حماية الخصوصية الثقافية بين الاعتبارات القانونية وتجاذبات المصالح السياسية والاقتصادية: اتفاقية اليونسكو بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي نموذجاProtection of Cultural Privacy between Legal Considerations and Political and Economic Interests: UNESCO Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions as a Model
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

حماية الخصوصية الثقافية بين الاعتبارات القانونية وتجاذبات المصالح السياسية والاقتصادية: اتفاقية اليونسكو بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي نموذجا

Protection of Cultural Privacy between Legal Considerations and Political and Economic Interests: UNESCO Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions as a Model
239-257

صلاح الدين بوجلال / شافية بوغابة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

تعتبر أشكال التعبير الثقافي عاملاً هاماً في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وقيمهم ومشاطرة الآخرين، وقد أصبح ينظر إليها باعتبارها أداة حفظ الخصوصية والتنوّع الثقافي. ومع الحاجة إلى وضع نص قانوني دولي يعزز حماية أشكال التعبير تلك، اعتمد المؤتمر العام لليونسكو اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي.

     ورغم البعد الثقافي الظاهري لاتفاقية اليونسكو، فإنها كثيرا ما ارتبطت في النقاش والتحليل القانوني بانعكاساتها على النظام التجاري الدولي. وفي الحقيقة، إن هذا الترابط لم يكن وليد فترة ما بعد إقرار الاتفاقية، ولكنه صاحب نشأتها، وقد كان لتجاذبات المصالح السياسية والاقتصادية دور كبير في صياغة مضمونها.

      الكلمات المفاتيح: الخصوصية الثقافية، اتفاقية اليونسكو، التعبير الثقافي، القانون، السياسة

Les expressions culturelles sont un facteur important permettant aux individus et aux peuples d'exprimer et de partager leurs valeurs. Ils sont perçus comme un outil de préservation de la Spécifité culturelle. Et pour renforcer la protection de ces expressions, l'UNESCO a adopté la Convention pour la Protection et la Promotion de la Diversité des Expressions Culturelles

Malgré la dimension culturelle apparente de la Convention de l'UNESCO, elle a souvent été associée aux débats juridiques et à ses implications dans le système commercial international. En fait, elle n'a jamais été loin des confusions de la politique et des intérêts économiques.

Mots clés :Spécifié culturelle, Convention de l’UNESCO, Expressions culturelles, Droit, Politique

Cultural expressions are an important factor in enabling individuals and peoples to express and share their values. They are perceived as a tool for preserving cultural specificity. To strengthen the protection of these expressions, UNESCO has adopted the Convention of the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions. Despite the apparent cultural dimension of the UNESCO Convention, it has often been associated in legal debates with its implications for the international trading system. In fact, it has never been far from the confusion of politics and economic interests.

Keywords:Cultural specificity, UNESCO convention, Cultural expressions, Law, Politic

مقدمة

إذا كانت العولمة تؤدي إلى تغييرات هامة في الثقافات المفهومة بالمعنى الاجتماعي والأنثروبولوجي، فهذا لا يعني بالضرورة أن مثل هذه التغييرات يتوجّب رفضها بسبب انعكاساتها على مضمون الثقافات المطروحة، لأن ادعاء العكس قد يعني أننا نعطي معنىً جامداً لمفاهيم الثقافة والهوية الثقافية، وهذا المعنى قد يخدم فقط هؤلاء الذين يريدون استخدام هذه المفاهيم كأدوات للتحكّم السياسي.

في الواقع، يجب على كل ثقافة لتبقى حية أن تتكيف بمرور الزمن مع مجموعة متنوعة من التغييرات الداخلية والخارجية، وفي هذا الصدد يعتبر شكل التعبير الثقافي عنصراً أساسياً في تكيّف مختلف الثقافات مع التحولات التي تفرضها العولمة، كما يعد عاملاً هاماً في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وقيمهم وتشاطرها مع الآخرين. وضمن هذا الإطار يقوم المبدعون والمثقفون بلعب دور هام من خلال إيجاد مجال للمواجهة الحاسمة بين القيم الوطنية والقيم الأجنبية.

ومع التأكيد على أن حفظ التنوع الثقافي بالمعنى الواسع لا يمكن أن يتم إلاّ من خلال حفظ أشكال التعبير الثقافي، ظهرت الحاجة إلى وضع وثيقة دولية حول التنوع الثقافي، وثيقة تنظر إلى مسألة حماية وتعزيز التنوع الثقافي كمشكلة ثقافية بحد ذاتها يتوجّب معالجتها من وجهة نظر ثقافية. وهو ما تحقق فعلا في أكتوبر من عام 2005، حينما اعتمد المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، والتي دخلت حيّز النفاذ بتاريخ 18مارس 2007، وصدّقت عليها إلى الآن 117دولة من بينها ثلاثة عشر دولة عربية. وقد حدّدت الاتفاقية هدفها في تهيئة الظروف التي تكفل ازدهار الثقافات وتفاعلها تفاعلاً حراً تثري من خلاله بعضها بعضاً.

وإذا كانت هذه الاتفاقية تمثل انتصارا ظاهريا لما يسمّى بـ" الخصوصية الثقافية"، ولكنها لم تكن أبدا بعيدة عن تجاذبات السياسة وصراعات المصالح الاقتصادية، حيث كان بإمكان الرؤى السياسية المتعارضة أن تئد اعتماد الاتفاقية منذ البداية واستمرت ممارسة الضغوط السياسية حتى بعد إقرارها، كما انعكست تلك الرؤى على مضمون الحقوق والالتزامات التي تضمنها فحواها. وفيما يخص صراعات المصالح الاقتصادية، فقد عكستها الجدلية القديمة الجديدة حول الحدود الفاصلة بين الثقافة والتجارة، وعلاقة اليونسكو بالمنظمة العالمية للتجارة، بسبب تكاثر الخلافات التجارية المتعلقة بالسلع والخدمات الثقافية.

      إنطلاقا من هذا الطرح، تحاول هذه الدراسة أن تبرز الاعتبارات القانونية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت وتحيط بأشكال التعبير الثقافي، وبالذات من منظور طرح اتفاقية اليونسكو، وفقا للإشكالية المثارة أدناه.

·  إشكالية الدراسة

تتمحور الإشكالية الرئيسية لموضوع الدراسة حول السؤال الآتي: إلى أي حدّ استطاعت اتفاقية اليونسكو أن توازن بين الاعتبارات القانونية لحماية الخصوصية الثقافية المرتبطة بأشكال التعبير الثقافي من جهة، وعدم المساس بالمصالح السياسية والاقتصادية للدول الأطراف من جهة أخرى؟

·  منهج الدراسة

تعتمد هذه الدراسة أساسا على المنهج الوصفي التحليلي، وذلك عبر الوقوف عند مجمل النصوص القانونية الواردة في اتفاقية اليونسكو وتحليلها والوقوف عند مضامينها.

·  خطة الدراسة

قسّمت الدراسة إلى مبحثين، حيث خصصنا المبحث الأول منه لدراسة التكريس القانوني للخصوصية الثقافية ضمن أحكام اتفاقية اليونسكو، في حين خصص المبحث الثاني لتبيان تأثير الاعتبارات السياسية والاقتصادية على الحماية المثلى لأشكال التعبير الثقافي.

المبحث الأول

التكريس القانوني للخصوصية الثقافية ضمن أحكام اتفاقية اليونسكو لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي

بذلت العديد من الجهود على الصعيد الدولي من أجل حماية الرموز الأساسية للتنوع الثقافي ومعالم الهوية الثقافية والترويج لها. وقد أسهمت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تنفيذا للتفويض المسند لها من طرف هيئة الأمم المتحدة، بشكل لافت في صياغة كثير من الصكوك المعيارية لحماية وتعزيز والترويج للتنوع الثقافي. وفي البدايات أبرمت في عام 1954اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وتلتها في عام 1970اتفاقية بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، ثم في عام 1972اتفاقية لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، واتفاقية عام 2001بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، ثم اتفاقية عام 2003بشأن صون التراث الثقافي غير المادي. ليبدأ عصر جديد لاستكشاف مفهوم التنوع الثقافي عبر اعتماد إعلان 2001العالمي بشأن التنوع الثقافي، لتليه اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي المعتمدة في عام 2005، والتي جعلت من احترام "التنوع المثمر للثقافات" وحفظ خصوصيات الثقافات مع الترويج في الوقت نفسه لتنميتها على نطاق عالمي من خلال التبادلات والتجارة الخاصة بها هدفا رئيسيا لها. وقد بلغ عدد الأطراف المصدّقة على الاتفاقية 117دولة من بينها ثلاثة عشرة دولة عربية1.

شمل تكريس مفهوم الاختلاف والخصوصية الثقافية في اتفاقية اليونسكو مستويين، فقد أفردت في البداية إطارا عاما للحماية (المطلب الأول)، بينما شمل المستوى الثاني إقرارا بالحق السيادي للدولة في حماية أشكال التعبير الثقافي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الإطار العام لحماية الخصوصية والتنوع الثقافي في اتفاقية اليونسكو

صاغت اتفاقية اليونسكو أحكاما أساسية لحماية الخصوصية والتنوع الثقافي ضمن مبادئها وأهدافها (الفرع الثاني)، ولكن قبل ذلك ينبغي تحديد مدلول التنوع الثقافي (الفرع الأول). 

الفرع الأول: مدلول التنوع الثقافي

يقصد بعبارة "التنوّع الثقافي"، حسب اتفاقية اليونيسكو، تعدد الأشكال التي تعبّر بها الجماعات والمجتمعات عن ثقافاتها. ولا يتجلى التنوع الثقافي فقط من خلال تنوع أساليب التعبير عن التراث الثقافي للبشرية وإثرائه ونقله بواسطة أشكال التعبير الثقافي المتنوعة، بل يظهر أيضا من خلال تنوع أنماط إبداع أشكال التعبير الفني وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها2. أمّا بالنسبة لأشكال التعبير الثقافي، فإنه يقصد بها، وفقا للمادة 3(3) من نفس الاتفاقية، أشكال التعبير الناشئة عن إبداع الأفراد والجماعات والمجتمعات والحاملة لمضمون ثقافي.

على المستوى القانوني، يشكّل التنوع الثقافي مبدأ مترسخا في القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تحظر المادة 2(2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أي تمييز في ممارسة كل فرد لحقّه في المشاركة في الحياة الثقافية بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو غير ذلك من الأسباب. وضمن إطار تنفيذ أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالذات المادة 15منه، أبرزت اللجنة المعنية بتنفيذ هذا العهد أنه يحظر التمييز ضد أي شخص بسبب اختياره الانتماء إلى مجتمع ثقافي معين أو جماعة ثقافية معينة، أو ممارسته لنشاط ثقافيً بعينه3.

وقد أكّد إعلان اليونسكو العالمي للتنوع الثقافي بأن الدفاع عن التنوع الثقافي واجب أخلاقي لا ينفصل عن احترام كرامة الأشخاص. فهو يفترض الالتزام باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وخاصة حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات والمنتمين إلى جماعات السكان الأصليين4. وأضافت المادة 6من ذات الإعلان، بأنه إلى جانب كفالة التداول الحر للأفكار بالكلمة والصورة، ينبغي الحرص على تمكين كل الثقافات من التعبير عن نفسها. ذلك أن حرية التعبير وتعدّدية وسائل الإعلام والتعددية اللغوية والمساواة في فرص الوصول إلى أشكال التعبير الفني والمعارف العلمية والتكنولوجية، بما في ذلك المعارف في صورتها الرقمية وإتاحة الفرصة لجميع الثقافات في أن تكون حاضرة في وسائل التعبير والنشر، هي كلها ضمانات للتنوع الثقافي.

