تجليّات الغياب والحضور في الرّواية العربية المعاصرة مقاربة تحليلية في شعريّة السّرد التّناوبيّ لرواية " مصائر " لربعي المدهون (*) The Manifestations Of Absence And Presence In The Contemporary Arab Novel - An Analytical Approach In The Poetry Of The Alternating Narration Of The Novel "Destinies" By Rabie Madhoun (*)
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

تجليّات الغياب والحضور في الرّواية العربية المعاصرة مقاربة تحليلية في شعريّة السّرد التّناوبيّ لرواية " مصائر " لربعي المدهون (*)

The Manifestations Of Absence And Presence In The Contemporary Arab Novel - An Analytical Approach In The Poetry Of The Alternating Narration Of The Novel "Destinies" By Rabie Madhoun (*)
pp 38-44

محمد الغزالي بن يطو
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

عرفت الرواية العربية تحولات كبيرة مرت بمراحل عديدة ، خاض فيها الروائي العربي  تجارب عديدة  فهو لم يكن بمنأى عما يحدث في العالم الذي حوله فتشارك معه الفنون الحديثة والمعارف السردية المتجددة ، و لعل ظاهرة الكتابة والتجريب تشكّل حدثا سرديا ونقديا أكثر جرأة من غيره و لذا راهن الكتاب على ممارسة التجريب لملاحقة بعض الظواهر الحداثية التي تستجيب  لمقتضيات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي العربي كرواية ( مصائر : كونشرتو الهولوكوست والنكبة) للروائي  الفلسطيني ربعي المدهون ، تتحدّث عن معاناة الشعب الفلسطيني ،بعد  نكبة 1948وعن حياته في الشتات والعوائق التي تحول دون تحقيق حلم العودة إلى الوطن الأم  بأسلوب السّرد التاريخي  وبطريقة تناوبيّة  .

الكلمات المفتاحية:الرواية العربية، الرواية الجديدة، التجريب، السرد، الحداثة

Le roman arabe a subi à plusieurs changements selon les périodes de l'histoire de, dans le quelles le romancier arabe a fait divers expériences en s’impliquant aux arts modernes et à la science de narration renouvelable car il n'était pas à l'abri de ce qui sa passe dans le monde. Le phénomène de l'écriture en expérimentant constitue peut-être un événement de narration et de critique le plus audacieux. C'est pour cela , le romancier pane à faire l'expérimentation  pour  suivre les phénomènes qui renvoient au vécu social , politique et culturel en arabe. le roman (les destins : concerto de holocauste et de la Naqba de  l’ecrivin palestinien robei el medhoun ; raconte la souffrance du peuple palestinien dans tous les endroits du monde , après la Naqba catastrophe de 1948,et les obstacles de retour vers leur pays natal. avec une narration historique et de manière  alternative . 

Les mots clés : roman arabe, nouveau roman, l'expérimentation, la narration, la modernité  

The Arabic novel knew significant shifts, passing through several stages, such as; the stage of modernity and beyond, where the Arab novelist fought numerous experiments, since he was not immune to what is happening in the world around him, therefore he became involved with modern Arts, and the renewable narrative knowledge. Perhaps the phenomenon of writing and experimentation constitute a narrative and critical event that might be bolder than anything else and therefore the authors bet on the practice of experimentation to pursue some of the modernist phenomena that respond to the requirements of the Arab social, political and cultural reality. The novel "Masa’ir: Concerto the Holocaust and the Nakba" by Palestinian novelist Robai El-Madhoun, writes the history of Palestinian suffering: the Nakba, the diaspora, and the return, in a humane manner and away from institutional history and biased political effects.

The writer worked throughout his novel on four “movements,” that was inspired by the Concerto musical system composed of four “movements,” in which he employed the rotational narrative in an innovative and new way.

key words:Arabic novel, new novel, experimentation, narrative, modernity .

Quelques mots à propos de :  محمد الغزالي بن يطو

جامعة ابن خلدون تيارت

 مقدمة:  

الرواية العربية اليوم لا يُمكن أن تُفهم بمنأى عن المُتغيّرات الحاصلة التي تعرفها الرواية على الصعيد العالمي ، فالرواية العربية تشكّل جزءا لا يتجزّأ من تاريخ الرواية العالميّة ،إذ ساهم العرب عبر تاريخهم الأدبي في إثراء المنظومة السردية في العالم من خلال "قصص ألف ليلة وليلة " وقصص "البخلاء " للجاحظ و  "كليلة ودمنة " لابن المقفع وقصة " حي بن يقظان" لابن طفيل الأندلسي  و"رسالة الغفران " لأبي العلاء المعري  وغيرها ، لكن و لأسباب تاريخية وسياسية و اجتماعية كان للرواية العربية خصوصيتها اليوم فهي دائما ما تعبر عن الواقع و أوجاع الأمة العربية و رواية  ( مصائر : كونشرتو الهولوكوست والنكبة) للروائي  الفلسطيني ربعي المدهون ، أنموذج للرواية العربية التي تعالج مصير  الأمة بطريقة و أسلوب حداثي .

