجة أنّ المشهد الفكري والثّقافي قد نسي     أنّ الإنسان يملك صورة كليّة، هذا ما أكّده هنري بوانكاريه -بوصفه عالماً قضى حياته في الدّراسة عن طريق الميكروسكوب-، وخلاياه، حيث أنّ صورة الفيل الكليّة غائبة، هذا ما ينطبق بامتياز حسب غوسدورف      على الوضع الابيستيمولوجي الحالي. أين يُجبَر الإنسان أن يُدْرَس في التّفاصيل الصّغيرة، ليخسر في النّهاية معنى هويته الحقيقيّة42.

تأسيساً على ما سبق، أكّد فيلسوف ستراسبورغ، أنّ كلّ علم يدرس الإنسان، يقترح صورةً عنه، ويُحدّدها   في تأليفات مُعيّنة ويكون العالم راضيا عن تخصّصه بتقيّده بمنهجيّة خاصّة تُقطِّع الإنسان إلى أجزاء، مُعتقدين أنّ الإنسان مجموعة من الأجزاء -وهي وجهة النّظر الوضعيّة-، فعندما يُجزّأ الإنسان إلى أجزاء لن يبقى أبداً إنساناً فقد بدأنا بقتله .43 إنّ علاج مرض التشظّي، النّاتج عن الانجذاب الأعمى للمركز وهو الإنسان، إلى نتائجه مُتمثّلة في الاختصاصات الضيّقة، قد حسمه غوسدورف قائلاً: "وحده همّ الالتقاء البينتخصّصي يستطيع أن يُصيِّر عُلوم الإنسان المُختلفة عُلوماً إنسانيّة حقّاً44".

إنّ العمل لتوجيه العلوم الإنسانيّة إلى نقطة التقاء تقاربيّة هو عمل لوحدة الإنسان، التّي تُمثّل حالة الرّوح فإذا لم نجد هذه الحالة في البداية فلن نجدها في النّهاية، ليظهر غوسدورف متأثرّاً بهيغل كاشفاً البُعد الميتافيزيقي   في مشروعه. إنّ المُصطلح الهيغيلي Geisteswissenschaften والذّي يعني "العُلوم الإنسانيّة"، يتناول الإنسان كروح ويرفضه من حيث الطبيعة في حين أنّ المفهوم الأنجلوساكسوني للعلوم الاجتماعيّة والمُشاع        في فرنسا، يُرجع العلوم الإنسانيّة لعلم النّفس وعلم الاجتماع التّي تُكمّل الإثنولوجيا أو الأنثروبولوجيا الثّقافيّة. لكنّها تبقى خاصّة جدّاً لأنّها تُقصي كلّ الأنظمة المعرفيّة الأخرى التّي تهتم بالتّاريخ الطّبيعي للإنسان أو الإنسانيّة بالإضافة للعلوم البيولوجيّة والعلوم التّاريخيّة 45.

6- الوضع العلمي للأنثروبولوجيا عند جورج غوسدورف (الحُدود البراغماتيّة والتأسيس الإبيستيمي)

تتجلّى صُورة الإنسان الحقيقيّة، من خلال تخصُّصات مختلفة كثيراً فيما بينها، كالبيولوجيا، خاصّة ما تعلّق فيها بعلم الحيوانات الراقية، والأنثروبولوجيا البيولوجيّة، علم الوراثة الإيكولوجيا، كما لا تُستثنى العلوم الإنسانيّة أيضاً من هذا46.     في مُقابل ذلك، إذا كان غوسدورف يُحاول الاستفادة من مجالات المعرفة المُختلفة لتأسيس علم الإنسان، فهل سيُساهم العلم فقط في تأسيس الوضع العلمي للأنثروبولوجيا أم أنّه سيتجاوزه إلى ميادين أخرى؟ لعلّ هذا يقتضي ضبط مفهوم العلم عند غوسدورف، فاختلاف تعريفاته، راجعٌ لتناقُض المذاهب الفلسفيّة، النّاتج عن كثرة المجالات الأدبيّة والعلميّة، عاكسة بذلك إحدى باطولوجيّات المعرفة، التّي تَحُول دون ترسيخ مفهوم مُحدّد يكون بمثابة الخُطوة الأولى في المشروع الأنثروبولوجي، واضعاً تقليداً مفاهيميًّا صَلباً، يُساهم في التّأسيس له، ويُحقّق الاتفاق بين أصحاب الهيئة العلميّة بتعبير طوماس كوهن.

