إستراتيجية روسيا الاتحادية تجاه الحرب في سوريا (2011 – 2018).The Russian Federation's strategy towards war in Syria( 2018 – 2011) .
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

إستراتيجية روسيا الاتحادية تجاه الحرب في سوريا (2011 – 2018).

The Russian Federation's strategy towards war in Syria( 2018 – 2011) .
ص ص 172-185
تاريخ الارسال: 06/09/2018 تاريخ القبول: 13/06/2019

محمد بهلول / حكيم غريب
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على إستراتيجية روسيا الاتحادية في سوريا بعد الأحداث التي شهدتها هذه الأخيرة، وذلك بالتركيز على الجهود والمساعي التي تبذلها لإنهاء الحرب في سوريا على إثر التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، والبحث في الدوافع وراء تدخل روسيا عسكريا، وسعيها لإنهاء الحرب دبلوماسيا بعد عدة جولات من المفاوضات بين أطراف الحرب السورية، منذ بداية الحراك في 2011 إلى غاية 2018 وتطوره إلى حرب تعددت فيها الأطراف والفواعل وتضاربت فيها المصالح.

كما تظهر هذه الدراسة أهمية سوريا لدى القوى الكبرى، التي يسعى كل منها لإنهاء هذه الحرب بما يخدم مصالحه ويحقق أهدافه، على غرار روسيا التي أظهرت تمسكا بالإبقاء على نظام بشار الأسد.

الكلمات المفاتيح: إستراتيجية ، روسيا، حرب، سوريا، تدخل.

Cette étude met la lumière sur la stratégie de fédération adoptée par la Russie qui a conjugué tous ses efforts en vue de mettre fin à la guerre en Syrie après les événements qu’a connu ce pays ces dernières années. Et ce après la coalition internationale pour la lutter contre le terrorisme, une initiative investie par les Etats-Unis d'Amérique. Nous dévoilons, par la suite, les motivations de cette intervention de la Russie sur le plan militaire, puis dans ses démarches de négociation entre les protagonistes de la guerre en Syrie Depuis le début du mouvement en 2011 jusqu'en 2018 où elle est devenue une guerre d’intérêt plus qu’un soulèvement contre un régime.

Cette étude montre également l'importance de la Syrie  aux yeux des grandes puissances, ainsi que les enjeux et l’intérêt qui se cache derrière le désir de ces puissances de mettre fin à cette guerre, notamment pour la Russie premier soutient du régime el-Assad.

Mots-clés : Stratégie, Russie , Guerre, La Syrie, Intervention.

This study aims to highlight the strategy of the Russian Federation in Syria in the light of  the events witnessed by this country. on the one hand, we focuse on the efforts made by Russia to end the war in Syria especially afterthe establishment of the international coalition led by the United States of Americato fight terrorism. on the other hand, we look at the motives Behind Russia's military intervention, and its quest to end the war diplomatically after several rounds of negotiations between the parties of the war.this quest started From the beginning of the movement in 2011until its development into a war characterized by conflicting  parties and interests. This study also shows the importance of Syria to major powers, each seeks to end this war to serve its interests and achieve its objectives.  Russia showed great commitment to maintain the regime of bashar Al Assad.

Keywords:Strategy, Russia, war, Syria, Intervention

Quelques mots à propos de :  محمد بهلول

[1]، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية mohamedbahloul120000@gmail.com
[1]  المؤلف المراسل

Quelques mots à propos de :  حكيم غريب

المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية gheriebhakim@gmail.com

مقدمة

تسعى روسيا الاتحادية منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، وإعلان الرئيس الأمريكي"جورش بوش" خلال حرب الخليج الثانية سنة 1991 عن قيام نظام دولي جديد أحادي القطبية، (انهيار نظام يالطا)، إلى العودة للنظام الدولي كقوة كبرى/ عظمى. ظهر ذلك واضحا في 31/08/2008 حين تدخلت عسكريا في جورجيا، متحدية كل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد كان التدخل العسكري في أكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم سنة 2014 إعلانا صريحا بأنها لم تعد تعترف بانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي، وأن لها مصالح ستحميها في كل مكان. وبرز ذلك أكثر بعد أن دخلت سوريا في نزاع داخلي، تطور ليصبح حربا أدت إلى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في إطار التحالف الدولي. فلم تتردد روسيا في التدخل عسكريا، باعتبار نظام بشار الأسد نظاما حليفا، وأن لها مصالح إستراتيجية في المنطقة لا يمكن أن تتخلى عنها. وفي إطار ذلك، وضعت إستراتيجية ستحاول من خلالها تحقيق الأهداف المرجوة منها في سوريا خاصة.

أهمية الدراسة

تكمن أهمية الدراسة في متغيراتها، كون روسيا الاتحادية تحظى باهتمام الباحثين والأكاديميين،وحتى صناع القرار، فلطالما صنعت الحدث دائما نظرا للدور الذي تلعبه في النظام الدولي، بالإضافة إلى تدخلها في حرب سوريا وبقوة أثرت على الصورة النمطية المأخودة عن روسيا، بل بينت عن قوة استدعت من الدول الغربية إعادة حساباتها حول ما تملكه الأولى من قوة حتى تبرزها خلال الحرب في سوريا، هذه الحرب التي انتشرت خارج الحدود أصبح لها تأثير على داخليا ودوليا وإقليميا.

أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى إظهار المبادئ العامة التي تقوم عليها إستراتيجية روسيا الاتحادية والثوابت التي رافقتها خلال الفترات التاريخية المختلفة رغم اختلاف القيادات والتغيرات التي تطرأ داخليا وإقليميا ودوليا، كما تهدف هذه الدراسة إلى تحليل وفهم هذه الإستراتيجة بالتركير على منطقة الشرق الأوسط التي تشهد دائما توترات وحروبا بالتركيز على الحرب الدائرة في سوريا، والجهود التي نبذلها روسيا لتحقيق الأهداف الإستراتيجية في المنطقة انطلاقا من سوريا.

أما عن  المناهج والأدوات المستعملة في تحليل هذا الموضوع فهي كالآتي:

ـــ المنهج الوصفي: يقوم المنهج الوصفي على خاصية الوصف التي تعدّ السمة الأساسية لأغلب البحوث العلمية، من خلال وصف الظاهرة  أو الموضوع المراد البحث فيه والتعرف عليه، وسيتم استخدام هذا المنهج للتعرف على الأفكار العامة المتعلقة بإستراتيجية روسيا الاتحادية كالمبادئ والمحددات، والخصائص

ـــ منهج دراسة الحالة: يعدّ منهج دراسة الحالة من أهم المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بالتركيز على ظاهرة جزئية، والتعمق في وحدة بعينة بغرض تعميم النتائج المتوصل إليها على الحالات  المشابهة. وسيتم الاعتماد على هذا المنهج لفهم إستراتيجية روسيا الاتحادية التي تتبعها في الشرق الأوسط من خلال التركيز على الحرب في سوريا.

تحليل المضمون:

يقوم تحليل المضمون على فهم الأحداث، وتحليلها بالاعتماد على تصريحات وخطابات ومقابلات المسؤولين، سواء مع وسائل الإعلام أو خلال اللقاءات والمؤتمرات، ما يسمح بقراءة ما بين السطور، تكرار العبارات وإيماءات الجسد ، وقد تم الاعتماد على تحليل المضمون للتعرف على الإستراتيجية الروسية في المنطقة، وفهمها بتحليل خطابات وتصريحات الفاعلين والباحثين وصناع القرار.

من هنا يمكن طرح الإشكالية التالية:

كيف يمكن فهم إستراتيجية روسيا الاتحادية من خلال دورها في حرب سوريا ؟.

وسيتم وضع الفرضيتين التاليتين قيد الاختبار:

-   كلما زاد تركيز إستراتيجية روسيا الاتحادية على الحرب السورية، زاد النفوذ الروسي في سوريا.

-   كلما زاد تدخل روسيا الاتحادية في حرب سوريا، زاد احتمال بقاء بشار الأسد في السلطة.

   وسيتم الإجابة على هذه الإشكالية بالاعتماد على الخطة التالية:

أولا: إستراتيجية روسيا الاتحادية (المبادئ والمحددات).

