الجانب التجديدي في الخطاب الابيستمولوجي عند ميشال سيرThe Novel Side Of Michel Serres’s Epistemological Discourse
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

الجانب التجديدي في الخطاب الابيستمولوجي عند ميشال سير

The Novel Side Of Michel Serres’s Epistemological Discourse
pp 61-73

مصطفى تبان / لخضر مذبوح
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

    إن العقل العلمي الجديد-الجديد عند ميشال سير*، هو في حقيقته تجاوز للعقل العلمي الجديد عند غاستون باشلار، القائم على فكرة القطيعة، وذلك بتبنيه لفكرة التواصل أي النقل والاستيراد بين مختلف الجهويات العلمية، للمواضيع والمناهج والمفاهيم، مما يسهم في إلغاء فكرة التصنيف وظهور علوما جديدة، والتقريب بين المعارف العلمية وغير العلمية في شكل انسكلوبيديا، قائمة على فلسفة حرَّة متبنية لمفاهيم الفوضى والصدفة واللانظام.

الكلمات المفتاحية:اللانظام، التفاعل بينالعلوم، فكرة اللامرجعية، التاريخ كقصة كبيرة، أنتربولوجيا العلوم.

Le nouveau nouvel esprit scientifique chez Michel Serres est en réalité un dépassement du nouveau esprit scientifique de Gaston Bachelard qui se base sur l’idée de la rupture. Michel adopte l’idée de l’interaction c’est-à-dire une alternance entre l’importation et l’exportation de diffères régions scientifiques pour le sujet, les doctrines et les idéaux. Ce principe engendre une disqualification de l’évaluation et un émergement de nouvelles science dune part, et un rapprochement de la scientificité avec l’empirisme d’autre part, sous forme dune encyclopédie réalisée à partir dune philosophie libre qui s’organise dans un paradigme d’anarchie de coïncidence et d’inorganisation.

Mots clés :  Inorganisation, interaction entre les sciences, l’idée du nonréférence, histoire comme un grand récit, anthropologie des sciences.

The new scientific mind by Michel Serres is in reality the over-parsing new scientific mind by Gaston Bachelard. Based on the idea of rupture. Through the adopting the idea of communication :  exportation and importation between different scientific sides for topics, curriculum, concepts, which contribute in annul the idea of classification and the emergence of new science, and approch between scientific knowledge and non-scientific in form of encyclopedia based on free philosophy adopting the notions of chaos, coincidence and disorganisaion.   

Keywords :  Disorganisation, interaction between science, the idéa of non- reference, history as big story, antropology of sciences.

Quelques mots à propos de :  مصطفى تبان

طالب الباحث، جامعة عبد الحميد مهري- قسنطينة2

Quelques mots à propos de :  لخضر مذبوح

جامعة عبد الحميد مهري-قسنطينة2

المقدمة

إن المتأمل في الخطاب الابيستمولوجي يجد أنه قد شهد تطورا وتغيُّرا عبر تاريخه، فإذا كان غاستون باشلار قد أقامه على فكرة القطيعة، من خلال تقسيمه لتاريخ العلم إلى قسمين: تاريخ ملغى وآخر منتقى أو لمعرفة علمية وأخرى عامية، وقبله أوجست كونت بتأسيسه له على فكرة الاستمرارية بين المراحل الثلاث في تطور المعرفة: 1- المرحلة اللاهوتية.2- المرحلة الميتافيزيقة.3- المرحلة الوضعية، وكذلك بتصنيفه للعلوم على شكل هرمي، بحيث أن كل علم يخضع للآخر أو يتبعه. في حين فلسفة العلم عند ميشيل سير* على عكس ذلك تماما تنتقد فكرة التصنيف جملة وتفصيلا، وتنفي وجود أيَّ أثر لها في العلوم المعاصرة، أما فيما يخص التاريخ الملغى، فبالنسبة إليه يمثل راسبا يمكن إحياؤه أو تنشيطه. وهذا كله من خلال دعوته إلى ضرورة تجديد أو تغيير وظيفة الفلسفة، كونها توقفت عن ممارسة دورها الطلائعي في العصر الحاضر، وأصبحت متأخرة عن الركب المعرفي، فلم تُجدد دعائمها ولا موضوعها، وعليه نتساءل: ما هي الركائز التي يقوم عليها خطابه الابيستمولوجي؟ وأين يكمن دور الفلسفة بالضبط في نظره؟    

"سيرفيلسوف علم، ظاهريا. لكن على خلاف أستاذه غاستون باشلار، لم يقبل أبدا أن يكون أي علم معين-ناهيك عن العلم الطبيعي- خاضعا للتحديد الوضعي لميدان البحث المتجانس والمنعزل ".(1) فهو يرفض فكرة تقييده بالمقولات التالية: الحتمية   والعقلانية، بحيث أن هذا الأخير (العقل) قد حضي بمكانة مرموقة ومقدسة في عصر الأنوار، فقد جعلوا منه الوحيد الراعي للحقيقة والمعرفة اليقينية،كما لم يتصورا ندا له بأي حال من الأحوال، مما مكَّنهم من تصور المستقبل ماثلا أمامهم (سيطرة الاتجاه الميكانيكي). لكنه يؤكد على ضرورة تحرير العلم من هذه المقولات، من خلال تبنيه لمفاهيم جديدة كالفوضى والتبعثر والتعددية، منتهجا طريق الفلاسفة المعاصرين كميشال فوكو وغيره، من الذين أكَّدوا على ضرورة مراعاة الاختلاف والتعددية واللانظام، لأن "العصر الحاضر قد أضاف – في نظره- عنصرا عاما وجوهريا هو 'الحرارة' التي تطبع جميع مظاهر الحياة المعاصرة، إذ إن المادة والحياة والتاريخ تتوقف جميعها على وجودها. فالحرارة تلعب دور توحيد العالم ما دامت أنها عامة تتخلل الجامد والحي".(2) والفرق الذي بينها وبين العلوم الكلاسيكية، أن هذه الأخيرة دراستها تقف على الظاهر والسطحي، في حين أن الحرارة تتوغّل إلى الداخل، باعتبارها تدخل في تكوين الطبيعة سواء الجامدة أو الحية. كما أن المعرفة عنده تتخذ شكل المهرج، الذي لباسه خليط من الألوان غير المتجانسة، بالإضافة لشكله الهجين، فكذلك عنصر الحرارة في المعرفة يفتح الباب للصدفة وعدم التجانس، لأن " الصدفة في الديناميكا الحرارية تفتح نظام الطاقة وتمنعه من أن ينفجر في داخله ".(3)

أما فيما يخص موضوع المعرفة العلمية عنده، هو تلك العلاقات القائمة بين مختلف الجهويات العلمية، أي ذلك النقل والتبادل والتفاعل الموجود بين العلوم، يقول:" لأنه لم يكن أبدا هنالك اله للثقل pesanteurفقد أصبح الثقل موضوعا لم يكن يهم. سنرى في التراجيديا أن في المكان الخالص لعلاقتنا ما يمثل الموضوع... إن موضوع العلم هو عكس ذلك (أي العلاقات) مخلطا من هذه المواضيع".(4)فهو يرفض أن يكون الفيلسوف حاكما أو قاضيا، لأنه على العكس من ذلك تماما راعي التعددية والاختلاف. أما بالنسبة لعلاقته بتاريخ العلوم، فهو"لم يدخل حقيقة في مجتمع المؤرخين. فقد عبَّر بالتأكيد عن شكره له في مستهل كتابه 'روما'، لكن تصوَّره كملجأ أو كمنفى سياسي"(5)، إذ أنه في الكتاب الأول لهرمس 'الاتصال'، سعى لأن يكون في خط بعد الفلسفة الباشلارية، من خلال إعلان انتمائه لعصر الشكلانية أو الصورية.

كما أن بعد شكه في الابيستمولوجيا، أخذ يشك في تاريخ العلوم... بحيث أنه في سنة 1977نشر دراستين في تاريخ العلوم، في شكل تحريضات على الركائز الأساسية.(6) هاتين الدراستين هما: la naissance de la physique dans le texte de Lucrèce، أما الدراسة الثانية فكانت تحت عنوان: les origines de la géométrie.