تبنّى فيلسوف ستراسبورغ تعريف أندريه لالاند للعلم، والذّي جاء كالآتي: "إتّسمت كلمةُ علم باليونانيّة: επιστήμη -بالفرنسيّة: Épistémè، والتّي عُرّبت إلى: إبيستيمي- وفي اللّاتينيّة Scientia طيلة أمد طويل، بمعنى قويّ كاد يتلاشى في عصرنا مع تطوّر العلوم (...)فالعلم يتعلّق بالضّروري، الواجب والأزلي 47". لقد كان تعريف لالاند للعلم، شاملاً، تجاوز الحُدود الوضعيّة الضيّقة، إلى آفاق مُنفتحة على واقع ماورائي، سرمدي عبّر عنه لالاند بأنّه أزلي. فالشكّ في أنّ مجموع زوايا المُثّلث يُساوي °180 -والتّي يعتبرها المُلحد علماً-، لا يُمكنها أن تتحقّق في كلّ الأمكنة (الكرويّة والمقعّرة) هذا ما يُقرّر أنّ ما يقع في موضع الشُّبهة لا يُمكن أن يكون علماً، لتتجلّى بذلك سِمةُ العِلم الكُليَّة اليقينيّة وحتّى المُقدّسة، فمصدر سُلطة العلم الاجتماعيّة وقوّة معناه هو المعرفة 48. كما ورد في مُعجم لاروس الفلسفي أنّ العلم:"كشفٌSavoir أو معرفةٌ Connaissance واضحة ويقينيّة بشيء ما، استناداً إلى مبادئ جليّة ومُثبتة، سواءً بطُرق تجريبيّة أو بواسطة تحليل المُجتمعات والحوادث الإنسانيّة49 des faits humains.وبناءً على ذلك لا يَرسُم غوسدورف حُدوداً بين العلم والمعرفة مُستنداً بذلك لجذرهما اللّغوي الواحد، مجالات بحثهما وخصائصهما الشّاملة إلّا ليُبرز تماسُك العلم، مُؤكّداً أنّ البينتخصصيّة هي الحلّ الأمثل لمُعالجة داء التّجزُّؤ، الذّي لم يسلم حتّى المفهوم الشّامل للعلم منه، وهذا ما عالجه مقدّماً لنا نموذجاً للإصلاح المعرفي في التّاريخ ، داعياً لضرورة علاج العلم مُنزلاً إيّاه مكانته الحقّة الضّاربة بجذورها في عُمق التّاريخ، هذا الأخير الذّي احتضن باطولوجيا العلم سيكون بالضّرورة ميدان مُعالجتها. 

يُعدّ العلم إبان العصر الوسيط أكثر أشكال الحقيقة قُدسيّة لارتباطه بالنّظام الديني، والمُتجسّد في علم اللّاهوت                    أو الثيولوجيا؛ التّي تتخذّ دلالة معرفة الله للكون موضوعها الأساسي، بوصفها المعرفة الأكثر كمالاً وعُلواً، مُقارنةً بما يعرفه وما يُحاول الإنسان اكتشافه من أسرار الطّبيعة وحتّى نجوى ذاته. لقد كانت نقلة مفصليّة-حسب غوسدورف- تلك التّي أحدثها الفيلسوف والرياضي النّمساوي كريستيان وولف Christian Wolff (1679-1754)، مُعرّفاً العلم من خلال نتائجه؛ حيث يتّم استنباط مبادئ مُعيّنة وثابتة، على سبيل نتائج مشروعة مُبيّناً أنّ كرامة القصد تظهر من خلال هدفه، وهي في هذه الحالة غاية عُليا مُتعلّقة بواقع مُفارق يدرس شكل المعرفة لا مضمونها، مُؤسّساً بذلك لميتافيزيقا عامّة، تُرادف علم المبادئ وتُعنى بموضوعات المعرفة المُختلفة، والمُتمثّلة في: الذّات، الطّبيعة، والعالم50 .

يقترح غوسدورف لفظ "العلم الكامل" La Science Parfaite بدل الثيولوجيا؛ بُغية رفع كلّ سلطة معرفيّة لمجال مُعيّن على آخر، وكذا لتجريد العلم من صفة الألوهيّة، التّي تجعل الإنسان -وبالرّغم ممّا يَكتَنزُهُ      من ملكات- قاصراً عن بُلوغها51، فعَجزُ العقل المحض عن بُلوغ المعرفة الإلهيّة المُطلقة، وكذا معرفة الله، راجعٌ لتعذّر الميتافيزيقا أن تُصبح علماً، حتّى لو اعتمدنا قضايا يقينيّة لا ينالُها الظّن، لأنّها ستكون تحليليّة، ولن تُضيف شيئاً سوى أنّها ستُعجّل ظُهور الشكيّة المذهبيّة 52؛ كونها طريقة إقناع في غير محلّها، تقتضي تبنّي تفسير للكون، بحُجج تتطابق مع ذاتها دون مُطابقتها للواقع، الذّي سيفقد دليل وُجوده، ويُصبح مناطاً للظّن.