1.                      مبادئ الإستراتيجية الروسية.

2.                      محددات الإستراتيجية الروسية.

ثانيا: دور روسيا الاتحادية خلال الحرب في سوريا.

1.                      دور روسيا في بداية الحراك.

2.                      جهود روسياالعسكرية في الحرب السورية.

3.                      جهود روسيا الدبلوماسية لإدارة الحرب في سوريا.

أولا: إستراتيجية روسيا الاتحادية (المبادئ والمحددات)

   لفهم الإستراتيجية الروسية سيتم التطرق إلى تطورها، وتتبع مساراتها عبر أهم المحطات التاريخية لروسيا التي كانت دائما تسعى لتعزيز نفوذها في النظام الدولي. وسيتم تسليط الضوء على هذه الإستراتيجية من خلال التعرف على مبادئها ومحدداتها.

1.                        مبادئ الإستراتيجية الروسية

قبل التدخل في جورجيا أعلن الرئيس الروسي "ميدفيديف" (Medvedev) في21/07/2008  عن خمس نقاط رئيسية سترتكز عليها الإستراتيجية الروسية، تتمثل فيما يلي:1

·  لابد من تفعيل قواعد القانون الدولي الذي يجب أن تكون له الأولوية، وستكون مبادؤه محددة للعلاقات بين الشعوب، وستبني روسيا علاقاتها مع الدول الأخرى في إطار القانون الدولي.

·  التعددية القطبية يجب أن تحل محل الأحادية القطبية في نظام تسيطر عليه الولايات المتحدة الامريكية، فالهيمنة أمر غير مقبول ولا يمكن السماح بها، ولا يمكن القبول بنظام عالمي تنفرد فيه دولة واحدة باتخاذ جميع القرارات، ما سيؤدي إلى عدم استقرار وصراعات.

·  روسيا لا تريد المواجهة مع أي بلد آخر، وليست لديها نية لعزل نفسها، بل سوف تطور علاقات ودية مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وبلدان أخرى قدر الإمكان.

·  حماية أرواح وكرامة المواطنين في أي مكان، وهذا أمر لا جدال فيه، وستقوم سياسة روسيا الخارجية على هذه الحاجة، كما ستحمي مصالح مجتمع الأعمال في الخارج.  يجب أن يكون واضحا للجميع انها سترد على أي أعمال عدوانية ارتكبت ضدها.

·  هناك مناطق تمتلك فيها روسيا مصالحا متميزة، هذه المناطق هي الدول التي تشترك معها في العلاقات التاريخية الخاصة، وترتبط  معها كأصدقاء وجيران صالحين، وسوف تبني روسيا علاقات ودية مع جيرانها القريبين.

هذه المبادئ التي جاء بها "ميدفيديف" واعتبر أن روسيا ستعتمد عليها في ممارسة وتنفيذ إستراتيجيتها والسعي إلى خلق هيكل جديد للعلاقات الدولية، وهي تنخرط في إعادة تعريف عام للنظام الإقليمي والعالمي.2

تعدّ هذه المبادئ اللبنة الأساسية التي قامت عليها إستراتسجية روسيا الاتحادية، وعبّرت فيها عن المجالين الدولي والٌإقليمي، ورسمت الخطوط العريضة التي ستواجه عبرها المرحلة القادمة. وتحاول روسيا الاتحادية العودة التدريجية لزعامة النظام الدولي، وهذا ما يمكن ملاحظته من هذه المبادئ التي طرحها "ميديفديف" معتبرا بأن النظام المتعدد الأقطاب هو الأمثل. تتقاسم فيه اتخاذ القرارات مع دول أخرى في إطار الاحترام المتبادل، وإرساء قواعد القانون الدولي، مركزة على ضرورة بناء علاقات ودية متبادلة بين الدول. وما يثير الانتباه هو تشديدها على قدرتها على حماية مصالحها ومواطنيها في أي مكان.

   وقد استندت عودة روسيا على النقاط التالية:3

1-                      التأكيد على مبدأ عدم التدخل خوفا من إرساء مبدأ تغيير الأنظمة عبر التدخل الخارجي.

2-                     دعم الاستقرار والشرعية في الدول الصديقة لروسيا والتي ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية.

3-                      أولوية مكافحة الإرهاب ومواجهة تنطيماته المتعددة على تخوم روسيا الاتحادية، لاسيما بعد انتشارها على مساحات واسعة تكاد تكون أقرب تهديدا لروسيا.

4-                      الشروع في استخدام القوة العسكرية المباشرة لحماية أهداف روسيا والمصالح الحيوية خارج نطاق الأمن القومي المباشر في القوقاز وآسيا الوسطى أو دول شرق أوروبا وصولا إلى الشرق الأوسط.

5-                      العمل على استعادة المكانة الدولية وتعزيز المصالح الروسية في الشرق الأوسط تحت تأثير تزايد الضغوط والمخاطر الإستراتيجية.

عند تفحص هذه الركائز، إضافة إلى مبادئ "ميدفيديف"، يظهر أن روسيا ليست على استعداد للتنازل عن مكتسباتها خاصة بعد التدخل في جورجيا سنة 2008 ثم ضم شبه جزيرة القزم سنة 2014، معلنة بذلك عدم سماحها بمساعي الولايات المتحدة الأمريكية لزعزعة الأوضاع في بعض المناطق من أجل صناعة حكومات جديدة في إطار ما يعرف بالفوضى الخلاقة، وخوفا من أن تؤدي هذه الفوضى إلى إقامة حكومات موالية للولايات المتحدة الأمريكية، وقد تصبح بعض الدول طرفا في حلف الناتو.

   وقد عمدت روسيا إلى وضع إستراتيجية تهدف من خلالها إلى العودة إلى منطقة الشرق الأوسط، معتمدة في ذلك على الدول الحليفة لها مثل دعم الملف النووي الإيراني، والتعاون مع سوريا، ودعم نظام بشار الأسد، وكذلك تبني علاقات وطيدة مع الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وذلك بإعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط، بعد شطب ديون سوريا التي قاربت 13 مليار دولار، وإزالة القيود عن تصدير التقنيات الكيماوية والبيولوجية، ودعم البرنامج النووي الإيراني،4 حيث زار "فلاديمير بوتين" (vladimir putin) كل من: مصر، المملكة العربية السعودية، الأردن، قطر، تركيا، إيران، والإمارات العربية المتحدة، بين سنتي 2005 و 2007 كدليل على جهود روسيا لبناء علاقات في الشرق الأوسط.5 

من هذا المنطلق يظهر أن روسيا الاتحادية استطاعت فرض تواجدها في الشرق الأوسط من خلال تعزيز علاقاتها مع حلفائها التقليديين من خلال تطوير التبادل التجاري والعسكري والأمني ما يوطد هذه العلاقات، وبالمقابل زادت العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، ما سرّع عودة روسيا للمنطقة، بل مزاحمة القوة التقليدية فيها.

   وقد خلصت دراسة صادرة عن مؤسسة "راند" (RAND) سنة 2009 إلى أن موسكو كان يحركها طلب المكانة العالمية والتجارية، والاستقرار الإقليمي، فلم تكن تحفزها  رؤية معينة بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، بل الاعتقاد بأنها قوة عالميةيجب أن تلعب دورا في المنطقة، وأن تملك مقعدا على طاولة المفاوضات والقرارات الرئيسية. وترتكز الإستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط على المبادئ التالية:6

·  العلمانية: تعتمد روسيا هذا المبدأ بإبعاد الإيديولوجية، لأنها تعتقد بقدرتها على مخاطبة الأطراف جميعا في المنطقة، وتحاول بالمقابل البقاء بعيدة عن المشاكل الداخلية. على حد وصف الأستاذة الروسية "إيرينا زفياغلسكايا" (irena zvyagelskaya) *،تمكنت روسيا من المحافظة على علاقة حسنة التوازن ــ نوعا ما ـــ مع عدد كبير من الجهات الفاعلة".