1)ـ سيميائة العنوان :  

إنّ العنوان هو الدّال والمتن هو المدلول ؛ و هو مؤشّر ظاهر يوحي إلى الباطن  أو كما يقال هو المبتدأ و النّص هو الخبر ، و لا يمكن فهمه إلاّ إذا فهمنا المتن فالعلاقة بين العنوان ومتنه علاقة السابق باللاّحق  والتابع بالمتبوع ،وهو المرحلة الأولى التي يتوقف عندها الباحث لاستنطاقها وفكّ شفرتها لكونه يمثّل البنية الخارجية للنص التي تحيل إلى البنية الداخلية للنص   " إنّ جيرار جينيت Gèrard Genette، يعد من أكبر نقاد المدرسة البنيوية الفرنسية المشتغلين في حقل الشّعريّة  ، وقد أولى اهتماما كبيرا بالعنوانة باعتبارها نصا موازيّا يندرج ضمن النص المحيط والنص الموازي " ما يصنع به النص من نفسه كتابا ويقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه ن وعموما على الجمهور، أي ما يحيط  بالكتاب من سياج أولي ، وعتبات بصرية ولغوية  "(1) العنوان الذي إذن يأتي الاهتمام بالعنوان من منطلق البحث عن مساحات أخرى مجهولة ترتادها الشّعرية ، و إن كانت العنونة عند جاك دريدا Jacques Derridaهي إعادة الاعتبار للهوامش على حساب المتون وهو ما تنادي به نظرية ما بعد الحداثة . " إنّ العناوين ، ذات وظائف رمزية مشفّرة ومسننة بنظام علاماتي دال على عالم من الإحالات و تشكل العناوين والمعادلات والشتائم ونبرات والصوت ، والحركات والمواقف إلخ...  كلها مجموعة مرمّزة والتي تبرز ميزتها الاصلاحية حيثما يحاول المرء ترجمتها من لغة إلى أخرى أو من ثقافة إلى أخرى . "(2)،والعنونة قمينة بأن تشغل حيّزا من الاهتمام عند الباحثين البنيويين والمابعد البنيويين لما يتمتّع به من حمولة دلالية متماهية في بنيته العميقة " إنّ البناء اللغويّ للعنوان في شتى أشكال الخطاب الأدبي يؤدي وظائف فنية تتجاوز دائرة الوظائف (البراجماتية)  " (3)،  بين أيدينا يتألّف من أربع وَحدات معجميّة منهما اثنتان عربيّتان والأخريان أجنبيّتان ، فالأولى والأخيرة عربيّتان وما بينهما أجنبي وهذا دليل على أنّ فلسطين أولا وأخيرا عربية الهوى والهُوية ، أمّا عن دلالة كلّ كلمة على حده : فإنّ  "مصائر" المتبوعة بنقطتين (:) تعني في علامات التّرقيم ما يأتي تفسيره لاحقا أي ما تفسّره الكلمات  الثلاثة (كونشيرتو)،و(الهولوكست)،و(النّكبة).

ـ كونشيرتو : وهي كلمة إيطاليّة تعني مجموعة موسيقية منسجمة في أدائها . أمّا أصلها في اللغة اللاّتينيّة القديمة تعني الكفاح أو مجموعة مكافحة . 

ـ  الهولوكوست : في المثيولوجيا اليهوديّة تعني إحراق القُربان عن آخره . وهو ما يتناسب مع الأطروحة الصّهيونيّة التي تتدّعي عن حرق ملايين اليهود في مُعتقلات النّازيّة إبّان الحرب العالميّة الثّانيّة .

 ـ النّكبة: (1948)، وتعني الاحتلال، الاغتصاب، القتل ، تشريد الأهالي ،  تزيّيف الحقائق   التاريخيّة ، و تغيير المعطيات الواقعيّة  وفي الأخير تعني مأساة الفلسطينيين في الشّتات .

أمّا عن دلالة العدد(أربعة) ، فستفصح عنها عدد الكلمات الأربعة التي يتكوّن منها العنوان ،والتي تتطابق مع مضمون الرّواية التي قال عنها صاحبها في المقدّمة إنّه اختار قالب الكونشرتو المكوّن من أربع حركات تشغل كلّ منها حكاية ، وهذه الحكاية تقوم على بطلين اثنين ما يلبثان أن يتحوّلا إلى شخصيتين ثانويتين في المرحلة الثانية ليحلّ محلّهما بطلان آخران ، وبدورهما هذان البطلان الرئيسيّان الجدد يتركان دورهما إلى من يليهم في الحركة الموالية وهكذا حتى تنتهي الحركة الرابعة .