يسير فيلسوف ستراسبورغ على خُطى نيتشه؛ فإذا كان هذا الأخير يُعلن "موت اللّه" بطريقة انتصارية، فإنّ فيلسوفنا سيُعلن موته في الإبيستيمولوجيا، كبداية أزمةٍ في المعرفة كانت أهمّ ما ميّز القرن الــثّامن عشر في أوروبا. وسيتعزّز هذا عندما يُقدّم لابلاس لبونابارت نظرته عن العالم، القاضية بأنّ تفسير الواقع مُمكن دُون اللّهث وراء "فرضيّة اللّه"، والتّي كانت زَعماً وضعيّاً خاطئاً، بحُجّة أنّ تطوّر العُلوم التّجريبيّة كان نِتاجَ ارتباطها بالرّموز الرّياضيّة المُشكّلَة للُغة العلم، وليس لدواعي ميتافيزيقيّة مُفارقة. يظهر غوسدورف في ثوب المُنتقد، عندما يصف هذا الإقصاء بالتعسُّفي؛ فالإلحاح على مكانة الرّياضيّات في مُختلف العُلوم، لا ينفي بالضّرورة مكانة الله في المعرفة بدليل أنّ كريستيان وولف ذاته، دافع عن العدد ومكانته في البحث السيكولوجي، وساهم في المحاولات الألمانيّة الأولى في مجال الديموغرافيا، كما ركّز على دور المعقوليّة الرّياضيّة في شكل حساب الاحتمالات، لكي يسود النّظام والعقل الظّواهر الاجتماعيّة حتّى على ما يبدو منها غير نظاميٍّ53.. يُعتبر التّرييض شكلاً من أشكال البينتخصصيّة، فهي مُحاولة لتوحيد لغة العلم أو بالأحرى، ابتكار لُغة شاملة تُحقّق الاتفاق بالمعنى الليبنيتزي ليثور غوسدورف على كلّ مذهبيّة مُنغلقة، تُقصي حقائق على حساب أخرى، وتخدم مصالح ايديولوجيّة أكثر منها معرفيّة.

يُعرَّف العلم من الآن فصاعداً بنمط المعرفة لا بموضوعها فظُهور علوم جديدة تتناسب والإجراء العلمي المُطبّق في مجالات مُختلفة لحدّ التطرّف، رجّح ضرورة البحث عن أحكام بُغية تحصيل المُوافقة الكونيّة، التّي تُرادفُ كلمة العلم المُطبّقة في كلّ مجموع معرفيّ مُنسجم، قد يأخُذ صفة النّسقيّة، لتزداد استفادة العُلوم من بعضها ويسهل الانتقال المرن بينها دون حواجز54.

لاشكّ في أنّ فكرة العلم حقيقة تاريخيّة، حتّى بالنّسبة لتلك التّي لا نعتبرها الآن عُلوماً، كالتّنجيم والخيمياء، احتراما لجُهود الإنسان، وحفاظاً على مكانة الوضع العلمي، حيث عُرفت مُورست وطُبّقت لزمن طويل على أنّها كذلك، أُستثمر هذا الادعاء عصراً من بعد عصر كشكل من أشكال المعرفة، حيث تحمل قيمة واقعيّة، كحدث تاريخي يُحتذى به على الأقلّ في حقبة مُعيّنة، هذا ما دفع الثيولوجيا للاحتجاج حفاظاً على أهليّتها وصَوْناً لمكانتها، كملكة لكلّ العُلوم بدون مُنازع إبان العصور الوُسطى. على باقي العُلوم الأخرى كالرّياضيّات والفيزياء التّجريبيّة، التّي أجبرت العلم على التخلّي عن البحث في جواهر الأشياء، والانعطاف نحو وصف الظّواهر، تحت ضغط المناهج الاستقرائية الوضعيّة، التّي تستمد صدقها الأُحادي من المُمارسات التّجريبيّة55.   

