دراسة تحليلية لكتاب "مرأت الجزاير" لعلي رضا باشا الجزائري -من العهد العثماني إلى الاحتلال الفرنسي-An Analytical Study Of The Book "Marat Al Jazeer" By Ali Reza Pasha Of Algeria - From The Ottoman Period To The French Occupation
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

دراسة تحليلية لكتاب "مرأت الجزاير" لعلي رضا باشا الجزائري -من العهد العثماني إلى الاحتلال الفرنسي-

An Analytical Study Of The Book "Marat Al Jazeer" By Ali Reza Pasha Of Algeria - From The Ottoman Period To The French Occupation
pp 151-163

خيرالدين سعيدي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

توجد بعض المصادر في تاريخ الجزائر فُقِدت أُصولها فيما بقيت نُسخها موجودة في لغات أخرى غير اللغات الأصلية التي كُتبت بها، من بين المصادر التي عانت هذا الأمر كتاب (مرآة الجزائر) "لعلي رضا باشا" إذ نقف عليه باللغتين العثمانية والتركية، بينما لا نكاد نقف له على ذكر باللغة العربية، مما أدى إلى بقاء هذا المصدر وصاحبه مجهوليْن لدى جلّ الباحثين والمؤرخين، إضافة إلى ما سبق نقف على سبب آخر ساهم في عدم ظهور الكتاب، ألا وهو تشاركه في نفس العنوان مع كتاب آخر هو "المرآة" "لحمدان بن عثمان خوجة" والد علي رضا باشا، وتَوهُّم عَددٍ من الباحثين أنَّهما كتابٌ واحدٌ، في حين أنَّ الأمر عكس ذلك تماما كما سيأتي، وإذا تقرَّر هذا كان من الواجب علينا أن نعمل على إعادة تقديم هذا الكتاب وصاحبه "علي رضا باشا" بالوجه الحقيق بهما كمصدر تاريخي وعَلَم جزائري.

الكلمات المفتاحية: علي رضا باشا، مرآة الجزائر، تاريخ الجزائر العثماني، الاحتلال الفرنسي للجزائر.

« Miroir d’Algérie » pour son écrivain « Ali Riza Pasha » est considéré comme I’une des plus importantes références de l’histoire de l’Algérie pendant la période Ottoman.

Bien que le livre reste inconnu à cause de deux facteurs essentiels ; le premier il s’agit de la perte de sa version originale (version arabe) le deuxième est lié à une sorte de similarité avec un autre livre intitulé « Le miroir ». Ce dernier a été écrit par « Hamdan bin Othman khoja » le père de « Ali Riza Pasha » et l’un des grands décideurs des politiques de ce temps. « Miroir d’Algérie » est sans doute une œuvre indépendante en termes de structure, d’information et d’analyse.  Dans cet article, nous visons à décrire le livre et approfondir les évènements historiques qu’il présente à partir des versions ottomane et turque du livre.

Mots clés :Ali Riza Pasha, Miroir d’Algérie, l’histoire de l’Algérie pendant la période Ottoman

Mirror of Algeria” for hiswriter Ali Riza Pasha” is considered one of the most important references in the Algerian history during the rule of the Ottoman Empire.  Though the book eventuallyremains unknown because of two reasons; First because of its lost original version (Arabic version) Second, because of the similarity with another book titeled “The Mirror”. This last was written by “Hamdan bin Othman Khoja” the father of Ali Riza Pasha” and one of the decision makers in that period’s politics.Mirror of Algeria” is no doubt an independent oeuvre in terms of structure, information and analysis. In this paper we aim to describe the book and take a deeper look at the historical events it presents starting from the Ottoman and Turkish version of the book.

Keywords:Ali Riza Pasha,  Mirror of Algeria,  Algerian history during of the Ottoman Empire

Quelques mots à propos de :  خيرالدين سعيدي

 جامعة قالمة

مُفتتح:

أحد أهم الشروط التي ستُمكننا من فهم تاريخ الجزائر خلال العهد العثماني بالشكل الصحيح هو توفر المصادر التاريخية الخاصة بمرحلة الوجود العثماني في الجزائر، ولعل اتفاقا عُرفيا يجب أن يوجد بين المؤرخين والباحثين حيال ضرورة الاشتغال بإحياء التراث التاريخي أينما كان وكيفما وجد السبيل لذلك، فإن تقرَّر هذا فمن الواجب أن نصرف القول أنَّ لكلِّ مصدرٍ تاريخي: مادي، أو معنوي. أهمية ًكبيرة في بابه، لذا وجب بعثه والتعريف به، بما يتيح للباحثين الاستفادة ممَّا قد يضيفه هذا المصدر من معلومات أو معطيات لأي بحث.

اليوم سنأتي على ذكر نموذج لتلك المصادر وهو يتعلق بتاريخ الجزائر في المرحلة الممتدة ما بين أحد (1512مـ-1847مـ)، ونقصد به كتاب "مرأت الجزاير" كما يعرف في اللغة التركية العثمانية، هذا الكتاب نشره علي رضا باشا ابنح حمدان بن عثمان خوجة ونشره في استنبول كما سيأتي بيانه، وهو أحد الجزائريين الذين أُجبِروا بعد الاحتلال الفرنسي؛ على الهجرة من الجزائر، ظل الكتاب الذي صنَّفه علي رضا باشا محل الطي والنسيان (حتى لا نكاد نجده يُعرف بين المصادر التاريخية)، ولعل هذا راجع إلى أنّ الكتاب ظل حبيس اللغة التي تُرجم إليها، إذ أنّنا نقف على الكتاب في الثُلْث الأخير من القرن التاسع عشر باللغة العثمانية، وظلَّ كذلك إلى غاية بداية الألفية الجديدة، إذ نجده نُقِل إلى اللغة التركية الحديثة، بينما كُتب عليه أن يبقى مفقودا باللغة العربية.

والمصدر الذي بين أيدينا هو أحد أهم وأثرى مصادر تاريخ الجزائر خلال مدّة طويلة تمتدُّ مِن بداية الوجود العثماني في الجزائر إلى غاية نهاية مقاومة الأمير عبد القادر، مع ضمه بين جانبيه تراجم لعَدَدٍ من باشوات الجزائر خلال الفترة المتأخرة من العهد العثماني، وإنما أتينا على ذكر هذا حتى نقول أنَّ الورقةَ التي بين أيدينا لن تحيط بكل ما ورد في هذا المصدر ولن تعلق على كل ما أورده علي رضا باشا، فما هي إلاّ توطئةً لإخراج المصدر كاملا فيما هو قادم بنقله مِن العثمانية إلى العربية وتحقيق ما ورد فيه.

 «مرأت  الجزاير» في حقيقته مُصنَّفٌ صغير الحجم، غير أنّه غنيٌّ بكم المعلومات التي نجدها فيه، والتفاصيل التي يُورِدها. فما هي المحاور الكبرى الذي أُدرجها مؤلفهعلي رضا باشا ؟ وإلى أي مدى استطاع صاحبه نقل صورة حقيقية عن تاريخ الجزائر؟ هل نجح علي رضا باشا في تصوير ما حدث خلال الاحتلال الفرنسي للجزائر بشكل دقيق؟ وما الوقائع التاريخية التي ركز عليها في الكتاب؟ أو تجاوزها وأهمل ذكرها؟ هل للكتاب قيمة إضافية مُعتبرة فعلا أم أنّ أهميته تكمن في جزئيات ما بعينها؟ وأخيرا هل ألَّف علي رضا باشا  كتابه لجهة محدَّدة كما فعل والده "حمدان بن عثمان خوجة" أم أنَّه كان للجميع؟

هذا ما سنحاول أن نجيب عنه في هذه الورقة، معتمدين في ذلك على المنهج السردي. ثمّ سنقارب النّص من خلال المنهج التحليلي لتبيُّن بعض الأمور وتوضيح الصورة التي قد لا نجدها في الكتاب، وقد استغنينا عن استخدام المنهج المقارن في هذه الدراسة بين ماورد في المصدر وغيره (كما جرت العادة في مثل هذه الدراسات) حتى لا نثقل هذه الدراسة بالتفاصيل. على أن نحققّ التفصيل المطلوب والدراسة الدقيقة عندما يخرج الكتاب كاملا. قسمنا الدراسة في ثلاثة مباحث: أولها التعريف بصاحب الكتاب. المبحث الثاني خُصِّصَ للتَّعريف بالكتاب محل الدِّراسة أما المبحث الثالث فتناولنا به محتوى الكتاب.