إن الدراسة الأولى 'ميلاد الفيزياء في نص لوكريتوس' تُظهر هجوما عنيفا على الوضعية الكلاسيكية، أي وضعية أوجست كونت، التي تُرجع النصوص القديمة في صنف الميتافيزيقا أو قبل العلمي، إذ يجعلها (سير) ركيزة أساسية في قيام الفيزياء كعلم مستقل بذاته، "ويجادل أنه في تاريخ الفيزياء كان لوقريطيوس قد توقع إطار الفيزياء الحديثة، لا بل استبقها. إن كتاب 'في طبيعة الأشياء' قد أُعتبر قديما قطعة شعرية تكاد لا تمت بصلة إلى العلم الحديث. ولكنه يحاجج قائلا: انه من الواضح أن الاضطراب بكل أنواعه أساسي بالنسبة إلى نظام لوقريطيوس. إن فكرة الـ'كلينامن' (7)(Clinamen)...التي يطرحها لوقريطيوس تستبق نظرية الأنتروبيا، أو اللاترتيب، التي ظهرت في الفيزياء الحديثة".(8)فمن خلال هذه الدراسة سعى جاهدا لنقد قانون الحالات الثلاث وتجاوزه.

1/- الصدفة، الشواش واللانظام في فلسفة ميشال سير:

 إن فلسفة م.سير تقوم في حقيقتها على المفاهيم التالية: الفوضى، اللانظام، الشواش والطفيلي، وهي مفاهيم مستلهمة من نظرية الديناميكا الحرارية والنظرية الفوضوية. يقول في ذلك :" وفهمت الأهمية الحاسمة للديناميكا الحرارية ونظرية الإعلام. وهو ما يفسر طرح المسائل المتعلقة بالفوضى والضجيج التي أوحت إلي كتابة 'تكوين' وكان العنوان الأصلي لهذا الكتاب: Noiseوهي كلمة فرنسية قديمة تعني الشجار والضجيج".(9)

إن الديناميكا الحرارية Thermodynamicsتراهن على الأنتروبية، والتي هي حالة غير ارجاعية irréversibleتزداد مع الزمن، بمعنى أن الأشياء كلها تتغير ولا تسمح بعودتها لوضعها أو حالتها الأولى، أي أن حياتنا في سيرورتها محكومة بقانون فيزيائي داع للفوضى والاضطراب.كما أنها تعتبر حدثا مركزيا في تاريخ العلم، كونها تمثل تجاوزا لميكانيكا نيوتن المغلق و" إن تجاوز النظام المغلق في نظر سير بمثابة تزويد الاختراع بالوقود ".(10)" وهي فرع حديث نسبيا من فروع الفيزياء، يعني ببحث العلاقة بين خواص المواد وتفاعلاتها تحت تأثير الحرارة، فضلا عن تحول الطاقة من وجه إلى آخر. وعلى هذا فهي امتداد لبحوث الحرارة التجريبية التي بدأها جاليلو عام 1593م حين ابتكر أول ميزان حراري عرفه العلم الحديث ".(11) ولتعلن كذلك أول تضاد نظري وتجريبي مع الخواص الثابتة لقوانين الميكانيكا الأساسية.     

في حين نظرية الفوضى، والتي من أعلامها نجد بول فيرباند، "يهاجم المنهج العلمي والعلماء هجوما ضاريا، بل ويهاجم فكرة العقلانية ذاتها، ويدافع-أو هكذا يبدو- عن التنجيم والسحر والأسطورة واللاعقلانية دفاعا مجيدا".(12)

يرى م.سير أن هذه المفاهيم السابق ذكرها قد تغافلت عنها الفلسفة وتجاهلتها، نتيجة اهتمامها وثقتها المطلقة في العقل، اعتقادا منها أن هذا الأخير يسعى دائما إلى الوحدة والنظام، في حين مفهوم الفوضى أو اللانظام يبقى بعيدا عن المعرفة، كذلك شأنها مع العلم، إذ لم يرحب بها إطلاقا، بحجة أنها شوائب صغيرة لا تؤثر على الظاهرة ككل، بالإضافة إلى ذلك أن هذا العالم محكوم بقانون يسمى بقانون اطراد الظواهر والذي لا تشوب عنه شائبة. لكن الفلسفة الحقَّة في نظره هي تلك الفلسفة التي "تضع الفرش النظري والقاعدة التأسيسية للعلم، يتلخص هذا الفرش في ترك الممكنات حرة طليقة، ومن ثم الابتعاد عن الواحدية والمسار الخطي وتبني التعدد والفوضى وبالتالي اللانظام".(13)

وبهذا فهو يدعو إلى ضرورة تحرير العلم من النزعة العقلانية لأنها سجن تفرض عليه خطابا يؤدي إلى موته، وسبيل تحريره الوحيد هي الفلسفة المتبنية لمفهوم الفوضى والصدفة، الداعية إلى ضرورة مراعاة هذه المفاهيم في الدراسة العلمية، وإن كان يُقر بأنها (الصدفة) لا شيء وليس لها أي بعد، يقول:" تصور أنها شيء وأعطي لها أبعادا، ستجد عالما مترابطا وإلها فوق الإلهات. هي معرفة الضرورة ونقيضها الميتافيزيقا أو ما وراء الظواهر الفيزيائية. لا، الصدفة عدد، لعبة الأعداد، وهي نفسها مكتوبة في الأعداد"(14)، بمعنى أنها ليست شيئا معينا يمكن دراسته، وليست بشيء ميتافيزيقي، بل تتجلى في ظوهر عديدة كالاتصال والديناميكا الحرارية...الخ، باعتبارها قانونا يحكم الطبيعة، إذ هي"مكتوبة في القانون، مكتوبة في الخلق، مكتوبة في الأرقام، في كل ما اعتقدنا أنها حقائق"(15). وقد اعتبرها أكبر ضربة قسمت ظهر نرجسية الإنسان- إذ اعتقدت الفيزياء الكلاسيكية إمكانية وصولها إلى معرفة نهائية للقوانين المتحكمة في الظواهر الطبيعية، حتى تصورت المستقبل ماثلا أمامها-  التي تدرس العالم كما هو وكما كان، وكيف سيكون في المستقبل، لكنه يؤكد أن لوكريس قد أبان وتوقَّع إطار الفيزياء الحديثة مسبقا، من خلال جعله من مفهوم الاضطراب ركيزةً وأساسًا له.

ومن الروافد الفلسفية الأخرى التي شكَّلت الفلسفة السيرية نجد الفلسفة البنيوية، إذ أن "البنيوية لم تظهر فجأة في باريس. وما حدث في باريس في الستينيات هو أن هذه الوسيلة المعرفية العادية تحوَّلت بقدرة قادر إلى شعار اتخذه بعض الناس ووجدوه أمرا مثيرا، فخلقوا منه 'موضة' فكرية شاعت شيوعا تجاوز حدود  المعقول".(16)فهو منهج بحث يتناول من خلاله الباحث المعطيات التي تنتمي إلى حقل معين من حقول المعرفة، بحيث تخضع هذه المعطيات للمعايير العقلية، وقد أُعتبر منهجا علميا صارما بعيدا عن حقل الفلسفة والميتافيزيقا ساعيا إلى تحقيق الدقة في العلوم الإنسانية على شاكلة الفيزياء والكيمياء.

وبالتالي فقد كانت ثورة على كل جمود مذهبي- كالماركسية والوجودية- من شأنه عرقلة التقدم والتطور، ولهذه الأسباب فرضت البنيوية نفسها على الساحة الفكرية، وبما أن ميشال سير من فلاسفة فرنسا المعاصرين، فقد عاصر بعض الفلاسفة البنيويين أمثال جورج دوميزيل وجاك دريدا وميشال فوكو، منصبا اهتمامه على دراسة فلسفة المعرفة والعقلانية والمفهوم.