يظهرُ مفهوم العلم اللّاإنغلاقي، أين تنسلخ كلّ العُلوم            من وضعها العلمي، ولتتلاشى دعوى أفضليّة نظريّات داخل مجال مُعيّن على آخر، ويندثر معها احترامنا الرّاسخ للعلم-بشكله المُغلق-؛ فالثيولوجيا أو علم اللّاهوت، أو منهجيّة تُشكّل نسق حقائقنا المتعلّقة بالله؛ على غرار العُلوم الأخرى قد رفضت أن تُرفع عنها صفة العلميّة؛ حيث تفتخر كليّة اللّاهوت بانتمائها لكليّات العلوم، وتَرفُض رَفضَ بعض التيّولوجيين على غرار كارل بارث Karl Barth(1886-1986) للقب العلم56. وحُجّة هؤلاء تكمن في أنّ منح علم اللّاهوت وضعاً علميّا تقليداً للعُلوم الأخرى يُجبرها على الاعتراف بثلاثة أمور57:

1 إنّها ككلّ العلوم الأخرى، جهد إنساني مُرتبط بغاية معرفيّة مُحدّدة.

2 اعتمادها منهجاً ومنطقاً مُحدّداً.

3 قُدرتها على تبرير المنهج المُراد نهله لتبيين نجاعتها من النّاحية التّطبيقيّة.

إنّ كليّات العُلوم المُتعالية على باقي التخصّصات والمُنعزلة عنها -والتّي نعتها غوسدورف بكليّات نابليون-تُعيق العلم عن تحقيق معقوليّة موضوعيّة تنال مُوافقة العٌقول المُختلفة، كونها مُغلقة على ذاتها وتُجبر ميادين أخرى -مثلما رأينا مع الثيولوجيا- للاندماج داخل نسقها حتّى وإن كان هذا مُنافياً لطبيعتها، ليتأكّد أنّ تحقيق الموضوعيّة يحتاج للذّوات المُختلفة لا بفرض منطق الموضوعيّة عليها، بل بإقناعهم بضرورة الاشتراك لتحقيق غاية العلم الحقيقيّة التّي وُجد من أجلها58.

ومُجمل القول إنّ مفهوم العلم غير واضح حتّى بالنّسبة له ذلك أنّه و من المستحيل إيجاد المعنى الحالي للكلمة جاهزاً     في الماضي، وكذا لقُصور السّيطرة عليه، ما أدّى إلى انفصاله عن مجموع الثّقافة، وعُزوفه عن اعتلاء المكانة الشّرفيّة والأهميّة التّقريريّة، التّي يدّعي واهماً امتلاكها حاليّاً والتّي كان يتمتّع بها من قبل59.

تُشكّل المفاهيم المُتعدّدة حدّ التّناقض لفكرة العلم، واقعه المأزوم المُتمثّل في صُعوبة تعريفه، بحيث يُرضي مُختلف العُلماء كــ: الرياضي، الأركيولوجي، المؤرّخ، أو رجل القانون، الطّبيب والثيولوجي، ليظهر سبيل تهذيب هذا التّناقض، بتجاهل كلّ هذه الافتراضات، ووُجوب الاعتراف أنّ "العلم" في حدّ ذاته يقدّم ما هو مُشترك بين كلّ التّخصُّصات ،التّي تقدّم نفسها على هذا النّحو، أي –وبمعنى آخر-  تحديد موقف مُعيّن من الإنسان في علاقته بالكون60. فلا يحذو العلم إلاّ أن يكون: "نظرةً مُعيّنة حول الواقع، والتّي لن تكون وفيّة للكنيسة، للعامل في مصنعه، للفنّان في ورشته، أو لرجل الشّارع في الشّارع فالعالم يبحث عن معرفة موضوعيّة ومعقولة (...)، وبفضل إجراءات مؤسّسة على العقل، ومُتحكّم فيها عُموماً، يُمكن تحقيق هذا إذا ما تمسّكنا بهذا التّعريف العام جدّاً، والذّي يبدو أنّه        في غاية الإمكان دون أيّ تحيُّز 61".

بعد تناول مفهوم العلم، وجب تبيين موضع الآداب                  في المشروع الغوسدورفي؛ حيث يُعبّر تجزيئ الثّقافة  في فرنسا من قبل -ما سمّاه فيلسوف ستراسبورغ- مُنظَّمة الجامعة الإمبراطوريّة، نسبة للتّقسيم الثُّنائي النّابوليوني المُتمثّل في الآداب والعُلوم، عن سُوء فهم لمفهوم الجامعة في وحدتها  من حيثُ أنّها المحيط الأمثل للثّقافة، والذّي لم يكن موجوداً في الجامعات البريطانيّة، كما استقبلت كليّات الفلسفة في ألمانيا المتعلميّن الذّين فُصلوا أو وجدوا أنفسهم غريبين بيداغوجيّا في فرنسا، وكذا جمعت بين كليّات الآداب والعلوم، غير مُحقّقة بذلك راحة إداريّة وانفتاح المجالات على بعضها البعض فحسب بل خبرَ الفكر الحقيقي الذّي وُجد مُشاركاً، عامّاً وشُموليّاً62.

