إشكالية تجنيس قصيدة النثر في النقد العربيThe issue of gender prose poem in literary criticism
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

إشكالية تجنيس قصيدة النثر في النقد العربي

The issue of gender prose poem in literary criticism
ص ص 154-163
تاريخ الارسال: 08/02/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

صفيناز صالحي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

ستبقى إشكالية التجنيس قائمة في ميادين النقد الأدبي، بفعل الممارسة الإبداعية الحديثة المستمرّة، المتفاعلة مع محيطها العالمي، ففي كل مرة يظهر نوع أدبي جديد، يظهر معه تعريف جديد للنوع يتجاوز القديم إن لم يلغه كلية، لذا يغدو الأمر أكثر تقبلا باقتراح نظرية أدبية تستوعب الاندماج والاختلاط والولادة الجديدة في مجال تفاعل الأجناس والأنواع الأدبية.

وهذا ما يحاول هذا البحث طرحه، بحثا في الإشكاليات التي أحاطت بمسألة (قصيدة النثر)، ومن أبرزها نذكر إشكالية الرفض بحجة النشأة الغربية بشكل عام، وإشكالية وضع المصطلح، ثم إشكالية التصنيف وتحديد الهوية النصية، فضلا عن التطرق إلى طرح الآراء النقدية العربية المتفاعلة مع ظهورها ايجابيا وسلبيا.       

الكلمات المفاتيح: تداخل الأجناس، قصيدة النثر، لا هوية.

Dans le domaine de la critique littéraire, la problématique des genres est toujours d’actualité et cela suite à l’interminable processus créatif moderne et universel. Cela engendre à chaque fois de nouveaux genres qui impliquent de nouvelles définitions dépassant ou annulant les anciennes. Il est donc souhaitable de proposer une théorie littéraire qui englobe ces nouvelles créations issues des intégrations, du mélange et de l’éclatement des genres.

Et c’est ce que nous tentons de faire dans cette étude où nous développons les questions posées à propos du «Poème en prose» et nous nous intéressons aux opinions critiques, positives ou négatives, émises là-dessus.

Mots-clés :Eclatement des genres, Poème en prose,Non-Identité.

In the field of literary criticism, the issue of gender is always of topicality and this result to the endless of the creative process modern and universal. This creates each time new genres which involve new definitions exceeding or rescinding the old ones. It is therefore desirable to propose a literary theory which encompasses these new creations of integrations, and mixture and the breakdown of the genera.

     Thus the aim of this study is to develop a problematic question about the "prose poem" in order to shedlight the investigations between genres in terms of qualities and characteristics, and how genres can take advantages from each other. Then we are also interested in the critical views about the interaction between genres either positive or negative.

      Key words: Breakdown of genres, Prose poem, Non-Identity

Quelques mots à propos de :  صفيناز صالحي

جامعة محمد لمين سطيف2amar.safi19@gmail.com

تمهيد 

ستبقى إشكالية التجنيس قائمة في ميادين النقد الأدبي، بفعل الممارسة الإبداعية الحديثة المستمرة، المتفاعلة مع محيطها العالمي بحثا في ممكناته، ففي كل مرة يظهر نوع أدبي جديد، يظهر معه تعريف جديد للنوع يتجاوز القديم إن لم يلغه كلية، لذا يغدو الأمر أكثر تقبلا باقتراح نظرية أدبية تستوعب الاندماج والاختلاط والولادة الجديدة في مجال تفاعل الأجناس والأنواع الأدبية.

ومن الأسئلة المحيرة المطروحة داخل الدراسات الأجناسية المتعلقة بقصيدة النثر نذكر ما يلي: إلى أي مدى يمكن القول: إنّ قصيدة النثر عربية خالصة؟ أي هل قصيدة النثر جديدة تماما، مما يعني أنها خرجت عن جنس النثري؟ وهل كثرة المادة النثرية الجديدة تشفع لها بالتحول الجذري من نوع أدبي إلى جنس مستقل بذاته؟ وما هي المنهجية التي اعتمدت في تصنيفها وتحديد هويتها الأجناسية؟ وهل استطاعت أن تكسب جوازها الجنسي؟ وما العلاقة التي تربط نصوص قصيدة النثر بالأجناس الأدبية المتاخمة لها؟ وما هي أنماط الرؤى النقدية التي بلورتها؟ وعلى أي معيار يمكن الجزم بأنها تمارس كتاباتها انطلاقا من فراغ معياري؟ وغيرها من الأسئلة التي أثارت الكثير من السجال التجنيسي حول هذا النمط من الكتابة الأكثر شيوعا في الأدب المعاصر، الذي أضفى له شرعية الحضور بعده نموذجا مطورا مرتكزا على أشكال فنية مختلفة من أجل تدميرها لتحويلها ضمن عملية تداخل فكري إجرائي بين الأجناس الأدبية. ويتعين قبل الولوج إلى صلب البحث أن نتطرق إلى ضبط مفهوم الجنس الأدبي.

1-في ماهية الجنس      

جاء في لسان العرب: إنّ الجنس هو: "ضَّربٌ من كل شيء، وهو من الناس ومن الطير ومن حدود النَّحْوِ والعَرُوض والأَشياء جملةٌ... والجمع أَجناس وجُنُوسٌ... والجِنْسُ أَعم من النوع، ومنه المجانَسَةُ والتَّجْنِيسُ. ويقال: هذا يُجانس هذا أي يشاكله"1، وفي القاموس المحيط "الجِنْسُ، بالكسر: أعَمُّ من النَّوْعِ، وهو كلُّ ضَرْبٍ من الشيءِ، فالإِبِلُ جِنْسٌ من البهائِم ج: أجْناسٌ وجُنوسٌ"2.

والنَّوْعُ كما ورد في المعجم الوسيط "الصِّنف من كل شيءٍ. ويقال: ما أَدرى على أَيَّ نوعٍ هو: وَجْه. وفي اصطلاح المناطقة: كُلِّيٌّ مقولٌ على واحدٍ أو على كثيرين متَّفقين في الحقائق في جواب ما هو. وفي علم الأَحياء: وحْدةٌ تصنيفيّة أَقل من الجنس يتمثل في أفرادها نموذج مشترك محدود ثابت وراثي"3.