 ومن الذين كان لهم الأثر في تشكيل فلسفته، الفيلسوف ليبنتز، فقد ناد بضرورة إنشاء لغة عالمية مشتركة يتفق حولها الجميع، لأجل حل مشاكلنا، وذلك من خلال محاولته وضع رمز لكل فكرة للتعبير عنها، ورأى أن هذه اللغة ما هي إلا اللغة الرياضية. ونفس الطموح انتاب ميشال سير إذ رأى أن الرياضيات هي اللغة الأنسب والأنجع لأجل إحداث اتصال ونقل وتبادل بين مختلف حقول معارفنا وجهوياتنا العلمية، أو بين الفلسفة والعلم.

2/- موقف م.سير من فكرة المرجعية أو النقطة الثابتة:

لقد كانت فكرة المرجعية أو النقطة الثابتة حجر أساس في الفلسفات والعلوم الكلاسيكية، وهي على صور وأنواع مختلفة من فيلسوف وعالم إلى آخر، فمرجعية روني ديكارت أقامها على فكرة الكوجيتو، وباسكال على فكرة المسيح، في حين عند ليبنتز علىفكرة المونادة. لكن يرى م.سير في كتابه 'Pantopie' أن الإنسانية الحديثة عرفت ثلاث ثورات فلسفية بارزة، والتي بدورها أدَّت إلى ثورة حول المركز وبالتالي إلى هدمه، أول هذه الثورات: الثورة الكوبرنيكية الرافضة لمركزية الأرض، وثانيها الثورة الداروينية الرافضة لفكرة أن الإنسان مركز الخلق، وثالثها الثورة الفرويدية المفنِدة لفكرة أن الوعي هو جوهر الحياة النفسية عند الإنسان. إلا أن هذه الثورات الثلاث في نظره لم تخرج عن نطاق النقطة الثابتة ولم ترفضها، بل بالعكس من ذلك تماما استبدلتها بنقطة ثابتة أخرى، فكوبرنيكوس برفضه لمركزية الأرض استبدلها بمركزية الشمس، وداروين استعاض عن مركزية الإنسان بجميع الكائنات الحية، في حين سيغموند فرويد أكَّد على اللاشعور أو اللاوعي كجوهر للحياة النفسية بدلا عن الوعي.

لكن يعتقد م.سير أنه يستحيل إيجاد نقطة ثابتة في العالم، وذلك من خلال تقديمه لمثال حول الماء لما يصل إلى درجة تحت التجمد،    ونرمي بحصاة أفقيا، فإننا نجدها لا تُحدث أي انتشار، أي لا ترسم أي موجات، فكذلك هو حال العلم أو العالم، لا يحوي على أي مرجع أو نقطة ثابتة. يقول:" أين أنا الذي أرى، الذي يتكلم والذي يفكر؟ فإذا كنت أرى فمن أي موقع ومن أي صورة متحيزة؟ ومن أين يصدر النور؟ ولماذا النور في القرن 17م والأنوار في القرن الذي تبعه؟" ويضيف قائلا:" التنوع الأكثر اعتيادا في التصنيف هو هذا الجدول الثابت. الثبات يجتاز الفضاء الهندسي أو الميكانيكي، يجتاز العلوم. فالسؤال المطروح في كل مكان: أين هو المخطط الثابت؟ كيف يمكن تحديده؟ وماذا كُتب في هذا الجدول؟"(17)يقصد بالجدول هنا التصنيف الذي وضعه أوجست كونت على أساس النقطة الثابتة، بحيث يرى أن هذه الأخيرة لا أثر لها لا في الحياة ولا في العلم المعاصر، فقد تجاوزها الزمن. 

"إن مهمة الفيلسوف هي تحرير العلم من القواعد والقوانين المفروضة عليه، والطرق المرسومة له، إن الفيلسوف عندما يمارس الحرية فانه يقوم بواجباته العادية، وبالتالي يتمكن من تحرير العلم من ضغوط المؤسسات الاجتماعية. هذه المؤسسات التي تقتل قوة الإبداع والاكتشافات العلمية، وتتمثل المؤسسات القهرية للعلم في الجامعة والبيروقراطية والسياسة".(18) إذ أن العصر الكلاسيكي يبحث عن مرجع نقطي: يفكر، يُظهر، يجرب، ينظم تمثُّلاته، يتحكم، ينظر للعالم ويعيش شفقته بإرساء وتحويل إلى نقطة ثابتة... هذه الفكرة بقيت قائمة في العلم إلى غاية الثلث الأول من القرن 19م، في الحقيقة إلى غاية أيامنا هذه أو ما شبه، وقد نُقلت بواسطة التعليم المتكرر واللغات الأكاديمية القاعدية.(19)فالايدولوجيا في نظره هي التي صنعت فكرة المرجعية واليقين والصرامة، فلكي ينمو الفكر ما علينا إلا أن نحرره من هذه القيود، والمهمة موكولة إلى الفلسفة لأنها هي الأمل الوحيد، على اعتبار أنها قد تجاوزت مسألة التأمل في الجوهر والماهية كنقطة ثابتة وارتكزت على التعددية ونسبية المرجعيات، إذ يقول عنها:" فالمسألة لم تُطرح بشكل كبير، لا توجد، فقط الشيوخ المتذمرين الذين لم يتوقفوا من القول عن تضييعهم للقيم والمرجعيات: المرجعيات الشهيرة ! لكن لا أعتقد اليوم وجود مشكل مرجعي، فنحن نعيش عصر التعددية".(20)

3/- التاريخ كقصة كبيرة:  

إن العودة لكتاب أصول الهندسة يثير نقطة استفهام حول منبع تاريخ العلوم، حول عصرنة المعارف، كما يتضح أنه ليس بالاستطاعة ممارسة تاريخا للعلوم مثل أيام كونت وباشلار، من خلال سرقة فكرة التطور.(21)بحيث أنه إذا كان – وكما أسلفنا- أوجست كونت قد قسَّم الفكر البشري في سيرورته إلى ثلاث مراحل: المرحلة اللاهوتية، المرحلة الميتافيزيقية والمرحلة الوضعية. أما غاستون باشلار  فقد ميَّز بين نوعين من المعرفة: معرفة علمية ومعرفة عامية، فإننا نجد م.سير على العكس من ذلك تماما يبحث في تاريخ العلوم داخل الأساطير والقصص على اعتبار أنها مصادر جد غنية وثرية، وبالمقابل كونها الفن الأكثر استهلاكا لدى الناس وهذا ما نجده في كتبه:           Lanaissance de la physique dans le texte de Lucrèce, Thalès au pied depyramides, le décollage de challenger, la vestale enfouie…etc.                              "كل قصة جاهزة لعدة مداخل، هذا ما يسمح لكل مستمع بفهم مختلف عن الآخرين، ولبناء وجهة نظر من خلال توظيف ثقافته ومشاريعه. فكل تاريخ يقول ويعيد القول بطريقة أخرى لأجل إخراج مظاهر وطبقات أخرى من المعاني"(22)، لكن هذا لا يعني أنه يتخذ من الأساطير والقصص نقطة ثابتة أو مرجع له كما كان الحال عند الكثير من الفلاسفة والعلماء في الفترة الكلاسيكية، وإنما يهتم فقط بكل ما يمكن أن يكون مصدرا للمعرفة، بالإضافة إلى ذلك فان هذه القصص تحوي عدة تأويلات وقراءات، مما يؤدي إلى اختلاف القارئين في فهمها. كما أنه " قد تخلى عن الأسلوب الحجاجي لأجل الرواية، يحكي تاريخ العلوم وينسج رواية بالمعنى الدقيق ويضع فلسفة العلوم في حكاية رمزية، لأنه من وجهة نظري لم يتوقف عن الانجذاب حول العلوم، رغم تنوع مجالات المعرفة التي زارت قلمه".(23)إذا فقد اتخذ من القصة الكبيرة كسبيل لتوجيه انتقادات للتأريخ الكلاسيكي للعلوم، والذي كان قائما على المفاهيم التالية: العقل، الحتمية، النظام والتنبؤ، وذلك نظرا لما حققه الفكر الوضعي من انجازات أدت إلى سيطرته على تلك الفترة، لكن ما قامت به القصة أو الرواية هو إبرازها للجانب اللاعقلاني أو الأسطورة، حيث تستقر هنالك  المثالية العلمية، المبنية على التطهير والقطيعة الابيستمولوجية.    