·  النفعية (البراغماتية): تحرك السياسة الروسية النفعية التي قد توصف بالانتهازية، وتعمل على تقييم كل فرصة وحدث انطلاقا من مصالحها الخاصة، فهي تسعى للاستقرار الاقليمي، واهتمامها بالأسعار العالمية للنفط.

·  محاربة الإرهاب الدولي: تخوف روسيا من انتشار الإرهاب الدولي وانتقاله إليها وإلى الدول المجاورة. ما يقارب 320 روسي الجنسية سافروا للعراق وسوريا منذ سنة 2014، والقادة الروس قلقون من عودة المقاتلين الذين يكونون قد تحولوا إلى الراديكالية بسبب دعاية تنظيم"الدولة الإسلامية"، وقد سلطت ورشة عمل بين مؤسسة "راند" (RAND) و"مركز كارنيغي موسكو" (carnigi mosco center) التي عقدت سنة 2013 الضوء على هذا الموضوع.

·  دعم الاستقرار في المنطقة: عملت على دعم الهيكليات القائمة للدول والحكومات ضد كل من التدخل الأجنبي والتمرد الداخلي، حيث أكدت بأن التدخلات الأجنبية في العراق وليبيا كانت كارثية، وتدعم روسيا مبدأ سيادة الدولة بالتوافق مع القانون الدولي، وتعارض التدخل والتطفل الخارجي.

لذلك لم تخرج روسيا عن التوافقات الدولية في سعيها لتحقيق مصالحها، بالسير في التوجه العام للنظام الدولي، حيث استفادت من التجربة السابقة للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، فكسب الحلفاء أفضل من كسب الأعداء، خاصة في المناطق التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالأمن القومي الروسي على غرار منطقة أوراسيا.

 

2- محددات الإستراتيجية الروسية

   تتحرك روسيا ضمن عدة محددات تمثل أساس إستراتيجيتها، وتحاول من خلال هذه المحددات تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف في أقل وقت وبأقل تكاليف، وذلك ما يجسد العقلانية.

·  المحدد العسكري

   لعب المحدد العسكري دورا مهما في الإستراتيجية الروسية عبر المراحل التاريخية المختلفة، فطالما استعانت عديد الدول بالخبرات الروسية في مجال الأسلحة، وفي المجال الاستخباراتي.

   تعدّ الصين والهند والسعودية أكبر ثلاث دول مستوردة للسلاح في العالم، ولروسيا المكانة الأولى في علاقات التسليح بالنسبة للصين والهند، إذ تحتل روسيا المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية في تصدير الأسلحة حيث تساهم بـ 20% من صادرات الأسلحة على مستوى العالم، توجه 90% منها لدول العالم الثالث،وتتوزع هذه النسبة على آسيا بـ 62%، العالم العربي 15%، إفريقيا 9% وأمريكا اللاتينية 2%. وتستغل روسيا عامل رخص السلاح الروسي بالإضافة إلى العداء الذي تكنه بعض الدول للولايات المتحدة الأمريكية للتغلغل أكثر في سوق السلاح العالمي.7

   وما يمكن ملاحظته أن روسيا الاتحادية تحسن استغلال المواقف والظروف بما يخدم مصالحها، فقد أظهر السلاح الروسي قوة فائقة خلال الحرب في سوريا، حيث تصدت للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وحالت دون إسقاط نظام بشار الأسد ما أعاد الثقة لقوة روسيا العسكرية. وتصدر روسيا أسلحة لما يقارب 80 دولة تراوحت قيمتها بين 7 و 9 مليار دولار خلال سنتي 2008 و 2009، هذه القيمة وصلت لـ 8 مليار دولار سنة 2014 ثم 15 مليار دولار سنة 2015. بالمقابل، تراجعت قيمة صادرات الولايات المتحدة الأمريكية من 16.5 مليار دولار إلى 12 مليار دولار. 8

   وحسب تقرير صادر عن معهد أبحاث ستوكهولم العالمي للسلام (SIPRI) أن الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت نسبة مبيعاتها من الأسلحة بنسبة 3% سنة 2015، في حين ارتفعت نسبة روسيا بـ 6.3% وارتفعت كذلك النسبة الإجمالية من التصدير الإجمالي في العالم إلى 23% سنة 2017 مقارنة بـ 22% سنة 2013. 9

   لقد بدأت روسيا تستعيد مكانتها الدولية تدريجيا خاصة بعد تدخلها عسكريا في سوريا وما أظهرته الأسلحة الروسية من قوة، ما جعل من المحدد العسكري من بين أهم محددات إستراتيجيتها ، باعتبار أنه كان دائما هو المحدد الأول لقوة الدولة، وهو ما يضمن لها مكانة فعالة في النظام الدولي، ونظرا لتراجع مكانة العامل العسكري بعد نهاية الحرب الباردة بسبب التحول على مستوى التهديدات التي لم تعد تأخذ الطابع التناظري (تماثلية)،كان لابد على الدول أن تكيف نمط تسلحها مع طبيعة التهديدات التي تواجهها. 56% من صادرات السلاح الروسي عبارة عن معدات جوية تماشيا مع التغيرات الجيواستراتيجية التي تشهدها حروب القرن الواحد والعشرين التي تعتبر القوة الجوية هي الحاسم الأكبر والممهد لدخول القوات البرية.10   إذ لم تتخل يوما عن زيادة قوتها العسكرية في ظل الشك الذي يسود العلاقات الدولية، كما أن التوترات والنزاعات تضمن دائما تدفق الاستثمارات في سوق السلاح الدولي، وبالتالي يجب المحافظة على التطوير المستمر للأسلحة الروسية لتعزيز مكانتها، وخلق الفوضى يزيد من زبائن السلاح الذي يعتبر من أهم القطاعات التي التي يقوم عليها اقتصادها.

·  المحدد الاقتصادي

   يرى المفكرون الليبراليون على غرار "جيريمي بينثام" (jeremy bentham) بأنّ البعد الاقتصادي هو العامل الأكثر تأثيرا على العلاقات الدولية، وقد كان الاقتصاد الروسي، ولازال عاملا مهما ومحددا للإستراتيجية الروسية، حيث خسر من سنة 1900 إلى سنة 2000 ما يقارب 40% من قيمته، لكنه بدأ يتعافى بعد ذلك محققا نسبة نموّ بلغت في المتوسّط حتّى سنة 2008 حوالي 7%، تضاعف خلال هذه الفترة الاقتصاد الرّوسي، لكنّه تراجع بعدها ولم يحقّق سوى 3% أو 4% 11.و يعتمد اقتصاد روسيا الاتّحاديّة على موارد الطّاقة وبشكل كبير على النّفط الذي يقدّر بـ 137 مليار برميل، وبلغ إنتاج روسيا من النفط 488 مليار طن والغاز 663 مليار متر مكعب، و 10.33 مليار كيلواط من الكهرباء 108 مليون طن من الحبوب، وبلغ حجم المبادلات الخارجية 763.7 مليار دولار أمريكي سنة 2008، أما الاحتياط من العملات الأجنبية فقد بلغ 438 مليار دولار أمريكي.12

 منذ سنة 2000 إلى غاية 2014، وفر ارتفاع أسعار النفط 2 تريليون دولار أمريكي كإيرادات إضافية، وارتفعت إيرادات النفط وحده إلى 39.4 مليار دولار سنويا في الفترة 2011-2013 بعد أن كانت 33.5 مليار دولار في الفترة الممتدة بين 2000 و 2004. من جهة أخرى، ارتفعت الاستثمارات من 31.4 مليار دولار سنة 2000 إلى 566.4 مليار دولار سنة 2013، وقد اعتبر الاقتصاد الروسي من أفضل الاقتصادات في العالم بين 2000 و 2009، حيث راهن المستثمرون على زيادة نموه، إلا أنهم ينسحبون على غرار "جنرال موتورز" و "ايربرلين" كما أن انخفاض أسعار النفط يعيد للأذهان سنوات الثمانينيات.13

   بالنظر إلى الأرقام المقدمة سابقا، يظهر تذبذب الاقتصاد الروسي من سنة لأخرى، ورغم ذلك إلا أنه ينمو باستمرار،مع تعارض الأرقام في بعض الأحيان بين سنة وأخرى. لذلك فروسيا تحاول دائما البقاء ضمن الاقتصادات الأكبر في العالم رغم كل المشاكل والعقوبات المفروضة على موسكو من قبل الحكومات الغربية، من أجل الإبقاء على هامش التفوق بينها وبين موسكو، والتخفيف من تبعية الدول الأوروبية لها خاصة في مجال الغاز، لذلك تراهن روسيا على قوتها في مجال الطاقة للإبقاء على دورها في النظام الدولي، مستغلة تبعية الدول الأوروبية لها في هذا القطاع.