الفرع الثاني: تكريس الخصوصية الثقافية ضمن مبادئ وأهداف اتفاقية اليونسكو

تضمنت اتفاقية اليونسكو في ديباجتها إبرازا لأهمية التنوع الثقافي باعتباره يشكّل تراثا مشتركا للبشرية، وأنه ينبغي تعزيزه والمحافظة عليه لفائدة الجميع، كما نوّهت ديباجتها بأهمية التنوع الثقافي في خلق عالم غني ومتنوع يتسع فيه نطاق الخيارات المتاحة وتتعزّز فيه الطاقات البشرية والقيم الإنسانية، وأنه يشكل من ثم ركيزة أساسية للتنمية المستدامة للمجتمعات والشعوب والأمم، وذكرت بأن التنوع الثقافي، الذي يزدهر في رحاب الديمقراطية والتسامح والعدالة الاجتماعية والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات، لا غنى عنه للسلام والأمن على الصعيد المحلي والوطني والدولي. وأوضحت بأن الثقافة تتخذ أشكالا مختلفة عبر الزمان والمكان، وأن هذا التنوع يتجلى في تفرّد وتعدّد الهويات وأشكال التعبير الثقافي للشعوب والمجتمعات التي تتكون منها البشرية، لتقرّ بأن تنوع أشكال التعبير الثقافي، بما فيها الأشكال التقليدية للتعبير الثقافي، يعد عاملاً هاماً في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وقيمهم وتشاطرها مع الآخرين5.

انتقلت الاتفاقية فيما بعد نحو إبراز أهدافها، وبيّنت في المادة الأولى منها بأن أهم أهدافها هو حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وتهيئة الظروف التي تكفل ازدهار الثقافات وتفاعلها تفاعلاً حراً تُثري من خلاله بعضها بعضاً، وتشجيع الحوار بين الثقافات لضمان قيام مبادلات ثقافية أوسع نطاقاً وأكثر توازناً في العالم دعماً للاحترام بين الثقافات وإشاعة لثقافة السلام.

وعلى مستوى مبادئ الاتفاقية، تم تكريس مبدأ تساوي جميع الثقافات في الكرامة وفي الجدارة بالاحترام، والذي يفترض حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، والاعتراف بأن جميع الثقافات، بما فيها ثقافات الأشخاص المنتمين إلى الأقليات وثقافات الشعوب الأصلية، متساوية في الكرامة وفي الجدارة بالاحترام (المادة 2، المبدأ 3). وفي الحقيقة، إن هذا المبدأ يمثل الفلسفة الأساسية للتنوع الثقافي وفلسفة الاتفاقية ذاتها، وعليه ينبغي دائما مراعاته وباستمرار سواء على مستوى تفسير أي حكم من أحكام الاتفاقية أو تبرير أي تدبير أو سياسات تُعتمد تنفيذا لها6.

وعلى أهمية ما تضمنته الاتفاقية ضمن ديباجتها وأهدافها ومبادئها من تكريس للخصوصية الثقافية والتنوع الثقافي، فإن أطراف الاتفاقية كانت بحاجة لأحكام أكثر تدقيقا وتفصيلا لحماية أشكال التعبير عن التنوع الثقافي داخلها ضمن إطار الاعتراف العالمي بشرعية الاختلاف وحقائق التنوع الثقافي، وهذا ما حاولت الاتفاقية أن تكرّسه على النحو الوارد أدناه.

المطلب الثاني: الإقرار بالحق السيادي للدولة في حماية خصوصيتها الثقافية

يمثل الإقرار بمبدأ سيادة الدولة وحقها السيادي في حماية أشكال التعبير عن التنوع الثقافي ضمانة توفرها الاتفاقية للدول في اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة لحماية أشكال التعبير تلك، وهو يمثل في الوقت ذاته اعترافا بمفهوم الاختلاف والتنوع الثقافي الذي تكون الدولة أقدر من المجتمع الدولي على وضع القواعد الكفيلة بحماية الهوية الثقافية المحلية وإبراز تلك الهوية عبر مختلف أشكال التعبير المتاحة.

تحاول هذه الجزئية من الدراسة تحديد نطاق الحق السيادي الذي تتمتع به الدولة في مجال حماية الخصوصية الثقافية (الفرع الأول)، ثم تبحث في حدود هذا الحق السيادي (الفرع الثاني).

الفرع الأول: نطاق مبدأ سيادة الدولة في مجال حماية الخصوصية الثقافية

نتناول في هذا الإطار الأساس القانوني للحق السيادي للدولة (أولا)، ومختلف التدابير والسياسات الوطنية الرامية لحماية التنوع الثقافي (ثانيا).

أولا: الأساس القانوني للحق السيادي للدولة

تضمنت المادة الثانية من اتفاقية اليونسكو، وبالذات في المبدأ الثاني، تأكيدا لما تتمتع به الدول، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، من حق سيادي في اعتماد تدابير وسياسات لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي على أراضيها.7

وضمن نص المادة الخامسة التي تتعلق بحقوق والتزامات الدول الأطراف، نصت الفقرة الأولى على تأكيد الدول الأطراف على حق الدولة السيادي في صياغة وتنفيذ سياساتها الثقافية واعتماد تدابير لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي وتوطيد التعاون الدولي لتحقيق أهداف هذه الاتفاقية، طبقا لما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وصكوك حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً.

وهناك حكم آخر أوردته المادة الأولى من الاتفاقية المحددة لأهداف هذه الأخيرة، حيث نصت الفقرة (ح) على تجديد التأكيد على حق الدول السيادي في مواصلة واعتماد وتنفيذ السياسات والتدابير التي تراها ملائمة لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي على أراضيها.

وعادة ما تأخذ السياسات الثقافية الكفيلة بحماية التنوع الثقافي شكل الإعانات والمنح وغيرها من الدعم المالي المباشر للأفراد المبدعين، والإعانات للمشاريع الثقافية، والقواعد الضريبية التفضيلية، وفرض قيود على الأجانب في مجال ملكية الشركات الثقافية المحلية، والحصص النسبية للمحتوى، وإعانات الإنتاج، ودعم الصناعات الثقافية، وإعفاءات من قواعد سياسة المنافسة، كما تشمل الحفاظ على المؤسسات العامة والبنى التحتية والنظم، مثل نظام المكتبات والمتاحف، ونظام التدريب والتعليم في مجالات الفنون والتراث والثقافة.8

وبالنظر إلى ما تضمنته تلك الأحكام السابقة، وبالذات المادة الخامسة في فقرتها الأولى، طرح التساؤل عن مدى ضرورة إدراج الحق السيادي للدولة في هذا الإطار، وهل ما تضمنته يعد من قبيل التزيُّد ليس إلا. في الواقع يمكن القول بأن هذه المادة أدرجت هذا الحكم ضمن صك دولي ملزم هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الجانب السياسي للمسألة مختلف تماما، فأحد الأهداف الرئيسية للاتفاقية هو تأمين تكافؤ الفرص في عالم أكثر تعقيدا، ومحاط بالكثير من الاتفاقيات القائمة التي لها تأثير مقيّد لحرية الأطراف. ومن هنا فإن هذه الاتفاقية، تحاول أن تجد لها مكانا ضمن محفل الاتفاقيات النافذة دوليا لتنظّم مجالها الخاص بها، وهو ميدان السياسات الثقافية الذي لم تطل تنظيمه أحكام تلك الاتفاقيات إلى الآن، أو نظمت بعض جوانبه جزئيا. ففي المجالات التي تتقاطع فيها أحكام اتفاقية اليونسكو مع الاتفاقيات القائمة بالفعل، تضمّنت الاتفاقية حكما يلزم الدول الأطراف بضرورة مراعاة الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية عند تفسير وتطبيق المعاهدات الأخرى التي تلتزم بها تلك الأطراف. وبالنسبة للمجالات التي لم تتناولها الاتفاقيات الأخرى، فإن الاتفاقية تلزم الدول الأطراف بمراعاة الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية عندما تريد الانضمام إلى اتفاقيات دولية أخرى.9

وثمة تساؤل آخر أثير بشأن مدى جدوى أو ضرورة الاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً على نحو ما تضمنته الفقرة الأولى من المادة الخامسة. ويبدوا أن صناع الاتفاقية، كان في ذهنهم أن الإعلانات الخاصة بحقوق الإنسان لا تتمتع بصفة الإلزام من الناحية القانونية، كما أن هناك صكوكا خاصة بحقوق الإنسان غير مطبقة وغير محترمة بنسبة مائة بالمائة في جميع أنحاء العالم، وعليه كان التصور المطروح هو استغلال أحكام هذه الاتفاقية باعتبارها أفضل السياقات المناسبة للتذكير بتلك المواثيق الخاصة بحقوق الإنسان، وجعل أحكامها متسقة مع بقية أحكام القانون الدولي عموما10.

ثانيا: التدابير والسياسات الوطنية الرامية لحماية التنوع الثقافي

تضمنت المادة السادسة من اتفاقية اليونسكو جملة حقوق أطراف الاتفاقية على المستوى الوطني، والتي تمكّنها من وضع التدابير والسياسات الكفيلة بحماية أشكال التعبير عن التنوع الثقافي محليا. وفي هذا الصدد بيّنت الفقرة الثانية من ذات المادة بعض التدابير التي يمكن للدولة تبنيها، ومن بين ما تشمله:

-  وضع تدابير توفّر للأنشطة والسلع والخدمات الثقافية الوطنية فرصاً تتيح لها أن تجد مكانها بين مجمل الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية المتوافرة على الأراضي الوطنية فيما يتعلق بإبداعها وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها، ويشمل ذلك التدابير المتعلقة باللغة المستخدمة في الأنشطة والسلع والخدمات المذكورة؛

- وضع تدابير توفّر للصناعات الثقافية الوطنية المستقلة ولأنشطة القطاع غير الرسمي فرص الوصول الفعلي إلى وسائل إنتاج الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية ونشرها وتوزيعها؛

- وضع تدابير ترمي إلى تقديم مساعدات مالية عامة؛

- وضع تدابير ترمي إلى تشجيع المنظمات التي لا تستهدف الربح والمؤسسات العامة والخاصة والفنانين وغيرهم من المهنيين العاملين في مجال الثقافة على تنمية وتعزيز حرية تبادل وتداول الأفكار وأشكال التعبير الثقافي والأنشطة والسلع والخدمات الثقافية، وعلى تحفيز روح الإبداع والمبادرة التجارية في أنشطتهم؛

- وضع تدابير ترمي إلى إنشاء ودعم المؤسسات العامة بالطريقة المناسبة؛

- وضع تدابير ترمي إلى تشجيع ودعم الفنانين وسائر المشاركين في إبداع أشكال التعبير الثقافي؛

- وضع تدابير ترمي إلى تعزيز تنوع وسائل الإعلام، بما في ذلك من خلال هيئات الإذاعة والتلفزيون العامة.

ومن جهتها، أبرزت المادة السابعة من نفس الاتفاقية، جملة من التدابير الأخرى يمكن أن تتخذها الدولة لتعزيز أشكال التعبير الثقافي، ومنها تهيئة البيئة التي تشجع الأفراد والفئات الاجتماعية على القيام بإبداع أشكال التعبير الثقافي الخاصة بهم وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والوصول إليها، مع إيلاء العناية الواجبة للظروف والاحتياجات الخاصة بالنساء وبشتى الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الأشخاص الذين ينتمون إلى الأقليات وإلى الشعوب الأصلية.