تعود بدايات تشكيل هذه الفرضية (القصة الكبيرة) عند م.سير إلى  سنة 1990م، حينما أُنتخب للأكاديمية الفرنسية بدعم من أولئك العلماء الذين كانوا في تلك الأكاديمية. وقد طلبوا منه إقامة مؤتمرا، مما سنحت لهم – كان من بينهم عدد كبير من العلماء حائزين على جائزة نوبل- الفرصة للاطلاع على قدراته في إقامة جسر بين العلوم والآداب. وقد توجه إليهم بخطاب قائلا فيه:" ساداتي، أنتم الرياضيين والفيزيائيين، الفلكيين والبيولوجيين...الخ علمتموني كل ما أعرفه، لكن في الحقيقة لم تعلموني إلا شيئا واحدا، هذا الشيء جديدا وغنيا. قد اخترعتموه جميعا في آن واحد! وهو بالضبط ما يسمح لي بأن أبعث إليكم وكشخص واحد وكجماعة واحدة. اليوم وللمرة الأولى في التاريخ، كل العلوم تعلَّمت التأريخ لأشيائها. علم الفلك عرف التأريخ بدقة للانفجار الكبير والمجرَّات...البيولوجي عرف التأريخ لميلاد الأنواع فضلا عن الميكروبات، الجيوفيزيائي عرف التأريخ لعُمر الأرض واللساني عرف التأريخ لميلاد لكل واحدة من أنواع اللغات التي يدرسها...الخ".(24)

فمن خلال تأريخ كل علم لموضوعه نستطيع القول - في نظر م.سير- أن شبح التاريخ هو ماثل أمامنا، وذلك بتجميع لهذه التاريخيات في تاريخ واحد اسمه القصة الكبيرة. أما فيما يخص الرياضي، فيقول عنه: "هو الذي يسمح بالتأريخ، هو' المؤرخ ': يمنح للآخرين المناهج التي تسمح لهم بتأريخ أشيائهم"(25)، فكل علم له إمكانية التأريخ لمواضيعه، من خلال رواية ميلاده وسيرورته عبر التاريخ، ثم بعد ذلك نقوم بجمع هذه الروايات في زمنية واحدة يُطلق عليها القصة الكبيرة .le grand récit

3-1-/ بدايات القصة الكبيرة:

تعود بدايات الرواية الكبيرة إلى حوالي 14مليار سنة، مع الانفجار الكبير le big bongوإلى ظهور النواة الأولى للذرات في الدقائق الأولى للكون، لتُتبع بإعادة تركيب النواة مع الالكترونات وتَكَوُّن النجوم، المجرات وأخيرا الكواكب. أما لدينا (الإنسان) فقد بدأت مع حوالي 4.5مليار سنة، لأنه ينبغي مليار سنة أو أكثر لكي تظهر الحياة وتُعمَّر الأرض، من خلايا أولية إلى ديناصورات وقردة كبيرة تُسمى لوسي.(26)

"هنا الجذع المشترك لتاريخ العالم والإنسانية، هنا القصة التي تُكتب في اللغة الانسكلوبيدية لكل العلوم، بالاستطاعة ترجمتها لكل اللغات العامية وتعديلها على حسب الشخص المُرسلة إليه، سواء طفل في 06سنوات من عمره أو منجم فيزيائي في 60سنة من عمره".(27) كما أنها تسير في ظروف لا يمكن التنبؤ بها إطلاقا، فهي ليست خطية تراكمية بحيث الجديد منها يكمل القديم،و إنما تسعى دوما إلى الاقتراب أكثر فأكثر من المصداقية  والحقيقة بتصحيحها للأخطاء والتقدم في البحث، وذلك بالتزامها بجملة من القواعد أهمها: التعليق والقطيعة، فكل قطيعة ما هي في الحقيقة إلا دعوة إلى تشعبات جديدة أو علوما جديدة.

3-2/- الفرق بين الرواية الكبيرة وفلسفة التاريخ:

يضع م.سير تمييزا ما بين الرواية الكبيرة وفلسفة التاريخ، إذ يرى أن هذه الأخيرة ليس لها سوى بعض ملايين السنوات وتُعنى بالتاريخ الإنساني فقط، اعتقادا منها أن بقية الكائنات الحية الأخرى ليس لها تاريخ، وفيما يخص زمانيتها، فهي خطية مستمرة قائمة على فكرة السببية، بمعنى أنه انطلاقا مما حدث في الماضي يمكن التنبؤ بالمستقبل. أما زمانية القصة الكبيرة، فتُقر بعدم توقُّعها للمستقبل انطلاقا من تبنيها للنظرية الفوضوية، بحيث أن المستقبل ليس ماثلا أمامنا بل مفتوح على كل احتمال، مثلما هو الحال في الروايات الأدبية التي يستحيل فيها توقع النهاية حتى تحدث، وبالتالي فهي ليست رواية بالمعنى الهيجلي وإنما رواية بالمعنىالبرغسوني. وفيما يخص النهاية، فهي على عكس فلاسفة التاريخ الذين يحددون بدايته وحركته بالإضافة إلى نهايته، فإذا ما تحدثنا عن بدايتها نجد أن م.سير لا يحدد لها بداية حقيقية، بل لها الكثير من البدايات، فكانت يوما مع ميلاد الأرض ويوما آخر مع ميلاد النجوم ويوما مع ميلاد اللغات الهندوأوربية، أما فيما يخص النهاية فيقول عنها:"القصة الكبيرة تترك هذه الفكرة مفتوحة كلية، كما لا ننسى أنها مثل الرواية يمكن أن تكون نهايتها مأساوية. فكل الروايات ليست ماء زهر".(28)

إن حقيقة المعارف عنده سواء العلمية منها أو غيرها وكما أسلفنا، يجمعها في قالب قصصي ذا طابع أدبي، يُرجع البدايات الحقيقية لها (القصة) إلى القرن 18م، وذلك من خلال حدوث تطور في العلوم الجيولوجية والبيولوجية، بحيث تمكنت هذه الأخيرة من الالتحاق إلى مصاف العلوم التجريبية بفضل مجهودات الكثير من العلماء ككلود برنارد ولويس باستور وغيرهما، مما أتاح لهذه العلوم الفرصة للتأريخ لمواضيعها، ومن ثمة قد دخل مفهوم التأريخ إلى كامل العلوم، لتُكوّن زمانية كبيرة أو قصة كبيرة تجمع تحتها جملة من زمانيات جزئية مترابطة. لكن هذه الرواية الكبيرة تتطلب راويا، والذي يشترط فيه الإخلاص للمعرفة، يقول عنه:"هو الذي يسترد الذاكرة هنا أين كنا قد نسيناها"(29)،كما أن الروايات الكبيرة حول أصل الكون والحياة وتطور الإنسانية كانت سابقا حكرا على كُتَّاب العلوم الشعبية أمثال فلاماريون Flammarion، روستاندRostand، وهيبرت Hubert. أما اليوم تُستغل إلى حد بعيد بواسطة باحثين (المشي على سطح القمر، اكتشاف سر الحياة، تشكل عالم الذرة بواسطة الذرة).(30)

ما هو ملاحظ أن البرامج العلمية تُظهر مدى احتياج العلم للروايات الكبيرة والأساطير، لأجل التقدم ومواجهة صعاب المعرفة، لأن المسألة ليست في موقف المؤرخين والفلاسفة المشكك والمجرح للعلم، بل إن التحليل النهائي لأساطير وقصص الباحثين أبان عن تنوع كبير في المواضيع والأعمال بالإضافة إلى الغايات.