   منذ سنة 2008 حتى عام 2016، تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر سبع مرات وازدادت قيمة التجارة مع الدول الأجنبية أكثر من 5 مرات، كما ارتفعت المداخيل مرتين ونصف، ولكن ما يبعث على القلق لدى القادة الروس انهم لم يتخلصوا بعد من سيناريو التنمية المستندة على الطاقة.14

·  المحدد الجغرافي

   للجغرافيا أحكام فرضتها على روسيا. فقد كان التوسع خاصية ملازمة لتاريخها للسيطرة على المنطقة الأوراسية (الأوروآسياوية) التي تقع ضمن اهتمامات قياداتها منذ أيام الإمبراطورية، ورغم استقلال بعض دول أوروبا الشرقية وبعض الدول الآسياوية بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، إلا أن هذا المحدد  لازال يحكم سياسة روسيا، وعزلة الجغرافيا لا تزال تفرض نفسها على سياستها الخارجية.

   بين عامي 1677 و1617، خاضت روسيا القيصرية ثلاث حروب ضد الدولة العثمانية من أجل السيطرة على القوقاز والبحر الأسود، ورغبةً منها للوصول إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط عبر المضايق التركية، كما احتل الأسطول الروسي بيروت سنة 1876، وقد شاركت روسيا القيصرية في إعداد اتفاقية "سايكس بيكو" السرية لتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، إلا أن قيام الثورة البلشفية سنة 1917 حال دون ذلك15، وقد كان الاتفاق المبدئي تحت اسم "سوكولوف – سايكس- بيكو".

   كما أن الجغرافيا لعبت دورها في الحرب العالمية الأولى والثانية من أجل السيطرة على مناطق النفوذ، ولم تختلف الحرب الباردة عن الحربين الأولى والثانية، فقد كان هناك قوتان كبيرتان تتصارعان من أجل السيطرة على مناطق نفوذ جغرافية وسياسية في محاولة بسط النفوذ على موارد العالم وأهم المعابر والمضايق البحرية والجزر الإستراتيجية.16

   كتب "بيوتر نيكولايفتش سافيتسكي"* في مقالته "الأسس الجغرافية والجيوليتيكية للأوراسيا" سنة 1933 أن: "لروسيا عدد من الأسباب يفوق بكثير ما لدى الصين من الأسباب التي تسمح بتسميتها "دولة متوسطة" ، فتوسُط روسيا بالنسبة "لسافيتسكي" هو أساس تفردها التاريخي"، فهي ليست جزءا من أوروبا ولا امتدادا لآسيا، إنها عالم مستقل بذاته، واقع جيولوليتيكي روحي، تاريخي مستقل، وهذا المفهوم لا يعني أرضا ولا قارة، بل فكرة انعكست في المجال الروسي، والثقافة الروسية، إنها مقياس تاريخي وحضارة خاصة.17

   ويبدو أن المحدد الجيوبوليتيكي سيظل راسخا في الثقافة الروسية، وستبقى تبحث عن منافذ بحرية ومعابر تضمن من خلالها الوصول للمياه الدافئة، وستبقى تصارع الغرب الساعي للسيطرة على الدول المجاورة لها، فقد دخلت دول البلطيق في حلف "الناتو" ما سمح بالتجسس من خلالها على القدرات العسكرية لروسيا من بحر البلطيق وجبال الأورال.18

   وهذا ما يفسر التدخل العسكري الروسي في جورجيا سنة 2008 وأكرانيا سنة 2014 وكذلك سوريا 2015، وستحاول روسيا على الدوام البقاء على اتصال جغرافي/جيوبوليتيكي مع مناطق نفوذها، أو المناطق التي تسعى لبسط نفوذها عليها وتعزيز العلاقات مع حلفائها وخلق حلفاء جدد، بالمقابل ستسعى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها للإبقاء على روسيا عند المستوى الذي وصلت إليه والحيلولة دون رفع قوتها، ومنعها من الوصول إلى المياه الدافئة وزيادة عزلتها عن مناطق نفوذها حتى تضمن بذلك عدم عودة روسيا لسابق عهدها. ومن جهة أخرى تجريدها من حلفائها، وإحداث نزاعات وأزمات من شأنها زغزغة المكانة التي وصلت إليها روسيا من خلال الإطاحة بحلفائها، أو جزها في تدخلات وحروب تنهكها وتنقص من قوتها، كما حدث قبيل انتهاء الحرب الباردة، حيث دخل الاتحاد السوفياتي في عدة حروب عجّلت  بتفككه، وخسارة المكانة بتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقوة القطب في النظام الدولي.

   كما أن مساحة روسيا التي تفوق 17 مليون كلم2 من شأنها أن تكون نقطة قوة، باعتبار ما توفره هذه المساحة من ثروات مختلفة ومنافذ برية وبحرية وحدود شاسعة، تفسح المجال أمام المبادلات التجارية مع دول الجوار، لكن هذه المساحة من شأنها أن تشكل تحديا للحكومات الروسية المتعاقبة، حيث يصعب الحفاظ على تماسك الدولة، ووقايتها من التفكك كما أن شساعة المساحة تصعب من عملية السيطرة على وحدتها وطول الحدود يزيد من الهشاشة الأمنية للدولة.

ثانيا: دور روسيا الاتحادية خلال الحرب في سوريا

   يعدّ "الروس" أن سوريا هي مفتاح منطقة الشرق الأوسط وليس العراق، هكذا حصل منذ أيام الإسكندر المقدوني قبل ما يفوق 2342 سنة، وبتفجر الأوضاع بتاريخ 15 مارس 2011، وخروج الشعب السوري في مظاهرات ضد بشار الأسد، عدّت روسيا ما يحدث في سوريا "شأنا داخليا" وأن مسألة التغيير يقررها الشعب السوري وحده. ومع ذلك فقد استخدمت حق النقض "الفيتو" مرتين ضد قرارين لإنقاذ المدنيين في سوريا، وكان ذلك بتاريخ 4/10/2011 و 4/2/2012.19 وتعتمد روسيا بشكل كبير على قوتين لهما ثقلهما لتنفيذ سياساتها  في المنطقة هما: إيران وسوريا، وذلك عبر ضمان دعمها الثابت سياسيا وعسكريا في إطار متوازن لاسيما في مجال التسلح، التقنيات، والاستثمارات، وتطوير القوى المتحالفة مع روسيا والتنظيميتا التابعة لها مثل: حماس، حزب الله، والجهاد الإسلامي.20

1-                       دور روسيا في بداية الحراك

   بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية منذ سنة 2010، بدأت وقائع تفرض على روسيا إعادة حساباتها في المنطقة، فهذه الأحداث قد تنجح في فك ارتباط بعض الدول بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها أيضا قد تنهي العداء الموجود مع الولايات المتحدة الأمريكية على غرار ليبيا وسوريا.