     يضاف إلى ذلك قال المدهون استغرقت منه هذه الرواية أربع سنوات ، زرت خلالها فلسطين أربع مرّات . إذن العدد أربع من مركّبات بنية العنوان ، قد يكون إيقاع (أربعة) الذي يتكرّر في الرواية يعكس ما في وعي الكاتب كفلسطيني يحلم  بالعودة إلى بيته الكبير فلسطين لأنّ الأربعة ، تعني في المتعارف الدّار التي تتألّف من أربعة جُدران ، تعني الوجود بمفهومه الجغرافي  (شرق غرب، شمال                 جنوب )، وبمفهومه الطبيعيّ (خريف، شتاء،ربيع، صيف، ) إذن هذا التّماثل الأيقوني يوحي بالحياة .

      وإذا حاولنا في الأخير أن نستخلص عصارة هذا العنوان، سنحصُل على المعادلة التالية :              

    [مصائر : (الكفاح)+(التّضحية)=(الحياة)]

 2)ـ سيميائية الغلاف :  يهمن على الغلاف اللون البني الفاتح ، وهذا اللون له دلالة الأرض" والبني يدل على الأهمية  الموضوعيّة  على (الجذور) : على الأرض والوطن" (4)و لماذا لونه فاتح باهت ، هو ما لحق به من تغيير بفعل فاعل ، يتوسط هذا الفضاء البني باب قديم مغلق لونه أزرق باهت من أثر القدم والتأثيرات الخارجيّة ، يبدو عليه أنه لم يفتح منذ عدّة سنوات ، يوحي قدمه بالوحشة والحنين وكأنّه ينتظر صاحبه أن يفتحه في أيّة  لحظة ، و ما يكرّس فرضية البيت كما سبق وأن أشرنا في  (العدد أربعة)  هو الباب المرسوم على واجهة الغلاف ، كرمزية للوطن الفلسطيني ، أمّا اللون الأزرق المصاحب للباب ـ هنا ـ هو رمز الأمل الذي يلازم الإنسان الفلسطيني ولا يفارقه رغم المتاعب و الإكراهات السياسية والاجتماعية . إلى جانب الباب من الجهة اليمنى شُجيرة تزيّينية تتعلق بالجدار، يبدو عليها الاصفرار والوهن من جراء الإهمال وعدم العناية بها ، تقاوم الموت رغم ضعفها من أجل البقاء . 

               يعلو الباب نجمة (داود)، غير واضحة المعالم ترمز للاحتلال الإسرائيلي وكأنّها علامة دخيلة على هيئة الباب ، وهذا تعبير حقيقي على المنطق المزيّف للاحتلال .

Description : sport_14616994361edited.jpg
       في أعلى الغلاف ، نلاحظ هناك اسم الكاتب باللغة الإنجليزية وبخط صغير الحجم ، كعربون وفاء وتقدير من الكاتب لهذه اللغة التي تحتضنه ، ثمّ يظهر اسمه بخط كبير وواضح كرمز للهُوية والانتماء، وفي قاعدة الكتاب (في الأسفل) فيه سواد كتيمة تذكّر بفلسطين كوطن جريح لا يُنسى . 

ـ موضوع الرواية :   

تأسّست أحداث الرواية على أربع حركات بشكل تناوبيّ ، بحيث تسلّمك كلّ حركة إلى الحركة الموالية ، وطريقة  الحركات التي ابتكرها المدهون تجعل منها مركّبا قصصيا تشيّد على أساسه هُوية الفضاء الروائيّ  " حضور الفضاء لا بوصفه أمكنة تدور فيها الأحداث والوقائع الحكائية ، أو  تتمركز حولها الفاعلية الشعرية ، بل الفضاء كوعي عميق بالكتابة جماليا وتكوينيا. الفضاء كشكل ومعنى وكذاكرة وهوية ووجود الفضاء كسؤال إشكالي ملتصق بوعينا الثقافي والاجتماعي والجمالي وبنسيجنا السيكولوجي، والمعرفي والإيديولوجي "(5).

ـ الحركة الأولى :   

       تحكي الرواية عن عائلة فلسطينية عريقة، هي عائلة «وليد دهمان " التي تقاسمت المنافي أبناؤها وتشرّدوا في كلّ أنحاء الأرض، منهم هاجر وانقطعت صلته تماما بالوطن ومنهم من هاجر وعاد وحاول الاستقرار، لكنّ الإحساس بالاغتراب داخل الوطن، دفعه إلى الرجوع من حيث أتى. ومنهم من أقنع نفسه مُكرها أن يتحوّل إلى إسرائيلي (مؤقّت) حتى يستطيع فقط البقاء في وطنه فلسطين (!؟) ليتدفأ بشمسها ويستنشق هواءها ويستأنس بأهلها.   