4/- من الابيستمولوجيا إلى أنتروبولوجيا للعلوم: 

بفضل قوة الرواية والأساطير تمكّن م.سير من تطوير الابيستمولوجيا نحو أنتروبولوجيا للعلوم(31)، بحيث أن هذا التحول أحدث ثورة كبيرة على تقاليد فلسفة العلوم، حتى لُقب بالوريث الشرعي للمفكرين الفرنسيين، فالوراثة لا تعني بالضرورة الحفاظ على التراث القديم فقط بل كذلك طبع البصمة الشخصية، بالإضافة إلى ذلك السير به قدما نحو الأمام، وهذا ما كان عليه الحال معه، بدوره الكبير في تحرير فلسفة العلوم من القيود الباشلارية والفلاسفة الذين جاؤوا بعده أمثال كارل بوبر وتوماس كوهن. بحيث كان سابقا الجدال كله منصبا حول سر تطور العلوم هل بالقطيعة أم بالاتصال، وقد تباينت المواقف بين من يدعو بالقطيعة ومن يدعو بالاتصال، "فأسلوب المجادلة لباشلار وسعة عمله في إقصاء المعارف الأخرى غير العلمية، تكشف مدى العنف المتأصل في فلسفة النفي وقوة المعارف الأخرى التي تم القضاء عليها بأي ثمن"(32)، لكن ميشال سير حرَّر الفكر الإنساني من تلك القيود ودعا إلى ضرورة ربط بين كل المعارف سواء علمية أو غير ذلك، من مقصاة وأساطير، بدون إلغاء لأي نوع منها. بالإضافة إلى ذلك نجده يُقر بقيمة المعرفة العقلانية لكن ليس بمقدور الابيستمولوجيا الكشف عن ذلك، بل المهمة موكولة إلى الأنتروبولوجيا على اعتبار أنها الوحيدة القادرة على ذلك، من خلال جمعها ما بين جانبين اثنين طبيعة وثقافة، لأن المعرفة ليست حكرا على العلوم المسماة بالطبيعية بل تتعداها إلى مجالات أخرى كالأساطير والقصص، على عكس ما هو عليه الحال مع الابيستمولوجيا، إذ أن المعرفة العلمية رسمت علاقة الإنسان مع العالم الخارجي من خلال فصلها بين الذات والموضوع، وتوسَّع هذا الفصل أكثر فأكثر مع تقسيم العلوم إلى علوما طبيعية وعلوما إنسانية.

5/- موقف ميشال سير من تاريخ العلوم:

"إن تاريخ العلم – في نظره - بالمعنى الصحيح، أي الذي يتوفر على منهج ملائم لموضوعه، ويستوعب مجموع الإشكالات التي يطرحها التأريخ للعلوم، بالإضافة إلى المعرفة الجيدة بالموضوع المؤرخ له، لا تتوفر لدى من يؤرخون للعلم، أو لنقل إن هناك تنظيرات متعددة تمثل مشروعا لتاريخ علم أو علوم معينة، لكنها تفشل عندما تنتقل من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، وهذا الجانب يمثل أحد أسباب فشل تاريخ العلوم كعلم، وأعني به صعوبة الانتقال من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي".(33)بالإضافة إلى ذلك غياب إبراز علاقة التأثير المتبادل بين العلم والمجالات المحيطة به، أي كيفية تأثير هذه الأخيرة في نشأة العلم.

وبالتالي هذا النوع من التاريخ قائم على الانفراد بالعلم وكأنه كيان مستقل بذاته، في حين يؤكد الواقع كيفية إسهام البيئة في قيام العلوم، ويستدل في ذلك بـقوله:" نستطيع دائما الإعلان بوجوب وجود سُبل حدود بين شكل العبودية للمجتمع اليوناني ومعجزة الهندسة، وضرورة وجود ظروفا عديدة للاقتصاد التجاري لأوربا الحديثة في ظهور العلوم التطبيقية من العصر الكلاسيكي"(34)، فما يُعاب على التأريخ في نظره، غياب إبراز تفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في ظهور العلوم، فما النهضة الأوربية في حقيقتها إلا تلك الحركة التي ظهرت في منتصف القرن الخامس عشر ميلادي لإحياء العلوم والمعارف ومختلف الثقافات القديمة، أو ما اقتبس من علوم الحضارية العربية الإسلامية، وكل هذا كان بفعل اتصال الأوربيين بالعرب عن طريق مضيق صقلية وجبل طارق، بفعل التبادل التجاري الذي كان بينهما. وعليه فكل هذه الظروف ينبغي على المؤرخ أن يُلم بها ويشير إليها وإلا فليس هنالك تاريخا للعلوم بالمعنى الحقيقي.

كما أنه يُرجع هذا الإخفاق إلى مجموعة من الأسباب الأخرى أهمها: تقسيم العمل الفكري وتشتيته بين علماء من جهة، يثقون فيه ثقة مطلقة على اعتبار أنه السبيل الوحيد للتقدم، كما أنه المعرفة الوحيدة الحقيقية وما عداه فهو ظلال، ومن جهة أخرى هنالك فلاسفة منشغلون بمسائل مفارقة للواقع الإنساني كالجوهر والحقيقة المتعالية...الخ، وهذا ما أسهم في توسيع الفجوة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، يقول:" هنالك عدة أسباب تُسهم في الإخفاق، أقلها ليس تقسيم العمل الثقافي. تختفي خلفه أشباح خطيرة، يعني حقائق سوسيو سياسية للسيطرة والتحكم، فإذا كان المؤرخون والفلاسفة يجهلون العلم وعلى العكس العلماء لا يعرفون التاريخ ولا الفلسفة، ففي كلا الحالتين باستثناء ما إلى حد الطفولة، فان هذا مليء بالمعاني الذي يستوجب توضيحا يوما ما".(35)

إذا فسر عدم وجود تاريخ علم حقيقي في نظر م.سير هو تقسيم المثقفين إلى علماء وفلاسفة، بحيث أن العلماء يجهلون الفلسفة إلى حد اعتبارها بحث لا طائل من ورائه، كما أن نظرتها الميتافيزيقية تبعدها عن الدقة الموضوعية التي يتصف بها الخطاب العلمي، وهذا ما جعل أوجست كونت يعتبرها حالة من الحالات الثلاث التي حان للفكر البشري أن يتخلص منها، لأن المرحلة الراهنة هي مرحلة العلم. وفي الجهة المقابلة نجد أن المؤرخين والفلاسفة يجهلون العلم، ظنا منهم أنه حكرا على العلماء من رياضيين وفيزيائيين وبيولوجيين...الخ. كل هذا يقودنا إلى القول بأن المعارف مشتتة بتشتت المثقفين إلى مؤرخين وفلاسفة وعلماء.

6/- التأريخ الحقيقي للعلم في نظر م.سير:

يسعى م.سير إلى إقامة تاريخ للعلم مغايرا تماما لما هو كائن، لأن التاريخ الراهن وكما أسلفنا قائم على التجزيئية في العلوم، بمعنى أن كل علم مستقل بذاته ولا توجد علاقة تجمعه بالآخر، انطلاقا من أن كل جهوية علمية مستقلة بذاتها عن باقي الجهويات، فنجد كل مؤرخ يهتم في تأريخه بتخصص واحد فقط ويتجاهل باقي التخصصات، كاهتمام ماخ بتاريخ الميكانيكا وبيار دوهيم بتاريخ الاستيتيكا والفلك ... وهكذا. يقول:" الكل يتحدث عن تاريخ العلوم وكأنه موجود، في حين أنني لا أعرفه. أعرف مونوغرافات أو تجميعات لمونوغرافات ذات تقاطع فارغ. هنالك تواريخ توزيعيا، للهندسة، للجبر، إلى حد ما للرياضيات، لعلم البصريات، للديناميكا الحرارية وللتاريخ الطبيعي وهكذا دواليك"(36)، فهو يدعو إلى ضرورة إقامة علاقات بين الجهويات العلمية من تفاعل وتداخل، نقل واستيراد، وذلك من خلال تشكيل انسكلوبيديا ترفض إقصاء لأي جهوية علمية صغيرة كانت أو كبيرة، على عكس الانسكلوبيديا القديمة القائمة على تصنيف العلوم وتلخيصها في جملة علوم رئيسة، كما هو الحال عند أ.كونت، تبدأ بالرياضيات لتنتهي بعلم الاجتماع.