   فبعد انطلاق الاحتجاجات في سوريا سنة 2011، لم توافق روسيا والغرب على عمليات القمع العديدة والمتكررة الممارسة من نظام بشار الأسد، مما أدى إلى انتقادات ودعوات إلى فرض عقوبات على هذا النظام، إلا أن "موسكو" اعتبرت أن نظام الأسد حليف، وأعلن الرئيس السابق "ميدفيديف" أن روسيا لن تسمح بفرض عقوبات ضد سوريا، وكان ذلك في ماي 2011، كما أن وزير الخارجية "لافروف"أعلن أن بلاده ليس لديها نية السماح لمجلس الأمن بالتدخل في سوريا كما فعل في ليبيا21، وأن إسقاط نظام الأسد سيأتي من المحتمل بحكومة "راديكالية" ليست معادية للغرب وحده، بل لروسيا أيضا، وقد خلفت تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق وليبيا حالة من الفوضى، وسيؤدي ذلك إلى نفس النتيجة في سوريا وستتضرر المصالح الروسية. وترى أن الزخم الحقيقي لإسقاط نظام الأسد يأتي من السعودية وقطر، وذلك من أجل إقامة نظام سني موالي للدولتين، بدلا من نظام الأقلية العلوية (الشيعة) الموالية لإيران.22

   يعتقد الخبراء والمحللون والسياسيون "الروس" أن أي تغيير في النظام السوري من شأنه أن يؤدي إلى حرب أهلية مثل ما حدث في لبنان، وسيؤدي إلى فوضى إقليمية يمكن أن تكون لها آثار محتملة على شمال القوقاز وآسيا الوسطى، لذلك ستظهر روسيا تمسكا بنظام الأسد لحماية مصالحها في المنطقة، بالإضافة إلى أنها تستذكر ثورات 1917، لأن الثورات التي تحدث في الربيع ليست سوى مقدمة لأخرى مضادة، أوموجة ثورية معادية للديمقراطية أكثر راديكالية في الخريف.23 ففي 06/08/2011 صرّح رئيس المجلس الاجتماعي بوزارة الدفاع الروسية "ايغور كوروتشينكو" بأنه: "على الحكومة السورية أن تقضي على أي عدوان خارجي بأساليب شديدة وحاسمة وفعالة"، أما وزير الخارجية "سيرغي لافروف" فاعتبر أنه "كيف يمكن الاعتقاد بأنه في مثل هذه الأوضاع يمكن أن تقبل الحكومة بكل بساطة بالأمر الواقع وتقول: كنت على خطإ، هيا اعملوا على اسقاطي وغيروا النظام.  إن هذا بكل بساطة غير واقعي".24

   عند تفحص هذين التصريحين، يظهر الدعم المطلق من "موسكو" لدمشق، وسعيها للمحافظة على نظام بشار الأسد باعتباره حليفا جد موثوق ولا يمكن التنازل عنه والسماح بإسقاطه، والدليل فشل المساعي الغربية المتكررة لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين السلطات السورية على استخدام العنف في قمع المتظاهرين، بسبب معارضة روسيا والصين واستخدامهما "الفيتو" ثلاث مرات في 05/10/2011 ثم 05/02/2012 وكذلك 19/07/2012. 25 واعتبرت الأولى أن القرارين رقم 1970 و1973 المتعلقين بليبيا قد انتهكا بوضوح،وجرى التلاعب بهما، وبأنها لن تسمح بذلك في سوريا حيث اعترضت على:26

- قرار أعدته السعودية يدين استخدام العنف الذي تمارسه سوريا ضد المدنيين بتاريخ 03/08/2011.

- قرارات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتاريخ 29/04/2011 و23/08/2011 و11/06/2012 رفضت روسيا التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا.

- إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن، في اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية جوان 2011.

- العقوبات المفروضة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية على سوريا، ورأت روسيا أن فرض مثل هذه العقوبات محصور في مجلس الأمن الدولي.

        من خلال ما سبق يظهر أن صناع القرار الروس لم ينسوا ما حدث في ليبيا، ليعلنوا عن دعمهم المطلق لبشار الأسد، لأن سقوطه قد يقلص أو يمحو فرصة التواجد المباشر في البحر الأبيض المتوسط، فسقوط " الأسد" يعني فقدان حليف مهم في المنطقة، ولكن من جهة أخرى فإن روسيا لم تبد اهنماما كبيرا بليبيا ــ رغم اعتراضها عن تدخل "الناتو"ـــ عكس سوريا، وهذا يؤكد أن المصلحة محرك الدول وترتيب الأولويات، فأهمية سوريا أكبر من ليبيا، وهذا ما جعل التمسك بالأولى ضرورة قصوى بالنسبة لروسيا، يل تتصل اتصالا مباشرا بأمنها القومي.

2-                       جهود روسيا العسكرية في الحرب السورية

   في سبتمبر 2015 بدأت روسيا التدخل العسكري في سوريا بإطلاق ضربات جوية، معلنة بداية عمليات عسكرية كبيرة ومستدامة27، ف"الكريملين" يرى بأن التدخل  في سوريا شرعي، لأنه جاء بطلب من الحكومة السورية الشرعية، ورئيس الجمهورية المنتخب، في حين أن التحالف الدولي غير شرعي، انتهك سيادة سوريا رغم القرارين  الصادرين عن الأمم المتحدة رقم 1970 و 2249. وتعرضت القوات السورية الموالية لنظام الأسد إلى هزائم متتالية هددت بسقوط فعلي للنظام، وبالتالي لم ينتظر الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" كثيرا بعد منحه الضوء الأخضر من "الكريملين" حتى بدأت الطائرات الروسية تحوم في السماء السورية وتقاتل إلى جانب جيشها. وقد جاء هذا التدخل بعد تعرض نظام الأسد لنكسات على يد الجيش السوري الحر والجماعات الإرهابية.

   يأتي التدخل الروسي في سوريا للحفاظ على تواجدها العسكري في "المياه الدافئة" بالبحر الأبيض المتوسط، والإبقاء على الاتفاقية المبرمة بين البلدين سنة 1971 لإنشاء قاعدة بحرية في ميناء "طرطوس"28، حيث قامت القوات الروسية بتوسيع مدارج مطار "حميميم" (باسل الأسد) وتأهيله لاستقبال طائرات الشحن الكبيرة، كما أرسلت دبابات "T-92" و "مدافع هاوتزر"، ناقلات جند مدرعة، و 200 جندي من مشاة البحرية  لتأمين هذا المطار (القاعدة)، وأخذت حركة طائرات الشحن تتعاظم بشكل يومي، وتأخذ أشكالا مختلفة: قوات خاصة، تدخل سريع، وخبراء ومدربون، ومستشارون29، حيث يكمن التواجد عسكريا في مطارات تدمر والشعيرات وحماة، ويقدر عدد الجنود  المتواجدين في سوريا بحوالي 4500 جندي، إضافة إلى 600 عنصر من الشرطة العسكرية30.وبحسب معلومات استخباراتية أمريكية فإن روسيا أرسلت في سبتمبر 2015 مقاتلات حربية منها أربع من طراز "سوخوي 27" و"سوخوي 30"، وأربع قاذفات "سوفري سو-34 (فولباك)" بالإضافة إلى طائرات مروحية، طائرات دون طيار، كما أن طائرات الشحن العسكري قامت بعشرات الرحلات إلى مطار اللاذقية محملة بالأسلحة والعتاد والخبراء، بالإضافة إلى عملها على بناء منطومة دفاع جوية متكاملة هناك.31

   بالرغم أن روسيا تحاول دائما التقليل من حجم تدخلها في سوريا، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها يعتبرونها "مماطلة" ولا تقر بكامل معداتها، وتُغالط في عدد الجنود والخبراء الروس. حيث تعدّ هذا التواجد في إطار التعاون المشترك بينها وسوريا، وما يثير الانتباه هو تراجُع الدور الأمريكي- الأوروبي في هذه الحرب، ما أفسح المجال أمام روسيا لشغل المكانة التي كانت تطمح إليها، لذلك وجب التنسيق على أعلى المستويات لتفادي صدام بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية  وهذا ما أكد عليه الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" في خطاب في الأمم المتحدة من خلال حديثه عن ضرورة التعاون مع الروس لإيجاد حل في سوريا، ففي 30/09/2015 جاء جنرال روسي إلى سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد ليخبر عن قصف جوي وشيك وبأنها (الولايات المتحدة الأمريكية) مجبرة على سحب قواتها من الأجواء السورية، وذلك حسب وزارة الدفاع الأمريكية.32 وهذا دليل على أن روسيا لا تولي أهمية كبيرة للتواجد الأمريكي في سوريا نظرا للطريقة التي تواصلت بها مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تريد أن تهيمن على السماء السورية بعد دعوة المقاتلات الأمريكية للإنسحاب وفسح المجال أمام المقاتلات الروسية

   وتهدف روسيا من خلال تدخلاتها المتتالية في سوريا عسكريا إلى دعم النظام السوري،وقد ساهمت بشكل فعال في إعادة تشكيل القوة العسكرية للنظام، بحيث "تشكّل اللواء الخامس الذي يُعتبر الوحدة الأقدر على القتال في صفوف الجيش السوري".33 كما تهدف إلى محاربة الإرهاب الذي يتنامى  في المنطقة، وتتخوف من سقوط نظام الأسد وخسارة التواجد في منطقة الشرق الأوسط، والبحر المتوسط. ومن جهة أخرى فصعود حكومة راديكالية من شأنه أن يغذي الصراعات في سوريا والمنطقة، وهذا ما لا تريد روسيا حدوثه خوفا على مصالحها الجيوإستراتيجية أو انتقال العدوى لدوائر الأمن القومي الروسي المباشرة.