وفي حالات الاستعجال التي قد تهدّد أشكال التعبير المحلية، أجازت المادة الثامنة لأي طرف في الاتفاقية تحديد ما إذا كانت هناك أوضاع خاصة تكون فيها أشكال التعبير الثقافي الموجودة على أراضيه معرضة لخطر الاندثار أو لتهديد خطير أو تتطلب بصورة ما صونا عاجلا، ومنحتها رخصة اتخاذ جميع التدابير الملائمة لحماية وصون أشكال التعبير الثقافي في الأوضاع المشار إليها في الفقرة 1طبقاً لأحكام هذه الاتفاقية. على أن تلتزم تلك الدولة بإخطار اللجنة الدولية الحكومية المنشأة بموجب هذه الاتفاقية بجميع التدابير المتخذة لمواجهة مقتضيات الوضع، ويجوز للجنة أن تقدم توصيات ملائمة في هذا الصدد11.

       هذا وقد أوضحت المبادئ التوجيهية التي صيغت على مستوى اليونسكو أنه ينبغي على الطرف الذي يتخذ هذا النوع من التدابير الاستعجالية أن يقدم تقريراً إلى اللجنة الدولية الحكومية، مبيّنا فيه ما يأتي:

-  يوضّح بأن الوضع لا يمكن اتخاذ إجراء بشأنه في إطار اتفاقيات أخرى لليونسكو؛

- يحدّد طبيعة التهديد أو الخطر المحدق بأي شكل من أشكال التعبير الثقافي أو الصون العاجل المطلوب، عبر إشراك الخبراء والمجتمع المدني بما في ذلك المجتمعات المحلية على المستوى المحلي؛

- يبيّن مصادر التهديد لا سيما من خلال بيانات واقعية؛

- يحدّد أهمية أي من أشكال التعبير الثقافي ومدى تعرضه للخطر؛

- يحدد طبيعة آثار التهديد أو الخطر على أيّ من أشكال التعبير الثقافي؛

- يشرح التدابير المتخذة أو المقترحة من أجل معالجة الوضع الخاص، بما فيها التدابير القصيرة الأجل وتدابير الطوارئ أو الاستراتيجيات الطويلة الأجل12.

ومن بين الممارسات التي أفرزتها الاتفاقية بشأن وضع السياسات الثقافية المحلية قيام البرازيل مثلا بإصدار قانون لتمويل الأنشطة الثقافية وإعادة إنشاء صندوق ثقافي وطني يضم تسعة صناديق قطاعية، وتم وضع برنامج الثقافة الحية "Cultura Viva" والذي يتضمن أكثر من 3000نقطة ثقافية في كافة الولايات السبع والعشرين للاتحاد البرازيلي والذي نجح بشكل كبير في عملية إدماج المواطنين البرازيليين. وفي البرازيل دائما، تم أيضًا إنشاء برنامج «القسيمة الثقافية" في عام 2013، وهو برنامج يستهدف تزويد20مليون عامل برازيلي كل شهر بقسيمة تبلغ قيمتها 25دولارًا أمريكيًا يستطيعون من خلالها شراء تذاكر دور السينما والمسارح والمتاحف وكذلك الكتب والأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية والسلع والخدمات الثقافية الأخرى. وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي للثقافة، أسّست البرازيل عام 2011أمانة عامة للاقتصاد الإبداعي والتي كانت تنفّذ برنامجًا وطنيًا يتضمن جمع إحصاءات حول الثقافة ويزوّد الجهات المنتجة صغيرة ومتوسطة الحجم بالتمويل.13

ومن جهتها أصدرت جنوب إفريقيا الكتاب الأبيض حول السياسات الثقافية وقامت بمراجعته مع معهد اليونسكو للإحصائيات، وهو أحد الأنشطة التي ساهمت في تأكيد أهمية البيانات والإحصائيات ورسم الخرائط الخاصة بالتنوع الثقافي14. وتعكف فرنسا على تكييف أنظمة وأدوات سياستها الثقافية مع العصر الرقمي، عبر تمكين الجمهور من الوصول للأعمال والثقافة عبر شبكة انترنت ومكافأة المبدعين وتمويل أعمالهم وحماية ونشر حقوق الملكية الفكرية15.

وفي أستراليا تم الإعلان عن السياسة الثقافية الجديدة والمعنونة بـ "أستراليا المبدعة" في عام 2013وعلى مدى 4-10سنوات قادمة، وتتطلع هذه السياسة إلى تحقيق الأهداف الخمسة الشاملة التالية: 1) الاعتراف بمركزية السكان الأصليين والثقافات الخاصة بسكان جزر مضيق" توريس" التي تشكل جزءًا من الهوية الأسترالية واحترامهما والاحتفاء بها؛ و 2) ضمان أن يعكس الدعم الحكومي تنوّع أستراليا وكافة المواطنين بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه أو خلفياتهم الثقافية أو ظروفهم؛ و 3) دعم تميّز الفنانين والمبدعين والدور الخاص الذي يؤدونه بصفتهم مصدراً للأعمال والأفكار الأصلية؛ و4) تعزيز قدرة القطاعات الثقافية على المساهمة في الحياة الوطنية ورفاهية المجتمع والاقتصاد؛ و 5) ضمان ازدهار الإبداع الأسترالي في عصر التكنولوجيا الرقمية وذلك من خلال دعم الابتكار وتطوير محتويات خلاقة جديدة وتعزيز المعرفة والصناعات الإبداعية. وصاحب إعلان هذه السياسة توجيه تمويل كبير وجديد للفنون والثقافة بغية تنفيذ مجموعة واسعة من المبادرات عبر الأهداف الخمسة جميعها. 16

وفي الجزائر تضمن التعديل الأخير للدستور الجزائري الصادر بموجب القانون 16-01المؤرخ في 6مارس 2016إدراجا للغة الأمازيغية كلغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة العربية بموجب المادة الرابعة من الدستور، مع التزام الدّولة بالعمل على ترقيّتها وتطويرها بكل تنوّعاتها اللّسانيّة المستعملة عبر التراب الوطني. وتطبيقا لذلك تّم إطلاق القنوات التلفزيونية والإذاعية لتقديم برامجها باللغة الأمازيغية. كما نصت المادة 45من الدستور على إلتزام الدولة بحماية التراث الثقافي الوطني المادي وغير المادي. وبموجب الأمر 06-03المؤرخ في 28فبراير 2006والمتضمن شروط وقواعد ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين، نصت المادة 2على التزام الدولة بضمان التسامح والاحترام بين مختلف الديانات، وبيّنت المادة الثالثة أن الجمعيات الدينية لغير المسلمين تحظ بحماية الدولة، وحظرت المادة 4استعمال الانتماء الديني كأساس للتمييز ضد أي شخص أو جماعة.

الفرع الثاني: حدود الحق السيادي للدولة في مجال حماية أشكال التعبير عن التنوع الثقافي

تخضع ممارسة الدولة لحقها السّيادي في وضع البرامج والسياسات الكفيلة بحماية أشكال التعبير عن التنوع الثقافي إلى مجموعة من الضوابط والشروط، إذ ينبغي أن تكون تلك التدبير متوافقة مع مواثيق حقوق الإنسان ذات الصلة (أولا)، إضافة إلى الإلتزامات الدولية الأخرى (ثانيا).

أولا: صكوك حقوق الإنسان المعترف بها عالمياً.  

نصّت المادة الخامسة من اتفاقية اليونسكو على ضرورة مراعاة حقوق الإنسان بمناسبة إعداد السياسات الحمائية لأشكال التعبير عن التنوع الثقافي، ويبدوا أن هذه الإشارة إلى صكوك حقوق الإنسان المعترف بها عالميا، تؤكد من جهة على الطابع العالمي لحقوق الإنسان، وبصورة ضمنية تذكّر بالمادة 19(حرية الرأي والتعبير) والمادة 27الفقرة1(الحق في المشاركة الحرة في الحياة الثقافية للمجتمع) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. كما تشير ضمنيا إلى المادة 13(الحق في التعليم) والمادة 15(الحق في المشاركة في الحياة الثقافية) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 196617.

هذه الإشارة إلى جملة حقوق وإلتزامات الأطراف تعني أيضا تذكيرا لها بجانب من حقوق الإنسان، وهي حقوق الإنسان الثقافية التي تفرض على الدولة غالبا التزامات إيجابية. كما ينبغي التأكيد على أن ديباجة الاتفاقية تضمّنت حكما بشأن حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما تضمنت المادة الثانية من الاتفاقية مبدأ توجيهيا وهو "مبدأ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية" (المبدأ الأول) وهو يمثل شرطا مسبقا من أجل حماية وتعزيز التنوع الثقافي.

وفي هذا الصدد أبرزت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها رقم 21أن حماية التنوع الثقافي حتمية أخلاقية لا تنفصل عن احترام كرامة الإنسان، وهي تنطوي ضمنًا على التزام باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتقتضي الإعمال التام للحقوق الثقافية، بما فيها الحق في المشاركة في الحياة الثقافية18.

وقد جعلت الاتفاقية من احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بصدد تنفيذ أحكامها مبدأ من مبادئها، حيث نصت المادة الثانية منها على أنه: "لن يتسنى حماية التنوع الثقافي وتعزيزه ما لم تُكفل حقوق الإنسان والحريات الأساسية، مثل حرية التعبير والإعلام والاتصال، وما لم تُكفل للأفراد إمكانية اختيار أشكال التعبير الثقافي. ولا يجوز لأحد التذرع بأحكام هذه الاتفاقية لانتهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو المكفولة بموجب القانون الدولي أو لتقليص نطاقها".19      

ينبغي الإشارة أخيرا إلى أن وضع السياسات الثقافية، والتدابير اللازمة لتنفيذ هذه السياسات، مع التقيد بالإلتزامات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ليست بالسهلة، وربما قد تلجأ الدولة إلى انتهاك هذه الحقوق الأخيرة تحت مبرر تنفيذ حقوق والتزامات اتفاقية اليونسكو20.

ثانيا: الإلتزامات الدولية الأخرى

بداية ربطت المادة الخامسة ممارسة الدولة لحقها السيادي بضرورة أن تكون السياسات الثقافية متوافقة مع ميثاق الأمم المتحدة، ولعل المقصود بالضبط هو ربط أحكام الاتفاقية بالأحكام المتعلقة بأغراض ومبادئ الميثاق، فالفقرة الأولى من المادة الأولى من الميثاق تشدّد على الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وفي فقرتها الثانية أبرزت غاية إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها حق تقرير مصيرها. وأبرزت الفقرة الثالثة غاية تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء. كما أن الإشارة إلى الميثاق على النحو الوارد في المادة الخامسة يراد به ربط الاتفاقية بالمبادئ المتضمنة في المادة الثانية منه من فقرتها الأولى التي نصت على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء، وأيضا على مبدأ فض جميع منازعات أعضاء الهيئة بالوسائل السلمية21.‏

وإضافة إلى ضرورة مراعاة أحكام ميثاق الأمم المتحدة، اشترطت المادة الخامسة أن تكون السياسات الثقافية للدولة متوافقة مع مبادئ القانون الدولي، ورغم أن هذا التعبير جاء واسعا جدّا، فإنه على الأرجح يشمل المبادئ التي تضمنتها معاهدة فيينا لقانون المعاهدات، ومن ضمنها مبدأ العقد شريعة المتعاقدين الوارد في المادة 20من هذه المعاهدة22.