ومصطلح النوع ترجمة للمصطلح اللاتيني (Genre) وهو "مصطلح حديث نسبيا في الخطاب النقدي. وكانت المصطلحات المستخدمة للتعبير عن معناه قبل القرن الثامن عشر هي (Kinds) أو (Species). ويستمد المصطلح (Genre) أصله من الكلمة اللاتينية (Genus) التي تشير في بعض الأحوال إلى (Kind) أو (Sort) أو (Specie) ولكن في بعض الأحوال الأخرى تعتبر (Specie) فرعا من (Genus) جذرها هو (Genre) و(Gignere)، بمعنى (أن ينجب) وحالة المبني للمجهول (أن يولد). وبهذا المعنى الأخير تشير المصطلحات إلى صنف أو مجموعة وإلى عمل مفرد أيضا"4.

بناء على ما تقدم يتضح أنّ الجنس لغة لا يختلف عن تعريف النوع، فكلاهما يقصد به ذلك الضرب من الشيء أو الصنف منه، وإن كان الجنس يعد أكثر شمولية واتساعا من النوع، وإذا طبقنا هذا على الأدب وجدناه يحتوي على جنسين اثنين هما: الشعر والنثر، فالشعر مثلا يتضمن أنواعا من مثل: شعر التفعيلة، الشعر المرسل، الشعر التعليمي، الشعر المسرحي، قصيدة النثر...، أما النثر فإنه يشتمل أنواعا عدة منها: المقامة، الخطابة، المسرحية، القصة القصيرة، الرواية إلخ.

أما من الناحية الاصطلاحية، فلا يختلف مفهوم الجنس عن مفهوم النوع في التنظير والاستعمال فـالنوع أو الجنس، تنظيم عضوي لأشكال أدبية، كما يمكن تمييز الأنواع الكبرى عن الأنواع الصغرى التي تقوم على محورين متمايزين هما5:

     أ-مفهوم كلاسيكي، يقوم على تعريف غير علمي للشكل والمضمون، ولبعض طبقات الخطاب الأدبي.

     ب-مفهوم واقع الأصالة التي تكشف عن العوالم المتخفية والتسلسل السردي؛ وهكذا نلاحظ استعمال مصطلح الجنس مرادفا لمصطلح النوع الأدبي، ومرادفة هذا الأخير بمصطلح الأنواع الكبرى، والأنواع الصغرى "فهو التجسيد العيني لمفهوم الأدب ويشير إلى هذا ووظيفته، ويظل مفهوم الأدب مجرد افتراض نظري، إن لم يقيض له أن يتعين في أنواع واضحة الملامح متمايزة الخصائص متلونة الأسلوب"6؛ أي أن يتفرد بسمات أسلوبية تمثل صفات ثابتة فيه، تميز بنيته، وتشترك في جميع الأعمال الأدبية المصنفة في إطار هذا النوع نفسه.

وعليه، فالجنس/النوع هو المجال الذي تحدد من خلاله هويّة الآثار الأدبية، وذلك وفق معايير تصنيفية مسبقة7، ولعل أكبر ما يلفت النظر في هذا العصر هو ظاهرة التشعب الأجناسي، حتى أصبحت ذات أثر فعال في الإبداع الأدبي وهو ما تقدمه الكتابة مثلا في قصيدة النثر؟

        2- قصيدة النثر من التعريف إلى التصنيف

إنّ التعريف هو مدخل كل تصنيف، لذا فلابد من الإشارة إلى بعض تعاريف قصيدة النثر محاولة منا لكشف كينونة هذا النوع من الكتابة وتحديد معالمه العامة، والتعرف على السمات المميزة له عن غيره من الأجناس المتاخمة له والمتماسة معه. لكن ما تلاحظه سوزان برنار (Suzanne Bernard) هو صعوبة إعطاء تعريف له، والسبب كما تستدل الباحثة بما ذكره موريس شابلان (Maurice  Chapelan) في مقدمة مؤلفه "مختارات من قصيدة النثر"، إنّ قصيدة النثر نوع لما يتجرأ منظّر بعد على أن يصوغ قوانينه ويؤكد إضافة لما سبق أن الحرية التي تتمتع بها تضفي عليها حركة افتقدتها جميع الأنواع الغنائية التقليدية8، حيث كانت القواعد العروضية والنظمية صفات ملازمة للشعرية، والواقع إنّ كل شعر مهما أغرق في هذه القوالب، يظل دائما مبطنا بقوة شعرية خفية من نوع خاص، يؤثر في المتلقي بشكل أعمق وأكثر مفعولا من تلك القواعد الشكلية ذات المقصد التعليمي.

وهكذا ولدت قصيدة النثر "من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية، والتي تضطره إلى أن يصب مادة جمله اللدنة في قوالب جاهزة"9، لأنها ذات طبيعة فوضوية تفسر تعدد أشكالها وصعوبة تحديدها والوقوف على هويتها الجنسية، كما حددت سوزان برنارد لهذا الشكل الشعري عددا من المبادئ الأساسية لكتابته والمتمثلة في الحصر، والإيجاز، وشدة التأثير، والوحدة العضوية10، بمعنى أنّ هذا الشكل الجديد يبتعد عن كل خصائص النثر من استطراد وإيضاح وشرح وإطناب، وتكمن خاصيته الشعرية في الإيجاز، وهو كل غير قابل للتجزيء أو الحذف أو التقديم أو التأخير بين مكوناته، ومن ثم تتحدث الباحثة عن تحديدها المستحيل، لكونها كتابة متعددة الأشكال، ومنفلتة باستمرار من سلطة المحددات الشكلية والتجنيسية القبلية، فهي"نوع يرفض كل تحديد مسبق ويمقت أكثر ما يمقت يقعَّد ويصنف ويخضع لمعايير جمالية أو غير جمالية. فهو نوع متحرك، هيولي غيِّر متطوراً في معناه وبنيته تغييراً عميقاً، تبعا للعصور"11.   