المبحث الأول: التعريف بصاحب الكتاب

أولا: مولده ونشأته

لا نقف في المصادر العربية على معلومات تخصُّ حياة صاحب كتاب «مرآة الجزائر» علي رضا باشا، إذ أنّمعظم ما وقفنا عليه هو قراءة في الكتابات القليلة التي ورد فيها الإشارة إلى صاحب الكتاب: سواء بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة. وكثيرا ما كانت هذه المضامين مرتبطة بذكر والده "حمدان بن عثمان خوجة" أو إذا ذكر نجده ضمن المظان الأرشيفية كان للمناصب التي شغلها في الدولة العثمانية.

لذا يمكننا القول أنصاحب الكتاب كما ذكر في ورقة العنوان هو "علي رضا باشا"  كما نقف عليه في تصنيف الدولة التركية لوثائق الأرشيف العثماني بشكلين، أحدهما "علي رياض باشا"(Ali ryaz Paşa)1أما الثاني فهو ما نقف عليه داخل الوثائق نفسها باسم "علي رضا باشا(Ali Rıza Paşa)، ولد بمدينة الجزائر سنة (1820مـ) حسب ما أورده (علي شوقي)2، وهو ما يُفهم أيضا من حديث علي رضا باشا عن نفسه في موطن واحد بشكل ضمني في كتابه الذي بين أيدينا، إذ يفهم أنّ سِنَّه إبّان الحملة الفرنسية على الجزائر كان قد بلغ العشر سنوات3، أمّا والده فهو سيدي حمدان بن عثمان خوجة الجزائري أحد أهم أعيان وأغنياء الجزائر وأشهر سياسيها خلال المرحلة الأولى من الاحتلال الفرنسي4، انتقل بعدها مع والده -بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر- إلى باريس، وهناك تعرَّف على قنصل الدولة العثمانية بباريس السيد "رشيد باشا" الذي أصرّ على ضرورة إلحاقه بالمدرسة العسكرية العثمانية.

تلقى علي رضا باشا تربية عسكرية في المدرسة الإعدادية الثانوية وقضى بالمدرسة المذكورة مدَّة تسع سنوات كاملة، استطاع خلالها تعلم الفنون الخاصة بالمدفعية والعسكرية.

ثانيا: المناصب التي شغلها

 عيِّن بعد تخرُّجه مباشرة (Yüzbaşı) (يوزباشي) أي (نقيبا) في صفوف القوة المدفعية، ثمّ تدرج بعد ذلك إلى رتبة (بينباشي) (Binbaşı) أي (مُقدَّم) ليُرقَّى بعد ذلك إلى رتبة (Kaymakam) (كايمكطام )أي (قائم مقام) حينها لم يكن سن علي رضا باشا يتجاوز الثلاثين، ليرُقِيَ مرة أخرى نتيجة ما أظهره من جهد إلى منصب (Albay) (ألباي)أي (عقيد) في الجيش5.

شارك في العديد من الحروب التي خاضتها الجيوش العثمانية ضد روسيا (1853-1863مـ)وقد أبلى فيها البلاء الحسن ما ما جعله يتحصل على العديد من التشريفات والأوسمة والترقيات، لذا نجده يُقلَّد بعض المناصب الرفيعة كمتصرف بلغراد سنة (1864مـ)6ليتحصل نتيجة إدارته الجيدة للولاية على الدرجة الثانية لنيشان مجديا (Mecidiye nişanı) (أحد النياشين التي استحدثها السلطان عبد المجيد 1823-1861مـ) تحصل على هذه الوسام سنة(1281هـ/1865مـ)7، كما نقف ضمن وثائق الأرشيف العثماني على تعيين علي رضا باشا بعيد توليه متصرفية بلغراد متصرِّفا مرَّة ثانية8على مقاطعة سواس (Sivas)9ثم ّرقي بعدها إلى رتبة (Müşir) "مشير"، بعد هذه الترقية وحسب إحدى وثائق الخارجية في الأرشيف العثماني أُرسِل لتقلُّد الوزارة في "طرابلس الغرب"  وكان ذلك على مرَّتين منفصلتين، كانت الأولى في (1284هـ/جوان/1867مـ)10وحينها استمرّ في منصبه ثلاث سنوات انقضت بالتحديد في شهر (مارس/1870مـ)11، لعُيِّن بعد ذلك واليا على مدينة "بورصا" لفترة قصيرة 12، فمسؤولا عن قيادة الجيش العثماني الثاني الموجود في الأناضول في الفترة الممتدة من (نوفمبر/1871مـ) إلى غاية (أبريل/1872مـ)13، ويُستدعى مرَّة ثانية ليشغل منصب والي "طرابلس الغرب" في الفترة المُمتدَّة ما بين سنتي (1872مـ-1873مـ)14لكن ما يلبث أن يعود مرّة ثانية إلى مركز الدولة العثمانية؛ ليشغل هذه المرة أيضا منصب والي مدينة "بورصا"15، وقد استمرَّ في هذا المنصب إلى غاية (جويلية/1875مـ)16عين بعدها حسب إحدى وثائق المهمة دفتري17في الأرشيف العثماني عضوا في مجلس التنظيمات العسكرية سنة(1291هـ/1875مـ)18.

ثالثا: مؤلفاته ووفاته

لـ"علي رضا باشا" إضافة للكتاب الذي بين أيدينا كتاب آخر صنَّفه غالبا قبل تصنيفه لكتاب "المرآة" الذي تتعلق به هذه الدراسة، وهو يتمثل في رحلة داخل إيالة الجزائر، ترجمت هذه الرحلة إلى اللغة الفرنسية بعنوان "Souvenirs d’un voyage d’Alger à Constantine travers les montagnes"قام بهذه الرحلة عندما كان شابا وكان خلالها برفقة والده، امتدّت هذه الرحلة من مدينة الجزائر إلى عاصمة بيلك الشرق الجزائري مدينة قسنطينة، وتمت في إطار المساعي التي سلكتها فرنسا مع "الحاج أحمد باي" من أجل إقناعه بالتخلي عن خيار المقاومة العسكرية ضدها، وقد أُجبِر حمدان بن عثمان خوجة بناء على ما يذكره صاحب الكتاب على القيام بتلك الرحلة19؛ بسبب التعنُّت والتهديدات التي مارستها القيادة العسكرية الفرنسية20.

قام صاحب الكتاب بهذه الرّحلة رفقة والده سنتين بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، أي: في سنة (1832مـ)، حينها لم يتجاوز سِنه على الأكثر ثلاثة عشر سنة، لذا نجده يعتذر لصديقه "صولسي" (Saulcy)عمّا يكون قد نسيه من أسماء الأماكن والقرى والجبال21التي مرُّوا بهم أثناء رحلتهم لمقابلة الحاج "أحمد باي" وفي هذا إشارة واضحة إلى أنَّه لم يقم بكتابة مذكرات هذه الرحلة مباشرة بعد عودته وإنما كانت بعد فترة ما، وما حمله على ذلك هو طلب صديقه صولسي  ذلك منه 22.

تقع هذه الرِّحلة في قرابة خمس وثلاثين صفحة، وقد نُشرت في فرنسا بمدينة ميتز(Metz) من طرف السيد (F.De. Saulcy)باللغة الفرنسية، تحت عنوان «Souvenirs d’un voyage d’Alger à Constantine travers les montagnes»أي «ذكريات رحلة من مدينة الجزائر إلى قسنطينة عبر الجبال» حسبما ما صرّح به صاحبها، وهي في الأصل عبارة عن رسالة ودية منه أجاب فيها صديقه إلى طلبه بكتابة مذكرة عن رحلته مع والده إلى بايلك قسنطينة23، وكُتِبت الرِّحلة باللغة العربية وقد كانت حسب صولسي -وهو أحد المستشرقين المتقنين للغة العربية-بأن الرحلة قد كتبت «بلغة جيدة وعميقة»24.