خارج نطاق المادة الخامسة، تضمّنت المادة الثانية من الاتفاقية شرطا آخر لممارسة الدولة لحقها السيادي في اتخاذ التدابير والسياسات الحمائية لأشكال التعبير عن التنوع الثقافي، وهو مدرج ضمن مبدأ الانفتاح والتوازن، والذي بموجبه ينبغي على الدول لدى اعتماد أي تدابير لدعم تنوع أشكال التعبير الثقافي أن تسعى بالصورة الملائمة إلى تشجيع الانفتاح على الثقافات الأخرى في العالم، وأن تضمن اتفاق تلك التدابير مع الأهداف التي تتوخاها هذه الاتفاقية.23

المبحث الثاني

 تأثير الاعتبارات السياسية والاقتصادية على الحماية المثلى لأشكال التعبير الثقافي

صاحبت أشغال المؤتمرين باليونسكو لإعداد الاتفاقية الخاصة بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي الكثير من الصعوبات لإخراج الوثيقة النهائية للاتفاقية، وهو أمر عكسته الاعتبارات السياسية التي صاحبت إبرام الاتفاقية (المطلب الأول)، وكانت الصعوبة أشدّ على مستوى البحث عن حلّ توافقي يضمن عدم المساس بالمصالح الاقتصادية للدول الأطراف (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الاعتبارات السياسيةالتي رافقت اعتماد اتفاقية اليونسكو

تداخلت العديد من العوامل والاعتبارات السياسية في مراحل إعداد اتفاقية اليونسكو، فقد بذلت الولايات المتحدة الأمريكية جهدا كبيرا لأجل منع اعتماد الاتفاقية واعتمدت في ذلك على أكثر من تبرير (الفرع الأول)، هذا إلى جانب عدم رغبة الدول الأطراف في تأسيس آلية حقيقة لفض المنازعات التي قد تنشأ عند تطبيق الاتفاقية (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الرغبة الأمريكية في عرقلة اعتماد اتفاقية اليونسكو

     تم اعتماد اتفاقية اليونسكو من طرف المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو، وكانت نتيجة التصويت المبدئي يوم 20أكتوبر من عام 2005لصالح الاتفاقية بأغلبية مائة واحد وخمسين151دولة ضد ممتنعتين اثنتين وهما أستراليا و"كيريباتي Kiribati"24ومعارضتين وهما الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.وقد رافق عملية التفاوض التي أفضت إلى اعتماد اتفاقية اليونسكو والتي استغرقت قرابة العامين، تجاذبات سياسية كبيرة، ولم يكن الطريق سهلاً أمام لجان الصياغة في إخراج الاتفاقية في شكلها النهائي، حيث حاولت الولايات المتحدة الأمريكية مرارا وتكرار عرقلة اعتماد الاتفاقية وفقا للصياغة التي انتهت إليها، وقد قدمت في حملتها هذه أوجه اعتراضاتها، وهي25:

-1إمكانية تفسير الاتفاقية على نحو يجعل منها عائقاً للإتجار في السلع والخدمات والمنتجات الثقافية نظرا لما يأتي: (أ) غموض التعريفات المحددة لنطاق أعمال الاتفاقية؛

(ب) غموض العلاقة فيما بين هذه الاتفاقية والاتفاقات الدولية الأخرى المتعلقة بالتجارة.

وهذا ما يقتضي إعادة صياغة الاتفاقية تفادياً لفرض الحكومات تدابير تجارية بحجة حماية الثقافة.

-2غموض الاتفاقية فيما يخص حماية حقوق الإنسان والانسياب الحر للمعلومات والسلع؛ فعلى الرغم من أن بعض النصوص تؤكد على حرية التعبير والمعلومات والاتصالات، فإن فقرات أخرى ترتضي فرض رقابة حكومية على هذه الحريات. وضُرب المثل بالمادة الثامنة التي ترخص للدول باتخاذ "كل الإجراءات المناسبة " لحماية وحفظ التعبيرات الثقافية من خطر محدق (SeriousThreat)، وهذا كله يحتاج إعادة صياغة لضمان عدم المساس بهذه الحريات الأساسية، أو على الأقل لتفادي سوء التفسير بما يحدّ من حرية التعبير أو يقيّد الانسياب الحر للمعلومات.

وكان تخوف الولايات المتحدة في هذا الشأن هو أن الاتفاقية سوف تفتح الباب لتحكّم الحكومات في حريات الأفراد، حيث تصبح الحكومة هي من تحدّد للأفراد ما يقرؤونه أو يسمعونه أو يشاهدونه، وفي ذلك مساس بخياراتهم المستقلة وقناعاتهم الخاصة.

ولكن هذه الحملة الموجّهة من الولايات المتحدة قابلتها جهود حثيثة لتبنّي الاتفاقية من دولتين رئيسيتين وهما فرنسا وكندا، بحيث يشار إليهما باعتبارهما راعيتي الاتفاقية (Treaty's Sponsors)أو المحركين الأساسيين لها. حيث ذكّرت فرنسا مرارا وتكرارا بضرورة استبعاد الخدمات الثقافية والوسائل السمعية البصرية من المفاوضات التجارية حتى إذا كانت غير مادية وموزعة من خلال شبكة الانترنت، فهذه الخدمات تحتاج لمعاملة خاصة بسبب طبيعتها المزدوجة، فهي اقتصادية وثقافية على السواء. ولم تستطع الولايات المتحدة استمالة حليفتها التقليدية "إنجلترا"، حيث أعلن سفير إنجلترا لدى منظمة اليونسكو (TimothyCraddock)أن دولته اتفقت على ألا تتفق (Agreed to disagree) مع الولايات المتحدة الأمريكية، فلم تنضم إلى الولايات المتحدة الأمريكية في رفضها ولحقت بأوربا، واعتبرت يوم الموافقة على الاتفاقية يوماً عظيماً لمنظمة اليونسكو، وقال السفير الإنجليزي لدى "اليونسكو" أن هذه الاتفاقية "واضحة، متوازنة بعناية، ومتوافقة مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية"26.

        وهكذا انتهى الأمر بلجنة صياغة الاتفاقية إلى رفض الحجج الأمريكية، حيث تم إبراز نقاط ثلاثة:

·  أن السلع والخدمات الثقافية لا يجب أن تعامل باعتبارها ذات قيمة تجارية فحسب بل لها قيمة، اقتصادية وثقافية، معا.

·  إمكانية لجوء الدول الأعضاء إلى سياسات ثقافية ودعم للإبداع مثل الدعم المالي أو منح تخفيضات ضريبية للثقافات الوطنية مع مراعاة حقوق الإنسان وحرية انسياب المعلومات.

·  عدم تعارض الاتفاقية مع باقي الاتفاقيات بل هي تسعى إلى دعمها Supportiveness)) وتكملتها Complementarily)) وعدم التبعية لها (Non-Subordination)27.  

ورغم محاولة لجنة الصياغة استرضاء الولايات المتحدة عبر الصياغة المقدمة للمادة 20 من الاتفاقية، وبالذات فيما أوردته من أن تفسير هذه الاتفاقية ليس من شأنه أن يعدّل في حقوق والتزامات الدول الأعضاء طبقاً لاتفاقيات أخرى، في إشارة ضمنية إلى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، ولكنها لم تفلح في استمالتها. وأكثر من ذلك، سعت الولايات المتحدة عبر أداة الضغط السياسي والاقتصادي إلى حمل بلدان العالم على مقاطعة الانضمام إلى هذه الاتفاقية، رافعة شعار أن الانضمام إلى هذه الاتفاقية سيؤدي إلى الإخلال بالتماسك الوطني، وإن من شأن الاتفاقية أن تثير الخلافات أكثر من إسهامها في توفير فرص للتعايش والتعاون، مثلما صرحت بذلك كوندوليزا رايس (ConsolezRice) أمام الأمين العام لمنظمة اليونسكو. ويظل الخوف قائماً من ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية من خلال اتفاقات الشراكة التجارية على الدول الساعية للتنمية، بجعل عدم الانضمام لهذه الاتفاقية شرطاً لهذه الشراكة 28.

الفرع الثاني: الرغبة السياسية في عدم تضمين اتفاقية اليونسكو آلية حقيقية لفض المنازعات

إذا كان إصرار مجموع المؤتمرين على التأكيد على الحق السيادي للدولة في وضع السياسات الثقافية يعكس إلى حد ما تكريس الخصوصية الثقافية على النحو الذي أوردناه فيما سبق، فإن ذلك يعكس أيضا تلك الرغبة السياسية في عدم إدراج التزامات تفصيلية قوية ضمن أحكامها تكون حجة على أطرافها وترك هامش كبير للدول للمناورة على نحو قد يضعف تحقيق أهداف وغايات الاتفاقية، ويظهر هذا بالخصوص على مستوى افتقاد الاتفاقية لآلية فعالة لفض المنازعات التي قد تنشأ بمناسبة تنفيذ أحكامها.

 تنص المادة 25من اتفاقية اليونسكو على ما يأتي: " 1- في حالة نشوء خلاف بين الأطراف في الاتفاقية بشأن تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية، تسعى الأطراف المعنية إلى حل الخلاف عن طريق التفاوض؛ 2- إذا تعذّر على الأطراف المعنية التوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض، فلها أن تسعى معاً إلى طرف ثالث طلباً لمساعيه الحميدة أو وساطته؛  3- في حالة عدم التماس المساعي الحميدة أو الوساطة، أو في حالة عدم التوصل إلى تسوية الخلاف عن طريق التفاوض أو المساعي الحميدة أو الوساطة، يجوز للأطراف المعنية اللجوء إلى التوفيق وفقاً للإجراءات المبينة في ملحق هذه الاتفاقية، وتنظر الأطراف بحسن نية في اقتراح لجنة التوفيق لحل الخلاف؛ 4- يجوز لأي طرف أن يعلن، لدى التصديق على هذه الاتفاقية أو قبولها أو الموافقة عليها أو الانضمام إليها، أنه لا يعترف بإجراءات التوفيق المشار إليها أعلاه،  ويجوز لأي طرف أصدر إعلاناً من هذا النوع أن يسحبه في أي وقت بموجب إخطار يوجهه إلى المدير العام لليونسكو."

وقد تضمن الملحق المرفق بالاتفاقية إجراءات التوفيق، حيث تشكل لجنة التوفيق وفقا للمادة الأولى من الملحق بناء على طلب أحد طرفي الخلاف. وتتألف اللجنة من خمسة أعضاء يعين كل طرف عضوين فيها ما لم يتفق طرفا الخلاف على غير ذلك، ويشترك هؤلاء الأعضاء في تعيين رئيس لها. وضمن المادة الثالثة، ورد أنه في حال عدم قيام أحد الأطراف بتعيين أعضائه في لجنة التوفيق في غضون شهرين ابتداءً من تاريخ طلب تشكيل اللجنة، يقوم المدير العام لليونسكو بإجراء التعيينات في غضون فترة شهرين إضافية إذا دعاه الطرف الذي طلب تشكيل اللجنة إلى ذلك. وإذا لم يتم اختيار رئيس لجنة التوفيق في غضون شهرين بعد تعيين آخر أعضاء اللجنة، يقوم المدير العام بتعيين رئيس للجنة خلال فترة شهرين إضافية إذا طلب منه أحد الأطراف ذلك (المادة الرابعة). على أن تتخذ لجنة التوفيق قراراتها بأغلبية أصوات أعضائها، وتحدد بنفسها إجراءاتها، ما لم يتفق أطراف الخلاف على غير ذلك، وتصدر اقتراحاً لحل الخلاف وتعرضه على الأطراف للنظر فيه بنية حسنة (المادة الخامسة).

والواضح من خلال الآلية المقترحة لحل النزاعات التي قد تنشأ بين أطراف الاتفاقية بشأن تنفيذ الالتزامات الواردة فيها أنها تتميز بما يأتي:

-  افتقاد الاتفاقية لآلية حقيقية لفض المنازعات مثل تلك الآلية المقترحة مثلا لتسوية المنازعات التجارية بالمنظمة العالمية للتجارة، ومثل هذا الأمر يضعف كثيرا من فعالية الاتفاقية ويمنع تفعيلها بالشكل الذي يضمن تنفيذ الالتزامات الواردة فيها.