    يرجع المعنى الحالي لكلمة "علم" من جهة أخرى للتّعارض الثّقافي المُتأصّل بين العلوم والآداب. حيث علّق غوسدورف على لالاند الذّي –وفي نظره- قد تأسّف في كلمات حكيمة، عن التّعارض بين الفلسفة –باعتبارها مُنتمية للآداب- والعُلوم الأخرى، سواءً الصّوريّة، الطّبيعيّة، وفي بعض الأحيان حتّى الإنسانيّة والمُجسّد-في تنظيم الكليّات، فلن يتعرّض مُستقبل الفلسفة وحده للخطر بقدر ما سيُشوّه تاريخها ويرفع صفة العقلانيّة عن ماضيها عازلاً الأخطاء العلميّة، التّي لطالما أصبحت حقائق علميّة -بالتّعبير الباشلاري63

هيمن هذا التمزّق بين الآداب والعُلوم على الثّقافة المعاصرة خاصّة النّظام البيداغوجيّ(التّربوي) الذّي كان يُشكّل في البداية الاستثناءَ، إلى أن أصبح قاعدة تربويّة، فدعوى الغير قابليّة للاختزال تتنافى وطبيعة الأشياء، فضلاً عن كونها ظاهرة مُتأخرة وغير  سويّة64. يُحاجج غوسدورف موقفه هذا، بسرد تعريف مقال الآداب من قاموس ليتريه ما ديباجته:" هو مجموع المعارف التّي تُقدَّم في دراسات الكتب65" وهذا ما يتّفق باختصار و الفكرة العامّة جدّاً للثّقافة والتّي يُمكن تحصيلها عن طريق تكثيف القراءة، فإنسان "دون آداب" في العُرف الكلاسيكي؛ هو من لم يتلقى تعليماً مدرسيّاً وجامعيّاً في شكله المُعتاد، ويضرب غوسدورف مثالاً بـ: العالم والتّاجر الهولندي أنطوني فان لوفينهوك (1632-1723)Antoni  van Leeuwenhoekوالذّي استعمل دون تكوين جيّد، وبانتظام، الميكروسكوب للتّحقّق من الموضوعات الطّبيعيّة، كما عمل في المُستشفى، و برع في الفيزياء، علم النّبات والبيولوجيا66.

ارتبطت كلمة "آداب" بالمجال الكامل للمعرفة؛ هذا المعنى المُعولَم، مُختبر بوضوح من طرف الأوتوبوغرافية أو السيرة الذّاتيّة لديكارت، الذّي نهل في طُفولته من الآداب، مُكتسباً بذلك معرفة واضحة ويقينيّة عن كلّ مجالات الحياة، وهذا ما يُبيّن تأثّره بالبرنامج الكامل لمدرسة لافلاش، الذّي يُغطّي مزيجاً من البلاغة، الشّعر الرياضيّات الثيولوجيا، الفقه، القضاء الطّب وباقي العلوم الأخرى. ليكون قد ساوى بين العُلوم والآداب67 حيث علّق جيلسون Gilson عن هذا المقطع المؤوَّل لكلمة الآداب المُسّماة litierae humaniores، والتّي تعني الإنسانيّات68"،ليظهر لنا القياس التّالي: إذا كانت الآداب مُساوية للعلوم وضروريّة لتكامل المعرفة، وكون الآداب مُرادفة للإنسانيّات، فإنّ هذه الأخيرة مُساوية للعلوم وضروريّة للمشروع المعرفي.