 نظرا لأهمية هذه الرحلة فإن عددا من الباحثين الجزائريين اهتموا بدراستها وترجمتها من الفرنسية إلى العربية، لذا نجدها قد نشرت ثلاث مرات: فقام أول الأمر الأستاذ "علي تابليت" بإعادة تعريب الرّحلة، ونشرها أولا: ضمن حوليات جامعة الجزائر سنة (1993مـ). وثانيا: نشرت مستقلة في كُتيب سنة (2008مـ) وتولت عملية النشر دار ثالة بمدينة الجزائرية. أما الباحث الثاني الذي اهتم بالرحلة المذكورة فهو الأستاذ "عميرواي حميدة" المرَّة الثالثة والأخيرة والذي نشرت ترجمته للرحلة سنة (2012/2013)25ونشر نص الرحلة بعنوان: وصف رحلة من الجزائر إلى قسنطينة عبر الجبال (1832مـ)ضمن إحدى الملتقيات العلمية التي نظمها المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية26.

 وقد توفي علي رضا باشا بعد مرض صدري لازمه مدة قصيرة إلى غاية وفاته سنة (1293هـ/1876مـ)27وهي نفس سنة نشر كتابه "مرأت الجزاير" باستنبول.

المبحث الثاني: الكتاب  

أولا: التعريف بنسخ الكتاب

أما عنوان الكتاب الذي نحن بصدده الان فهو في النسخة العثمانية التي صدرت عام (1293هـ/1876مـ) هو «مرأت الجزاير» ويقصد بها باللغة العربية «مرآة الجزائر» بينما أضيفت في النسخة التركية التي صدرت حديثا عبارة  (ELVEDA CEZAYİR) ويقصد بها باللغة العربية: (الوداع  الجزائر)

والمرجح أن الكتاب ألف في الأصل بالغة العربية ثم نقل إلى اللغة العثمانية؛ إذ قد أضيف في الورقة الأولى من النسخة العثمانية تصريح دار النشر بأن جميع حقوق هذه النسخة تعود إلى المترجم "علي شوقي" وبالتالي فإن هذا ممّا يؤكد أنّ اللغة الأصلية التي كتبت بها «مرآة الجزائر» إنما هي اللغة العربية، وقد مرّ بنا أنّ مستوى اللغة العربية الذي كتب به رحلته إلى قسنطينة كان في غاية الجمال؛ حتّى شبَّه المترجم (دي صولسي) سلاستها وتناسقها باللغة التي تتزيّن بها أشهر الرحلات في العالم العربي28. وإذا تقرّر بأنّ (دي صولسي) قد نقل الرحلة من اللغة العربية إلى الفرنسية وفهمنا أنّ (علي شوقي) قد نَقْلَ كتاب «مرآة الجزائر» إلى اللغة العثمانية، تأكَّد لدينا أنّ الكتاب لم يوضع باللغة العثمانية، ولذا وجب علينا أن نصرف القول إلى أن ّعلي رضا باشا كان يجيد اللغة العربية بشكل أفضل من غيرها لذا كان يرجِّح التّصنيف بها مباشرة.

توجد النسخة العثمانية التي بين أيدينا في أكثر من مكتبة، بسبب أنّها انتشرت بالطبع، وصورتها الأساسية موجودة في المكتبة الوطنية العامة (Millet genel kütüphanesi)  تحت رقم (529) في اسطنبول، وهي نفس النسخة الموجودة ضمن شكل ميكروفيلمي في مكتبة السليمانية باسطنبول (Süleymaniye yazma eser kütüphanesi)كما نقف على نفس النسخة في المخزن الميكروفيلمي للكتب النادرة ضمن مكتبة (مركز البحوث الإسلامية) (İslam Araştırmaları Merkezi) تحت رقم (36717/051262)، كما أفادنا الأستاذ خليفة حماش أنه وقف على نسخة في مكتبة السلطان محمد الفاتح، وقد نشرت هذه النسخة سنة (1293هـ) الموافق لـ(1876مـ) في اسطنبول عن مطبعة دار المعارف العثمانية. وهي تقع في كتاب من (141) صفحة من الحجم المتوسط، مسبوقة بمقدمة من صفحتين إضافة إلى فهرس للمواضيع بآخر الكتاب29.

أما النسخة الثانية المعتمدة في الدراسة فهي منقولة إلى اللغة التركية الحديثة من اللغة العثمانية وقد قام (Ali Şevki) بنقلها إلى اللغة التركية الحديثة، وهي نسخة تقع في 108صفحات ونشرت عن دار المؤرخ(Tarihçi kitapevi)سنة (2014مـ)، وقد أضاف (Ali Şevki) إلى الكتاب صورتين ضمَّنهُما الفصل الخامس: إحداهما خارطة للجزائر والثانية صورة تعبِّر عن حادثة المروحة، كما رتب ناقل هذه النسخة في آخر الكتاب فهرسا للأعلام والأماكن والبلدان.

ثانيا: مضمون الكتاب

يقع الكتاب بنسختيه (العثمانية والتركية) في سبعة عشر فصلا، بالإضافة إلى: مقدمة وفصل آخر هو " الفصل الثامن عشر" وُضِع للتّعريف بصاحب الكتاب، تتناول الفصول المختلفة: تاريخ الجزائر، فالفصل الأوّل يشرع بتاريخ شمال إفريقيا قبل الوجود العثماني، ثمَّ تتدرج المواضيع المختلفة إلى غاية الفصل السابع عشر الذي ورد فيه تراجم لباشوات الجزائر، وقد اقتصرت في ورقتنا هذه على الجزء المتعلق بتاريخ الجزائر إلى غاية سقوطها في يد الاحتلال الفرنسي، وهو الجزء الذي يضمُّ ثمانية فصول هي مِن الممتدة مِن الفصل الأول إلى الفصل الثامن. (لأنّ المقام يضيق بنا هنا عن تناول كلّ فصول الكتاب بالعرض والشرح والتعليق) لذا ارتأينا أنّه مِن الجدير بنا أن نُجمل هنا ما لن نذكره من تفاصيل تخصَّ الكتاب فيما هو قادم، وذلك بأن نقدِّم مُلخصا للفصول التي لن نستعرضها لاحقا: وهي المُمتدَّة مِن الفصل التاسع إلى الفصل الثامن عشر.

المبحث الثالث: محطات من تاريخ الجزائر -من العهد العثماني إلى الاحتلال الفرنسي- من خلال كتاب «مرآة الجزائر» لعلي رضا باشا الجزائري.

يمكننا اعتبار أنّ الجزء المُخصَّص للجزائر خلال العهد العثماني قد أخذ أكبر حَيِّز من الكتاب، إذ أنّ المقدمة التي صُنِّفت في مدح علم التاريخ وأهميته، إضافة إلى الفصل الأول الذي خصّصه علي رضا باشا للحديث عن موقع إيالة الجزائر ومختصر عن تاريخ شمال إفريقيا كان محاولة من صاحب الكتاب أراد من خلالها أن يعطي صورة مُجملة عن تاريخ المنطقة لا غير، وإذا تقرَّر هذا كان جديرا بنا القول أنّ صاحب الكتاب لم يُورد تاريخ الجزائر بشكل عام، وإنّما أراد رسم صورة عامة لتاريخ الجزائر خلال العهد العثماني واهتمّ بشكل أكبر في كتابه بالمرحلة الأولى مِن الاحتلال الفرنسي للجزائر إلى غاية نهاية مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري.

استهلّ صاحب الكتاب فصله الأوّل بالحديث عن موقع الجزائر جغرافيا، فقسَّم لذلك المغرب الكبير إلى قسمين: مغرب أوسط ومغرب أقصى، وحدّد لكل منهما مجاله، فحصر المغرب الأوسط ما بين مدينة تلمسان وتخوم بجاية، وصرحّ أنّ إيالة الجزائر تشغل هذا الحيز30، لما فرغ من ذلك شرع في الحديث عن تاريخ هذا المكان وكيف تناوبت العديد من الأمم على حكمه، فتحدّث في البداية عن خضوع المنطقة الممتدّة مِن "جبل طارق" إلى "مصر" لسيطرة الروم بعد تغلبهم على القرطاجيين31، ثمّ تحدّث عن سكان المنطقة خلال تلك المرحلة التاريخية، وقسمهم إلى قسمين: النوميد وعرب32. في نفس الفصل انتقل للحديث عن دخول العرب الفاتحين للمنطقة زمن حكم الخليفة "عثمان بن عفان" الذي أرسل من مصر سنة (78هـ)33"عبد الله بن سعد بن أبي سرح" في جيش قوامه أكثر من عشرين ألف مسلم لفتح بلاد المغرب34، كما تحدَّث عن "عقبة بن نافع" وجهوده لضبط المنطقة35، استرسل بعد ذلك في ذكر خبر سكان المنطقة من جنويين وإسبان ورومان وعلاقاتهم مع سكان الأصليين لبلاد المغرب36.