       3- النقد العربي وتجنيس (قصيدة النثر)

لم تكن تسمية الجنس في المتصور العربي تحمل الطابع الإشكالي، فالشعر هو كل كلام فني منظوم، أما النثر فهو كل فن قولي غير منظوم، كما يقول ابن خلدون: "اعلم أنّ لسان العرب وكلامهم على فنين: في الشعر المنظوم، وهو الكلامُ الموزون المقفَّى، ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على رَوِيٍّ واحد وهو القافية؛ وفي النثر وهو الكلام غير الموزون"12، يعني أنّه كان للشعر تقاليده الخاصة إذ لا يختلط بالنثر، ولا يتوقع منه أية مساعدة، بل إنَّه يأنف من أن يعدّ منافساً للنثر.

على خلاف ذلك، نجد قصيدة النثر-في عمومها- تتبنى المفارقة في التسمية محاولة الفرار من هيمنة النموذج الجنسي الثقافي، وذلك بالعبث بطقوس تسيمة الأجناس السابقة، وخلق "قصيدة نثر" من الارتداد إلى المخزون الثّقافي الشّعري والنثري، فتتهاوى الحدود بين الجنسين لتتكون تجربة المخاض، مما أحدث بلبلة جدلية حول مشروعية وجودها وتصنيفها ضمن العرف الأجناسي. 

وبخروج قصيدة النثر عن السّنّة الثّقافيّة العربية جعلها تقبع بين إشكاليات نقدية كثيرة منها: إشكالية الرفض بحجة النشأة الغربية بشكل عام، ومنها إشكالية المصطلح، ومنها إشكالية التصنيف وتحديد الهوية النصية، وفي جميع هذه الحالات ينقسم المتلقي العربي إلى فئتين هما: فئة دعاتها المدافعين عنها بحماس، وفئة المعارضين لها.

أ- إشكالية النشأة والمصطلح    

تعد قصيدة النثر شكلا من أشكال التعبير الشعري الجديد التي ظهرت في العالم العربي مع مجلة (الشعر)، التي تأسست في لبنان سنة 195713، يقول أدونيس في (بيان الحداثة): "لعلنا نعرف جميعا أن قصيدة النثر وهو مصطلح أطلقناه في مجلة شعر، وإنما هي كنوع أدبي شعري نتيجة لتطور تعبيري في الكتابة الأدبية الأمريكية الأوربية"14، مما يعني أن مصطلح قصيدة النثر لم يكن وليد نزوع أصيل في صلب النظريّة الأدبيّة العربيّة، بل كان من قبيل التدجين المفاهيميّ، والاستيراد الثقافي، ومن ثم استيلاد الإبداع داخل حواضن ثانويّة، استناداً لمبدأ المثاقفة والتراسل الحضاريّ15، وانحرافا عن النسق الإبداعي العربي المألوف باللجوء إلى ما ندُر من الصيغ التعبيرية في المزج بين اللغة الشعر والنثر، وأول من كتب هذا النوع استنادا للمقاييس الفرنسية أنسي الحاج.

تبلور هذا النمط الإبداعي انطلاقا من وعي فني جديد دعا إلى التحرر من الثوابت التقليدية، باقتراح بدائل جديدة على مستوى اشتغال اللغة والإيقاع والصورة الشعرية لبناء شكل شعري جديد يستجيب التحولات الثقافية، والسياسية، التي عرفها العالم العربي منذ الأربعينات من القرن العشرين، والذي يتماشى وبشكل طبيعي مع حرية التغيير المتسارعة التي هزت العالم.

والشعر في حقيقته توازن حداثي بين عناصر الحياة الأدبية والحياة الروحية، وقصيدة النثر هي وليدة حياة حضارية جديدة، وفكر إنساني تجاوب وبشكل طبيعي مع هذه الحياة، إنها وبلا شك إقرار بحالة الامتياز التي تصور لنا ذائقة الشعراء الجدد للأشكال المبتذلة التي تمنع التنفس العادي؛ هذه من العوامل الأساسية التي ساهمت في بلورة هذا النوع من الكتابة التي تمظهرت من خلاله قصيدة النثر، ويختصرها أدونيس فيمايلي16:

*انعتاق اللغة العربية وتحررها.

*ضعف الشعر التقليدي الموزون وانحطاطه.

*التحرر من وحدة البيت والقافية ونظام التفعيلة الخليلي، وقد زاد هذا في تقريب الشعر من النثر.

*نمو الروح الحديثة التي ترفض القواعد الصارمة النهائية والتي تؤكد أن الشعر لا يكمن في أي شكل مفروض أو محدد تحديدا مسبقا.

*التوراة والتراث القديم في مصر وبلدان الهلال الخصيب على الأخص.

*ترجمة الشعر الغربي، فالناس عندما يتقبلون هذه الترجمات يعدونها شعرا، رغم أنها بدون قافية ولا وزن يدللون على أن العناصر الشعرية من صور ووحدة انفعال قادرة على توليد الصدمة الشعرية دون الحاجة إلى القافية والوزن.

*ارتفاع مستوى النثر الشعري عندها، وهو من الناحية الشكلية، الدرجة الأخيرة في السلم الذي أوصل الشعراء إلى قصيدة النثر.

كانت هذه أبرز العوامل والأسباب التي تكاثفت وتضافرت لخلق شكل جديد في التعبير الشعري، والذي أطلق عليه اسم قصيدة النثر، ونستطيع القول بأن هذه العوامل ساهمت في ظهور مولود جديد في الشعر العربي الحديث، قد تراوحت بين الإيجابية والسلبية، حيث أن منه ما شكل امتدادا للتجربة وساعد في تطويرها كنمو الروح الحديثة لدى الفرد في المجتمع العربي، وانعتاق اللغة العربية وتحريرها. وهناك في المقابل ما جاءت التجربة كرد فعل عليه كالترجمة والانفتاح على الآخر، مما جعل قصيدة النثر في موقف حرج مع النقد الذي كان حادا في الرد على هذا الشكل الشعري المختلف عن المألوف.

