القصة القصيرة جدا في الأدب العربي –الجزائر أنموذجا-Very Short Story in Arabic literature - Algeria is a model –
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

القصة القصيرة جدا في الأدب العربي –الجزائر أنموذجا-

Very Short Story in Arabic literature - Algeria is a model –
ص ص 153-167
تاريخ الارسال: 27/09/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

رابح بن خوية
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

يعالج هذا المقال القصة القصيرة جدا بوصفها نوعا سرديا حديث النّشأة والظهور في الأدب العربي، بصفة عامة، وفي الأدب الجزائري، بصة خاصة، وقد أشار إلى جانب ذلك إلى نشأة القصة القصيرة جدا في الأدب الاوروبي، هذه النشأة التي تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة ظروف العصر الطارئة، وقد عرفت القصة قبل ذلك في أدب أمريكا اللاتينية منذ مطلع القرن العشرين. ثم انتقلت إلى بيئتنا العربيّة، فنالت حظا كبيرا من الانتشار في المشرق العربي لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، لتهاجر بعد ذلك إلى المغرب العربي حيث تلقفتها الأقلام وعنيت بها إبداعا وتنظيرا.  في حين مارس قصاص الجزائر هذا النوع السردي تجريبا وتحديثا، فلمعت أسماء كثيرة منذ سيعينيات القرن الماضي.

وقد طرح المقال أسئلة تتعلق بتحديد هوية هذا النوع السرديّ وضبط أبرز خصائصه وسماته الفارقة والمائزة، فضلا عن محاولة للتأريخ لظهوره والوقوف على نصوصه الأولى في العالم العربي وفي الجزائر، واستيضاح علاقته بالتراث. وانتهى بمقاربة لتجربة قصصية نسائية في هذا المجال من خلال دراسة لمجموعة (مقابيس من وهج الذاكرة) للقاصة الجزائرية رقية هجريس. مستخلصا خصائص البنية اللغوية للقصة القصيرة جدا ومستخرجا لسيماتها الرئيسة.

الكلمات المفاتيح: الأدب الجزائري، القصة، القصة القصيرة جدا، السمات والخصائص

Cet article traite d'un nouveau type de récit dans la littérature arabe en général et dans la littérature Algérienne en particulier. Ce type narratif que j'ai déjà décrit dans une étude antérieure présente ce que l'on appelle par le terme (Histoire très courte), et sans référence à d'autres termes. Cependant, l'article se limite à la naissance de ce type narratif et au début de son apparition et de certaines de ses caractéristiques dans la littérature Algérienne. Ce type narratif (Histoire très courte) est apparu relativement bien avant au Moyen-Orient, en Irak, en Syrie, en Palestine et au Liban… avant d'atteindre les pays du Maghreb, du Maroc, de la Tunisie, de l'Algérie et de la Libye.

Mots-clés : La Littérature Algérienne, Récit, Histoire Très Courte, Techniques Narratives

This article deals with a new narrative type in Arabic literature in general, and especially in Algerian literature.

This type of story that I have already described in a previous study this presents in what is known by the term (very short story), and without reference to other terms.

However, the article is limited to the birth of this narrative type and the beginning of its appearance and some of its characteristics in the Algerian literature.

This narrative type (very short story), appeared relatively well before in the Middle East, in Iraq, in Syria, in Palestine and in Lebanon ..., before it reaches the countries of the Maghreb, Morocco, Tunisia , Algeria and Libya.

KeyWords: Algerian literature, Very short story, Narrative techniques

Quelques mots à propos de :  رابح بن خوية

جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بو عريريج ra.benkhouya@yahoo.com

توطئة        

احتضن الأدب العربيّ، منذ القديم، أشكالا من القصص القصير مثل المقامة، تلك الأشكال السّرديّة التي نشأت وترعرعت في بيئة ثقافية عربيّة، واكتملت واستوت فنونا تتمتّع بخصائص وجماليات. وها هو اليوم الأدب العربيّ يستقبل ويستضيف نوعا سرديّا جديدا يندرج في القصص القصير، وإن امتاز عنه بسمات تؤطّره وخصائص تحدّده بوصفه نوعا مختلفا وجنسا مفارقا. وهو ما يعرف بين مبدعيه ودارسيه بـ(القصّة القصيرة جدّا)( very short story).