    وكانت وزارة الدفاع الروسية قد ذكرت بأن الأهداف الإرهابية المدمَّرة في سوريا نتيجة الغارات قد بلغ 121466 هدفا. وأصبحت الحرب لصالح بشار الأسد من خلال "سيطرة القوات السورية على كثير من الأراضي التي استولى عليها المسلحون، ومن بينها منطقة الغوطة الشرقية قرب العاصمة دمشق، ومحافظتا درعا والقنيطرة الجنوبيتان – الغربيتان". وتشير الأرقام المقدمة من قبل المرصد السوري لحقوق الإنسان "المعارض" خلال الفترة: 30 جويلية 201530 جوان 2018 إلى أن الغارات الروسية تسببت في مقتل 4868 مسلحا وجهاديا، و5201 فردا من عناصر تنظيم الدولة "داعش"34.

   لقد أصبحت روسيا فاعلا إقليميا رئيسا في الشرق الأوسط من خلال التدخل في الحرب السورية، تحديدا على إثر تدخلها العسكري في سوريا سنة 2015. وهو ما مثل مفاجأة للمتابعين باعتبار أنها لم تتدخل عسكريا في شؤون الشرق الأوسط منذ زمن.35 ولا يمكن أن تتدخل دولة عسكريا في دولة أخرى إلا إذا كانت لها دوافع وأسباب لذلك، وتتمثل أسباب التدخل في الحرب السورية فيما يلي:36

1-                       تسعى روسيا للعودة للساحة الدولية، وتعزيز دورها الدولي والاقليمي خاصة في الشرق الأوسط، وتعتبر سوريا الفرصة السانحة لذلك، وكذلك تكوين تحالفات إقليمية تخدم مصالحها.

2-                      يمكن لهذا التدخل أن يزيد من حجم التغلغل العسكري لروسيا في سوريا، ومنه يزيد من حجم التواجد العسكري في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، خاصة أنها تملك حليفا قويا آخر في المنطقة هو إيران.

3-                       جاء التحرك الروسي نتيجة إدراك القيادة الروسية أن الأحداث في سوريا تتجه نحو إسقاط الحكومة القائمة، لذلك وجب التدخل العسكري من أجل تصحيح الأوضاع.

4-                       السعي إلى إيجاد دور لروسيا في التسويات الخاصة بالأقليات، خاصة في سوريا والعراق.

ومع ذلك فإن الجهود العسكرية الروسية في سوريا، ورغم أنها حققت الأهداف المعلنة عنها والحفاظ على نظام الأسد، إلا أن هذا التدخل يبقى يعاني من تحديات من شأنها أن تؤثر على فاعليته.

   وفيما يلي أهم هذه التحديات:

- التدخل العسكري لروسيا قد يثير حفيظة الولايات المتحدة الأمريكية. خاصة أنه يحقق تقدما ميدانيا ويزيد من تماسك  نظام الأسد الذي تسعى واشنطن إلى عزله.

- تتداخل الأطراف المتحالفة مع روسيا، ما سيؤدي إلى استفزاز الدول الأوروبية خاصة فيما يتعلق بدور إيران وحزب الله المتعاظم في المنطقة.

- الصراع الروسي الأوروبي حول ممرات أنابيب الغاز القطري، والتي لا تكون إلا عبر الأراضي السورية، حيث تسعى أوروبا للتخلص من تبعيتها لروسيا في مجال الطاقة "الغاز"، لذلك فإنه إقامة حكومة موالية للغرب سيزيد من فرصة تحقيق مشروع تمرير الغاز القطري عبر سوريا، وستتخلص الدول الأوروبية من تبعيتها لروسيا وتزداد العزلة المفروضة عليها من قبل الغرب.

ومن خلال ما سبق تجدر الإشارة إلى أن الإستراتيجية الروسية في سوريا تقوم على ضمان المصالح. فالملاحظ عدم التدخل في البداية بحجة أن ما يحدث شأن داخلي، لكن عند بداية سقوط بشار الأسد أصبح التدخل الروسي ضروريا لحماية مصالحها في المنطقة المتمثلة أساسا في:

ـــ              ضمان التواجد في البحر الأبيض المتوسط والولوج إلى المياه الدافئة، فالبحر الأبيض المتوسط طالما كان ولازال موطن صراع بين الدول.

ـــ  تعدّ سوريا حليفا إستراتيجيا موثوقا فيه، وعلاقاتها التاريخية وطيدة مع روسيا، وبالتالي فالتخلي عنها قد يعصف بإمكانية التواجد المباشر  في المنطقة،  بالإضافة إلى كون سوريا هي الضامن لتبعية أوربا لروسيا في مجال الطاقة، نظرا لموقعها الإستراتيجي، فاستمرار التحالف بينهما وتعميقه سيمنع الغاز القطري من الوصول إلى أوربا أهم زبون غاز.

 

 

3-                       جهود روسيا الدبلوماسيةلإدارة الحرب في سوريا

منذ مارس 2012، سافر وزير خارجية روسيا إلى القاهرة على إثر اجتماع وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية، وأعلن تأييد موسكو للمبادرة العربية طالبا بعض التعديلات والتوضيحات، وأعقب ذلك دعوته للمراقبين العرب لعدم الانسحاب من سوريا37،كما اتفق "لافروف" (LAVROV) في 10/03/2012 مع نظرائه من الدول العربية على "حل" من النقاط التالية:38

- وقف إطلاق النار في سوريا.

- ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

- دعم بعثة الأمم المتحدة المرؤوسة من "كوفي أنان" إلى سوريا.

- عدم التدخل في شؤون سوريا الداخلية.

لقد سعت روسيا منذ بداية الأزمة في سوريا إلى محاولة حلها دبلوماسيا تخوفا من تفاقم الأوضاع، وتطورها إلى حرب تزيد الوضع في الشرق الأوسط تأزما فتتأثر بذلك مصالح روسيا التي دعت إلى عقد مؤتمر دولي حول سوريا، لكن لم تتجاوب الدول العربية مع هذه الدعوة بسبب وجود إيران في هذا المؤتمر.39

   وعدّت إبقاء المراقبين الدوليين كشرط مهم لنجاح خطة "أنان"، وحاولت توحيد المعارضة بالإضافة إلى تركيزها على ضرورة إشراك الفاعلين الإقليميين المؤثرين في المنطقة مثل إيران، وانتقدت "موسكو" الطريقة التي يسعى من خلالها الغرب لإنهاء الأزمة السورية، حيث عبر "سيرغي لافروف" وزير خارجية  عن ذلك بقوله: "من الأفضل تصحيح الخطأ في عدم دعوة إيران والسعودية لحضور مؤتمر "جنيف"، وأضاف: "لقاء باريس لأصدقاء سوريا لا يهدف إلى توحيد المعارضة السورية على أسس بنّاءة، بل إن مهمة المشاركين فيه تتلخص منذ البداية في دعم المعارضة الخارجية فقط".40

   ويبدو أن حلول روسيا الدبلوماسية لم تنجح لسببين هما:

- تمسك روسيا ببقاء الأسد في السلطة، وهذا ما رفضته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.

- إصرار موسكو على إشراك قوى إقليمية ودولية مؤيدة لها وللنظام السوري، حيث رفضت "واشنطن" الحلول المقترحة من طرف "موسكو" وحلفائها، لأن ذلك ينقص من الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ويفسح المجال أمام "موسكو" لاستعادة الدور الذي ترغب فيه.