وعلى هذا الأساس، ينطلق كثير من النقاد والشعراء العرب المعاصرين في رفض انتماء قصيدة النثر إلى جنس الشعر، من حالة اللبس والغموض التي تكتنف مصطلح (قصيدة النثر) الذي ما هو إلا ترجمة لما أطلقت عليه الباحثة الفرنسية سوزان برنار  )PoèmeenProse(، والذي يتراوح بين روح النظام وروح التمرد، بين الشكل واللاشكل،  بين الهروب من الضوابط واحتوائها وذلك لجمعه بين جنسين أدبيين ظلا لقرون طويلة متجاورين دون أن تتماهى الحدود الفاصلة بينهما، فلكل منهما سمات لغوية، وتقنيات أسلوبية فارقة، كما أنه في الوقت الذي توحي فيه كلمة (قصيدة) بانتماء النص إلى الشعر تأتي كلمة (نثر) لتخرجه من تلك الدائرة، ومن هنا نرصد التشاكلات في المصطلح الذي لا يسلم من التناقضات بين القوة المنظمة التي تسعى إلى فعل البناء، وقوة فوضوية متمردة هدامة، تعمل على نفي كل الأشكال القائمة وتجاوزها. وهذا ما تشير إليه برنار في قولها: "مما لا شك فيه أنه يوجد في قصيدة النثر في آن واحد قوة فوضوية، ومدمرة تميل إلى رفض الأشكال الموجودة، وقوة منظمة، تميل إلى وحدة شاعرية"17؛ فمن يكتب قصيدة يرمي إلى خلق شكل لغوي منظم، ومن يكتب نثرا يتمرد على التقاليد العروضية، وعلى تقاليد اللغة.

وفي هذا المجال، يقول عبد الله شريق: "من العوامل التي ساعدت على عدم اعتراف كثير من القراء والكتاب بانتماء هذه التجربة الجديدة إلى فن الشعر مصطلح قصيدة النثر الذي شاع وراج بشكل واسع برغم ما يحمله من مفارقات وعدم صلاحيته للدلالة على طبيعة هذه التجربة وتنوع مساراتها"18، يتعجب شريق هنا من قضية اجتماع كل من قصيدة ونثر تحت مسمى واحد، فهو يرى في هذا المصطلح اقتباسا واضحا من بعض نماذج الشعر الغربي التي تخلت عن الوزن والقافية.

أضف إلى ذلك، إنّ وسم كتابة معينة بالشعر تتأسس على إسنادها إلى خصائص هذا الجنس، وهذه السمات مضبوطة سلفا وحدودها المعلومة في الموروث السابق للنص، إذ مهما يبدع المنشئ لا يغادر أبنية الأجناس المتعارف عليها، حيث تندمج هذه البنيات العامة القارة في السيرورة الإبداعية، وهذه هي العلاقة المنطقية لانتماء النصوص إلى جنس معين. 

 

وبالتالي فقد أثارت المفارقة الواضحة بين طرفي المصطلح، القصيدة والنثر، ومازالت تثير كثيرا من الجدل، إذ كيف يكون النثر قصيدة مع ما للقصيدة في الشعر العربي من وجود متأصل طويل وشكل محدد ومعروف؟ فمفهوم القصيدة واضح عندما يطبق على الشعر، ولكنه يصبح كثير الغموض حينما نطبقه على النثر، فبما إنّ المنثور هو نقيض الشعري، فكيف للقصيدة أن تفرض على النثر نظاما عاما، وتجعل منه وحدة وكيانا فنيا؟ ما القصيدة؟ ولماذا مصطلح القصيدة بدلا من الشعر؟ وما الفرق بين القصيدة والشعر؟

ورد في لسان العرب في باب (قصد) بصيغة فعيل للمبالغة ويستعمل معه قصيدة، لأن قصيدة اسم جنس، ويستخدم كصيغة جمع من قصيدة. و" القَصِيدُ من الشِّعْر: ما تمَّ شطر أَبياته، وفي التهذيب: شطرا بنيته، سمي بذلك لكماله وصحة وزنه... وقيل: سمي قصيداً لأَن قائله احتفل له فنقحه باللفظ الجيِّد والمعنى المختار، وأصله من القصيد وهو المخ السمين الذي يَتَقَصَّد أي يتكسر لِسِمَنِه...وقيل سمي الشِّعْرُ التامُّ قصيداً لأَن قائله جعله من باله فَقَصَدَ له قَصْداً ولم يَحْتَسِه حَسْياً على ما خطرِ بباله وجرى على لسانه"19. يرى عبد المجيد زراقط أن الفرق بين الشعر والقصيدة ملحوظ في النقد العربي القديم، إذ أن مؤرخي الأدب "يعيدون تقصيد القصائد إلى المهلهل بن ربيعة وامرئ القيس، فهو كما يقولون أول من قصد القصائد وجاوز بها العشرة أبيات وسار الشعراء الآخرون من بعده على الدرب نفسه"20، "وما دون ذلك فهو القطعة والمقطوعة، والأراجيز من ملحقات القصائد"21، وإلى جانب عدد الأبيات التي حددت كعنصر من عناصر الشعرية، يضيف جذر(قصد) معنى: الصنيع الإرادي وهو ما يميز الشعر عن القصيدة، بوصفه الشاعر والقصيدة معا، كما يقول أدونيس: "إذا كنا نعني بالشعر الشعراء وقصائدهم"22، فكان" العنصر الإرادي ينصب على الشعر فينقحه ويجوده، ويوجزه ويكثفه، ويدعه يقول ما لم يتعود قوله"23 بهدف الوصول إلى الجودة الشعرية.

وهذا ما جعل زراقط يعلل سبب اختيار قصيدة من الشعر أحد أقطاب مصطلح قصيدة النثر، مبررا رأيه بقول أنسي الحاج مميزا بين الشعر والقصيدة: "القصيدة لتصبح هكذا، يجب أن تقوم على عناصر الشعر لا لتكتفي بها، وإنما لتعيد النظر فيها، بحيث تزيد من اختصارها وتكريرها وشد حزمتها"24، وهو هدف قصيدة النثر التي يصفها أدونيس بأنها: "تأسيس نوع جديد من التعبير، بحيث تصبح القصيدة مثلا كتابة جديدة ليست وزنا بالضرورة وليست لا وزن بالضرورة، تصبح إيقاعا وزنيا نثريا، أو نثريا وزنيا، يمكن أن تمزج فيها الأنواع كلها"25، ويلخص أدونيس الملامح العامة لقصيدة النثر قائلا: "قصيدة النثر إذن شاملة، متمركزة، مجانية، كثيفة ذات إطار. هي عالم مغلق، مقفل على نفسه، كاف بنفسه، وهي في الوقت ذاته، كتلة مشعة بلا نهاية من الإيحاءات قادرة أن تهز كياننا في أعماقه، إنها عالم من العلائق"26.