-   آلية التفاوض تكون بين أطراف النزاع بعيدا عن منظمة اليونسكو، وهذا خلافا لأحد المقترحات أمام لجنة صياغة الاتفاقية بشأن ربط المفاوضات بمقر اليونسكو.

-  آلية التوفيق والمساعي الحميدة جوازية وغير إلزامية، وبالتالي يمكن لأطراف النزاع استبعادها.

-  آلية التوفيق المقترحة ليست إلزامية كذلك، سواء من حيث اللجوء إليها مادام لأطراف الاتفاقية الإمكانية القانونية لاستبعاد هذه الآلية عند التصديق على الاتفاقية، أو من حيث تنفيذ التوصيات الصادرة عن لجنة التوفيق، باعتبار التنفيذ مرتبط برغبة الأطراف، لا بل إن الصياغة التي تضمنها الملحق تدعو الأطراف للنظر فقط في مقترح لجنة التوفيق بحسن نية، ومثل هذه الصياغة ضعيفة للغاية ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تلزم الأطراف بالحل المقترح.

-  لا مجال للأفراد للوصول مباشرة إلى آلية فض المنازعات المقترحة، فهي ترتبط بأطراف الاتفاقية من دول ومنظمات حكومية لا غير. وهذا من مواطن ضعف الاتفاقية إذا ما قارنّاها مثلا بمنظومة حقوق الإنسان الأوربية التي تتيح للأفراد رفع منازعاتهم مباشرة أمام المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان.

وبالمحصلة يمثل ضعف آلية تسوية المنازعات التي قد تنشأ عن تطبيق اتفاقية اليونسكو أحد المآخذ الرئيسية على هذه الاتفاقية، وهي إذا كانت تعكس من جهة صعوبة التوافق على إنشاء آلية إلزامية حقيقة لفض المنازعات، فإنها تعكس من جهة أخرى الرغبة التي تكاد تكون مشتركة بين واضعي الاتفاقية في عدم وضع هذا النوع من الآليات، لتبقى ممارسة الحق السيادي للدولة في وضع سياساتها الثقافية بعيدة عن الرقابة والمتابعة، حتى مع تنصيص اتفاقية اليونسكو على التزام الدول بوضع تلك السياسات على هدى مبادئ الاتفاقية.

      ولن تكون منظومة اتفاقية اليونسكو، على الأرجح، المكان المناسب لفض المنازعات المتعلقة بالهوية الثقافية وأشكال التعبير عنها، وهذه مشكلة حقيقية بالنظر إلى التحديات التي أفرزتها سياسات بعض الدول مثل الدانمرك التي سمحت بالاعتداء على الهوية الإسلامية عن طريق استخدام الرسومات المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك فرنسا التي سمحت بنشر الرسومات المسيئة للرسول الكريم في صحيفة "شارلي إيبدو"، ودافعتا عن ذلك بإسم حرية التعبير. أو في الحالات التي منع فيها لباس الزي الديني (الحجاب أو النقاب أو البرقع) وهو أحد أشكال التعبير الديني ولباس البحر الديني (البوركيني) في بلديتي "نيس Nice" و " فيلنوف لوبي Villeneuve-Loubet" بفرنسا بإسم الحفاظ على النظام والأمن العام، مع أنها في نفس الوقت، أي فرنسا، سمحت للراهبات المسيحيات بالتواجد على شواطئ البحر وهن ملتحفات زيّهن الديني. أو في الحالات التي مُنعت فيها مآذن المساجد في سويسرا وهي أيضا شكل من أشكال التعبير الديني. وربما يكون أفضل المتاح هو الرجوع إلى المحاكم الوطنية أو الآليات التي تتيحها منظومة حقوق الإنسان العالمية أو المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان استنادا إلى حق كل شخص في التعبير عن نفسه وإبداع أعماله ونشرها باللغة التي يختارهاوحريته في إظهار دينه ومعتقداته، وأيضا استنادا إلىمبادئ عدم التمييز.

لقد أثار إقدام كل من بلديتي " نيس" و " فيلنوف لوبي" على منع ارتداء لباس البحر الإسلامي (البوركيني) بإسم الحفاظ على الأمن والسلامة العامة جدلا كبيرا في الساحة الفرنسية. وبعيدا عن الجدال السياسي، كانت الكلمة العليا لسلطة القضاء الحامي للحقوق والحريات، فبعد الدعوى التي رفعت من طرف كل من رابطة حقوق الإنسان وجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان الجماعي ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا ضد قرار بلدية " فيلنوف لوبي"، أصدر مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 26أوت 2016قراره بإلغاء قرار البلدية على أساس أن البلدية المذكورة لم تقدم الأدلة الكافية لإثبات التهديد الذي يمثله ارتداء هذا اللباس على الأمن العام، وخلص المجلس إلى اعتبار قرار البلدية انتهاكا خطيرا للحقوق والحريات الأساسية، وبالذات حرية الدخول والخروج وحرية الضمير والحرية الشخصية29.

إلى جانب المحاكم الوطنية، يضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان حق كل فرد في حرية التعبير، وحرية إظهار دينه ومعتقداته كيفما يشاء، وهذه الحريات تمتد إلى مظهر المرء وما يختاره لنفسه من الثياب، وعليه فلا يجوز للدول فرض شروط وقيود واجبة التطبيق على الجميع مما يلزم النساء بارتداء أو عدم ارتداء ثيابهن على نحو أو آخر. وإذا كان القانون الدولي لحقوق الإنسان يجيز فرض قيود معينة على ممارسة الحق في حرية التعبير، بما في ذلك التعبير عن العقائد الدينية ومظاهرها، ولكن ذلك مرهون بتوافر شروط ثلاثة وهي:1) أن يكون منصوصاً عليها في القانون؛ 2) أن تلبي غرضاً مشروعاً ومحدداً يجيزه القانون الدولي؛ 3) إثبات ضرورتها وملاءمتها لذلك الغرض30.

والأغراض المشروعة المسموح بها هي ضمان احترام حقوق الآخرين أو حماية مصالح عامة معينة (الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة أو الآداب)، على أن تتم إقامة الحجة على ضرورية أي قيود من هذا القبيل لتلبية الغرض المنشود على نحو ما ذكرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حينما فرضت أن تكون تلك القيود ملبّية لـ "حاجة اجتماعية ملحة". وينبغي أيضا أن تكون تلك القيود أقلّ تدخلاً أو مساساً بحقوق الإنسان، ولا ينبغي أن تكون تمييزية ولا يجوز أن تؤدّي إلى تقويض الحق ذاته. وارتداء رمز أو لباس ديني أو تقييده كلاهما قد يؤثر بطرق عديدة ومختلفة على ممارسة طائفة من حقوق الإنسان، ومن ثم فإن تقييم مشروعية أي قيود يقتضي دائماً إمعان النظر في كل حالة على حدة، مع الاعتداد بالحقائق الثابتة لا الافتراضات أو التكهّنات31.

وإذا كان فرض بعض القيود المحددة تحديداً واضحاً على ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه بالكامل لأغراض تتعلق بالسلامة العامة أمرا مشروعا، ولكن في غياب أي دليل على وجود صلة بين ارتداء النقاب ومخاطر السلامة العامة، لا يجوز فرض قيود على حرية التعبير والدين على نحو ما ينطوي عليه الحظر التام لارتداء النقاب في الأماكن العامة. كما لا يسوغ فرض قيود على ارتداء الحجاب بدعوى أن نسبة من الناس يعترضون عليه، ولقد ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مراراً وتكراراً أن الحق في حرية التعبير يتضمن أشكال التعبير "المثيرة لاستياء أو استنكار أو انزعاج الدولة أو أي فئة من الناس"32.

المطلب الثاني: إمكانية تعارض أحكام اتفاقية اليونسكو مع قانون المنظمة العالمية للتجارة

يطرح تنفيذ اتفاقية اليونسكو صعوبات خاصة على أطرافها الذين يكونون في نفس الوقت أطرافا في المنظمة العالمية للتجارة. وتتمثل المشكلة المثارة في إمكانية تعارض إلتزامات الدولة بموجب اتفاقية اليونسكو عن التزاماتها بموجب قانون المنظمة العالمية للتجارة (الفرع الأول)، وكيفية حل هذا التنازع (الفرع الثاني).

الفرع الأول: أوجه التعارض بين اتفاقية اليونسكو وقانون المنظمة العالمية للتجارة

أبرزت اتفاقية اليونسكو أن أحد أهدافها هو تكريس الاعتراف بالطبيعة المتميزة للأنشطة والسلع والخدمات الثقافية بوصفها حاملة للهويات والقيم والدلالات (المادة 1/ز). وعلى أهمية هذا المبدأ، فإن تعبير الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية يتقاطع مباشرة باتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة التي تنظم الجوانب التجارية لهذه الأنشطة. والواضح أن اتفاقية اليونسكو استرسلت في هذا الجانب مبيّنة في ديباجتها أن الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية الحاملة للهويات والقيم والدلالات تتسم بطبيعة مزدوجة اقتصادية وثقافية، وبأنها يجب ألا تعامل على أنها ذات قيمة تجارية فقط (الديباجة/ 18). وفي سعيها لتحقيق هذا الهدف تتمتع اتفاقية اليونسكو بنطاق واسع إلى حدّ ما في مجال التطبيق، وهو ما أبرزته المادة الثالثة بنصها على: "تطبق هذه الاتفاقية على ما تعتمده الأطراف من سياسات وتدابير تتعلق بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي". بما تشمله من أشكال التعبير الناشئة عن إبداع الأفراد والجماعات والمجتمعات والحاملة لمضمون ثقافي (المادة 4/3)، ويقصد بعبارة "المضمون الثقافي" المعاني الرمزية والأبعاد الفنية والقيم الثقافية المستمدة من الهويات الثقافية أو المعبرة عنها (المادة 4/2).

وبالنظر إلى الصياغة التي حملتها الاتفاقية على النحو السالف، أعرب بعض أعضاء المنظمة العالمية للتجارة عن قلقهم بشأن هذه التعاريف الواسعة والشمولية، والتي قد تمتد لنطاق غير محدود من المنتجات بما في ذلك "ألعاب الكمبيوتر وتصميم الأشياء والخدمات المعمارية والخدمات الطبية والخدمات السياحية والسيارات والفولاذ والمنسوجات والنحاس، بل وحتى المنتجات الفلاحية كالأرز.  وبالتالي فإن اتفاقية اليونسكويمكن أن تؤثر سلبا على العديد من المجالات التي تنظمها اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة مثل الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (الجات GATT) لعام 1994، والاتفاقية العامة لتجارة الخدمات (الجاتس GATS)، واتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (تريبس  TRIPS)33. وربما يجد هذا الطرح دعما له بالنظر إلى مدلول السلع والخدمات الثقافية الذي تبنته اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد بيّنت اللجنة أن هذا المدلول يشمل: "...هو وجود السلع والخدمات الثقافية المتاح لكل فرد التمتع ﺑﻬا والإفادة منها، بما فيها المكتبات والمتاحف والمسارح ودور السينما والملاعب الرياضية؛ والآداب، بما في ذلك الفولكلور، والفنون بجميع أشكالها؛ والأماكن المفتوحة المشتركة الضرورية للتفاعل الثقافي، مثل المنتزهات والميادين والجادات والشوارع؛ وهبات الطبيعة، مثل البحار والبحيرات والأﻧﻬار والجبال والغابات والمحميات الطبيعية، بما في ذلك النباتات والحيوانات الموجودة فيها، التي تعطي الأمم طابعها وتنوعها البيولوجي؛ والسلع الثقافية غير المادية، مثل اللغات والعادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف والتاريخ، وكذلك القيم، التي تشكل هوية الأفراد واﻟﻤﺠتمعات وتسهم في تنوعهم الثقافي . وهناك، من بين كل السلع الثقافية، سلعة ثقافية ذات قيمة خاصة هي التقارب المثمر بين الثقافات الذي يحدث حيثما يتسنى للجماعات والأقليات واﻟﻤﺠتمعات المختلفة تقاسم نفس الأرض بحرية"34.