بعد ذلك وضع صاحب الكتاب عنوانا للحديث عن عائلة بربروس والقراصنة المسلمين، وافتتح كلامه بوصف حالة المنطقة قبل ظهور الإخوة بربروس على الساحة، معتبرا أنّها (أي: المنطقة) كانت تعيش نوعا من التشرذم والتفرُّق؛ بسبب عدم تمكُّن سكان المنطقة من التوافق حول حاكم ما يكون له القدرة على تسير شؤون المنطقة، لذا فقد ظلَّت لفترة طويلة تعاني من المواجهات بين القبائل المختلفة37، وهو ما جعل الجبهة الخارجية في ضعف دائم، في نفس الفترة كان نشاط الإخوة بربروس يشتهر في حوض المتوسط بما أحدثوه من هلع لدى الأوروبيين الذين لم يصبحوا في مأمن من نشاط هؤلاء الإخوة، وهو الأمر الذي حمل صاحب الكتاب أن يُخصص حيزا للكلام عن هذه العائلة، فينقل صاحب الكتاب ما اشتُهِر من خبر هذه العائلة، فوالدهم يعرف باسم يعقوب الإسكافي  (Pabuççu Yakup) كان أحد جنود بايزيد الثاني (Ikinci Bayezit)توطَّن في جزيرة ميدلي (Midilli) ورزق بأربعة ذكور هم: إلياس، إسحاق، عروج وخيرالدين(خضر)38.

يتحول بعد ذلك علي رضا باشا للكلام عن نشاط "خيرالدين بربروس" وأخوه "عروج" فيُفرِد لهما تفاصيلَ مهمّة عن كيفية دخولهما "مدينة الجزائر" و"جيجل" و"بجاية"، ثمَّ  كيف انتقل بعدها "بربروس" لضمِّ تونس إلى الدَّولة العثمانية. ينتقل بعد ذلك إلى شرح ما حدث خلال تلك الفترة من محاولة الملك الإسباني (شارل كان) السيطرة على مدينة الجزائر سنة (1538مـ/945هـ)39وإن كان التاريخ الصحيح لحملة (شارل كان) على مدينة الجزائر هو (1541مـ)، وقد أخذت هذه الحملة مثل ما هو سائد في جلِّ المصادر خلال العهد العثماني حيزا هاما من الكتاب.

بعدها ينتقل المُؤلِّف في الفصل الثاني للحديث عن وضع الجزائر بعد إلحاقها بالدولة العثمانية وإن كان العنوان يوحي بأنَّ الأمر متعلِّقٌ بخيرالدين باشا والجزائر العثمانية فقط، إذ جاء الفصل بعنوان (الجزائر بعد سيطرة خيرالدين باشا عليها) (Hayrettin Paşanın Cezayir’i zaptı ve sonrası) لكنّه قبل ذلك يتطرّق لتاريخ المدينة قبل سيطرة خيرالدين باشا عليها،  فنجده يروي تاريخ تأسيس المدينة من طرف الرومان، ويشير إلى أنّ اسمها  كان "أكوزيوم" (Ekosium) وأنّها بعد مدّة من سيطرتهم عليها خرجت مِن تحت أيديهم واستقلّت إلى حد ما بأمرها40، ثمّ يواصل -في ترتيب زمني للأحداث- الحديث عن مآل المدينة بعد ذلك ومن مَلكها، وكيفية تغيُّر اسمها لتصل في الأخير إلى اسم "جزائر بني مزغنة"، في الفصل نفسه نجده يعود للحديث عمّا هيّأه (خيرالدين بربروس) للمدينة من ميناء وكيف قام بربط الميناء "ببرج الفنار" لحماية المدينة41.

 كما تحدّث أيضا -خلال الفصل الثاني- عن الطريقة التي شرع مِن خلالها في التّمهيد لحُكمه لمدينة الجزائر، وما استحدثه من تراتبية إدارية، ليتطرّق بعد ذلك لموضوع آخر -على قدر كبير من الأهمية- يتمثّل في العلاقة بين الدولة العثمانية مُمثَلةً في (أوجاق الجزائر) من جهة، ودولة فرنسا مُمثَّلةً في (فرنسوا الأول) من جهة أخرى، وبشكل متسلسل ينتقل المؤلف للحديّث عن الحملة الإنجليزية على مدينة الجزائر وما انتهت إليه هذه المواجهة أيضا42.

     يتحوَّل بعدها -في الفصل الثالث- إلى الكلام عن أحوال أهالي وسكان الجزائر، مُتَّخِذاً من التركيبة الإثنية للسُّكان أساساً انطلق منه إلى الحديث عن جغرافية السكان، وقد فصَّل أنَّه توجد ثلاث فئات كبرى تقطن الجزائر وهي: الأندلسيون، النوميديون، والعرب43. أمّا الأندلسيون فهم الوافدون من الأندلس، وأمّا النوميد فهم القبائل التي تقطن الجبال، وأما العرب فهم الذين وفدوا من مصر في مرحلة ما44.

يتحدّث بعد ذلك عن بعض المميزات التي تتميّز بها كلّ فئة مِن حيث اللهجة والعادات والتقاليد والمذهب السائد45، كما لم يفت صاحب الكتاب  الحديث أيضا عن أنواع المأكولات والأطعمة الموجودة بالجزائر، وأكدَّ خلال ذلك على نوعية القمح المميزة التي توجد بالإيالة، ثمَّ لفت النظر إلى الاهتمام البالغ لساكنة الإيالة بأشجار الزيتون والتين، كما تحدّث أيضا على مدى احتراف سكان القبائل للحِرَف إذ يقول «..أنهم لا يرون شيئا إلا صنعوا مثله..»46. ولم يترك جزئية تتعلَّق بسكان الجبال إلاّ وقد ذكرها، فتحدّث عن بشرتهم ولباسهم وعاداتهم وسيوفهم وطريقة حل النزاعات بينهم47، وكأنَّه في ذلك سلك نفس مسلك والده "حمدان بن عثمان خوجة" في كتابه "المرآة"، وكان سرده لهذه الأمور بشكل مُجمل لكنّه دقيق جدا، ويمنح صورة كاملة عن الحالة التي كان يعيش فيها الساكنة خلال تلك المرحلة إذ نعتقد أن زيارته لها أفادته كثيرا في هذا الجانب.

ثمَّ انتقل مرَّة أخرى للتحدَّث بشكل عامٍ عن تقسيم الجزائر إلى مقاطعات، وكيف أنّ لكل مقاطعة منها (بايا) تُعيِّنه حكومة مدينة الجزائر؛ من أجل الحفاظ على العلاقات بين القبائل، وتسيير البلاد، وتحصيل الضرائب. وتحدّث أيضا ضمن هذا الفصل عن بعض التقسيمات الإدارية التي اعتُمدت بشكل عُرفيٍّ كالمتصرفية والقائمقام والإدارة48.

ثمّ سلك صاحب الكتاب مسلكا غريبا في المفاضلة بين الفئات الاجتماعية والعرقية في إيالة الجزائر، وقرّر بأنّ أفضل الذين كانوا موجودين في الإيالة هم الأتراك ويليهم الكراغلة، وأنّ الأهالي كانوا ينظرون إليهم باحترام بالغ بحكم أنَّهم كانوا يرون أنّ "التُّرك" أعلم مِن الأهالي وأكثر ذكاء منهم، وأنّه لما ترك "التُّرك" البلاد ورثها قوم من الجهلة49.