-وإنطلاقاً ممّا سبق؛ يُمكننا التّفصيل في كيفيّة التّكامل بين العلوم الإنسانيّة أوّلاً، باعتبارها المخرج الوحيد الذّي يُمكننا من خلاله معرفة ما يُحرّك كُلّاً من الإنسان والمجتمع وما يدفعهما   إلى التّطوّر أو التّدهور، وكذلك ما يدور فيهما من صراع هذا ما يفرض اليوم السّيطرة على الإنسان نفسه في جميع حالاته النّفسيّة، الاجتماعيّة والتّاريخيّة وغيرها، وهذا لا يتحقّق إلاّ عن طريق تكامل العلوم الإنسانيّة فيما بينها. إضافة إلى هذا يُمكننا أن نصف الواقع الإنساني بأنّ له أبعادا عديدة تمامًا كما نصف المشاكل الإنسانيّة الخاصّة بذلك، فلمّا كان كلّ علم فردي يُعالج تجريداً واحداً من الواقع العيني فإنّ مناهجه لابُّد أن تكون مُحدّدة وذات جانب واحد، فليس ثمّة كائن إنساني يُمكن وصفه ببساطة أنّه: "إنسان اقتصادي" أو "إنسان نفسي" فلا يُمكن أن نفهم مثل هذا الإنسان ، وليس ثمّة فعل إنساني يُمكن أن يُفهم في ضوء مُصطلحات سيكولوجيّة بحتة، دون الإشارة إلى الظّروف الاجتماعية، فنتائج العلوم الفرديّة لا يُمكن أن تقودنا إلى فهم كامل لمُشكلة واقعيّة عينيّة، إلاّ بإيعاز من علم آخر ينتمي للمركز ذاته، وهو الإنسان بوصفه رهان كوني 69. هذا ما دفع غوسدورف إلى إعادة تسمية العلوم المُختلفة بما يتلاءم والمركزيّة الأنثروبولوجيّة، على غرار إطلاق مُصطلح: الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة بدل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، والتّي يعني بها علم الاجتماع، علم النّفس، وعلوم الثّقافة، بدل العلوم التّاريخيّة، والتّي تضُّم، التاريخ العام، التاريخ الجُزئي، تاريخ العلوم، تاريخ الأفكار،تاريخ الأديان، تاريخ الفنون، تاريخ التّقنيّات. كما طالت زعزعة  غوسدورف للاصطلاحات التّقليديّة مجال العُلوم الطّبيعيّة، حيث أحال البيولوجيا إلى مُصطلح يُعطي للإنسان مكانته الحقّة، وهو مُصطلح الأنثروبولوجيا العُضويّة 70.

وخلاصة القول، يُحاول غوسدورف إعادة لمّ شمل الإنسان المُتشظّي في النُّظم المعرفيّة الكُبرى، الفلسفيّة والعلميّة، وذلك بأن يُعيد للإنسان هيبته ومكانته الكونيّة، التّي تُجسّد وحدته عن طريق تأصيله في العالم، ما يجعله يحنّ لزمن الحداثة، لكنّه    في مُقابل ذلك يرفُض كلّ نسقيّة أو انطواء داخل مذهبيّة مُعيّنة ما يجعله فيلسوف ما بعد حداثي فاتحاً بهذا المجال أمام مُرونة معرفيّة-تمثّلت في مشروع البينتخصصيّة- تُعطي للأنثروبولوجيا وضعاً علميّا يستمدّ قوته من كلّ العلوم الأخرى، هذه الأخيرة التّي سيقوم غوسدورف بإحراجها إذا ما حاولت تهميش الإنسان   أو هدمه، لأنّها في الأصل ساهمت في بنائه أو تأسيسه كعلم لتكون أيّة مُحاولة للإنقاص من علميّة أو أهميّة الأنثروبولوجيا إنقاصاً من علميّة العلوم الوضعيّة والدّقيقة في حدّ ذاتها. كما يظهر فيلسوفنا بثوب الإيديولوجي عندما لا يعتمد على فلاسفة وعُلماء لا أوروبيّين، كانوا مثالاً للبينتخصصيّين، والمُنتمين لحضارات شرقيّة ككونفوشيوس مثلاً، وحتى من علماء وفلاسفة الإسلام، كالفارابي وابن سينا، الذّين برعوا في شتّى أنواع عصرهم

 

1. لقد آثرنا استعمال مُصطلح الباطولوجيا والتّي تعني علم الأمراض، لدلالته الصّريحة والواضحة على أنّ الإنسان قد عاش الحالة السويّة في التّاريخ من قبل، ولا تُعدُّ حالته الرّاهنة والإغترابيّة عن الواقع، سوى مرضٍ أصابها، مُتفادين بذلك الاستعمال التّقليدي للعُلوم الإنسانيّة والمُتمثّل في الأزمة، حيث تحمل هذه الأخيرة معنى إيجابي سيدفع العلم إلى التقدّم أكثر، في حين يُعبّر المرض عن حالة سلبيّة لا سويّة أصابت المعرفة بصفة عامّة والإنسان على وجه الخُصوص.