يتمثل جوهر اتفاقية اليونسكو في بعض "المبادئ التوجيهية" في أوردتها المادة الثانية، ومن بينها مبدأ  احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ( المبدأ 1)؛  ومبدأ السيادة الذي يتيح للأطراف الحق السيادي في اعتماد تدابير وسياسات لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي على أراضيها ( المبدأ 2)؛ ومبدأ الانفتاح والتوازن الذي يلزم الدول لدى اعتماد أي تدابير لدعم تنوع أشكال التعبير الثقافي بأن تسعى إلى تشجيع الانفتاح على الثقافات الأخرى في العالم، وأن تضمن اتفاق تلك التدابير مع الأهداف التي تتوخاها هذه الاتفاقية ( المبدأ 8).

وتم تكريس هذه المبادئ العامة من خلال سلسلة من الأحكام الموضحة لحقوق والتزامات الأطراف، كتلك الواردة في المادة 6التي  تجيز لأي طرف أن يعتمد في إطار سياساته وتدابيره الثقافية تدابير ترمي إلى حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي داخل أراضيه (الفقرة 1)، ومن بينها التدابير  التي ترمي إلى تقديم مساعدات مالية عامة وتدابير  توفير الفرص للأنشطة والسلع والخدمات الثقافية الوطنية التي تتيح لها أن تجد مكانها بين مجمل الأنشطة والسلع والخدمات الثقافية المتوافرة على الأراضي الوطنية، فيما يتعلق بإبداعها وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها ( الفقرة 2/ ب). ومثل هذه التدابير المتاحة للدولة يمكن أن تتعارض مع مبدأ المعاملة الوطنية الوارد في اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة 35.  والمقصود بهذا المبدأ هو منح الخدمات الأجنبية ومورّديها من الدول الأعضاء ميزات لا تقل عن المعاملة التي تحظي بها الخدمات الوطنية، وينص هذا المبدأ على أنه يجب معاملة المنتج المستورد بعد دفع الرسوم الجمركية نفس المعاملة التي يلقاها المنتج الوطني المماثل، أي أنه ينبغي عدم التمييز عند فرض الرسوم مثلا بين السلع المستوردة والسلع المماثلة المنتجة محليا36.

وثمة مشكلة محتملة تثيرها المادة 8من اتفاقية اليونسكو التي تسمح للدولة باتخاذ تدابير لحماية أشكال التعبير الثقافي إذا كانت هناك أوضاع خاصة تكون فيها أشكال التعبير الثقافي الموجودة على أراضيها معرضة لخطر الاندثار أو لتهديد خطير أو تتطلب بصورة ما صونا عاجلا، فهذه الإجراءات قد تتعارض أيضا مع مبدأ المعاملة الوطنية وفقا لاتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة.  وذات المشكلة قد ترتبط بتنفيذ المادة 7من اتفاقية اليونسكو التي تنص في فقرتها الأولى على إلتزام الدولة بتهيئة بيئة في أراضيها تشجع الأفراد والفئات الاجتماعية على القيام بإبداع أشكال التعبير الثقافي الخاصة بهم وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والوصول إليها، مع إيلاء العناية الواجبة للظروف والاحتياجات الخاصة بالنساء وبشتى الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الأشخاص الذين ينتمون إلى الأقليات وإلى الشعوب الأصلية؛ وأيضا توفير  سبل الوصول إلى أشكال التعبير الثقافي المتنوعة التي أبدعت في أراضيهم وفي سائر بلدان العالم. وحكم من هذا النوع من شأنه أن يتعارض مع مبدأ المعاملة الوطنية وفقا لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية.

وقد ينشأ تعارض من نوع آخر مع مبدأ الدولة الأولى بالرعاية وفقا لشروط اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة، وهذا حال ما تضمنته المادة 12من اتفاقية اليونسكو التي تنص على أن: " تسعى الأطراف إلى توطيد التعاون الثنائي والإقليمي والدولي فيما بينها من أجل تهيئة الظروف المواتية لتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي ... بغية تحقيق ما يلي على وجه الخصوص ...  التشجيع على إبرام اتفاقات للإنتاج المشترك والتوزيع المشترك". وهو حال أيضا المادة 16من ذات الاتفاقية التي تنص على أن: " تيسّر البلدان المتقدمة المبادلات الثقافية مع البلدان النامية بمنح معاملة تفضيلية، من خلال الأطر المؤسسية والقانونية الملائمة، لفنّاني هذه البلدان وسائر مهنيّيها والعاملين بها في مجال الثقافة، وكذلك لسلعها وخدماتها الثقافية". ومثل هذه النصوص الواسعة المعنى قد تشجّع أعضاء المنظمة العالمية للتجارة على فرض تدابير تتعارض مع مبدأ الدولة الأولى بالرعاية العامة المنصوص عليه في اتفاقيات المنظمة بحيث لا تكون مسموح بها في أي بند من بنود المنظمة الخاصة بالمعاملة الخاصة والتمييزية لفائدة البلدان النامية37.

الفرع الثاني: حل التنازع المحتمل بين التزامات اتفاقية اليونسكو والتزامات المنظمة العالمية للتجارة

بخصوص حل التنازع المحتمل بين التزامات اتفاقية اليونسكو والتزامات المنظمة العالمية للتجارة، يبدوا أن نصوص اتفاقية اليونسكو لن يكون بإمكانها التصدي للمشكلة (أولا)، وبالمقابل قد يكون استخدام الاستثناء الثقافي المنصوص عليه في اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة بديلا فعالا في هذا الصدد (ثانيا).

أولا: عجز نصوص اتفاقية اليونسكو على حل النزاعات المحتملة لصالح حماية التنوع الثقافي

تنص المادة 20من اتفاقية اليونسكو، والمعنونة بـ" العلاقة مع الصكوك الأخرى: الدعم المتبادل، والتكامل، وعدم التبعية"، على ما يأتي:

1-تقرّ الأطراف بأن عليها أن تفي بنية حسنة بالالتزامات التي تفرضها هذه الاتفاقية وجميع المعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها. وعليه، ودون اعتبار هذه الاتفاقية تابعة إزاء الاتفاقيات الأخرى، فإنها:

(أ) تشجّع الدعم المتبادل بين هذه الاتفاقية والمعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها؛ (ب) تضع الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية في اعتبارها، لدى تفسيرها وتطبيقها المعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها أو لدى ارتباطها بالتزامات دولية أخرى.

2-لا يجوز تفسير أي حكم في هذه الاتفاقية على أنه يعدّل من حقوق الأطراف والتزاماتها بموجب المعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها.

لم يكن اعتماد هذه المادة بالهيّن، فقد استغرقت صياغتها العديد من المفاوضات والمباحثات الطويلة والشاقة، فمجوعة المفاوضون الذين كانوا يرون في اعتماد الاتفاقية محاولة خفيّة لإبعاد الثقافة عن المنظمة العالمية للتجارة، ما كان يرضيهم سوى التنصيص الصريح على استبعاد ترجيح أحكام هذه الاتفاقية على الاتفاقيات التجارية تحت أي ظرف من الظروف، أما بالنسبة للغالبية العظمى من المفاوضين، فكان الرأي لديهم أن تجد الهواجس الثقافية مكانا لها كغيرها من الهواجس التجارية أو غيرها، ولذا ينبغي التأكيد على عدم تبعية هذه الاتفاقية لأي صك قانوني آخر38.

وقد جاءت صياغة المادة على النحو الوارد أعلاه، موفّقة بين وجهتي النظر المثارة بشأنها، ففي حين جاءت الفقرة الأولى من المادة 20متوافقة مع طرح الأغلبية التي تبنت الانشغالات الثقافية كموضوع وحيد للاتفاقية، قدّمت الفقرة الثانية بالمقابل ترضية للفريق المهتم بالانشغالات التجارية39.

إن قراءة الفقرة الأولى من المادة 20، تبرز أول الأمر تذكيرا لأطراف الاتفاقية بضرورة تنفيذ الالتزامات المتضمنة فيها بحسن نية، وهو أمر لا يعدوا مجرد إعادة التأكيد على مبدأ من مبادئ القانون الدولي هو مبدأ حسن النية40. لتسترسل المادة في طرح ثلاثة عناصر كلها مرتبطة بالانشغالات التجارية، تناول العنصر الأول منها إبراز عدم تبعية الاتفاقية لغيرها من الصكوك والمواثيق الدولية، وجاء العنصر الثاني داعيا إلى تشجع الدعم المتبادل بين هذه الاتفاقية والمعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها، وألزم العنصر الثالث الأطراف بمراعاة الأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية لدى تفسيرها وتطبيقها المعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها أو لدى ارتباطها بالتزامات دولية أخرى. وفي الواقع إن العناصر الثلاثة ترتبط ببعضها البعض، وهي تحمل ذات الغاية وهي حماية تنوع أشكال التعبير عن التنوع الثقافي وإيلاءه الأهمية التي يستحقها مثله مثل الانشغالات التجارية.

وقد أثير التساؤل حول ما إذا كانت الصياغة التي صيغت بها الفقرة الثانية توحي بأن ثمة تبعية لاتفاقية اليونسكو لاتفاقيات أخرى، وبالذات الاتفاقيات التجارية.  وكانت الإجابة على هذا التساؤل تستند إلى المادة 30من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، والتي نصت في فقرتها الثانية على ما يلي: " 2- إذا نصت المعاهدة على أنها خاضعة لأحكام معاهدة أخرى سابقة أو لاحقة، أو أنها لا ينبغي أن تعتبر غير منسجمة مع مثل هذه المعاهدة فان أحكام المعاهدة الأخرى المعنية هي التي تسود"، وليس هذا حال الفقرة الثانية من المادة 20من اتفاقية اليونسكو، فلم يرد نص على تبعية هذه الأخيرة لأي اتفاقية أخرى، أو أنها لا ينبغي أن تتعارض مع اتفاقية أخرى، فما تضمنته ليس إلا تأكيد على أنها لا تعدّل من حقوق والتزامات الأطراف بموجب اتفاقيات أخرى تكون أطرافا فيها. ولدى قراءة الفقرتين معا، يتضح أن الاتفاقية تقف على قدم المساواة مع غيرها من الاتفاقيات، وليس هناك مجال لترجيحها على غيرها من الاتفاقيات أو العكس41.

وإذا اتفقنا بشأن عدم تبعية اتفاقية اليونسكو لغيرها من الصكوك والمواثيق الدولية، وبالذات الاتفاقيات التجارية، ولا ترجيحا لها على هذه الأخيرة، فإن هذا لا يلغي التأثير والتأثر المتبادل بينهما، وهو ما أوردته صراحة الفقرة الفرعية (أ) من الفقرة الأولى من المادة 20، فيما أسمته بـ "الاعتماد المتبادل" بين الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات. وهذا ما يعنى أنه يقع على الأطراف السعي بقدر المستطاع نحو مراعاة الانشغالات الثقافية مع الانشغالات التجارية سواء بسواء، دونما اختزال أو استبعاد لهذا الانشغال أو ذاك. وإذا ما طرأ أي نزاع بهذا الشأن، وجب تسويته ضمن سياق توفيقي بين الإنشغالين، وربما هذا ما أبرزته الفقرة الفرعية (ب) حين ألزمت الأطراف بالأخذ بعين الاعتبار للأحكام ذات الصلة من هذه الاتفاقية، لدى تفسيرها وتطبيقها المعاهدات الأخرى التي تكون أطرافاً فيها أو لدى ارتباطها بالتزامات دولية أخرى.