بعدما فرغ من الحديث عن الحيثيات التي تخص السُّكان وما يعتريهم من عادات وما يميز كل فئة عن غيرها من الفئات الأخرى، انتقل علي رضا باشا للحديث من جديد  عن الجزائر من جانب تاريخها السياسي، مُركِّزاً مرَّة أخرى على فترة حكم (خيرالدين باشا) فأطنب في الحديث عن جهوده من أجل تنظيم إيالة الجزائر، إذ أحدث مجموعة من الرُّتب والتنظيمات ظلّ مَعمولاً بها على امتداد مرحلة زمنية طويلة من تاريخ الإيالة، فشرع في ذكر بعض هذه المناصب والتّعريف بها، فذكر مثلا: عن منصب "الخزندار" بأنّه يأتي مِن حيث الأهمية في المرتبة الثانية بعد حاكم الجزائر50، ويليهما "آغا العسكر" الذي يقع تحت إمرته جل الضُّباط والعساكر في الأوجاق، يليه من حيث الأهمية منصب "وكيل الخرج" وكان بمثابة ناظر البحرية وكان يقع تحت أمرته كل رياس البحر والطوبجية  ومن يعمل في أبراج المراقبة البحرية، يأتي بعده "خوجة الخيل" ويرى صاحب الكتاب أنّ أهمية خوجة الخيل تكمن في إشرافه المباشر أو عن طريق من يعمل تحت إمرته على توفير الخيل والحيوانات التي تحتاجها الإيالة، كما يعمل على مراقبة والبحث عن الحيوانات الضائعة أو المسروقة، فلا يُباع أي من الحيوانات إلاَّ بعد أن يأذن هو بذلك51.

ثمّ يذكر علي رضا باشا أنّه بعد المناصب السّالف ذكرها يأتي منصب (الباي) وهو الذي بدوره  منصبٌ سامٍ لكنه وبسبب بعده عن قاعدة الحكم الموجودة "بدار السُّلطان" ظلّ أقل تأثيرا في الحكم مِن (الخزندار، خوجة الخيل، آغا العرب، وكيل الخرج) لكنه خارج مدينة الجزائر وفي موطن حكمه أكثر سطوة وحظوة ممّن ذكرنا سابقا52.

 وقد قسّم صاحب الكتاب الجزائر إداريا إلى أربعة أقسام، يخضع كلٌّ منها لسلطة الباي، ولكلّ منها قاعدة للحكم تكون عاصمة للبيلك فهي: قسنطينة في الشرق ووهران في الغرب53.

 ظلت المناصب السَّامية في الإيالة حكرا على "التُّرك" دون غيرهم، باستثناء وحيد تُجسِّده حالة "الحاج أحمد" باي الشرق الجزائري، ولأهمية " الحاج أحمد باي" في تاريخ الجزائر أَفرد له صاحب الكتاب فصلا تحدّث فيه عن: صفاته، ومميزاته، ومقاومته للاحتلال الفرنسي54.

ليأتي في نفس الفصل الحديث عن تنظيم الإدارة داخل البلد، إذ أنّ الأمر بقي مُناطاً بأهل القبيلة، لذا نجد علي رضا باشا يقول: «...أنّ جميع الأمور أنيطت بشيخ البلد، يقوم شيخ البلد بتعيين مجلس يضم كبار وأعيان البلد، ويتخذ مكانا مخصوصا لهذا المجلس، وبهذا الشكل من التنظيم سارت أمور الحكومة بشكل إداري سديد ومميز..»55وهو بهذا يوافق ما تُقرِّره جل المصادر الجزائرية التي تناولت الفترة العثمانية بالبحث والتأريخ من كون الأمور الإدارية داخل القبائل ظلت منوطة بأهلها ولم تتدخل فيها السلطة العثمانية إلاَّ بقدر ضئيل يحفظ لها حق تحصيل الضرائب الموسمية.

ويرى صاحب الكتاب أنّ أصل تنظيم الإدارة استفاده "خيرالدين باشا" من الأندلسيين المهاجرين إلى الجزائر، إذ قام بعد مشورتهم بتخصيص أمين لكل حرفة، وجعل هذا الشخص المسؤول عن الأمر سُمِّي أمينا ونجد أيضا لفظ القيد والذي دل أيضا عن المسؤول على مهمة ما فنقف على: (قيد العيون) و(قيد الوصفان) و(قيد الزبل)56.

بعد الحديث المُستفيض عن هذه القيود أو الأعمال ينتقل صاحب الكتاب للحديث عن جهود "خيرالدين باشا" لأجل ضم كلّ من تونس وطرابلس الغرب إلى السُّلطة العثمانية، ثُمَّ يُذكِّر علي رضا باشا بأنّ أوجاق الجزائر ظل يتميَّز بأهمية كبرى لدى السلطة العثمانية؛ لذا كثيرا ما اعتُبِر المُتصرِّف فيه هو المتصرف في شؤون كل من إيالتي تونس وطرابلس الغرب، ولعلّ هذا ما يُفسّر تقديم إيالة تونس بعد انفصالها لهدايا أُخرى إلى السُّلطة في الجزائر57.

يعرض علي رضا باشا في الفصل الخامس مقارنة مُضمرة بين حال إيالة الجزائر لما كانت تتبع الباب العالي بشكل قوي ومباشر، وحالها لما ظفر بشؤونها بعض الباشاوات الذين لم يحترموا الباب العالي ولم يكن مِن شيمهم العقل والتفكُّر، جاء هذا الفصل بعنوان (Cezayir ve Hüseyin Paşa) "الجزائر وحسين باشا" استهل علي باشا الحديث في هذا الفصل بسيرة (حسين باشا) والحالة التي دخل بها الجزائر؛ إذ كان مجرد صيادٍ بسيط سرعان ما أضحى "خوجة الخيل"، وبعد خلو منصب الداي اختاره ضباط الجيش ليكون باشا الجزائر،وهنا يشير صاحب الكتاب كيف تغيَّرت حال (حسين باشا) وكيف انتكست أحواله، بعدما أصبح حاكما للجزائر إذ أضحى لا يرى إلاَّ رأيه ولا يستمع إلاّ لنفسه58.

 ويعبِّر علي رضا باشا في غير تموُّرٍ عن رأيه من هذا الحاكم وأسلوب حكمه، ثمّ يتعرَّض إلى بداية المشكلة مع فرنسا، وقضية الديون، إذ أنّ الدّاي (حسين باشا)  كان ينتظر مِن أحد اليهود وهو "بكري" بأن يدفع ما عليه مِن ضرائب لخزينة الإيالة؛ لأنَّه كان يدين لخزينة الدولة بمبلغ كبير، لكن الأخير تحجّجَ بعدم قدرته على الدفع؛ لأنّ الفرنسيين حسب كلامه لم يدفعوا له حقوق المُؤن التي أقرضها إيَّاهم وحدَّث الداي بقوله: «...الآن لا مال لدي، إذ ما كان لدي من المال هو الان في ذمَّة الفرنسيين، وبمجرد أن أُحصِّله سأدفع لكم...»59من ساعته أرسل الدّاي حسين بمكتوبٍ إلى ملك فرنسا عن طريق القنصل  الفرنسي يطالبه بمال اليهودي "بكري"، وبعد شهر من إرسال المكتوب وخلال إحدى الأيام التي صادفت أواخر شهر رمضان حضر القنصل الفرنسي إلى جناب الداي والذي كان جالسا يحمل بيده مروحة ومباشرة بادر القنصل بالاستفسار: «..كتبت إلى مَلكك منذ شهر عن حالة ديون اليهودي لماذا لم يردنِ منه خبر إلى الان؟» فأجابه القنصل: «...إنّ للملك أشغال عديدة ولديه أعوان مثل أعوانك ينبهونه للأمور...ومن عادتنا أن نرد على كل أمر في حينه ولما يصل دوره، ورسالتكم لم يصل دورها بعد، سيأتيك الجواب عن سؤالكم بمجرد أن يصلها الدور...» غضب الداي لهذا الرد فصرخ في وجه القنصل:«... كيف لهؤلاء الذين لدى ملكك أن يكونوا أعوانا كمثل الذين لدي؟..» وأثناء ذلك ضرب وجه القنصل بالمروحة التي كان يحملها60يذكر صاحب الكتاب بأنّ القنصل خرج مِن ساعته دون أن يقول أي كلمة متجها إلى ميناء المدينة ومنه ركب سفينة إلى فرنسا، فلمّا سمِع الأهالي بما حدث أسِفُوا لذلك؛ لأنهم يدركون أنّ فرنسا لن تظل ساكتة حيال ما جرى، وقد قصّ صاحب الكتاب أثناء ذلك ما حدث مع والده "حمدان خوجة أفندي" الذي اتُّهم بأنّه يُشيع في الأخبار الخاطئة عن قوّة فرنسا وعدم قدرة الجزائر على مواجهتها، واستدعي لدى الداي ولكن "حمدان خوجة" استطاع ردّ هذه الأكاذيب والافتراءات وبرأ نفسه منها61.