إذا فالتاريخ الذي يقترحه يتصف بكونه عاما وموسوعيا، يتطابق مع الحالة الفعلية للعلوم في العصر الحاضر، انه تاريخ يرى في المعرفة سيلا متوحدا، نهرا واحدا وليس مجموعة من الجداول المتفرقة، فالقول بأن هذا العلم مستقل عن غيره هو نفي له.(37)لذلك يُقر :" أيضا كل المونوغرافات أو كل التجمعات المونوغرافية السابقة ضحية تصنيف... يمكن البدء بتاريخ نقدي للتصنيفات. لكن التاريخ نفسه هو داخل صف"(38)، فما هو ملاحظ أن هنالك علوما مقسمة بدقة وانتظام، من بينها التاريخ، بحيث أنه أُحسن التفريق بينها، وهذا ما يجعل استحالة وجود تاريخ عام في ظل هذه التصنيفات وغياب التواصل بينها."فالمشكلة قد حُلَّت مسبقا وحُلَّت بالسلب. الفشل حول المطلب العام قد أُستهلك مسبقا بشأن المطلب المحلي. بما أنه ليس لدينا تاريخا للعلوم بمعنى تاريخ جريان عام للمعرفة كما هي وليست مفككة، لن تكون أي إمكانية عملية لتوضيح العلاقات داخل هذه البنية، لأنها لا توجد".(39)

لكن هذا لم يمنعه من عرض أهم أنواع التأريخات للعلوم، والتي يحصرها في ثلاث:

أولا:تاريخ العلوم باعتباره تجميعا تراكميا لسيرورة العلوم، بحيث هذا النوع من التاريخ يسعى إلى تدوين الأحداث العلمية كما يُدون باقي الأحداث التاريخية وفق ترتيبها الزماني والمكاني، وبدون حذف لأي حقبة منها، مثله مثل التأريخ لقيام حضارات وزوالها، إذ لا يهمه اليقين العلمي بالقدر الذي يهمه السرد.

ثانيا:التاريخ التراجعي للعلوم ويهتم بالدرجة الأولى بالحقائق القريبة العهد، أي المتأخرة وكذا بالاكتشافات التي تعيد بنية النسق والأنساق.(40)بحيث أن هذا النوع من التأريخ يسعى جاهدا إلى الاهتمام بالأحداث الراهنة التي تنفي الأحداث السابقة عنها، لأن النظرة التراجعية للتاريخ يُقصد بها التنافي بين حقب التاريخ العلمي والتصفية للوصول إلى الحقيقة والتقدم العلمي، مثلا ما حدث في علم الفلك بتجاوز النظام الكوبرنيكي للنظام البطليمي، ونظام كبلر للنظام الكوبرنيكي.

أما النوع الثالث من التأريخ للعلوم:الذي يتعامل مع العلم باعتباره حركة أصلية وتشكلا غير محدود وغير محدد لنسق معين، فيكون العلم بذلك حاملا لتاريخيته، أو لنقل انه هو نفسه هذا التاريخ.(41)إذ أنه يسعى إلى تجنب القطائع واحتواء كل الأنساق بدون تهميش لأي منها، كما هو الحال مع الرياضيات باحتوائها للنسق الاقليدي والنسق اللااقليدي، أي العودة للماضي من أجل المُضي بالعلم إلى الأمام.

ما هو ملاحظ مما سبق، أن هنالك تعدد واختلاف في التأريخات للعلوم، فمنهم من ينظر إلى التاريخ على أنه ترسب وتراكم للحوادث مهملين للحقيقة وغير مخلصين للروح العلمية، في حين هنالك نوع آخر من التأريخ، وهو التأريخ الانتقائي والذي لا تهمه سوى الحقيقة متجاهلا للتراث العلمي والرواسب، وهذا ما هو حاصل بين المؤرخين والعلماء، بحيث إن التاريخ في نظر العلماء مملوء بالرواسب والأخطاء، أما عند المؤرخ فالذي يهمه ترتيب الحوادث وفق إطارها الزماني والمكاني.

لكن م.سير يولي أهمية كبيرة لكلا التاريخين، بحيث أنه إذا ما رفضنا التاريخ التراكمي فإننا لن نكون أوفياء للتاريخ، كما أنه بالعودة إلى الماضي يمكن استيعاب وإعادة إحياء لمعنى كان راسبا ومغمورا، ليسهم بدوره في تقدم العلوم.

وبهذا فإذا كان تاريخ العلم لا يحض باتفاق بين المؤرخين والفلاسفة، فان فلسفة العلم عند م.سير على العكس من ذلك تماما تسعى إلى التوفيق بين الاتجاهين، من خلال اهتمامها بالحقيقة العلمية من جهة، وبالرواسب والأخطاء الماضية من جهة أخرى، لأنه يمكن للرواسب أو الحثالة كما يسميها هو أن تصبح حقيقة، كما أنه يمكن للحقيقة أن تصبح حثالة. ولهذا نجده يولي أهمية كبيرة لفكرة التأريخ للعلوم، كون أن الماضي لم يتدحرج في هاوية الزمن كما يعتقد البعض، بل يمكن إعادة إحيائه ليصبح حقيقة.

كما انطلق م.سير من فكرة اللاتاريخية (Anhistoricité) واتخذها كمادة خام ليصنع منها أهم النماذج الزمانية الممكنة، والتي حصرها في أربع نماذج منها ما هي مترابطة مباشرة وغير مباشرة، ومنها ما هي لامترابطة مباشرة وغير مباشرة. لكن فكرة اللاتاريخية لا تعني غياب الزمان، ولكنها تعني إبراز كل الأزمنة الممكنة سواء غير المرتبة أو المحددة والمتضافرة غير الارتدادية، غائية وتراجعية، مترابطة ومتقطعة، لها أصل أو أصول مرجعية ميتة منسية أُعيد النظر فيها.(42)يقول في ذلك:" كل شكي يأتي من هذا حين أكتشف استقرارا نسبيا هنا، أين انتظرت تنوعا، سلسلة من الثورات مرحلية أو قطائعية، تغييرات في البراديغم وهلم جرا "(43)، بحيث يرى أنه لدينا جملة من الأفكار حول التاريخ، أو نستطيع القول خطابات حوله، هذه الأخيرة منها ما هي متوافقة مع بعضها البعض ومنها ما هي متناقضة، لكن جميعها تصب حول أنه خطي مستمر أو متقطع مماثل للزمن، يسير نحو الأمام، ليس له أبعادا مثلما هي في المكان.   و"من ثم يظهر التاريخ أمامنا مرسوما كالتواء، مستمرا ومتقطعا، متطورا أو متقهقرا، في خط مستقيم أو متعرج...".(44)

ونتيجة لهذه الاختلافات في التأريخ سعى م.سير إلى تأسيس علم للتاريخ يحمل كامل مواصفات العلم الحقيقي، بغية الوصول إلى بناء تاريخ حقيقي للعلم، يقول في ذلك:" إذا كنا نحن نشك في حقيقة تاريخ العلوم: هل يتوجب علينا البحث على علم للتاريخ للبدء في هذا التاريخ؟ نعم: هذا ما أخرني 35سنة. لا نستطيع أبدا تصور أصول –أصول العلم- بدون فلسفات سابقة للزمن".(45)

كما أنه يركز في الكثير من المرات على تاريخ الرياضيات، ليتخذها نموذجا للتأريخ للعلوم الأخرى، يقول عنها:" تظهر أنها تتبع في الواقع أحيانا خطوطا منتظمة واسعة أو متصاعدة، حلزونية تكرارية أو دائرية ثابتة، أحيانا تخضع لسقوطات مفاجئة، رجوعا للخلف أو لقطائع بواسطة نسيان، أو استقرارات بواسطة احتفاظ مُطوَّل جدا ".(46)

7/- النموذج المثالي لكتابة تاريخ العلم في نظر م.سير:

يتبنى ميشال سير نموذجا آخر أو زمانية أخرى تتلاءم وطبيعة النسق العلمي، وذلك من خلال دمج كل الزمانيات الممكنة في زمانية واحدة، انطلاقا من أن النماذج السابق ذكرها عاجزة عن الوقوف على حقيقة العلم عبر مسار تاريخه، يقول:" هذه النماذج الصامتة هي ساذجة، ذات بساطة قسوة وفقر محدود، لذلك يجب مراجعة حسابها وفق تعقيد رائع وتعددية قوية، حتى يمكن أن نسميها حقيقةً تاريخ".(47)

 إن التاريخية أو النموذج الذي يسعى إلى إقامته، يتصف وكما قلنا بالتعقيد الكبير، بحيث يمكن قراءته وفق نماذج متعددة وليس وفق نموذج واحد: تراكمي، متقطع، غائي وتراجعي. هذا ما يدفعنا إلى رفض فكرة الحتمية في مجال التاريخ والتي قد دعا إليها الكثير من الفلاسفة على غرار هيجل أوكارل ماركس أوالان توينبي، بحيث ينظر هذا الأخير إليه نظرة تسلسلية كونه على شكل دائرة مغلقة لها بداية ونهاية وذا نظام صارم. في حين السبب الثاني الداعي إلى رفضها في نظره، هو أن العلوم لم تصل بعد إلى أفقها بل هي ساعية دوما نحو ذلك.