وقد يفيد في هذا الصدد الاستعانة بالمادة 21من اتفاقية اليونسكو التي تبرز أهمية التشاور والتنسيق على الصعيد الدولي، وتلزم الأطراف بالترويج لأهداف هذه الاتفاقية ومبادئها في المحافل الدولية الأخرى42. وتزداد أهمية التشاور والتنسيق عندما تكون المسألة مثار ردود فعل معارضة على مستوى محافل دولية أخرى كالمنظمة العالمية للتجارة أو غيرها، كحالة المادة 16من الاتفاقية بشأن المعاملة التفضيلية للبلدان النامية على النحو الذي أوردناه سالفا، أو غيرها من المواد.

ومع أهمية التشاور كأداة ودية لحل النزاعات المحتملة التي تنشأ بين التزامات الدولة بموجب اتفاقية اليونسكو والتزاماتها بموجب قانون المنظمة العالمية للتجارة، فإنه لن يكون كافيا وفعالا، وهذا ما تثبته مختلف تطبيقات هذه الآلية في حل النزاعات الدولية عموما، ولن يكون بإمكاننا الخروج بتصور واضح حول كيفية حل المنازعات الثقافية التجارية، وليست هذه الآلية التي يمكن أن تغلّب الالتزامات الثقافية على التجارية، وعليه ينبغي البحث عن الحل من خارج نصوص اتفاقية اليونسكو.

ثانيا: الاستثناء الثقافي: بديل ممكن في نصوص اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة

طرح مفهوم "الاستثناء الثقافي" من طرف فرنسا في نهاية مفاوضات دورة أوروجواي عام 1993، للحفاظ على "هوية ثقافية" بمعزل عن النظام الاقتصادي المسيطر الذي ما وضعت اتفاقات المنظمة العالمية للتجارة إلا من أجل تكريسه، باعتبار أن السلع الثقافية والخدمات الثقافية والصناعات الثقافية لها وضع متميز يحول دون إخضاعها للقواعد التي تخضع لها التجارة فحسب، حتى لا تفقد ميزتها التنافسية. ويتضمن الاستثناء الثقافي عنصرين أساسيين لحماية المحتوى الثقافي المحلي Domestic Content))، أولهما بفرض نسبة ثابتة لصالحه في السوق المحلي Domestic Content Requirement)) وثانيهما بتقديم الدعم والحوافز للإنتاج المحمي ليظل قادرا على المنافسة.43

قانونيا، لا يوجد نص صريح في قانون المنظمة العالمية للتجارة يتضمن ما يسمى بالاستثناء الثقافي كأداة لتعطيل أحد أحكام الاتفاقية لحماية المنتجات الثقافية، ولكن هناك بالمقابل ما يسمى ببنود "الاستثناءات العامة" كآلية مناسبة لإثارة قضايا حقوق الإنسان داخل المنظمة العالمية للتجارة في أي حالة تجد فيها دولة عضو نفسها خرقت القواعد الرئيسية لاتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة ذات الصلة، وتوفر هذه البنود الآلية التي من خلالها يمكن إبراز مصالح الدولة والتزاماتها الهامة بما فيها التزاماتها وسياساتها الثقافية التي قد لا تتوافق مع اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة.

وفي الحقيقة، هناك ثلاثة من الاستثناءات العامة التي يظهر أن لديها القدرة على استقطاب طائفة واسعة من القضايا الاجتماعية، بما فيها السياسات الثقافية، فهناك الاستثناء الذي يسمح للدول باتخاذ التدابير المناسبة لحماية الأخلاق العامة، والاستثناء الآخر هو ذلك الذي يسمح باتخاذ تدابير لحماية النظام العام، وهناك أيضا الاستثناء الذي يسمح باتخاذ تدابير لحماية حياة وصحة الإنسان والحيوان والنبات، ولأغراض دراستنا سوف نتوقف عند الاستثنائين الأولين دون الثالث.

1/ القيم الأخلاقية العامة

يعرف قاموسUniversal dictionary of the English Languageمصطلح"أخلاقي (Moral)" بأنه ما "يتصل، أو يتعلق بالفرق بين الصواب والخطأ في الأمور المتعلقة بالسلوك". أما قاموس Webster’s international new dictionary" فيعرف هذا المصطلح بما "يطابق معيار ما هو حسن وصواب"44.

لم يكن هناك في الواقع أي نقاش حول معنى المادة   20 (أ) من الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة(GATT) خلال المفاوضات التي جرت من أجل إبرام الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة، والتفسير الأرجح لذلك هو أن المفاوضين التجاريين كان لديهم فهم مشترك لما يعنيه مصطلح "القيم الأخلاقية العامة"، ذلك أن المادة 20ارتكزت على أحكام شاع إدراجها في اتفاقيات تجارية سابقة، ويمكن اعتبار هذه الاتفاقيات "أعمالا تحضيرية" لأغراض تفسير مصطلح "القيم الأخلاقية العامة" وبالتالي أداة صالحة للتفسير. وعلى أساس تحليل هذه الاتفاقيات السابقة والأسلوب الذي جاءت به المصطلحات ذات الصلة، قيل فيما يخص الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (جات) بأن: "مجموعة السياسات التي تغطيها المادة 20(أ) (استثناء القيم الأخلاقية العامة) تشمل على الأقل العبودية والأسلحة والمخدرات والخمر والمواد الإباحية والدين والعمل الجبري"45.

وهذا يعني أن "الاستثناء الأخلاقي" في الاتفاقيات التجارية يتضمن تاريخيا سلسلة من التدابير المتنوعة القائمة على فرضيات قيَمية منتقاة تخص قضايا مهمة بالنسبة لكل مجتمع على حدة في حينها، وبعض هذه الأمور مثل التحرر من العبودية أو العمل الجبري أصبحت معتبرة اليوم حقوقا من حقوق الإنسان. وبالنسبة للأمور الأخرى مثل التعامل مع الكحول فلكل مجتمع مساحة واسعة من الحرية لتحديد عتباته الأخلاقية بهذا الشأن46.

2/ النظام العام

يرجع أصل مفهوم "النظام العام" إلى التعبير الفرنسي Ordre Publicوقد كان يستخدم في القانون الفرنسي كسبب منطقي لإبطال العقود أو المعاملات الخاصة التي يُرى أنها تتعارض مع الأحكام الأساسية للقانون المحلي أو بعبارة أخرى " يُرى أنها تسيء إلى النظام العام"47. وهو الآن مفهوم راسخ في عدد من الاختصاصات القانونية الداخلية، كما أنه موجود في كثير من الاتفاقيات الدولية.

ورد في الحاشية 5للمادة 14(أ) من الاتفاق العام بشأن التجارة في الخدمات "جاتس" النص الآتي: "لا يمكن الاعتداد بالاستثناء المتعلق بالنظام العام إلا عند وجود تهديد حقيقي خطير فعلا لإحدى المصالح الأساسية للمجتمع". وإذا كان الأمر كذلك، فإنه سوف يكون من الصعب على هيئات تسوية المنازعات بالمنظمة العالمية للتجارة القول بأن قاعدة من قواعد حقوق الإنسان، ترد في معاهدة دولية لحقوق الإنسان تشارك فيها أطراف دولية كثيرة، لا تشكل مصلحة أساسية للمجتمع وبأن أي تهديد لهذه القواعد لا يكون خطيرا، إذا استخدمت القاعدة لحماية سكان الدولة التي تحتج بالاستثناء. وكما قيل، فإن "النظام العام ليس قيمة في حد ذاته، لكنه مذهب قانوني تعلو فيه القيم الأساسية التي ينبني عليها النظام القانوني على أية قوانين معينة تتصل بها، وبما أن حقوق الإنسان تمثل فعلا وبدقة مثل هذه القيم الأساسية، فلا ينبغي لأية قيود على استثناء النظام العام أن تمس باستخدام الاستثناء للاحتجاج بحقوق الإنسان48.

وبشأن الإلتباس الذي قد يحدث بين مفهومي الأخلاق العامة والنظام العام، بيّن فريق التسوية في قضية "مرافق الميسر والقمار في الولايات المتحدة،" بأن "القيم الأخلاقية العامة " تصف "معايير السلوك الصحيح والخطأ المصون من قِبَل أو باسم المجتمع أو الأمة"، في حين أن "النظام العام" يحيل إلى "الحفاظ على المصالح الأساسية للمجتمع، كما تنعكس في السياسة العامة والقانون. ويمكن أن تتعلق هذه المصالح الأساسية، من بين أمور أخرى، بمعايير قانونية وأمنية وأخلاقية ". وفضلا عن ذلك، رأى فريق التسوية أن "القيم الأخلاقية العامة" و"النظام العام" هما مفهومان متباينان، لكن قد يكون بينهما بعض التداخل بما أن كلاً منهما يهدف إلى حماية قيم متشابهة بشكل كبير. ومن المناسب أيضا الإشارة إلى رأي فريق التسوية المبيّن بأن مصطلحي "القيم الأخلاقية العامة" و"النظام العام" يمكن أن يتغيرا في الزمان والمكان، حسب القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والدينية السائدة، وبأنه "ينبغي أن يُمنح أعضاء المنظمة العالمية للتجارة فرصة لتحديد هذين المفهومين وتطبيقهما على إقليم كل عضو حسب نظامه ومعاييره للقيم"49.

خاتمة

يمكن في خاتمة هذه الدراسة حصر مختلف نتائجها فيما يأتي:

-  تمثل حماية أشكال التعبير الثقافي وسيلة أساسية لحفظ التنوع الثقافي وإبراز الخصوصيات الثقافية لأي مجتمع من المجتمعات أو أية أقلية أو مجموعة بشرية، وعبر حماية أشكال التعبير تلك يجد مفهوم الخصوصية الثقافية تكريسا له.

-  رافقت مفاوضات إعداد الاتفاقية صعوبات ذات طابع سياسي واقتصادي، وهذا يدل على أنه ليس هناك شأن ثقافي خالص منفصل عن غيره من الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

-  يمثل إعتماد اتفاقية اليونسكو نصرا في حد ذاته لما يمثله من تعزيز وتأكيد لمفهوم الخصوصية الثقافية الذي يوفر فرصا لحوار مثمر، والتخلي عن فكرة أن الاختلاف يمهّد للصراعات والنزاعات الداخلية في الدولة.

-  يمثل الإقرار بالحق السيادي للدولة في تبنّي سياساتها الثقافية ضمانة ودعامة للتكريس القانوني للخصوصية الثقافية، ذلك أن الدولة أقدر على فهم هوية المجتمع الذي تمثله وخصوصياته الثقافية، فهي في النهاية أقدر على وضع السياسات المناسبة.

-  تفاديا لأي انحراف من جانب الدولة في ممارستها لحقها السيادي في تبنّي السياسات الثقافية المحلية، أوجدت اتفاقية اليونسكو مجموعة من الضوابط التي على هديها تُبنى تلك السياسات، ولعل أهمها ضرورة التقيد بأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان.

يشكل التعاون الدولي عاملا مهما في تحقيق غايات الاتفاقية، ولكن بالنظر إلى الصيغ التي حوتها مواد الاتفاقية ذات الصلة، يلاحظ غياب صرامة القانون التي تفرض "الإلتزام" الذي يرتب المسؤولية في حالة الإخلال به، ويبقى تنفيذ تلك الأحكام مرهون برغبة أطراف الاتفاقية، وهو أمر قد ينعكس بالسلب على تحقيق غايات الاتفاقية، خصوصا إذا تم تنفيذ تلك الأحكام وفقا لمعايير انتقائية قد تبنى على الولاءات السياسية والتبعية الثقافية.