من جهة أخرى نجد صاحب الكتاب ينتقل للحديث عن استعدادات الطرف الجزائري، فيتكلَّم أولاً عن (آغا العرب) في تلك الفترة "يحي آغا"واصفا إيَّاه بالرجل الذي يحسن الاحتياط جدا، ومنوها في نفس الأمر بتلك العلاقة الطيبة التي كانت تربطه مع الأهالي والمحيط الدبلوماسي فكانتا مميزتين فعليا؛ ما جعله يحظى بمعلومات مهمَّة من القنصل الهولندي بالجزائر، مفادها أنّ الفرنسيين سيقومون بإنزال قواتهم بموقع "سيدي فرج"، حينها ذهب (يحي آغا) إلى الباشا وأخبره الأمر، واقترح عليه بناء برج هنالك لرد السّفن إذا ما اقتربت لكن الباشا لم يستسغ رأيه، بل وتوهم غير ذلك لذا لم تمر مدّة طويلة حتى استبدله بصهره "إبراهيم آغا" والذي أعاد القنصل المذكور نصيحته له حول الثغرة الموجودة بـ"سيدي فرج" لكنه لم يُعر الأمر أي اهتمام، ولعل هذا ما جعل صاحب الكتاب "علي رضا باشا" يصف (إبراهيم آغا) كذا مرّة بالرجل الجاهل62.

بعدها ينتقل علي رضا باشا مرَّة أخرى إلى الشطر السَّادس من الكتاب، فيصرّح بما سيتناوله في هذا الجزء، ويوضح أنّ الحديث سيكون عن سعي فرنسا للمفاوضات وإرسالها إحدى سفنها الحربية لذلك، كما يوضح أنَّه سيتحدّث عن موقف باشا الجزائر (الداي حسين) من الشروط التي طالبت بها فرنسا من أجل الصلح مع الجزائر.

فيستهل حديثه عن وفود سفينة فرنسية كبيرة تحمل راية السلام البيضاء تقدّمت إلى ميناء مدينة الجزائر، نزل من السفينة عددٌ من الجنود إلى اليابسة وأعلموا مَن بالميناء أنَّهم قدموا لمقابلة الدّاي حسين، فلما قُدِّموا بين يدي الدّاي قالوا له ما معناه:«...أنّهم قد يتفهّمون موقف الداي المبالغ فيه من قنصل فرنسا الذي يمكن أن يكون قد أساء الأدب، لكنهم في نفس الوقت يتأسَّفون على الطريقة التي ردَّ بها الداي، عندما ضربه بالمروحة، وأنَّه لم يكن لها حاجة، وأنهم الآن ما أتوا إلاَّ للسّلَم وأعلموا الدَّاي أنَّهم قد أحضروا في السفن الكثير من الأموال والهديا إرضاءً له، لكن لهم مقابل ذلك رجاءٌ واحدٌ وهو أن يُرسل معهم مِن جَنابه رجلاً ليذهب مع السُّفن إلى فرنسا فيسكِّن الأهالي الذين استشاطوا غضبا لما حدث، وأنهم يرجون منه التفكير في الأمر؛ لأنَّه خير له...»63

ويرى علي رضا باشا: أنّ الدّاي حسين عندما رأى محاولات فرنسا وسعيها من أجل السّلم فسَّر ذلك بأنه عجز وأنه لا توجد قدرة لدى فرنسا لمحاربة الجزائر، ورأى أنّ العرض الذي تقدّم به هؤلاء النّفر ما هو في الحقيقة إلاّ وجه من أوجه التّضمين لخوف الفرنسيين من مواجهة الجزائر؛ لذا ردّ الدّاي على العرض بقوله :«...نحن لا نعرف إلاّ الحرب..» وعاملهم معاملة سيئة64.

 وهنا يتوجب علينا أن نطرح علامة استفهام حيال المصادر التي استقى منها صاحب الكتاب "علي رضا باشا" منها معلوماته ومدى صِدقها، ونجد أنّ علي رضا باشا لم يجعل الأمر سرّاً، بل صرّح بأنّه التقى أثناء إقامته بفرنسا مع السيد بيناك (Binake) وقد قام بسؤال السيد (بيناك) بخصوص ما جرى في تلك المقابلة، فأخبره الأخير برواية تعنت "الدّاي حسين" وسوء معاملته للوفد المفاوض، بل نقل له قوله بالتركية للفرنسيين: «..اذهبوا فليس لنا معكم شيئا آخر إلا الحرب...»65، فلو جُعِل الأمر كذلك فعلا مثلما رواه السيد (بيناك) ونقله عنه "علي رضا باشا" فَهمْنا سبب التّحامل الكبير لصاحب الكتاب على "الداي حسين" ومن معه فيما سيأتي.

وبعدما تحدّث علي رضا باشا عن اللقاء الذي تمّ بين الداي والمبعوثين الفرنسيين انتقل للحديث عن قضية السفينة التي كانت تحملهم، وكيف تعامل معها الطرف الجزائري بإجبارها بأمر مِن الداي على الرحيل من الميناء على الفور، كما وضح أن هذا الأمر تزامن مع وجود عاصفة جعلت من الأمر غاية في الصعوبة، وهنا أشار إلى قيام المدفعية الجزائرية بقصف السَّفينة كلما حاولت الأخيرة الاقتراب من السَّاحل66.

ينتقل بعدها صاحب الكتاب في الفصل السابع للحديث عن مرحلة جديدة من مراحل الاحتلال الفرنسي للجزائر يبدأ بإنزال الجيش الفرنسي لقواته، ثمَّ ينتهي إلى شرح الأحداث التي وقعت أثناء هذا الإنزال، والمحاولات الحثيثة للسيطرة على أماكن هامة مثل "برج مولاي حسن".

 شرع "علي رضا باشا" هنا بالحديث عن سبب اختيار الجيش الفرنسي لساحل "سيدي فرج" من أجل رسو العمارة البحرية، وأشار أيضا إلى محاولات الداي حشد القوات اللازمة لأجل دفع الهجوم الفرنسي، غير أنَّ المشكلة كانت تكمن في المسافة الطويلة التي كانت تفصل بين قوات البيلك والقوات التي كان يقودها صهر داي الجزائر "إبراهيم آغا"

بالإضافة إلى ما سبق تحدّث "علي رضا باشا" أيضا عن استغلال العساكر الفرنسيين لعدم جاهزية القوة الجزائرية لرد الحملة؛ إذ باستثناء البرج الذي أنشأه "يحي آغا" لم يكن يوجد أي تجهيز آخر بتلك الجهة، لذا وبمجرد أن نزلت القوات الفرنسية وتوغلت في البرِّ أحكمت السيطرة على البرج الذي أنشأه يحي آغا بما فيه من ذخيرة وأسلحة67.

كما ركز صاحب الكتاب على ضعف وعدم أهلية "إبراهيم آغا" صهر "الداي حسين" على قيادة عساكر الجزائر، الأمر الذي حمل العساكر على مراسلة الداي في هذا الشأن لتغييره لكنه رفض ذلك، ولم يقتنع بفشل صهره في إدارة الحرب إلاّ بعدما توغّلت العساكر الفرنسية في اتجاه المدينة بشكل أكبر، وأصبح دفع هذه العساكر أمرا صعبا68.

ينحو بعد ذلك صاحب الكتاب إلى الحديث عن غياب التنظيم والتدريب المحكم والذخيرة اللازمة للعساكر الجزائرية، فيورد في ذلك أمثلة عن أنه لما وصلت قبائل العرب لمواجهة الجيوش الفرنسية صُدِموا بعدم وجود ذخيرة، إذ أُخبِرُوا بأنّ الفرنسيين استولوا على معظم الذخيرة الموجودة، لذا فقد قُدِّم لكلِّ شخصِ اثنتا عشرة طلقة لاغير، لذا استهجنت قبائل العرب ذلك، وقال بعضهم -مستغربا الأمر-:«...المكان الذي نلقي به العدو على مسافة أربع ساعات، عندما تنفذ الطلقات هل سنعود إلى هنا لنأخذ الطلقات ؟»69وإذا عرف هذا فمن الواجب القول أنّ الوضع في الإيالة كان مهيئا بالتمام لنجاح الحملة الفرنسية على الجزائر.