 

2.جورج غوسدورف  Georges Gusdorf(1912-2000): فيلسوف، مُؤرّخ للأفكار وإبيستيمولوجي فرنسي مُعاصر تحصّل على شهادة الدوكتوراه سنة 1948 إثر أطروحتين:- التّجربة الإنسانيّة للتّضحية كان أستاذاً للفلسفة في جامعة ستراسبورغ. تمثّل مشروع غوسدورف في لمّ شمل الإنسان المُتشظّي في العلوم والمعارف المُختلفة التّي تشترك في موضوع واحد، بُغية تأسيس الأنثروبولوجيا وإعادة الإعتبار للميتولوجيا. من أهمّ كُتبه: إكتشاف الذّات (1949)، الكلام(1952)،الأسطورة والميتافيزيقا (1953)، محاولة في الميتافيزيقا(1960)، مدخل إلى العلوم الإنسانيّة (1960)،علوم الإنسان هي علوم إنسانيّة (1967)،  وكذا موسوعته الشّهيرة: العلوم الإنسانيّة والفكر الغربي.

جورج طرابيشي، مُعجم الفلاسفة) المناطقة، المُتكلّمون، اللّاهوتيّون، المُتصوّفون)،دار الطّليعة،بيروت-لبنان،ط3، 2006، ص ص440،439.

3. فريديريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة: سهيل القش، تقديم ميشال فوكو، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت-لبنان، ط2 1983، ص46.

4.أندري لالاند، موسوعة الفلسفة،الجُزء الأوّل، ترجمة،خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط2، 2001 ص،357.

5. وعى غوسدورف أنّ انفصال الفلسفة عن العلوم هو مناط أزمتها، ما دفعه للحديث عن إلتمام العلوم المعارف والفنون مرّة أخرى لأنّ هذه الوحدة ستُعيد للفلسفة مجدها الغابر. وبيان ذلك في عنونة غوسدورف  الفصل الأوّل من كتابه: علوم الانسان هي علوم انسانيّة، بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة.

6. Edgar Morin:sur L’interdisciplinarité, Revue des sciences de l’éducation vol 24,édition du CNRS, paris-France,1998,p5.Guerre et paix entre les sciences,p21.

7. [1] Georges Gusdorf :«Qu'est-ce que l'interdisciplinarité? Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire». Revue internationale des sciences sociales, 1977, p35.

8.  Ibid,p36.

9.Georges Gusdorf, Les sciences de l’homme sont des sciences humaines,1 edition, Strasbourg, Faculté des lettres de l’Université de Strasbourg, 1967, p38.

10.Ibidem

11. Ibidem

12. إدغار موران: أنثروبولوجيا المعرفة: مدخل إلى المنظور التّعقيدي للمعرفة، ترجمة، يُوسف تيبس، رُؤى تربويّة، العدد 39،(د،س،ن)، ص ص 93 ،94.

13. Georges Gusdorf: Les Sciences humaines et la pensée occidentale Tome : 2: Les Origines des sciences humaines, antiquité, Moyen âge, Renaissance. Paris, Payot,1edition, 1967, p17.

14. Edgar Morin :Sur Linterdisciplinarite,Opcit,p5.

15. مع العلم أنّ النّظام يخدم التّخصص، ذلك أنّه يُشير إلى مجال مُغلق مُتناسق ،مُميّز عن باقي المجالات من حيث الموضوع والمنهج.

16. وهذا ما يظهر جليّاً في قاموس: سهيل إدريس: المنهل: قاموس فرنسي عربي، دار الآداب، بيروت-لبنان، ط5، 2013، من ص 667 إلى 672.

17.Armin Krishnan:what are Academic Disciplines?Some observation on the Disciplinarity vs Interdisciplinarity debate,University of Southhampton-National Centre for Research Methods,2009,p8.

18. Ibidem.

19.Ibidem.

20.Armin Krishnan:what are Academic Disciplines?Some observation on the Disciplinarity vs Interdisciplinarity debate,University of Southhampton-National Centre for Research Methods, 2009,p9.

21. Ibid, p10.

22.  Mohammed Allal Sina Aucune source spécifiée dans le document actif.ceur : « Qu'est-ce que l'interdisciplinarité? ». Revue internationale des sciences sociales,1edition, 1977,p25.

23. Louis d’Hainaut, Interdisciplinarity in General Education, following an International Symposium on Interdisciplinarity in General Education held at Unesco Headquarters from 1 to 5 july 1985,UNESCO,1986,p7.

24.وهذا يعني أنّ غوسدورف سيستفيد من تشظّي العلوم،لتُصبح التخصُّصيّة ورغم سلبيّاتها الكثيرة إيجابيّة.

25.Mohammed Allal Sinaceur : « Qu'est-ce que l'interdisciplinarité?»Opcit, p28.