ويوضح أكثر صلاح فضل ما سبق، والذي ينطلق من التأمل في الجذر اللغوي لكلمة قصيدة يفضي بنا كما يقول، إلى تبيين فكرتين متلازمتين، إحداهما هي القصد والتعمد، فالقصيدة كلام مقصود في ذاته، أي أنها اللغة عندما تصبح كلاما فنيا محددا، وليست وسيلة تواصلية تنتهي بمجرد انتهاء وظيفتها، وهذا القصد هو الذي يميز قصيدة النثر عن أشكال التعبير الأخرى كالشعر المنثور والنثر الشعري، حيث تفتقد مركزية القصد الشعري. أما الفكرة الثانية فتتمثل في الاقتصاد، أي أن لغة القصيدة لابد لها أن تتميز بالقصد والتركيز والتكثيف27.

وهكذا فلا يرى أي تناقض دلالي في المصطلح باعتبار أن الجذر اللغوي لكلمة قصيدة لا يتضمن الأوزان العروضية، فبإمكان النثر في بعض حالاته أن يكون مقصودا لذاته جماليا واقتصاديا، فتتخلق منه قصيدة بأسلوب جديد28، تجمع في صيغتها الإضافية بين وهج الشعر وسيولة النثر، حيث تتقدم القصيدة خالعة ردائها التاريخي، الذي هو الإيقاع الخارجي أو التفعيلة، لتعيد رسم حدودها الشعرية، بصياغة لغة متحررة من النثر، مما يزيدها دلالة وفنية، تجيب على سؤال البحث عن إمكانية الجمع بين الشعر والنثر في المساحة النصية الشعرية.

ويتضح مما تقدم أنه يمكن تجاوز إشكال الاختلاف في تسمية هذا الشكل الأدبي بمصطلح "الكتابة" يقول الشاعر المغربي محمد بنيس في قصيدة عنوانها "الكتابة"29:

     سَمِّـها قطْرةً أُولَـى

     تَـَتَخثَّرُ في لحَظَـــات ارْتِيَابْ

     سَمِّــها هِبَــــــــةً

     نَبــــذَتْ برْدَ معْبَرَهَــــا

     واَكْتَفتْ بانْــــحِفَارِ الغِيابْ

     قُلْ لَهــــَا

     أَنْ تكُونَ لهُـــــــمْ خَيمةً

     قُلْ لهـــــُمْ

     إنّهَا

     نَفَسٌ لاِتّقَادِ السَّحَابُ

ب- إشكالية الانتماء الأجناسي والماهية

تعارض وبشدة نازك الملائكة التي كسرت هيبة عمود الشعر بـ«الكوليرا»، القصيدة النثرية التي تعتبرها بدعة غريبة لا يمكن بحال من الأحوال تعريبها تحاشيا لخدش قدسية القصيدة العربية التي هي عنوان مكين للقومية العربية، من خلال اعتراضها على ديوان محمد الماغوط «حزن في ضوء القمر»، الذي تنظر إليه على أنه "كتاب نثر فيه تأملات وخواطر"30، على الرغم من أنه كتب على طريقة الشعر الحر، ولذلك نجدها تتعجب من كون دار (مجلة شعر) التي طبعت الكتاب قد أباحت لنفسها أن تذيل العنوان على الغلاف بكلمة شعر، معتبرة إياه مجرد نثر، فما يكتبه هؤلاء من قصائد لا تشبه القصائد التي نعرفها، إذ لا وزن ولا ايقاع ولا قافية، كتابتهم خالية من أي أثر للشعر، وليس فيها بيت ولا شطر، تقول: "شاعت في الجو الأدبي في لبنان بدعة غريبة في السنوات العشر الماضية، فأصبحت بعض المطابع تصدر كتبا تضم بين دفتيها نثرا طبيعيا مثل أي نثر آخر، غير أنها تكتب على أغلفتها كلمة "شعر". ويفتح القارئ تلك الكتب متوهما أنه سيجد فيها قصائد مثل القصائد، فيها الوزن والإيقاع والقافية، غير أنه لا يجد من ذلك من شيء31، فهي ترى أن قصيدة النثر عمل اغترابي خارج التاريخ وخارج الوطن وخارج التراث، وبهذا فهي شكل غير نموذجي (Atypique)، لكن وكرد على هذه النقطة يرى أدونيس بأن وجود قصيدة النثر في الأدب الغربي لا يحول دون كتابة قصيدة نثر عربية أصيلة تنطلق من فهم التراث العربي الكتابي وثقافتنا الحاضرة، وهذا ما لم يفعله إلا قلة قليلة، لأن قصيدة النثر عند الغالبية لا تخرج عن إطار التجريب"32، والشعر كما يرى إحسان عباس لا يكون تجريبا لأنه وببساطة جزء من عالم الفن. هذا الأخير الذي لا يعد بالنسبة إليه مختبرا تجري فيه التجارب، إذ لو جربنا كتابة تكون كمن يمتهن قيمة الشعر الذي هو بالنسبة إليه تجربة وليس تجريبا33.

        كما صرح نزار قباني قائلا: "إن تاريخنا الأدبي لم يعرف المسرح، ومع ذلك لم يقل أحد أن المسرح العربي الذي نشاهده هو مسرح طارئ وهجين...وليس له سابقة في تراثنا. والرسم والنحت اللذين اقترنا دائما في مخيلة العربية مع الحرام والكفر..لم يعودا اليوم كفرا...ولا حراما..فلماذا نعدّ قصيدة النثر خارجة عن القانون، قد يكون ثمة اعتراض على تسميتها..ولكن ماذا تهم التسميات؟؟"34؛ فنزار مثل ما هو مبين في قوله مقتنع تماما بقصيدة النثر بغض النظر عن كونها بدعة غريبة أو شكلا من أشكال الحداثة الغربية، متحججا في ذلك بضم المسرح والرسم والنحت إلى الفن العربي الذي لم يعرفهم من قبل، كما أنّ  المبدع في رحلة بحث دائمة عن صيغ جديدة للتعبير عن خصوصيته ورؤاه المتفردة، وهو ما يتيح له الانفلات من قيد الأجناس المنمذجة، بما يتلاءم وإشكالات عصره المتغيرة بحسب تحولات الواقع ومرتكزاته المعرفية، وهذا التنوع في الكتابة هو الذي يجعل من مفهوم الإنتاج الجديد مفهوما إشكاليا، أي يطرح أسئلة ويثير تساؤلات أكثر مما يقدم أجوبة.