ثمّ نجده يسترسل في الحديث عن تفاصيل دخول العساكر الفرنسية إلى إيالة الجزائر، والملاحظ أنّ صاحب الكتاب لا يستثني فقرة من الفقرات في الكتاب إلاَّ ويشير فيها إلى غياب التنظيم في صفوف الإيالة، إذ جُمِع من المتطوعين؛ استجابة لنداء الجهاد الذي أُعلِن عنه مئتا ألف فرد، لكن بدون أن يجدوا القائد الذي مِن شأنه قيادتهم للنصر70.

وقد نتج عمَّا سبق استمرار تقدُّم القوات الفرنسية، فكان الفرنسيون لا يصِلُون مكانا موجودا فيه العساكر التي يقودها إبراهيم آغا إلا استولوا عليه، وحين عاد إبراهيم باشا إلى مدينة الجزائر ليشرح الوضع للداي، أدرك باشا الجزائر أنّ صهره لم يكن من أرباب القيادة71.

وأثناء وصفه لحركة العساكر الفرنسية للسيطرة على مدينة الجزائر- في هذا الفصل- نجد علي رضا باشا ينتقل للحديث عن استهداف عساكر الفرنسيين "لبرج مولاي حسن" فاسترسل في الحديث عن سبب إنشائه وصرح أنّ الإسبان هم من أنشؤوه، ثمَّ تحدَّث عن أهميته وعدَّ صاحب الكتاب الاستحواذ على "برج مولاي حسن" هو بمثابة سيطرة تامة على المدينة؛ إذ البرجُ يتيح لمن يُشرف عليه السيطرة الكاملة على مدينة الجزائر72.

ثمّ تحدّث في أثناء هذا كيف رفض مَن كان بالقلعة من عساكر الجزائر تسليم القلعة للفرنسيين، وكيف أنّهم فضلوا أن يموتوا بها ويفجروا ما فيها من بارود وأسلحة على أن يأخذها الفرنسيون، وصوّر لنا الكاتب صورة الانفجار الكبير الذي هزّ هذا البرج فسُمِع دويه من أقصى الأمكنة واهتزت الأرض بمدينة الجزائر لهذا الانفجار73.

بعدما فصّل صاحب الكتاب الأحداث التي جرت عند "برج مولاي حسن" انتقل إلى الفصل الثامن من الكتاب، وخصّصه للحديث عن تسليم باشا الجزائر "الداي حسين" المدينة للفرنسيين، لكنه قبل أن يصل إلى تلك النقطة توقف للحديث عن مساعي الداي المتأخرة لأجل إيجاد الحلول اللازمة للمشكلة، ثمّ عرّج للحديث عن الطريقة التي دعا بها الدّاي أعيان وعلماء ورياس البحر وضباط الجيش من أجل أخذ رأيهم واستشارتهم في الموضوع؛ وما حدث أثناء ذلك من نقاش، وكيف أنّ العديد من الحضور حمَّل مسؤولية ماحدث مع الفرنسيين للداي حسين. ثمّ يقرر كيف انتهى الأمر بين المجتمعين بقرار المواجهة لكن هذا القرار لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما تراجع بعض سكان المدينة عن ذلك القرار؛ لإدراكهم بأنّهم سينهزمون لا محالة؛ وخوفا على أبنائهم ونسائهم من الوقوع أسرى لدى الفرنسيين قرّر من بقيَ في المدينة أن يفاوضوا الفرنسيين، وأن يستجيبوا لمطالبهم لحفظ أنفسهم وأهليهم74؛ الأمر الذي حمل باشا الجزائر على مباشرة المفاوضات مع الجنرال ديبورمون.

 وقد أكّد الجنرال ديبورمون حسب ما أورده صاحب الكتاب أنّه شخص مأمور من طرف الدولة العليّة، وأنه لن ينتقل من مكانه إلاَّ بأمر منها؛ لذا اتّفق الطرفان على أن يُسلِّم الداي المدينة لعساكر فرنسا على أن يحترم العساكر الأهالي فلا يغتصبون أموالهم ولا يُروِّعُونهم في أمنهم وأن يحترموا المساجد والمقابر فلا يغيروا حالها ولا يدنسوها، وطلب الداي بذلك كتابا من الجنرال ديبورمون نفسه فأجابه لما طلبه على أن يُضاف إلى ذلك السَّماح للجنرال وعساكره بدخول المدينة من اليوم الذي يلي هذا الاتفاق فحدث أن اتفق الفريقان على ذلك75

ثمّ تحدّث في هذا الفصل أيضا عن مراسيم تسليم مفاتيح خزينة الدولة ثم التنازل عن السلطة في المدينة إلى الجنرال ديبورمون76إذ تسلّم الأخير من الداي مفاتيح الخزانة وكانت مليئة بالأموال، وقد سمح الجنرال ديبورمون للداي أن يأخذ ما يشاء منها، فأخذ العديد من المجوهرات والأساور77، وكأن بصاحب الكتاب يمحي كل ما من شأنه أن يكون حسنة لدى الداي حسين المذكور.

بعدها ينتقل علي رضا باشا إلى الفصل التاسع، ومن هذا الفصل يشرع صاحب الكتاب في الحديث عن وضع الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي، وكيف تصرف الجنرال ديبورمون في تلك الأثناء، وحاول صاحب الكتاب بداية من الفصل التاسع أن يخوض في مرحلة جديدة من تاريخ الجزائر، وهي مرحلة الاحتلال الفرنسي، لذا نجده يُخصِّص الفصل التاسع للحديث عن سياسة المرشال ديبورمون -قاد الحملة الفرنسية على الجزائر- وكيف بدأ يغيِّر في ملامح المدينة بتحويله المساجد إلى كنائس أو تحويلها إلى ميادين.

لينتقل بعده في الفصل العاشر إلى الحديث عن مطالب السكان للدولة العثمانية بالحماية من بطش الجنود الفرنسيين، وسَعي الدَّولة العثمانية لذلك؛ لكنه يُقرِّ بعجز الدولة العثمانية عن ذلك، ثمَّ بعد هذا يتحدّث صاحب الكتاب في الفصل الحادي عشر في عجالة عن حالة "الداي حسين باشا" بعد  استيلاء الفرنسيين على الجزائر، وترحيله إلى فرنسا.

ينتقل بعدها في الفصل الثاني عشر إلى الحديث عن أحد الشخصيات الهامة التي أثَّرت أو كانت تسعى للتأثير في الوضع السائد، فاستهلها بوالده حمدان بن عثمان خوجة، ثمّ عاد صاحب الكتاب للحديث عن تجديد الجيش الفرنسي وزيادة قواته في الجزائر في الفصل الثالث عشر، بعدها يرجع صاحب الكتاب في الفصل الرابع عشر للحديث عن علم ثانٍ كان له وزن مهم في تاريخ المقاومة وهو "الحاج أحمد باي" حاكم بيلك الشرق الجزائري، وأشاد صاحب الكتاب كثيرا بقوته وحنكته وكيف أنه رفض الاستسلام لفرنسا وإغراءاتها.

 في الفصل الخامس عشر يواصل صاحب الكتاب التأريخ للمقاومة الشعبية وهذه المرَّة يستعرض مقاومة "الأمير عبد القادر" ونجده يفصِّل في مجريات الأحداث. ليأتي في الفصل السادس عشر من الكتاب فيصف كيف انتهت المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر بالاستسلام.

أمّا الفصل السابع عشر فقد خصّصه صاحب الكتاب لترجمة بعض باشاوات الجزائر وابتدأ الترجمة مع بابا محمّد باشا منتهيا بآخر باشاوات الجزائر حسين باشا، لنقف في الفصل الثامن عشر على ما اعتقد أنّه مضاف من طرف مُترجِم النُّسخة العربية إلى اللغة العثمانية علي شوقي، إذ خُصِّص هذا الفصل للتعريف بجزء من حياة صاحب الكتاب لكن انتهاء الترجمة بالتَّرحم على صاحب الكتاب يوحي بأنَّ من كتب هذه الترجمة ليس هو صاحب الكتاب وإنّما المترجم.

وهنا نصل إلى نهاية ما أردنا عرضه في هذه الدراسة من صورة كتاب «مرآة الجزائر» والذي يعد بحق وثيقة تاريخية هامة يجب الاستفادة منها قدر الإمكان.