أما الخاصية الثانية التي يمتاز بها نموذجه: أن "الحقيقة التاريخية يمكن أن تتحول إلى نفايات، كما يمكن العكس إعادة تنشيطها كحقائق: فإذا قلت الحقيقة بمعنى أنكسمندر، أستطيع حاليا قول الكذب وإذا قلت الحقيقة حاليا أستطيع قول الخطأ بمعنى أنكسمندر. هذه اللاحتمية تُعرّف تاريخ العلوم لا كتقليد مستمر ولكن كنسيج متقطع ومتمزق".(48)

إن هذه الزمانية التي نادى بها م.سير تحوي على جملة من الخصائص المختلفة والمتمايزة عن بعضها البعض، قدَّمها في شكل استعارة جيوفيزيائية تمثلت في الظواهر المختلفة للطبيعة، بحيث أنها تُظهر حفرا وخنادق، طيات وسهول، أودية ومدخنات، أشياء صلبة كالأرض وسوائل كالبحار، يقول:" الاستعارة هنا جيوفيزيائية، يمكن أن تكون رياضية. في كل حالة النموذج معقَّد، على نحو محلي هنا أو هناك، أُعلّم تكسيرات أو انقطاعات، في مكان آخر على العكس روابط وجسور".(49) ويُضيف قائلا:" التجربة التي أود القيام بها تجبرنا على تغيير جملة من الأفكار، وتغيير نظرياتنا. أظن أنني سأُلقي النور على فترة زمنية جد طويلة، أين التنوع منذ أرسطو إلى غاية أيامنا هذه جد ضعيف".(50)

بمعنى أن فالمنطق الذي يحكم زمانيته منطق التماثل والاختلاف، التناقض والهوية، يشهد قطائع واستمرارية، وبالتالي فهو يشبه إلى حد بعيد منطق ثنائي القيمة، كما أن هذا النموذج يحاكي الزمانية الكرونولوجية، لكن يمنعنا من الاعتقاد بأنه على شاكلتها بخصوص خطيتها وتسلسلها، فهو يحوي التناقضات، بحيث أنه لا انعكاسي، خاضع للنظام الأنتروبي أي للفوضى واللانظام، وفي الجهة المقابلة انعكاسي يعيد التدفق الزماني كنظام لتأريخاتنا، لكنه ليس حكرا على تاريخ العلوم فقط، وإنما يتسع لفهم التاريخ عامة، بدمجه وجمعه لمجموعة من الزمانيات. إذ يقول:" هي زمنية معقدة تجمع زمانيات عديدة، إذ أن كل الزمانيات التي أعرفها يمكنها تأسيس النموذج الذي أبحث عنه"(51)،بالإضافة إلى ذلك فان كل مواضيع هذا العالم لا تزيغ عن هذا النموذج، على اعتبار أنه أحسن نموذج ناقل للوحة نفسها.

نموذجه هذا قائم على عملية تسمى بالتقطيرPercolation، إذ يأخذ هذا المفهوم معنًا معينا هنا، وهو أن نتصور تاريخ الرياضيات على سبيل المثال وليس الحصر، كفضاء معقد يستلزم تسارعا قويا، عدة تقطيعات وتراجعا في الآن نفسه، لكنه لا يسترجع كل الرواسب، بل تاريخية محدَّدة ليُعيد إحياءها مرة أخرى وفق معنى معاصر، لأن" التدفق يجري في تيار جد شفاف يُقصي الطمي على نحو متزايد وهذا باجتيازه لعتبة التقطير".(52)كما يتصور التاريخ كمجرى النهر الذي يتوقف أو يتباطأ عن الجريان في صباح يوم بارد جدا، لكن مع منتصف النهار وبذوبان الجليد تحدث الكارثة، بجريان كلي وبدفعة واحدة له، محمّلا بالرواسب من طمي وحصى، مما يجعل تدفق المياه يجري ويتوقف، يمر هنا وهناك بفعل الرواسب التي تتدفق معه وتمنعه من الجريان. وبهذا فجريان النهر في هذه الحالة يجر معه الرواسب ويتم داخلها، وهكذا هو حال التاريخ أيضا يُمكنه إعادة إحياء بعض الرواسب لتصبح معارف. يقول:" الإبداع الرياضي يقودني كذلك نحو الأصل، إذ في الدراسة الديناميكية لتيار النهر أفهم عمليات الترسيب ووجود تلفيفات منسية ".(53) كذلك نموذجه يضع حالة التاريخ في صورة مثالية ماثلة أمامنا، في حال الكون، بحيث يرى أنه إذا كان القدماء ينظرون إلى موضوعات السماء من كواكب ونجوم على أنها مستقرة، خالصة وثابتة، بخلاف دراسات المفكرين والعلماء فيما بعد، فنحن كذلك نعرف أن الدقة والصفاء والخُلاصية باتت كالنجوم تولد وتشيخ وتموت، وذلك لأن أي نظرية ما هي في حقيقتها إلا تاريخ تتبع زمانية معينة، شأنها شأن مكونات الكون: أصول أو بدايات، تطور ثم اندثار أو اختفاء، وخير مثال على ذلك الثورة الكوبرنيكية التي غيّرت مرجعيات الحركة.(54)

لكنه يتساءل في الأخير حول إمكانية إقامة علما للتاريخ فيقول:" هل يمكن كتابة علما للتاريخ، وفق زمانيات متعارضة معقدة سعيا نحو دمجها، وذلك بإقامة ثورة بدون حمل أي اسم، من خلال العودة إلى العالم ذاته؟".(55)

9/- النظرة التراجعية في تاريخ العلوم:

إن المقصود بالنظرة التراجعية في تاريخ العلوم هو التنافي بين حقب التاريخ العلمي أو العودة إلى القديم الخالص لجعله راسبا، وذلك من خلال قراءته قراءةً معاصرةً، وخير مثال على ذلك طبيعة اليقين الرياضي، فقد كان قديما في الهندسة الاقليدية قائما على المنهج اليقيني (الحدسي) الاستنباطي، ثم بعد ذلك في الفترة المعاصرة مع الهندسة اللااقليدية أصبح قائما على المنهج الفرضي الاستنباطي أي الأكسيومي. وبهذا فاليقين الرياضي المعاصر أصبح أكثر خلاصية من اليقين الكلاسيكي، وهذا ما يقودنا إلى فكرة مهمَّة أكَّد عليها م.سير وهي أن القول بالمعجزة اليونانية لا يعني أنها الانطلاقة الحقيقية والأولى للعلوم عامة والرياضيات خاصة، بل هي أقل خلاصية وعلمية مقارنة بالعلم المعاصر، انطلاقا من نظرتها إلى الماضي باعتباره طبقة ثقافية مترسبة أو نوع من اللامعرفة أو اللاعلم. "ويأتي تأكيده هذا انطلاقا من تبنيه للنظرة التراجعية في تاريخ العلوم، التي تبرهن على أن الأولى زمنيا هو لا خالص ولا علمي، والتي تبين أن الأصل الأول للرياضيات- كما هو وارد في المعجزة الإغريقية- ليس هو الأصل الحقيقي للرياضيات، بل انه مجرد انطلاقة، أو هو بالأحرى صدر هذا العلم انطلاقا من النظرة الغائية للعلم". (56)

إذا للتراجعية دورا كبيرا جدا يتمثل في الابتعاد أكثر عن اللاعقلانية والاقتراب أكثر من العقلانية واكتشاف خلاصيات جديدة، بالإضافة إلى رفض فكرة المطلقية وفتح المجال للإبداع ووجود التقطيعات في مسار تاريخ، كما يتم من خلاله الانتقال من اللاخلاصية إلى الخلاصية ومن اللارياضيانية إلى الرياضيانية.