ولهذا تؤكد الملائكة على رفعها لانتماء قصيدة النثر إلى الشعر، فهذا الأخير لا يكون إلا موزونا، وفي معرض دفاعها عن أحقية ما اصطلحت عليه بـ«الشعر الحر» وفي شرعية انتمائه للشعر، تقول: "وإنما سمينا شعرنا الجديد بالشعر الحر لأننا نقصد كل كلمة في هذا الاصطلاح، فهو شعر لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويجري على ثمانية من أوزانه، وهو حر لأنه ينوع عدد تفعيلات الحشو في السطر...فعلى أي وجه تريد دعوة النثر أن تسمي النثر شعرا؟"35، إن قصيدة النثر تبعا لذلك، "ليست سوى نثر طبيعي خال من الوزن والإيقاع اختاروا أن يسموه قصيدة"36، لكن نزار قباني يتبنى موقفا مخالفا، حيث نجده يقول: "الوزن والقافية ليسا شرطين حتميين في العمل الشعري ... إنهما موقف اختياري...من يريد أن يتوقف عندهما فله ذلك ... ومن لا يريد ... يمكنه أن يواصل رحلته ولن يأخذه أحد إلى السجن. المهم أن يكون ثمة تعويض للفراغ الناشئ عن إلغاء الوزن والقافية"37؛ معنى هذا أنّ الشاعر له الخيار في الطريقة التي يكتب بها الشعر، فله أن يتقيد بالوزن والقافية كما له أن يستغني عنهما، المهم أن يعوضهما بأشياء تميز قصيدة النثر عن الكتابة الثرية العادية.  

ومن هنا فإنّ نقطة التقاطع/التزاوج بين الشعر والنثر في النص الواحد تتصف بالشعرية من ناحية التشاكل والإفادة الفنية وانفتاح النص، وكذلك تتصف بالخطورة على كل جنس على حدة وذلك من ناحية الإسهاب، وبالتالي فقدان الملامح الأصلية لتصبح العلاقة بين الجنسين من التشابك بحيث يصعب إدراك الحدود التي يقف عندها هذا الجنس أو ذاك، فإما أن يتماهي الشعر في النثر فيكون النص نثرا، أو يكثر الشعر على النثر فيكون النص شعرا، أو يتوسط كل منهما فيكون النص شعر نثر/نثر شعر، أو لاشعر لانثر/لا نثر لاشعر، فيكون النص وفقط!

وكذلك تعتمد قصيدة النثر على الفكرة الشعرية أكثر من اعتمادها على الصورة الشعرية التي تحيل على الشعر، لأنها من ميزات الشعر الأولى وخاصيته الأكثر حضورا في القصيدة، أما قصيدة الفكرة فتعتمد على السياق الدلالي والفني، وتستمد بريقها من هذا السياق، فتلتقي بالقصة في هذه النقطة، لتصبح قاسما مشتركا بين الخطاب الشعري والخطاب السردي، فيذوب جدار التجنيس لينخلق بذلك النص المفتوح أو الجامع، وهذا ما يختصره جدول جون كوهين في تصنيفه التجنيسي للشعر والنثر، والذي هو على النحو الآتي38:

خطاطة السويسري جان كوهين

النمـــــــــــط/ الجنـــــــــــس

صوتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

معنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوي

قصيدة النثر

-

+

نثر منظوم

+

-

شعر كامل

+

+

نثر كامل

-

-

جون كوهين: بناء لغة الشعر

وعلى ذلك اعتمد عز الدين المناصرة في نفيه لانتماء نصوص قصيدة النثر إلى الشعر أو إلى النثر الفني؛ فهي جنس ثالث مستقل بعد الشعر والسرد، أو كما يصطلح عليها بالنوع الخنثى، يقول في هذا الصدد: "هي جنس كتابي ثالث تنقصها الدلالة الصوتية وينقصها الإيقاع الشعري رغم اشتمالها على إيقاع نثري وصور شعرية ولغة شعرية"39. ومن ثم كانت قصيدة النثر في عرفه كتابة خنثى ونص مفتوح، أو جنس ثالث إلى جانب الشعر والنثر40، علما أنه لا أحد ذكر أو أنث القصيدة عدا عبد الله الغذامي، الذي رأى في الشعر الحر ردا أنثويا على فحولة الكتابة والطغيان الذكوري.

وهناك من يعتبرها جنسا أدبيا ثالثا جديدا، لم تتبلور ملامحه ومميزاته، وهذا ما يقول به عبد المعطىي حجازي الذي لا يتردد في نعتها بالشعر الناقص، انطلاقا من تمييزه بين القصيدة والكتابة الشعرية، التي تشير إلى استخدام خاص للغة حتى في النثر، أما القصيدة فهي تعني كلا شعريا بالتحديد، ومن ثمَ لا يعتبر من يستخدم هذا الجنس الثالث يكتب قصيدة وإنما كتابة شعرية، يقول: "فأنا لا أعتبر أن لدى أنسي الحاج مثلا قصيدة، لدينا ربما كتابة شعرية، وليس وحده في ذلك، هناك أعداد كثيرة، ويمكننا أن نعد العشرات ممن يستخدمون اللغة استخداما شعريا في لبنان أو سوريا أو في مصر أو العراق أو المغرب، لكنهم لا يكتبون قصيدة"41.