       إنّها حكاية الوطن والمنفي التي تطارد العائلة الفلسطينية أينما حلّت ، اختار الكاتب هذه الأحداث كأنموذج للعائلة الفلسطينيّة بعد النكبة ، وتروي الرواية قصّة الشابة الفلسطينية (إيـفانا أردكيان) Ivana Ordekianالتي تنحدر من أصول أرمينية، وليست المرة الأولى في الرواية العربية أن تسند البطولة لشخصية أرمينية بل سبق وأن ظهرت في مصر عام 1925رواية بعنوان (الأرمينية الحسناء) لأحمد محمد حنفي ، وأبطالها كلّهم من الأرمن الذين يعيشون في البيئة المصرية (6)، وقعت الفتاة  إيفانا في حبّ طبيب بريطاني زمن الانتداب البريطاني ، وأثمرت هذه العلاقة بإنجاب صبية سمّياها (جولي) ،هربا معاً إلى لندن عام  (1948)، وهو ما يُعرف عند الفلسطينيين بعام النكبة ، وبعد أن طابت لهما الإقامة واشتدّ عود ابنتهما (جولي)، تحرّكت مشاعر الحنين إلى الوطن والطفولة في نفس الأم (إيفانا)، فأوصت ابنتها بــأنْ تحرق جثّتها وتنثر نصف رمادها على نهر التايمز الذي يرمز لمدينة لندن ،و تحتفظ  بالنصف الآخر لتعيده إلى مسقط رأسها ، إلى مدينة (عـكا) القديمة ، حيث الصبا والطفولة .

        قائلة " خذوا بعضي وكلّ روحي إلى عكا يعتذران لها حارة حارة .. خذوا ما تبقى مني وشيّعوني حيث وُلدت ، مثلما ستشيّعني لندن حيث أموت .. يا أصدقائي وأحبتي ، يوم ما ، لا أظنه بعيدا .. سأموت .. أريد أن أُدفن هنا وأن أُدفن هناك .  " (7) .

ـ الحركة الثانية :

وهنا تكتب جنين دهمان روايتها (فلسطيني تيس)  عن محمود دهمان ، هذه الشخصية التي اختارت الهجرة  خلال نكبة 1948من المجدل بعسقلان إلى غزة ، وفي هذه الأثناء يجد نفسه متابع من المخابرات المصريّة ،إذْ تمكّن من الإفلات من عيونها والعودة من حيث أتى ، يعود إلى المجدل خفية تاركا وراءه عائلته ، وتزداد الأمور تأزّما حين ترسم سلطات الاحتلال حدودها مع غزة . بحيث يتعذّر على أسرة محمود الالتحاق به ، ويجد نفسه أمام واقع آخر فيعيد الزواج ثانية ،ويعيش حياة لم يكن يرغب فيها وهي :فلسطينيّ بوثائق إسرائيلية .    

و هنا استعان المدهون بالسارد لُيمرّر على لسانه كلاما قد يتجنّب هو قوله ، ففي اللحظة كانت جنين في بيتها تراجع روايتها (فلسطيني تيس)، بدأ السارد يعرفنا بسيرتها : حين كانت تواصل دراستها في أمريكا كفلسطينية بوثائق إسرائيلية ، تعرفت على شخصية  باسم الفلسطيني ينحدر من الضفة الغربية .ثمّ يتنقلان معا إلى يـافـا في فلسطين يتزوجان ثم يقرّران الإقامة في القلعة القديمة ، ومن هنا تعنّ لهما مشكلة لم تكن في الحسبان ؛ فرضتها عليهما قوانين الاحتلال قد تهدّد استمرارية زواجهما ، وراح الاثنان يناضلان بدون هوادة ، ولكن  ،هذه المرّة لإنقاذ علاقتهما المقدّسة  (8).

ـ الحركة الثالثة :

يقوم كلّ من وليد دهمان وزوجته جولي (ابنة إيفانا أردكيان) بالسفر إلى فلسطين من أجل تنفيذ وصية والدتها المتوفاة (إيفانا)،يستهلان رحلتهما بالتّجوال  بشغف في مدن فلسطينيّة عديدة منها : حيفا ، وعكا ،ويافا ، والقدس والمجدل وعسقلان ، حتى وقع  منهما سحر البلد موقع العشق غير المنتظر ، وحفّز فيهما التفكير بجدّية على العودة إلى الوطن والعيش في كنفه ومن هنا تغيّرت وِجْهَة حياتيْهما من المنفى الاختياري إلى أرض الوطن .