شاركت روسيا في عدة مؤتمرات على غرار مؤتمر جنيف الذي عقد بتاريخ 30 جوان 2012 في محاولة لإدارة النزاع دبلوماسيا، وسعت لفرض سيطرتها الخاصة على البيان، باعتبار الأسد جزءا من المرحلة الانتقالية، ثم ربط مصيره بإدارة الشعب. وأهم ما جاء به مؤتمر "جنيف 1": تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة ،كخطوة لازمة وضرورية لحل الأزمة سياسيا. إضافة إلى ذلك نجحت "موسكو" في ترتيب اجتماع بين اللواء "علي مملوك" "المسؤول الأمني" ووزير الدفاع السعودي الأمير "محمد بن سلمان" في جويلية 2015، لكنها لم تنجح في الوصول إلى حل.41

   وشاركت روسيا في الإعداد لعدة مؤتمرات (جنيف) لكنها باءت بالفشل في الاتفاق مع الفاعلين حول حل يرضي جميع الأطراف، خاصة فيما يتعلق ببقاء أو رحيل الأسد وحكومته. كما ترعى روسيا محادثات "أستانا" بين النظام الروسي والمعارضة في محاولة منها لجلب المفاوضات، أين يمكن لروسيا التحكم أكثر والضغط أكثر على سير المفاوضات، وعزل الغرب وإبعاده عنها. وبالرغم من تعدد جولات "أستانا"في "سوتشي" الروسية، إلا أن الجهود الدبلوماسية لم تنجح لحد الآن في إنهاء الحرب السورية.

   وفي إطار الجهود الدبلوماسية لروسيا أيضا، قام بَطريق "موسكو وسائر روسيا" إلى زيارات متعددة أولها في 12 نوفمبر 2011 إلى سوريا ولبنان في إطار ما يعرف بـ "زيارات السلام" والتقى بالرئيس بشار الأسد، إذ تعتبر دمشق مقر بَطريقة "انطاكية وسائر المشرق"، وقد أعرب البَطريق "كيريل" عن آماله في حل سياسي للحرب السورية، مما سيجلب السلام للمنطقة، وشدد على أن هذه الخطوة ستحل السلام والعدالة لشعب سوريا.42

   كما أعلنت موسكو عن تأسيس "المركز الروسي للمصالحة في سوريا" بتاريخ 23/02/2016، وذلك بسبب إتفاق روسي-امريكي على وقف إطلاق النار في سوريا ويتمثل دور هذا المركز في إبرام اتفاقيات وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وعمل بشكل وثيق مع أطراف الحرب في سوريا، وتدويل الملاحظات، وجمع المعلومات وتبادلها من أجل بناء صورة متكاملة للحرب.43

   وصدر تقرير عن المركز بتاريخ 12/07/2018 ، يشير إلى أن المركز يواصل عمله في تسوية الأزمة السورية بطريقة سلمية، وتقديم المساعدات الإنسانية، حيث ساهم في عودة 71977 شخص من مخيمات اللاجئين إلى منازلهم بالغوطة الشرقية، وتم تقديم 4.3 طن من الغذاء في "درعا". من جهة أخرى، يعقد ممثلو المركز مباحثات مع شيوخ الأرياف والفصائل المسلحة.44

فلا يمكن إنكار مساهمة الإستراتيجية الروسية من خلال الحرب السورية في وضع أُسس المصالحة الوطنية وتقليص حدة التوترات الأمنية في البلاد. ولعبت دورا في بعث عملية إعادة اللاجئين السوريين من خلال تحمُّل بعض الأعباء "عبر نشاطات مركز استقبال وإيواء وتوزيع اللاجئين الذي استحدثته وزارة الدفاع الروسية"45 .

   وقد نجحت روسيا في ضم المجموعات المسلحة في الجمهورية العربية السورية إلى وقف إطلاق النار في 30/12/2016 ، وهذه الجماعات هي: فيلق الشام أحرار الشام، جيش الإسلام، ثورة الشام، جيش المجاهدين، جيش إدلب، الجبهة الشامية.46

   وبحسب الكرملين فإن "بوتين شدد على أن العمل الذي قامت به الدول الضامنة لعملية أستانا والخاص بتشكيل قائمة أعضاء اللجنة الدستورية يخلق ظروفا ملائمة لتسوية صارمة وطويلة الأمد في سوريا".47 وقد أكد السفير الروسي في سوريا "ألكسندر يفيموف" أن الانسحاب الأمريكي من سوريا سيُسهم في تحقيق الاستقرار، شرط التزام السلطات السورية بإيجاد حل مقبول لدى مختلف الجماعات الإثنية والعرقية في البلاد.48

واستطاعت روسيا فرض تواجدها في منطقة الشرق الأوسط عن طريق سوريا، أين أظهرت ان نظام بشار الأسد لا يمكن التنازل عنه، وهي تسعى بكل السبل لإنهاء الحرب في البلاد، لكن دون المساس بمصالحها. في المقابل يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها قد اقتنعوا بالدور الروسي وضرورة التنسيق مع روسيا بدل تحييدها. ويبدو أن روسيا استفادت من دروس التاريخ، وهي تفرض منطقها تدريجيا في إدارة حرب سوريا، خاصة بعد نقل المفوضات بين أطراف الحرب من "جنيف" إلى "سوتشي" المدينة الروسية.

خاتمة

   لقد التزمت روسيا بالحل السياسي في سوريا حتى 2015، وبعد عام كامل من بداية التدخل العسكري (التحالف الدولي)، وانتظرت حتى أخذت الضوء الأخضر من نظام بشار الأسد. ويَظهر أن روسيا نجحت في اكتساب الشرعية لتدخلها العسكري أمام المجتمع الدولي، باعتبار أن تدخلها جاء بطلب من الحكومة الشرعية، وبالتالي فلا يمكن الوقوف في وجهها، من جهة أخرى ستعود للمنطقة من بوابة سوريا، بعد نجاحها في جذب أطراف الحرب إلى "سوتشي" الروسية، من خلال محادثات "أستانا" برعاية روسية - إرانية - تركية. وقد انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من هذه المحادثات بعد حضورها لثماني جولات، وتخلفها عن الجولتين التاسعة والعاشرة، هذه الأخيرة التي عقدت في 30/07/2018.

   ومن جهة أخرى،من الممكن أن يكون سكوت روسيا عما حدث في ليبيا كان مخططا له، حيث تخلت عن ليبيا حتى تُخفف من ردة فعل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تُجاه ما ستفعله في سوريا.

   ومما سبق يمكن استنتاج النقاط التالية:

- تسعى كل القوى الكبرى والإقليمية لتحقيق مصالحها أو زيادة نفوذها، أو الإبقاء على مكتسباتها في الشرق الأوسط، يظهر ذلك من خلال تدخل روسيا الاتحادية في حرب سوريا.

- تساهم روسيا بشكل فعال في الحرب السورية سواء على المستوى العسكري أو الدبلوماسي، في محاوَلة للعودة إلى النظام الدولي بصفتها قوة كبرى، خاصة إذا نجحت في تسيير الحرب حسب ما تخطط له.

- يحاول بشار الأسد البقاء في الحكم بالاعتماد على ما اكتسب من حلفاء، حتى وإن أدى ذلك إلى مزيد من التنازلات التي ستكون روسيا أكبر المستفيدين منها.

- على المستوى الاقتصادي فإن "اقتصاد الحرب" من أهم محركات اقتصاد الدول لتفادي الأزمات المالية والاقتصادية، حيث ستكون  الشركات الروسية أكبر المستفيدين في مرحلة ما بعد الحرب ، بتزايد استثماراتها وإعادة إعمار سوريا.

- ستكون للحرب الدائره في سوريا انعكسات داخلية وإقليمية ودولية، قد تصل إلى تغيير بنية النظام الدولي وتوزيع القوة فيه، بانتشارها خارج حدود سوريا.