26.  http://e-g-g.fr/lecole/notre-histoire/georges-gusdorf,16-07-2016,14:22.

27.أندري لالاند، المرجع السّابق، ص790.

28.المرجع نفسه، ص ً792.

29.المرجع نفسه، ص 793.

30.المرجع نفسه، ص ص356،357.

31.Georges Gusdorf: «Qu'est-ce que l'interdisciplinarité? Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire ». Opcit, p31.

32.رشيد دحدوح، تاريخ وفلسفة العلوم البيولوجيّة والطبيّة عند جورج كانغيلهم، أطروحة مقدّمة لنيل درجة الدوكتوراه في الفلسفة، جامعة قسنطينة2 عبد الحميد مهري2006،2005، ص31

33.والتّي يُمكن إجمالها في إتجاهين  1-إتّجاه ضيّق مُغلق؛ يُقرّ بأنّ لكلّ علم مُشكلاته الخاصّة به،مؤكّداً على أنّ الوحدة شكلٌ من أشكال الإستغلال الفلسفي للعلم لا تُميّز بين الإبيستيمولوجيا والميتودولوجيا إلّا من خلال التّحليل والنّقد.2-إتّجاه مرن مُنفتح؛ يُبيّن أنّ المُشكلات التّي تُواجهها العُلوم واحدة، ليكون التّكامل الإبيستيمي رهناً  بتحرّرها من قُيود التخصصيّة والإستفادة من بعضها البعض، وهذا ما يُؤكّده إندماجها كالفيزياء الإجتماعيّة عند كونت وظهور علوم جديدة جسّدت الوحدة العلميّة في الواقع، مثل:الفيزياء الرّياضيّة، البيوتكنولوجيا ...إلخ

34.                     محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانيّة المعاصرة وتطوّر الفكر العلمي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت-لبنان، ط5، 2002، ص47

35.Les sciences humaines et la pensée occidentale. Tome I, p 8

36.Ibid , p 10.

37.Georges Gusdorf, Les sciences de l’homme sont des sciences humaines, Opcit ,p93.

38.Ibidem

39.Ibidem

40.Ibidem

41.Ibid, p94.

42.Georges Gusdorf, Les sciences de l’homme sont des sciences humaines,Opcit, p p 94,95

43.Ibid,p39.

44.Ibidem.

45.Ibid, p p 39,40.

46.Edgar morin: :«Qu'est-ce que l'interdisciplinarité? Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire ». Revue internationale des sciences sociales, 1977.p207 p208.

47.ندري لالاند، الموسوعة الفلسفيّة، الجزء 2، ترجمة،خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ط2، 2001 ، ص1251.

48.Les sciencs humaines et la pensee occidentale, tome I , Opcit, p 16.

49.Michel Blay et des autres, Larouuse-Grand Dictionnaire de la Philosophie-CNRS edition,p 949.

50.Les sciences humaines et la pensée occidentale. Tome I ,Opcit, p p16,17.

51.Les sciences humaines et la pensée occidentale. Tome I, Opcit, p17

52.إيمانويل كانط، مقدّمة لكل ميتافيزيقا مُقبلة -متبوع بأسس ميتافيزيقا الأخلاق-، ترجمة: نازلي إسماعيل حسين ومحمد فتحي الشنيطي، تقديم، عمر مهيبل موفم للنّشر، الجزائر، ط1، 1991، ص ص 13،14

53.Les sciences humaines et la pensée occidentale. Tome I,Opcit,p 17.

54.Ibid,p p 17,18.

55.Ibid, p p 19, 20.

56.Ibid, p 18  

57.Ibid, p p 18,19. 

58.Ibid, p 19.

59.Ibidem.

60.Ibid, p 20.

61. Ibidem

62.Ibid, p p 20,21.

63.Ibid, p 21.

64.Ibidem.

65.Ibid, p 22.

66.Ibidem.

67.Ibidem

68.Ibid, p10.

69.Edgar morin: :«Qu'est-ce que l'interdisciplinarité? Passé, présent, avenir de la recherche interdisciplinaire », Opcit, p208.

Georges Gusdorf:Les sciences de l’homme sont des sciences humaines, Opcit,p40

محمد الأمين جلالي, «باطولوجيا1 الإنسان وتأسيس الوضع الأنثروبولوجي عند جورج غوسدورف2-رُؤية بينتخصصيّة-»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 02 مجلد 16-2019N°02 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 08-19,
Date Publication Sur Papier : 2019-06-24,
Date Pulication Electronique : 2019-06-24,
mis a jour le : 17/07/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5615.