ـ الحركة الرّابعة :

وبطريقة ذكية حاول المدهون أن يستحضر لحظة مأهولة بالمآسي و الجراح  استطاع من خلالها إقحام  القارئ في مقارنة غير متكافئة  بين الضحية والجلاّد ، وتتمثّل في استدراج القارئ إلى مرافقة وليد وهو يزور متحف  المحرقة (الهولوكوست) المعروف بــ (يد فشم) في مدينة القدس ، وهنا يعنّ في ذهن وليد هذا التساؤل ما أشبه البارحة باليوم أيْ  ما فعله النازيّون باليهود بالأمس وما يفعله اليهود اليوم بالفلسطينيين . ثمّ يلتقي كل من وليد وجولي مع (الكاتبة) جنين في مدينة يافا ويسألانها عن المرجعيّة الروائية لأحداث روايتها ومصائر أبطالها وعمّا آلت إليه حياتها  هي و رفيق دربها باسم  (9).

إنّ رواية " المصائر " هي السّؤال الذي انتصر على الجواب ، إنّه السّؤال الذي لامس الجرح الفلسطيني الثّلاثي الأبعاد : النكبة ، والهولوكوست ، وحقّ العودة إلى الأرض المحتلّة  .

من خلال هيمنة البنية الماضويّة على الراهن والواقعيّ تقول الكاتبة الأمريكية فيرجينا وولف Virginia Woolf(1882ـ 1941) " إنّ كلّ شيئ يصلح أن يكون موضوعا للرواية "(10)، اجتهد الكاتب أن يستحضر التاريخ  بطريقة مبتكرة وهي تقنية السّرد التناوبي  التي أشار إليها تودوروف Tzvetan Todorov: " قد نعثر في السرد الموضوعي على أسلوب سردي آخر يقتفي فيه الراوي أعمال شخصية أولى ، ثمّ يحوّل اهتمامه إلى قصّ أعمال شخصية ثانية ثمّ يعود مرة أخرى إلى تتبّع أعمال شخصية أولى ، وهكذا دواليك ، وهذا الصنف من السّرد يطلق عليه تودوروف التّناوب  (alternance) الذي يروي حكايتين تزامنيا ، يقطع الأولى تارة والثانية تارة أخرى ، لاستئناف إحداهما في الانقطاع التالي . "(11)حاول الكاتب أن يحكي مأساة شعبه بلغة سرديّة فنيّة ذات حساسية شعريّة عاليّة ، من خلال استفزاز الذّاكرة التي تطفح بالجراح والأحزان ، هذه الذّاكرة حاضرة بيننا، تقاوم الفناء والموت نتيجة الوعي التاريخي بالمكان الذي تَسَيّجَت به الشّخصيّة الفلسطينية الصّامدة رغم الشّدائد والمحن ، راهن المدهون من الوهلة الأولى على المكان كبُعد محوريّ في الرواية من جهة ومن جهة أخرى كمُكوّن من مكوّنات الهُوية الوطنيّة للإنسان التي تُعزّز فيه الشّعور بالانتماء ، في ظلّ الحقيقة التاريخيّة و المغالطة الواقعيّة  والأطروحات المُزيّفة التي يروّجها الاحتلال . 

إذا كان الفلسطيني تقاسمته المنافي والأمكنة في كلّ أنحاء العالم هذا لا يعني أنّ الوطن غائب في الذاكرة وفي وجدان أبنائه مهما نأت بهم المسافات البعيدة.

وما يُلاحظ  في الرواية هو الاحتفاء بالفضاء المشترك بين الشّخصيات المختلفة في مشارعها  الحياتية و منطلقاتها الاجتماعية ومرجعياتها الثقافية رغم  ما تصطدم به الشخصية من متحرّكات الواقع ، إنّ السّردية هي من اضطلعت بمهمة ترويض التاريخي واستدراجه نحو الأدبي والفنيّ " إنّ السّرديّة سمة نوعيّة  تتفرّد بها النصوص السرديّة  مثل الحكاية الشّعبيّة  والحكاية الخرافيّة  وحكاية الحيوان والشّعر القصصي والقصّة والرواية ، وهي جوهر الحكاية  ونواتها بل هي الحكاية نفسها ؛ إذْ ترتكز على تحوّل أو عدّة تحوّلات تكون نتيجتها صلات أي اتّصالات بين الذّوات والمراجع "  (12).