خاتمة:

 بالفصل الثامن كما أسلفنا يختتم صاحب الكتاب الحديث عن المرحلة الممتدة من الوجود العثماني إلى غاية دخول الجيش الفرنسي إلى الجزائر، بعدها تبدأ مرحلة جديدة في الجزائر هي مرحلة المقاومات الشعبية المختلفة للوجود الفرنسي في الجزائر، والتي خصّص لها صاحب الكتاب ما بقي من فصول كتابه، ومِن خلال إعادة استقراء ما مرَّ بنا من عرض موجز للعناصر الكبرى التي استعرضها "علي رضا باشا" في مرآته إلى غاية سقوط مدينة الجزائر يمكننا أن نعرض موجزا للمحاور التي تشكلت منها الدراسة وهي جملة من الملاحظات والنتائج نقف عليها كمايلي:

  • لصاحب الكتاب أهمية كبيرة في تدوين تاريخ الجزائر في فترة متقدمة، إذ نقف إلى الآن على الأقل على مُؤلَفيْن هامين وضعهما في تاريخ الجزائر: الأول هو "الرحلة من مدينة الجزائر إلى مدينة قسنطينة سنة 1832مـ"  والثاني هو "مرآة الجزائر" والذي ظل مجهولا لدى الكثير من الباحثين المتخصصين فضلا عن العامة من الناس.
  • الكتاب الذي بين أيدينا "مرآة الجزائر" يختلف تماما عن كتاب "المرآة" الذي وضعه "حمدان بن عثمان خوجة" وهما لا يتقاسمان إلاّ الاسم وموضوع البحث فقط تقريبا، فنمط عرض الفصول والتعاطي مع المعلومات والمواضيع مختلف تماما، لذا من الظلم أن يظل مجهولا إلى الآن.
  • لم يخف صاحب الكتاب تعاطفه مع المرحلة العثمانية وتحسره على ضياع الجزائر، وهذا أمر طبيعي، خاصة إذا علمنا الميزات والوظائف التي تقلدها صاحب الكتاب في الدولة العثمانية.
  • يتفق علي رضا باشا مع بعض المؤرخين المعاصرين له أو من أتى بعدهم في تحميل مسؤولية ما حدث للداي حسين، لكنه يتميز عنهم بطريقته الصارمة والقاسية في وصف السبب في عدم جاهزية القوات الحربية لإيالة الجزائر، كما أنه يميز بين فترتين أساسيتين في حالة الإيالة، فترة التبعية والعلاقة القوية وفترة الفتور وتراجع قوة الإيالة كما سيأتي في كتابه كاملا لاحقا.

الهوامش

1.BOA: MKT MHM Dosya 24 Gömlek No. 3 Tarihi 1266-1282 Belgi1

2.- علي رضا پاشا: مرآت الجزایر، مترجمی: علی شوقی، مجلس کبیر معارفی تنسیبیله، اسطنبول، 1293هـ، ص 1.

3.-Ali Rıza Paşa:Mir ’at ül Cezayir)elveda Cezayir(  çevirmen:Ali Şevki,Günümüz Türkçesine uyarlayan Cahit Kayra,1. Baskı,Tarihçi kitap evi,İstanbul, Haziran 2014,s.75

4. Zekeriya Kurşun: Osmanli Cezayiri’nin Son Müdâfii Hamdan b. Osman Hoca (1773- 1842),)TARİHİMİZDEN PORTRELER – Osmanli Kimliği,PROF. DR. Cevdet Küçük Armağanı)O.R.A.F yayınları, İstanbul, 2013, s-s 28-34.

5-Ali Rıza Paşa:a.g.e, s104.

6. BOA:HR.SFR Dosya N 1403.Gömlek N6 Tarih 1864.

7. BOA:MKT.MHM Dosya N 304.Gömlek N 70.Tarih 1281.

8.BOA:MKT.MHM Dosya N 348.Gömlek N 19.Tarih 1282.

9. مدينة تركية تقع في وسطتركيا تبعد عن اسطنبول بحوالي885كلم وعن أنقرة العاصمة بـ 450كلم باتجاه الشرق

10BOA:I.MMS.Dosya N 34.Gömlek N1420 Tarih 1284.

11.-Sinan Kuneralp:Son dönem Osmanlı erkan ve ricali )1839-1922) prosopografık rehber, 1.Baskı, Isis, 1999, İstanbul, s 40.

12.Ali Rıza Paşa a.g.e, s104.

13.-Sinan Kuneralp:a.g.e, s15.

14.BOA:MKT.MHM Dosya N .454Gömlek N100Tarih 1290

15.Ali Rıza Paşa:a.g.e, s104.

16.-Sinan Kuneralp :Son dönem Osmanlı erkan ve ricali )1839-1922), s65.

17.  قسم من الوثائق ضمن الأرشيف العثماني يخصم المراسيم والمراسلات والأوامر السياسية والاقتصادية والعسكرية الهامة التي كانت تصدر عن الديوان الهمايوني في الدولة العثمانية  يوجد (419) مجلد في الأرشيف العثماني تغطي سنوات ما بين (1915-1553مـ).

18.BOA:MKT.MHM Dosya N 475.Gömlek N59Tarih.1291

19.-Ali Effendi: Souvenirs d’un voyage d’Alger à Constantine travers les montagnes, tr F. De. Saulcy Metz, 1838, P5.

20-Ali Rıza Paşa:a.g.e, s74.

21.-Ali Effendi : Souvenirs d’un voyage d’Alger à Constantine travers les montagnes, P5.

22.- علي أفندي بن حمدان خوجة: وصف رحلة من الجزائر إلى قسنطينة عبر الجبال (1832مـ) تر عميراوي حميدة، مراجعة بحاز إبراهيم،  مجلة بوليكرومي، المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية، 2012، ص 6.

23. Ali Effendi :op cit P.3

24.-ibid.

25. مجلة بوليكرومي، المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية، 2012.

26. - مجلة بوليكرومي، المتحف العمومي الوطني للفنون والتعابير الثقافية التقليدية، 2012.

27.Ali Rıza Paşa:a.g.e,s.106

28.-Ali Effendi : op cit P.3

29.                   - علي رضا پاشا: مرآت الجزایر، مترجمی: علی شوقی، مجلس کبیر معارفی تنسیبیله، اسطنبول، 1293هـ، ص 1.  

30. -Ali Rıza Paşa:a.g.e,s.13

31.-a.g.e:s13.

32-a.g.e:s13.

33.الأصح أن إرسال الصحابي عثمان بن عفان لجيش عبد الله بن أبي سرح لفتح إفريقية كان في حدود سنة (27هـ)

34. -a.g.e:s14.

35.-a.g.e:s15.

36.-a.g.e:ss 14-18.

37.-a.g.e:s.18

38. -a.g.e:s19.

39.-a.g.e:s28-25.

40.-a.g.e:s29.

41.-a.g.e:s30.

42.-a.g.e:s35-33.

43.-a.g.e:s36.

44.-a.g.e:s36.

45.a.g.e:s36 .

46.-a.g.e:s37 .

47.-a.g.e:s37 .

48.-a.g.e:s 39.

49. -a.g.e:s 40.

50.-a.g.e:s 41.

51.-a.g.e:s 41.

52-a.g.e:s .41,42

53.-a.g.e:s 42.

54.-a.g.e:s 87,88.

55.-a.g.e:s 42.

56.-a.g.e:s 42.

57.-a.g.e:s 44.

58.-Ali Rıza Paşa:a.g.e, s46.

59.-a.g.e:s 46.

60.-a.g.e:s 46.

61.-a.g.e:s 47.

62.-a.g.e:s 49.

63.-a.g.e :s.51

64.-a.g.e:s.52

65.-a.g.e:s52.

66.-a.g.e:s.53

67.-a.g.e:s.54

68.-a.g.e: s.55

69.-a.g.e:s.55

70-a.g.e:s.56

71. -a.g.e:s.57

72.-a.g.e:s.57

73.-a.g.e:ss 57,58.

74.-a.g.e:ss 59,60.

75.a.g.e:ss 61.

76-a.g.e:ss 62.

77.a.g.e:ss .62

خيرالدين سعيدي, «دراسة تحليلية لكتاب "مرأت الجزاير" لعلي رضا باشا الجزائري -من العهد العثماني إلى الاحتلال الفرنسي-»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 27 مجلد 15-2018N°27 Vol 15- 2018
Papier : pp 151-163,
Date Publication Sur Papier : 2011-09-20,
Date Pulication Electronique : 2018-06-26,
mis a jour le : 11/07/2018,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=3030.