-  يمثل غياب آلية إلزامية فعالة لتسوية المنازعات التي تنشأ بين أطراف اتفاقية اليونسكو أحد أهم المآخذ عليها، فبدون توافر هذه الآلية الإلزامية لن يكون تحقيق غايات الاتفاقية أمرا يسيرا، إذ قد تتعمد بعض الدول الأطراف عدم التقيد بالتزاماتها مادامت لا توجد آلية منازعاتية تضمن جبرها على الوفاء بتلك الالتزامات.

-  إذا كان بإمكان أطراف اتفاقية اليونسكو غير المنضمين للمنظمة العالمية للتجارة أن تتبنّى سياسات حمائية لمنتجاتها الثقافية، إلا أن الأمر يبدو صعبا للغاية بالنسبة لأولئك المنضمين للمنظمة، فغالبا ما تصطدم تلك التدابير الحمائية بالتزاماتهم التجارية المنبثقة عن قانون المنظمة، ولن يكون الاعتماد على مواد اتفاقية اليونسكو كافيا لتبرير انتهاكهم لقانون المنظمة العالمية للتجارة، وليس لهم في هذه الحالة سوى الاعتماد على أحكام الاستثناءات العامة الواردة في قانون المنظمة لتمرير تلك السياسات.

·  المقترحات:

     بالنظر إلى مجمل ما ورد في الدراسة ونتائجها، نقدم بعض المقترحات التي قد تمكّن من تفعيل اتفاقية اليونسكو وتعزيز حماية الخصوصية الثقافية وحفظ التنوع الثقافي، وهي:

-  ضرورة تطوير آلية تسوية المنازعات، ولما لا إنشاء آلية قضائية على غرار تلك المنشأة بالمنظمة العالمية للتجارة. مع الحاجة إلى إتاحة فرصة وصول الأفراد والأقليات والمجتمعات التقليدية إلى آليات التسوية تلك، لأن تصور الاعتداء على الخصوصية الثقافية لا يكون مرتبطا بالضرورة بعامل خارجي، بل قد يكون من جانب الدولة نفسها التي ينتمي إليها هؤلاء.

-  إدارة عملية التفاوض بشأن النزاعات التي قد تنشأ بمناسبة تنفيذ أحكام الاتفاقية على مستوى منظمة اليونسكو، ومن شأن ذلك إضفاء الشفافية على العملية التفاوضية، وتجنب أي حلول تنجم عن أي ضغوط قد تمارس على الدول النامية من جانب الدول المتقدمة.

تمكين اللجنة الدولية الحكومية المنشأة بموجب المادة 23من اتفاقية اليونسكو من القيام بأدوار الوساطة أو التوفيق أو المساعي الحميدة في إطار فض المنازعات التي قد تنشأ بين أطراف الاتفاقية.

الهوامش

1.تتمثل الدول العربية التي صدقت على اتفاقية اليونيسكو في: الجزائر (2009)، مصر (2007)، الإمارات العربية (2012)، العراق (2013)، الأردن (2007)، الكويت (2007)، المغرب (2013)، موريتانيا (2015)، سلطنة عمان (2007)، فلسطين (2011)، قطر (2009)، سوريا (2008)، السودان (2008)، تونس (2007). أنظر الموقع الرسمي لليونسكو:

)http://www.unesco.org/eri/la/convention.asp?KO=31038&language=F&order=alpha(

2.  اتفاقيةحمايةوتعزيزتنوعأشكالالتعبيرالثقافي، المؤتمرالعاملمنظمةالأممالمتحدةللتربيةوالعلموالثقافة،باريس، 20أكتوبر2005، المادة 4. متوفرة على الموقع:                                                         

    (http://unesdoc.unesco.org/images/0024/002462/246264a.pdf)

3.اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق رقم 21،حقكلفردفي أنيشارك فيالحياةالثقافية (الفقرة 1/ أ من المادة 15من العهدالدوليالخاصبالحقوق الاقتصاديةوالاجتماعيةوالثقافية)، وثيقة الأمم المتحدة رقم:E/C.12/GC/21، 2009، الفقرة 22.

4. إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي، اعتمد من طرف المؤتمر العام لليونسكو، الدورة 31، 2نوفمبر 2001، المادة 4. متوفّر على الموقع:(http://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/CulturalDiversity.aspx)

5.اتفاقيةحمايةوتعزيزتنوعأشكالالتعبيرالثقافي، الديباجة.

6.   Sabine von Schorlemer , Peter-Tobias Stoll,  The UNESCO Convention on the Protection and Promotion of the Diversity of Cultural Expressions, Springer , Berlin, 2012, p. 105.

7. اتفاقيةحمايةوتعزيزتنوعأشكالالتعبيرالثقافي، المادة 2، المبدأ 2.

8. S. von Schorlemer , P. Stoll,  op. cit.,  p. 173.

9.  Ibid., pp. 175-176.

10.  Ibid., p. 176.

11.   جدير بالذكر أن هذه الإمكانية ذكرتها ديباجة الاتفاقية، حيث أقرت بضرورة اتخاذ تدابير لحماية تنوع أشكال التعبير الثقافي، بما تنطوي عليه من مضامين، لا سيما في الأوضاع التي تكون فيها أشكال التعبير الثقافي مهددة بأن تندثر أو معرضة لأن تلحق بها أضرار جسيمة.

أنظر: اتفاقيةحمايةوتعزيزتنوعأشكالالتعبيرالثقافي، الديباجة.

12.المبادئ التوجيهية التنفيذية، اعتمدهامؤتمرالأطراف لليونسكو خلال دورته الثانية (باريس،15-16جوان2009)، ثم خلال دورتها لثالثة (باريس 14-15جوان2009)، ثم خلال دورته الرابعة)باريس،11-13جوان2013  )، ثم خلال دورته الخامسة )باريس،10-12جوان 2015)، في: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، النصوص الأساسية لاتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير عن التنوع الثقافي لعام 2005، منشورات منظمةالأممالمتحدةللتربيةوالعلوموالثقافة، فرنسا، طبعة 2015، ص 30.

13.  مؤتمرالأطراف في الاتفاقيةا لدولية لحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبيرالثقافي، الدورةا لعادية الخامسة، باريس،مقراليونسكو،10-12جوان 2015، وثيقة الأمم المتحدة رقم: CE/15/5.CP/4، الصادرة بتاريخ: باريس،6ماي2015، فقرة 32، ص 6-7.

14.  المرجع نفسه، فقرة 26، ص 5.

15. المرجع نفسه، فقرة 257، ص 34.

16. المرجع نفسه، فقرة 31، ص 6.

17. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200ألف (د-21) المؤرخ في 16ديسمبر 1966، تاريخ بدء النفاذ: 3جانفي 1976.

18. اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق رقم 21،الفقرة 40.

19.  اتفاقية حماية وتعزيزتنوع أشكال التعبيرالثقافي، المادة 2، المبدأ 2.

20.  S.von Schorlemer , P.Stoll, op. cit., p. 173.

21.  ميثاق الأمم المتحدة، وقـِّع في 26حزيران/يونيه 1945في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية، دخل حيّز النفاذ في 24تشرين الأول/أكتوبر 1945.

22.S.von Schorlemer , P.Stoll, op. cit., p. 173.

23.    اتفاقية حماية وتعزيزتنوع أشكال التعبيرالثقافي، المادة 2، المبدأ 8.

24.    كيريباتي أو رسميًا جمهورية كيريباتي  (بالكيريباتيةRibaberiki Kiribati ) هي دولة جزيرة تقع في المحيط الهادئالأوسط الاستوائي، العاصمة هي جنوب تاراوا. أصبحت كيريباتي مستقلة عن المملكة المتحدةفي عام 1979،وأصبحت عضوًا كامل العضوية في الأمم المتحدةفي عام 1999.

أنظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة، كيريباتي. https://ar.wikipedia.org/wiki/

25. محمد حسام محمود لطفي، "التنوع الثقافي والملكية الفكرية: دراسةفي اتفاقيتي «يونسكو" للتراثالثقافي غيرالمادي وحماية وتعزيزتنوع أشكال التعبيرالثقافي"، المجلة الدولية للملكية الفكرية، جامعة البحرين، المجلد 2، العدد 1، جانفي 2014، ص 28.

26.    المرجع نفسه، ص 26- 27.

27. المرجع نفسه، ص 25-26.

28.   المرجع نفسه، ص 29.

29.  Conseil d'Etat,  statuant au contentieux, Nos 402742,402777,  Ligue des Droits de l’Homme et autres –Association de Défense des Droits de l’Homme Collectif Contre l’Islamophobie en France, Ordonnance du 26août 2016.

30.  منظمة العفو الدولية، "منع النقاب انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان"، رقم الوثيقة:POL 30/005/2010، متوفر على الموقع الإلكتروني الآتي: http://www.amnestymena.org/ar/magazine/Issue16/Hijab.aspx?articleID=1021&media=print(تاريخ الاطلاع: 10أوت 2016).

31. المرجع نفسه.

32.  المرجع نفسه.

33.    Tania Voon, Cultural Products and the World Trade Organization, Cambridge University Press, Cambridge, UK, 2007, p. 186.

34.  اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق رقم 21، الفقرة 16/أ.

35.  T.  Voon, op.cit., p. 186.

36.  حشماوي محمد، الاتجاهات الجديدة للتجارة الدولية في ظل العولمة الاقتصادية، رسالة دكتوراه، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر، 2006، ص 125.

37. T.  Voon, op.cit., p. 187.

38.  إيفان برنييه، "اتفاقية اليونيسكو حول تنوع أشكال التعبير الثقافي: وثيقة ثقافية على ملتقى طرق القانون والسياسة"، متوفرة على الموقع الإلكتروني الآتي:

http://www.diversite-culturelle.qc.ca/fileadmin/documents/pdf/carrefour-du-droit_arabe.pdf(تاريخ الاطلاع: 5جويلية 2016).

39.  المرجع نفسه، ص 21.

40.   اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، اعتمدت من قبل المؤتمر الأمم المتحدة بشأن قانون المعاهدات الذي عقد بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2166المؤرخ في 5ديسمبر 1966، ورقم 2287المؤرخ في 6ديسمبر 1967، وقد عقد المؤتمر في دورتين في فيينا خلال الفترة من 24مارس إلى 26ماي 1968وخلال الفترة من 9أفريل إلى 22ماي 1969، واعتمدت الاتفافية في ختام أعماله في 22ماي 1969، وعرضت للتوقيع في 23ماي 1969، ودخلت حيز النفاذ في 27جانفي 1980، المادة 26.

41. إيفان برنييه، مرجع سابق، ص 22.

42.  المرجع نفسه، ص 23.

43.  محمد حسام محمود لطفي، مرجع سابق،ص 11.

44.  نقلا عن: مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، حقوق الإنسان واتفاقيات التجارة الدولية: استخدام أحكام الاستثناءات العامة من أجل حماية حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، 2005، ص 10.

45.  المرجع نفسه، ص 18.

46. المرجع نفسه، ص 19.

47. المرجع نفسه، ص 21-22.

48.  المرجع نفسه، ص 22.

49. Panel Report, United States - Measures affecting the cross-border supply of gambling and betting services, WTO Doc. WT/DS285/R, 10November 2004, paras. 6.461and 6.465-6.468.

صلاح الدين بوجلال / شافية بوغابة, «حماية الخصوصية الثقافية بين الاعتبارات القانونية وتجاذبات المصالح السياسية والاقتصادية: اتفاقية اليونسكو بشأن حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي نموذجا»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 28 مجلد 15-2018N°28 Vol 15- 2018
Papier : 239-257,
Date Publication Sur Papier : 2019-01-09,
Date Pulication Electronique : 2019-01-09,
mis a jour le : 09/01/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5285.