وإذا كانت الشّعريّة لحظة زئبقية يصعب القبض عليها ، فإنّ القارئ يسعى دوما لمباغتتها والوقوف على سرّ جاذبيتها ، وهذا ما حاول تودوروف الوقوف عليه من خلال تعريف مصطلح الشعرية Poètique  قائلا : " ولم يُرد تودوروف بمصطلح الشعرية ، وهي مفردة ترادف الأدبيّة ن دراسة الشعر بل الشاعريّة بمعنى أنّ الشّعريّة تتخذ من تحليل الأشكال الأدبيّة المُتخفيّة مطية لتحليل الأشكال المضمرة  " (13) .

إنّ انطلاق الرواية من أربع منطلقات توهم القارئ بتعدّد المسارت التي لا تلتقي ،هي طريقة  فنية ذكية  رغم أنّه  سبق إليها نجيب محفوظ (1911ـ2006) وظّفها في رواياته  المحسوبة على الواقعية الاجتماعية ، خاصة في (القاهرة الجديدة)،(زقاق المدق)،(خان الخليلي)  ولكن بطريقة مختلفة وهو ما يعرف عند النقاد بالسّرد الرباعيّ ، لكن ما يتميّز به  ربعي المدهون في روايته (مصائر) أعتقد أنه ينطلق من بُعد فلسفي مفاده الافتراق من أجل الالتقاء ،أو بعبارة أخرى هي المصائر الفرديّة المتقاطعة و التي تتحوّل  في آخر المطاف إلى مصيرٍ مشترك  وواحد، فالتّفتّت والتّشرذم والفرقة بين أبناء الوطن الواحد لا تعني أبدا تفتّت حبّ الوطن في قلوب أبنائه أو عدم الإيمان بالعودة إلى أحضانه في  يوم من الأيام .

ويرى رشدي الماضي " أنّ الخصائص الفنّيّة في رواية المدهون، (..) تشير إلى أنّ الرّوائيّ قدّم عملًا أدبيًّا  قويًّا، في بنيةٍ روائيّةٍ استعاريّةٍ متماسكةٍ، وحبكةٍ محكمةٍ ومثيرةٍ، وشخصيّاتٍ عميقةٍ ومترابطةٍ، استحضر من خلالها، الأحداث المتّكئة على مساحات الذّاكرة، المُشبعة بالأماكن والأفراد والتّفاصيل، في أماكنَ رئيسةٍ عدّةٍ من الوطن، صاغها في تقابلٍ بين الأجزاء وارتباطٍ متبادلٍ، كأنّ قوّةً جاذبةً شدّت الفصول إلى بعضها البعض، وجعلتها تدور في أفقٍ وفَلَكٍ واحد. أتَتْ (الرّواية)، بلغةٍ إنزياحيّةٍ عن التّاريخيّ، وأحيانًا عن الواقعيّ، بإيحائيّةٍ منفتحةٍ على التّعدّد، بأسلوبٍ سلسٍ جذّابٍ ومشوّقٍ، وزمنٍ متحرّكٍ، وتداخلٍ وظيفيٍّ بين الخيال والواقع، وسردٍ أفقيٍّ وعموديٍّ، وهيمنة السّارد بضمير المتكلّم المفرد بصورةٍ بارزةٍ" (14)  .

قال الروائي الفرنسي هنري دو بلزاك Honoré de Balzac" التاريخ حليف الرواية " منها يمتح الروائي أحداثه وشخوصه ولغته السّرديّة ، فكتب ربعي المدهون تاريخ النكبة والشتات بطريقة إنسانيّة وبلغة الفنان الذي تحرّكه نوازع الحقيقة والحرية ، وليس بطريقة مؤسّساتيّة وبلغة المؤرّخ المنحاز تحت تأثير السياسة أو الأيديولوجيا ، ومهما يكن فالرواية تتبلور كخطاب مثقّل بمتاعب "الإنسانيّة العربيّة" في صورتها الفلسطينيّة العابرة للقارات اجتمع في تشكيا رؤيته الواقعي بالتاريخ بالمتخيّل .. " إسترتيجية خطاب أدبيّ مشفوع بكلّ حمولة وطاقة وامتلاء كتابة وجماليا ولسانيا وثقافيا ومعرفيا واجتماعيا لكنه خطاب يمنح نفسه للآخر بصريّا وروحيّا بدءا من السّواد على البياض في انتظام الصفحات داخل الكتاب ووصولا إلى أبعد مستويات المتخيّل والتّجريد  "(15)  .

فكان المتن عند المدهون منفتحا على عدّة قراءات تاريخية وواقعية؛ تسعى إلى تأمين مُدْخَلات المجتمع في صورته الإنسانيّة وما لحقها من مظالم في التاريخ المعاصر، حذرة من أن تقع المُخيّلة العربيّة الفلسطينيّة من الوقوع في مطبّة التّطبيع مع الآخر الموبوء بالأنــا المُفخّمة المأهولة بالخرافات والأساطير . 