 كذلك نجد أن الخاصية التي تميز أيضا تاريخ العلم عند م.سير، أن التاريخ الملغى أي الرواسب يمكن إحياؤها لتصبح علما، والذي يمكن بدوره أن يلغي أو يتجاوز العلم المعاصر، بحيث نجده في كتاب ' لوكرس' يضع معنى لنص ماضي، ويرفض فكرة أن ما مضى لن يعود، "فوحدانية الرياضيات في نظره تقطن في اللاتاريخية، أكثر دقة الرياضيات حركة باستمرار تقوم بعملية الرجوع إلى أصولها للبحث عن صقل أو تثبيت لأسسها، فكل إبداع ما هو إلا إعادة بناء أو إعادة كتابة للتاريخ، التوغل أو الاندفاع في غياهب النسيان لإعادة تنشيط جزء من الماضي كأصل...سيد التاريخ وكذلك العلم (الإبداع)، يجدد العلوم وفي نفس الوقت ينتج ماضي ويحدد المستقبل".(57)

الخاتمة

خلاصة القول إن العقل العلمي الجديد- الجديد عند م.سير يسعى نحو تحرير العلم من كل الحتميات التي فُرضت عليه، والتي تقتل الجانب الإبداعي فيه، أبرزها العقلانية، وهذه المهمة موكولة للفلسفة وذلك بتبنيها لمفهوم الفوضى، الصدفة واللانظام،- لأن في نظره الفيلسوف هو راعي التعددية- والتي استطاع بفضلها إقامة نموذج تاريخ علم جديد يخالف تماما كل التأريخات السابقة، بجمعه لكل المعارف، العلمية منها والعامية في بوتقة واحدة (انسكلوبيديا).كما أن ما يميز نموذجه أنه ليس تراجعيا ولا تقدميا، بل هو معقد: تراجعي وتقدمي، متقطع وغائي. وهذا ما يستلزم رفض فكرة الحتمية في فلسفة العلوم، كون أن الحقيقة التاريخية يمكن أن تتحول إلى رواسب، كما يمكن لهذه الأخيرة أن تتحول إلى حقائق.

* ميشال سير فيلسوف فرنسي مختص في فلسفة العلوم وتاريخها من مواليد 1930م، لديه الكثير من المؤلفات أهمها: سلسلة هرمس في خمسة أجزاء، الحواس الخمس، أصول الهندسة والأصبع الصغيرة.

1- جون ليشته، خمسون مفكرا أساسيا معاصرا من البنيوية إلى ما بعد الحداثة، تر: فاتن البستاني، مراجعة محمد بدوي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2008، ص 179.

2- يوسف تيبس، تاريخية العلم: النفي محرك العلم، مجلة عالم الفكر، العدد1، المجلد35، الكويت، سبتمبر2006، ص 279.

3- جون ليشته، المرجع نفسه، ص 180.

4- يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلوم عند م.سير، مجلة عالم الفكر، العدد 4، المجلد30، الكويت، 2002، ص 162.

5- https: //halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-0050777. Bernadette Bensaude-Vincent, 'Michel Serres, historien des sciences', texte à paraître dans numéro des cahiers de l herne sur Michel Serres, 2009, p 04. 1935:-15.01.2017.

6-Idem.

7- كلينامن: هي تغييرات لا متناهية في مسار الجسم أو الشيء.

8- جون ليشته، المرجع نفسه، ص 185.

9- مسارات فلسفية، حوار مع مجموعة من الفلاسفة، تر: محمد ميلاد، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، اللاذقية- سورية، 2004، ص 142.

10- بول فيرباند، ثلاث محاورات في المعرفة، تر: محمد أحمد السيد، منشأة المعارف بالإسكندرية، الإسكندرية، ص01.

11-صلاح عثمان، مسيرة الفيزياء بين مقولتي الاتصال والانفصال، من كتاب: الاتصال واللاتناهي بين العلم والفلسفة، منشأة المعارف، الإسكندرية،     1998، ص ص 5- 6.

12-بول فيرباند، المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

13-يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص 168.

14-Serres Michel, la traduction, les édition de minuit, Paris, 1974, p 66.

15Idem.

16- جون ستروك، البنيوية وما بعدها- من ليفي ستراوس إلى دريدا، تر: محمد عصفور، عالم المعرفة، الكويت، 1996، ص 30.

17-Serres Michel, la distribution, les éditions de Minuit, Paris, 1977, p20-23.

18-يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص 165.

19- Serres Michel, la distribution, Op. Cit, p23.                             

20-Serres Michel, pantopie: de hermès à petite poucette, édition le pommier, Paris, 2014, p 308.

21- https: //halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-0050777. Bernadette Bensaude-Vincent, 'Michel Serres, historien des sciences', Op. Cit,  p 07. 1935:-15.01.2017.

22Idem.

23Idem.                      

24-Serres Michel, pantopie: de hermès à petite poucette, Op. Cit, p 300.

25-Ibid, p 302.

26-Serres Michel, pantopie: de hermès à petite poucette, Op. Cit, p 302.

27-Idem.

28-Ibid, p 313.

29-Ibid, p 305.

30- https: //halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-0050777. Bernadette Bensaude-Vincent, 'Michel Serres, historien des sciences', Op. Cit,  p 10. 1935:-15.01.2017.

31-https: //halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-0050777. Bernadette Bensaude-Vincent, 'Michel Serres, historien des sciences', Op. Cit,  p 8. 1935:-15.01.2017.

32- Idem.

33- يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص212.

34-Serres Michel, la distribution, Op. Cit, p 17.       

35-Serres Michel, la distribution, Op. Cit, p 17.

36-Ibid, p 18.

  - يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص214.  37

38-Serres Michel, la distribution, Op. Cit, p 18.

39-Idem.

40-يوسف تيبس، تاريخية العلم: النفي محرك العلم- نموذج كارل بوبر، مرجع سابق، ص 279.

41- يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص 219.

42- يوسف تيبس، المرجع نفسه،ص 223.

43- Serres Michel, la naissance de la physique, les éditions de minuit, paris, 1998,  p199.  

44- Ibid, p200.

45-Serres Michel, les origines de la géométrie, Flammarion, paris, 1993,  p 15.

46-Idem.

47- Serres Michel, la naissance de la physique, Op. Cit, p 200.

48- Serres Michel, les origines de la géométrie, Op. Cit, p 17.

49- Serres Michel, la naissance de la physique, OP. Cit. p 200.

50- Idem.

51-Serres Michel, les origines de la géométrie, Op. Cit,p 22.

52- Ibid,p 29.

53- Serres Michel, les origines de la géométrie, Op. Cit,p 30.

54- Ibid,p 34.

55- Ibid,p 35.

56- يوسف تيبس، تاريخ وفلسفة العلم عند ميشيل سير، مرجع سابق، ص 222.

 57- https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-0050777.BernadetteBensaude-Vincent, 'Michel Serres, historien des sciences', Op. Cit, p 06-07. 1935:-15.01.2017

مصطفى تبان / لخضر مذبوح, «الجانب التجديدي في الخطاب الابيستمولوجي عند ميشال سير»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 27 مجلد 15-2018N°27 Vol 15- 2018
Papier : pp 61-73,
Date Publication Sur Papier : 2011-09-20,
Date Pulication Electronique : 2018-06-26,
mis a jour le : 11/07/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=3018.