- تحسن روسيا الاتحادية توظيف الفواعل على غرار الأكراد الذين تدعمهم رغم تواجدهم في إيران الحليفة، كما أنها تحافظ على علاقاتها مع تركيا ــ رغم وجود بعض التوترــ  المحسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية في حلف الناتو، فتحافظ بذلك على علاقاتها مع جميع الأطراف، وتتجه تدريجيا نحو تحقيق أهدافها.

تبقى الإشارة إلى أنه في حال انتهاء الحرب في سوريا بعد كل الجهود التي بذلتها روسيا - ولازالت تبذلها - ستكون أكبر المنافسين للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة أنها متحالفة مع دولة محورية في المنطقة (إيران)، وفاعل قوي (حزب الله اللبناني) وسوريا التي ستكون أهم حليف، كما أن النظام الدولي سيتجه إلى مزيد من التعقيد ولن يبقى على حاله، حيث يمكن أن تعود الحرب الباردة بجيل جديدأو يتجه ألى حالة التعددية القطبية أو الفوضى.


 

1.George Freedman, "The Medvedv doctrie and American strategy ", starfor2, september2008,http://www.strafor.com/werkly/medvederdoctineandamericstrategyGeorgefreedman,(26/07/2018).

2.Ibid

3.مازن جبور، "الحراك الروسي في سوريا". مركز دمشق للأبحاث والدراسات. سوريا، 2016.ص. 03،www.dcrs.sy، (26/07/2018).

4.آنا بورشيفكايا، روسيا في الشرق الأوسط، الدوافع-الآثار-الآمال، تر: مركز إدراك للدراسات والاستشارات، معهد واشنطن، واشنطن،2016، ص 10.

5.James Sladden and others, Russian strategy in Middle East, RAND corponation, 2017, p 1, https://www.rand.org/pubs/perspectives/PE236.html, (26/07/2018).

6.Ibid. p 03.

* رئيسة قسم الأبحاث في مركز الدراسات العربية والإسلامية الذي يتخذ من موسكو مقرا له، مهتمة بمنطقة الشرق الأوسط والحرب في سوريا، لها العديد من الأبحاث والدراسات المتعلقة بالمنطقة.

7.عاطف معتمد عبد المجيد، استعادة روسيا مكانة القطب الدولي أزمة الفترة الانتقالية، مركز الجزيرة للدراسات، قطر، 2009، ص ص 67-70.

8.المرجع نفسه. ص ص 70-71.

9.STOCKHOLM INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE, SIPRI year book 2018 armements, disarmament and international security ,http://www.sipi-org/yearbook/2018/05, (26/07/2018).  

10.عاطف عبد المجيد، مرجع سابق، ص 71.

11.إسلام أحمد، "جيوبوليتيك روسيا وسياستها الخارجية: استمرارية بلا انقطاع"،29 جوان 2016، ص 8، https://idraksy.net/2016/06/29/russia-geopolitics-foreign-role/، (20/07/2018).

12.ناصر زيدان، دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، 2013. ص 241.

13.European institute for security studies, Report N°26: Russian future Horizon 2025, march 2016, p 24.

14.ستيفن وايت، مفاتيح السياسة الروسية. تر: حنان كسروان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان،2017، ص 243.

15.باسم راشد، المصالح المتقاربة: دور عالمي جديد لروسيا في الربيع العربي، مكتبة الإسكندرية، مصر، 2013. ص 9-10.

16.Felix Aleman, “Multipolarism and globalism the two geopolitical cosmovisions and their spiritual background”,journal of Eurassian affairs,)Moscow( vol 2. november 2014. pp 90-93.

* بيوتر نيكولايفتش سافيتسكي (1895 ــ 1968)، عالم اقتصاد روسي، كتب في مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، واعتبر بأنها ليست أوربا ولا آسيا، وهو من طرح مفهوم "أوراسيا".

17.ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا ومستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، تر: عماد حاتم، دار الكتاب الحديث، لبنان، 2004، ص 128.

18.عبد الحميد، مرجع سابق، ص ص 90-93.

19.زيدان، مرجع سابق، ص ص 296-302.

20.عبد السلام جمعة زاقود، الأبعاد الإستراتيجية للنظام العالمي الجديد (قراءة في حصاد وقائع وأحداث عقدين من الزمن) 1989-2011، دار زهران للنشر والتوزيع، الأردن، 2013. ص 118.

21.Mark N.Katz, "Russia and the Arab Spring", Middle East institute, april 3rd 2012, https://www.mei.edu/publications/russia-and-arab-spring , (26/07/2018).

22.Ibid

23.Ronald Donnreuther, Russia and Arab revolutions, Report N°98: Russian analitical Digest,6 July 2011, p 03.

24.نورهان الشيخ، "روسيا والتغيرات الجيوإستراتيجية في الوطن العربي"، ضمن كتاب:(التداعيات الجيوإستراتيجية للثورات العربيةمجموعة مؤلفين ، المركزالعربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، 2014، ص ص 295-296.

25.المكان نفسه.

26.المرجع نفسه. ص ص 296-297.

27.JamesSladen, op-cit. p 01.

28.تقدير موقف، التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، مركز برق للأبحاث والدراسات، 2016، ص 02.

29.تقدير موقف، حدود التدخل الروسي في سورية وآفاقه، المركز العربي للأبحاث والدراسات، سبتمبر 2015، ص ص 1-2.

30.تقدير موقف، سياسة فرض الاستقرار الروسية حصاد القوة المفرطة. مركز جسور للدراسات، سبتمبر 2017، ص 4.

31.أسامة أبو راشد، التدخل العسكري الروسي في سورية وتحدياته أمريكيا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، أكتوبر 2015، ص 3.

32.المرجع نفسه. ص 11.

33."العملية العسكرية الروسية في سوريا.. حصاد 3 أعوام"، 01 أكتوبر 2018، https://arabic.rt.com/middle_east/973249- ، (05/02/2019).

34.بي بي سي، "أكثر من 63000 عسكري روسي شاركوا في الحرب في سوريا"، 23 أوت 2018، http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45282591 ، (05/02/2019).

35-                    "ملء الفراغ: مستقبل الإستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط"، 31 مارس 2018، https://futureuae.com/cart/FutureFile/Item/38/، (05/02/2019).

36.مي غيث، التدخل الروسي: الأبعاد والسيناريوهات، المعهد المصري للدراسات السياسية والإستراتيجية، مصر،  25 نوفمبر 2015، ص ص 1-4.

37.ناصر زيدان، مرجع سابق، ص 300.

38.Karl N.Katz. op-cit

39.ناصر زيدان، مرجع سابق، ص 301.

40.نورهان الشيخ، مرجع سابق، ص 297-298.

41.حدود التدخل الروسي في سورية وآفاقه، مرجع سابق. ص 2-3.

42.مازن جبور، مرجع سابق، ص 6-7.

43.موسوعة الجزيرة، "تعرف على مركز المصالحة الروسي بسوريا"، http://www.aljazeera.com، (27/07/2018).

44.الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية، "تقرير مركز المصالحة الروسي في سوريا عن العمليات الإنسانية"، 12/07/2018، http://www.syria.mil.ru، (27/07/2018).

45."العملية العسكرية الروسية في سوريا.. حصاد 3 أعوام"، مرجع سابق.

46.الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية ، "قائمة المجموعات المسلحة في الجمهورية العربية السورية إلى نظام وقف إطلاق النار من 30 ديسمبر 2016"، 26/12/2016، http://www.syria.mil.ru ، (27/02/2018).

47."بوتين: هناك ظروف لتسوية صارمة وطويلة الأمد في سوريا"، 28 ديسمبر 2018، https://arabic.rt.com/middle_east/991855- ، (08/02/2019).

48."سفير روسيا في سوريا: انسحاب القوات الأمريكية سيزيد جهود توحيد"، 08 فبراير 2019،  https://www.youm7.com/story/2019/2/8/، (08/02/2019).

محمد بهلول / حكيم غريب, «إستراتيجية روسيا الاتحادية تجاه الحرب في سوريا (2011 – 2018).»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 02 مجلد 16-2019N°02 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 172-185,
Date Publication Sur Papier : 2019-06-24,
Date Pulication Electronique : 2019-06-24,
mis a jour le : 24/06/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5814.