ولهذا جاءت لغة الرواية بأسلوبية مبتكرة  ،تستعير ملفوظاتها من المعجميّة التي تؤطّر الشخصية الفلسطينية المثقّلة بهموم الواقع ، فعجّ النّص بكلمات إنجليزية وعبريّة وبالعامية الفلسطينية ناهيك عن اللغة العربية الفصحى .  

      "وبهذا المعنى، تعدّ رواية المدهون، ممتلئةً وباذخةً بالمحكيّات والمعلومات المتعدّدة المثقلة بالتّاريخ والجغرافيا، وكذلك بالرّمزيّة والمجازات، والصّور، والمواقف الفنّيّة المستمدّة من الواقع. بالإضافة إلى الإيحاءات والدّلالات والألفاظ المأنوسة، الّتي أتَتْ بأسلوب السّيمولوجيا، أي العلامة، وهي أيّ شيءٍ قابلٌ لأن يخلق معنًى لأيٍّ كان، شرط أن تكون له دلالة. و في هذا عاد الكاتب وأثبت بأنّ الحياة استعارةٌ لغويّةٌ، ولا هُويّة لنا خارج فضاء اللّغة، فهي مقامنا أنّى حللنا سفرًا ورحيلًا. وقد أجاد المؤلّف وأبدع حين ترك القارئ يجول جولاتٍ استدلاليّةً في متن نصّ الرّواية، بحدّتها المتصاعدة، وأوقفه بشكلٍ مشوّقٍ أمام نهايةٍ مفتوحةٍ." (16) ، تنقّل الكاتب إلى فلسطين واستمع إلى حكايات كثير من الناس عن النكبة وما بعدها ، وجمع هذا الكَم في عمل سرديّ روائي ، تجنّب السّرد البوليفيني الباختيني  حتى يتمكّن من تحقيق المقصديّة من الروايّة وهي وَحدة الهدف و المصير والتي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ  بوَحدة المواقف ، رغم أنّ الرواية هنا تقف بين ثقافتين تفصلهما هوّة واسعة ؛ وعقدت بينهما الظروف السياسية المنحازة قـِرانا إكراهيّا ، جعل الحياة  بينهما في حكم المستحيل .

        إنّ الجينات المكانيّة للفضاء الفلسطينيّ لا يمكن أن يدركها الآخر المتلبس بجريرة اغتصاب المكان ، ومن هذه المنطلقات كانت كتابة الواقع بمحمل الجدّ ، أضافت إليه إرادة الارتحال إلى الأماكن الحزينة والحفر بعمق في الأنا الجمعي  بُعدا آخر ، وهذا بإيعاز من  وعيّ حقيقيّ بالقضية التي صيغت شعريتها الروائية من عوالم تخييلية خالية من  أيّ معنى قد يثير الالتباس .

تواجه رواية (مصائر :) الواقع الفلسطيني بكلّ تحدياته وتطلّعاته ممّا اضطرّ صاحبها إلى الاستعانة  بالطابع التّوثيقي للحدث الذي يؤرّخ لمرحلة صعبة من تاريخ الشّعب الفلسطيني والشّرق الأوسط عموما  في أواسط القرن الماضي.  

لقد حاول الروائي العربي ربعي المدهون أن يخضع نسق الكتابة الروائية إلى نوع من السردية  ، لا تحقق تفاعل عناصرها إلاّ من خلال التكسير الفني للنمطية التقليدية  التي استحوذت على الرواية العربية مدة طويلة ؛ لأنّ الرواية  شديدة الارتباط بمقتضيات الواقعِ، والواقعُ ما هو إلاّ نتاج تراكمات سياسية  وتاريخيّة ، ومن هذا المنطق حاول الكاتب استحضار التاريخ ليواجه به الواقع السياسي العربي المهزوم  " فشدّة التناقضات في هذا العصر وسياسات القمع والانهزام الممارس على الشعوب جعل أدباءنا يفكرون باستعادة شخصيات تاريخية ينطقونها من خلال الواقع ، فمنهم من استنجد بها ومنهم من نسف الحاضر من خلالها ومنهم من رصد إمكانية تعايشها مع الحاضر ، لو قدّر لها ذلك "(17).