وفي سبيل فصل السجال حول شرعية انتماء هذا النوع الجديد من الكتابة الفنية، يعتمد الناقد عبد الله شريق على فكرتي؛ التحول والمهيمنة في نظرية الأجناس الأدبية، فالحكم على قصيدة النثر أنها تنتمي إلى النصوص الشعرية أو إلى الكتابة النثرية، ينبغي أن يستند إلى المهيمنة القارة في النصوص الجيدة، لأنه خلال غياب الأحادية في عملية الكتابة تتكون صفات نوعية تهيمن على توجيه انتماء النص، فتتحقق هوية قصيدة النثر من خلال السمات الإنشائية التي تتبدى في ثناياه، وتطبعه بطابعها الخاص والتي تبدو أنها مهيمنة علية هيمنة تامة، وهذه الصفات في الشعر  كما يحددها الباحث ثلاث هي: التشكيل اللغوي، والتشكيل الإيقاعي، الشعرية. ومدى احتواء قصيدة النثر هذه الخصائص يجعلها في خانة الشعر، وبقدر استغنائها عنها ترتع في دائرة النثر العادي42، وهي عناصر تبدو قارة ولكنها متغيرة تبعا للتطور الذي تشهده الحركة الإبداعية، ومن هنا تأتي صعوبة تحديد الهوية الجنسية التي تقوم على الزامية حصر المقاييس التي تكفل رد الأثر الفني دون خلاف إلى هذا الجنس أو ذاك.

يقول محمد بنيس في مقاطع من قصيدة عنوانها "اللغة"43:

سَأُثْبتُ           كُلَما حدّقـــتُ فيـــــــكْ

                                                  أحْسَسْـــتُ

                                                  مَقْبــــــــرةً

                                                  بموْتــــــاهاَ علَى باَبـــــِي تَئِـــنُّ

                                                 تضـــجُّ

                                                 هلْ عثَر النّحِيــــــــــــبْ

                                                                     علَى شَــــــقِّ إلَــــى حلْــــــقيِ                  

                                                وهَلْ عكَس الغرِيـــــــــبْ

                                                وَجْــــــــــهاً تمزّق بين أزمِـــــــنَةِ السّرابْ

         لُغَةٌ

       تُوحّدُنـــــِي بصحْرائِــي

       التي اتّسَعَتْ

       مُردّدةٌ

       حُداَءَ قَوافلٍ ليْسَتْ مُؤكّدةٌ

 

       تُدثّرني

       بنقْشٍ غائِرٍ في العُرْيِ

       يُومِئُ

       ثم يَسْقُط قطْرةً بيْضاءَ

       تُسْكُرني

       رَنينُ النّونِ ينْطِقُ

            أَنْتَ

            مِنّـِي جمْـرةٌ

            وَأنا التموّجُ فيِك

     لعلكَ

     كنْتَ تهْذِي                                 أَنْتِ أيّتُهاَ اللُّغَةْ

                                                  بأيِّ يدٍ كتبْتُكِ

عابراً

وهو الأمر الذي يثبت الاختلاف في استعمال اللغة من شاعر لآخر،  تبعًا لاختلاف رؤية كل منهما للعالم، الأمر الذي يقود الرموز اللغوية إلى أن تتغيَّر مدلولاتها هي الأخرى، تعبيراً عن هذا التغيّر الهائل الذي طرأ على العالم، وهو ما يسمى بالأسلوب الذي يظل العلامة الفردية المميزة للشاعر المتمكن، والذي يتيح له الخروج من الرتابة إلى فضاء متحرر من أشكال الكبت والجمود، يساعده على فهم العالم فيعيد صياغته بلغته الخاصة، وفقا لمتطلبات الحالات المستجدة، فالقيمة ليست في أن يمسك المبدع بأطراف اللغة، إنما القيمة في أن يبدع من حروفها ويقيم علاقات جديدة بين مفرداتها، فاللغة هي هي والحياة هي هي، بين الولادة والموت، أما السر فهو خصوصية طريقة العرض المتغيرة حسب الأذواق على ممر العصور، يقول محمد بنيس44:

   لُغَةٌ

   لنَا أوْ لِي

   تُطلُّ عليّ ثانيةٌ

   ونحْنُ مَعاً نُصَاحِب نوْبةَ العُشَاقْ  

فباللغة يتمكن المبدع من اختزال تخيلي للواقع المَعيش وذلك بقدرتها على الانفتاح لتستضيف الشعري والنثري في بنيتها متجاوزة عادات التعبير المبتذلة.


 

 

 

 

خاتمة

وفي الختام نذكر بأن الجنس الأدبي ليس معطى قارا، وإنما يتغير من حقبة زمنية لأخرى، الأمر الذي يحتّم تطوير الرؤية النقدية للأعمال الأدبية في العصر الحالي، وللعناية بالكتابة الجديدة ينبغي اقتراح تسمية لغوية تحدد هويته باستخدام الأجناس السابقة له في الوجود، ويمكن أن نقدم مثالا لذلك قصيدة النثر، بوصفها نموذجا أدبيا جديدا في الأوساط الأدبية، يزاوج فيها المبدع بين الشعر والنثر، ومن هنا تعددت وتناقضت آراء النقاد والكتاب العرب، وتنوعت مقارباتهم واجتهاداتهم في محاولة تجنيسها، لأن من أكثر التصنيفات الشائعة للأعمال الأدبية في النقد العربي القديم هو تصنيف: الشعر/النثر.                             

        وهذا ما جعل قصيدة النثر تكتسب هوية مزدوجة، وهناك من يعتبرها جنسا ثالثا مستقلا عن بقية الأجناس الأدبية ينفرد بمميزات خاصة مع وجود تشابه مع الشعر والنثر، ومن هنا يمكن القول: إنّ قصيدة النثر مشروع بحث عن قيم ثقافية وفنية جديدة تنتمي إلى لاهوية، فكانت النتيجة تراجع الشكل النموذجي (Forme-type) التقليدي، والتفكير أكثر باللغة الشعرية التي تعدّ "الاختلاف" جوهرها.

    كما أنّ الأمر في إثبات هوية النوع الجديد لا يرتبط بفكرة الصراع النوعي، وإنما يتعلق بفعالية الإبداع، لأن القيمة للجيد في كافة الأنواع الأدبية مهما تقاربت أو اختلفت، والجديد لا يحدث مرة وينتهي بل التجديد حالة مستمرة باستمرار فعل الكتابة، والأدب ظاهرة لا يصنعها جنس بعينه ولا يمثلها نوع واحد، فالإبداع سيرورة تشمل كل مستويات الإبداع وأشكاله.