و يبقى مشروع السّرد التاريخي في الرواية العربية مفتوحا على كلّ آليات التجريب الروائي ، تحاول من خلاله الرواية العربية مواكبة أسئلة الكتابة  ودائرة اهتماماتها  السياسية والتاريخية والاجتماعية ،  رغبة منها في المحافظة على مكاسبها الريادية من خلال انخراطها في قضايا المجتمع ، ولكن هذا لا يتحقق إلاّ بمغامرة تجريبية يراهن من خلالها الروائي الذي يتماس مع خط الحداثة كأداة تعبير حقيقية للرواية العربية المعاصرة وعن تطلّعات الجيل الجديد ".. عن معاناة الجيل الجديد  وعن أزمة البرجوازية الصغيرة المولعة بالتجريب ، والباحثة عن قيم بديلة  في عالم مهترئ ، تتلخص بدورها من التقنيات القديمة ، وترتاد عاما روائيا بديلا أيضا يخلق مقاييسه التي تتلاءم مع التعبير مع المضامين المتولّدة في الظروف الجديدة  "(18)    ومن هذا المنظور جاءت رواية المدهون كإضافة جديدة للرواية العربية المعاصرة ؛ تضطلع بمهمّة التاريخي والسياسي والاجتماعي والإنساني توّثق لمعاناة الشعب الفلسطيني في الشتات من خلال المسار الصّعب الذي يمتدّ تاريخيّا بين الماضي و الحاضر أي بين زمن النكبة وزمن العودة .

(*)ولد  الروائي ربعي المدهون في المجدل (عسقلان) جنوب فلسطين عام 1945، وهاجرت عائلته  بعد نكبة 1948إلى  خان يونس بقطاع غزة حيث التحق بمدارسها ،  بعدها سافر إلى مصر  حيث التحق بجامعة الإسكندريّة وتخرّج منها عام 1970،  اشتغل بالصحافة العربية منذ 1973، وهو الآن يقيم لندن ويعمل في صحيفة (الشرق الوسط) ،فاز بجائزة البوكر العالمية في نسختها العربية ،طبعة عام  2015  ، ويعدّ أول روائي فلسطيني يفوز بهذه الجائزة  وذلك عن روايته "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة " ، التي رشّحت من بين 159عملا لــ : 18دولة .

• من أعماله : أبله خان يونس (مجموعة قصصية)، (حكايات طعم الفراق)

(السّيدة من تل أبيب )، (مصائر: كونشرتو الهُولوكوست والنكبة )

Gérard Genette: Seuils. Collection "Poétique". Ed. du Seuil. (1)  Paris, 1987. P :7

(2) بيار غيرو ، السيمياء، ترجمة أنطوان أبي زيد ،منشورات عويدات بيروت ط1، 1984، ص5

(3)G .Genette : Seuils .ed .du Seuil ,Paris 1987,P :73

(4)أحمد مختار عمر ، اللغة واللون ، عالم الكتب للنشر والتوزيع ط1، القاهرة 1997، ص195

(5)حسن نجمي ، شعرية الفضاء (المتخيل والهوية في الرواية العربية ) المركز الثقافي العربي ، ط1،الدار البيضاء ن المغرب 2000، 5ـ 12

(6)ينظر: عبد المحسن طه بدر ،تطور الرواية العربية الحديثة ،دار المعارف، ط4،مصر 1983ص178

(7) ربعي المدهون ، مصائر : كونشرتو الهولوكست والنكبة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت 2015،ص70

(8) الرواية ،م ن ، ص138

(9) الرواية ،م ن ، ص175

(10)محمد شاهين ، آفاق الرواية ، البنية والمؤثرات ، منشورات إتحاد كتاب العرب ، دمشق 2001، ص114

(11)        Gueunier Nicole. T. Todorov : Littérature et signification. In: Langue française, n°3, 1969.Larousse.Paris ;1967P:72)

(12) Algirdas Julien Greimas ,Du Sens II Essais Sémiotique . Seuil ,Paris1983P :28

(13)  T.Todorov :( Poètique de la prose ).Seuil ; Paris 1971 ;P :46

(14)   رشدي الماضي ، مصائر ربعي المدهون : بناء الأحداث وفينومينولوجيا الوعي، 2016] التاريخ : 27/04/2016www . arab48.comالموقع :(جريدة الأيّام)

(15)  كما أوديب ، في الشعرية ، مؤسسة الأبحاث العربية ط1، بيروت 1987،ص21 

(16) رشدي الماضي ، مصائر ربعي المدهون ، م ن ،

(17) علي محمد المومني ، الحداثة والتجريب في القصة القصيرة الأردنية  ، دار اليازوري ، عمان 2009،ص88 

(18)  حميد لحميداني ، الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي ، دار الثقافة ، 1985،ص418

محمد الغزالي بن يطو, «تجليّات الغياب والحضور في الرّواية العربية المعاصرة مقاربة تحليلية في شعريّة السّرد التّناوبيّ لرواية " مصائر " لربعي المدهون (*) »

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 27 مجلد 15-2018N°27 Vol 15- 2018
Papier : pp 38-44,
Date Publication Sur Papier : 2011-09-20,
Date Pulication Electronique : 2018-06-26,
mis a jour le : 11/07/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=3014.