        ولهذا يمكن القول إذن إنّ قصيدة النثر  نوع من الأنواع الكتابة الفنية قائم في الساحة الأدبية استدعته حالة شعرية خاصة على الرغم من إنكار بعض الأدباء والنقاد لهبوصفه محاولةً مستهدفة لهدم خصوصيّة الشعر العربيّ، فهو يمثّل تحوّلاً من تحوّلات الوعي بمفهوم الشعر الخارج عن الأطر الوزنية والنظمية، وقصيدة النثر لا تضع نفسها إزاء الأنواع الشعرية الأخرى للمقارنة أو المفاضلة، فكل ما تريده أن يكون لها وجود مستقل إلى جانب الأنواع الأخرى من الشعر، هذا يعني أن كل نوع أدبي هو تحويل لنوع آخر، والتداخل بين الأنواع الأدبية يعود إلى أنواع أخرى سابقة سواء كانت شعرية أم نثرية، والتي لها دور المحرض لكتابة جديدة ومغايرة.


1.ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، ج 6، دار صادر، بيروت، د.س.ن، ص43.

2.الفيروز آبادي، القاموس المحيط، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، ط8، مؤسسة الرسالة، د.ب.ن، 2005، ص538.

3..محمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ط4، مكتبة الشروق الدولية، مصر، 2004، ص964.

4.تودوروف وآخرون، القصّة الرّواية المؤلّف، دراسات في نظرية الأنواع الأدبية المعاصرة، ترجمة: خيري دومة، ط1، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص 25.

5.سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ط1، مطبوعات المكتبة الجامعية، بيروت_لبنان، 1985، ص223.

6.بتول أحمد جندية، الأنواع الإدبية التراثية "رؤيا حضارية"، ضمن كتاب: تداخل الأنواع الأدبية "مؤتمر النقد الثاني عشر 22-24 تموز 2008"، ج1، ط1، عالم الكتاب الحديث، عمان-الأردن،2009، ص195.

7.صبحة أحمد علقم، تداخل الأجناس في الرواية العربية "الرواية الدرامية نموذجا"، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2006، ص21.

8.سوزان برنار، قصيدة النثر (من بودلير إلى أيامنا)، ترجمة: زهير مجيد مغماس، آفاق الترجمة، 1993، ص12.

9.المرجع نفسه، ص ن.

10.المرجع نفسه، ص24.

11.المرجع نفسه، ص117.

12.ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ج2، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، ط1، دار اليلخي، دمشق، 2004، ص393.

13.أحمد بزون، قصيدة النثر العربية "الإطار النظري"، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت – لبنان، 1996، ص08.

14.محمد لطفي اليوسفي، البيانات، دار سراس للنشر، تونس، 1995، ص25.

15.محمد علاء الدين عبد المولى: وهم الحداثة مفهومات قصيدة النثر نموذجا، اتحاد الكتاب العرب، دمشق-سوريا، 2006، ص324.

16.عبد المجيد زراقط، الحداثة في النقد الأدبي المعاصر، ط1، دار الحرف العربي، بيروت-لبنان، 1991، ص 239-240.

17.سوزان برنار: المرجع السابق، ص142.

18.عبد الله شريق، في شعرية قصيدة النثر، ط1، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 2003، ص14.

19.ابن منظور الإفريقي، المرجع السابق، ج3، ص354.

20.عبد المجيد زراقط، الحداثة في النقد الأدبي المعاصر، ص236.

21.عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، ج3، ط2، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1989، ص177.

22.أدونيس علي أحمد سعيد، مقدمة للشعر العربي، ط3، دار العودة بيروت، 1979، ص108.

23.عبد المجيد زراقط، الحداثة في النقد الأدبي المعاصر، ص 236.

24.أنسي الحاج، لن، ط2، المؤسسة الجامعية مجد، بيروت، 1982، ص105.

.25.أدونيس علي أحمد سعيد، فاتحة لنهايات القرن "بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة"، ط1، دار العودة، بيروت، 1980، ص246.

26.أدونيس علي أحمد سعيد، في قصيدة النثر، ضمن نظرية الشعر، مجلة (شعر)، درا مجلة شعر، القسم الأول، بيروت، 1960، ص 289-290.

27.صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة، ط1، دار الآداب، بيروت، 1995، ص218.

28.المرجع نفسه، ص ن.

29.الأعمال الشعرية: محمد بنيس، ج2، ط1، دار توبقال للنشر، المغرب، 2002، ص155.

30.نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، ط1، منشورات مكتبة النهضة، بيروت، 1962، ص 214.

31.المرجع نفسه، ص213.

32.أدونيس: مواقف، شتاء1980، ص138. نقلا عن: عبد المجيد زراقط: الحداثة في النقد الأدبي، ص243.

33.جهاد فضل: قضايا الشعر الحديث، ط1، دار الشروق، 1984، ص172.

34.المرجع نفسه، ص244.

35.نازك الملائكة: المرجع السابق، ص217.

36.المرجع نفسه، ص152.

37.جهاد فضل: قضايا الشعر الحديث، ص 246.

38.جون كوهين: بناء لغة الشعر، ترجمة: أحمد درويش، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1993، ص21.

39.عز الدين المناصرة: إشكاليات قصيدة النثر: نص مفتوح عابر للأنواع"، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002، ص79. في حوار له مع جريدة أخبار الأدب المصرية في 13-7-1997.

40.المرجع نفسه، 78.

41.عز الدين المناصرة: إشكاليات قصيدة النثر، ص80.

42.عبد الله شريق: في شعرية قصيدة النثر، ص15-16.

43.الأعمال الشعرية: محمد بنيس، ج2، ص 548-549-550.

44.المرجع نفسه، ص553.

صفيناز صالحي, «إشكالية تجنيس قصيدة النثر في النقد العربي»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 02 مجلد 16-2019N°02 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 154-163,
Date Publication Sur Papier : 2019-06-24,
Date Pulication Electronique : 2019-06-24,
mis a jour le : 24/06/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5792.