       هذا، وتنتمي(القصّة القصيرة جدّا) "بأفقها التّشكيليّ الخاصّ إلى عائلة السّرد القصصيّ الذي بدأ مع مصطلح ((القصة))التي كانت تعني نوعا سرديّا واحدا ذا تشكيل واحد بداية نشوئه، لكنّه مع تطوّر ونموّ الأنواع السّرديّة داخل جنس القصّة، تنوّعت الفضاءات السّردية للأنواع، وانتشر المصطلح، وأصبح كلّ نوع سرديّ يتمظهر بصيغ وتشكيلات ورؤيات متعدّدة، تتناسب عادة وطبيعة كلّ نوع."1

       وينهض التّأثّر بالأجناس الأدبيّة المختلفة وبالفنون المجاورة لها بدور مهمّ في تطوير وتطوّر القصّة القصيرة جدّا في الأدب العربيّ كما هو الحال في الآداب العالميّة الغربيّة والشّرقيّة.

       وبالنّظر إلى تاريخ تطوّر الأجناس الأدبيّة  فإنّ(القصة القصيرة جدا) تعدّ" على مستوى التّشكيل والتّعبير هو آخر مصطلح في شبكة مصطلحات القصّة، وقد أخذ أشكالا كثيرة ومتنوعة على صعيد التسمية الاصطلاحية مثل((القصة الومضة /قصص مينمالية/أقصوصة/القصة اللقطة..وغيرها))، وكلّ تسمية اصطلاحيّة تستند إلى توصيف معيّن وتأطير محدّد، لكنّها تلتقي جميعا في بؤرة القصة القصيرة جدّا، بوصفه مصطلحا تشكيليّا جامعا ومعبّرا على نحو واضح وواف."2

       وقد عرفت القصة القصيرة جدّا انتشارا واسعا في الأدب العربيّ المعاصر، عبر الوسائل المختلفة والمنابر المتنوّعة، و ساعدتها في ذلك طبيعتها التشكيليّة البنائيّة الموجزة المكثّفة، فأصبح لها أعلام وكتّاب متفرّغون لكتابتها ونقاد معتكفون على دراستها وقراء متلهفون لتلقّيها.

       وقد كان للمشارقة في الشّام والعراق والحجاز اهتمام متقدّم وسابق ومستمرّ بهذا النّوع الحكائيّ، أسعفه انشغال كبير آخر من المغاربة إبداعا وتنظيرا.

       وفي فترة مبكرة أسهم كتّاب القصّة القصيرة، في الجزائر، في كتابة القصّة القصيرة جدّا تجريبا وتحديثا، وقد كان هذا النّوع السّردي يتناسل في مجموعاتهم القصصيّة وتتكاثر نصوصه من قاصّ إلى آخر منذ سبعينيّات القرن الماضي إلى غاية اليوم.

      وتنوعت طرائق بناء القصة وتباينت أساليب كتابتها وتعدّدت تيماتها عند القصّاصين الجزائريين، وهو الأمر الّذي حفّز على مقاربتها مقاربة تسعى إلى معرفة سماتها وخصوصيّاتها، بمنهج يستعين بالوصف والتّحليل والتّأويل والتأريخ في مواضع معيّنة. مقاربة تجيب عن أسئلة جوهريّة: ما القصة القصيرة جدّا؟ ما هي مكونتها البنيويّة؟ وخصائصها الأسلوبية وما مدى إضافة القصاصين الجزائريين في مضمار هذا النّوع من خلال نماذج من نصوصهم؟.

1-القَصَة القَصِيرة جِدّا في المشهد الأدبيّ العالميّ والعربيّ:

       يرصد هذا المبحث نشأة القصة القصيرة جدّا في الأدب العالميّ والعربيّ، ويتتبّع ظهورها وتاريخها على الصّعيدين؛ أي يتناول نشأتها خارج البيئة العربيّة-دون أن نستعمل(الغربيّة) لأنّ القصة عرفت في بيئات ثقافيّة حضاريّة لا تندرج فيما تشير إليه كلمة(الغربيّة)من دلالة- ونشأتها داخل البيئة العربيّة مشرقا ومغربا.

1-1-القصة القصيرة جدّا في المشهد الأدبيّ العالميّ:

       على صعيد الأدب الأوروبيّ، تعودُنشأة القَصة القَصيرة جدًّا ويرتدّ ظهورها إلى فترة ما بعد الحرب العالميّة الثّانية، فالقِصّة القصيرة جدّا، بمفهومها المعاصر "قد ظهرت في أوربا بعد الحرب العالمية الثّانيّة؛ فرضتها ظروف العصر؛ وحاجة الإنسان الأوربيّ وخاصّة الطّبقة البورجوازيّة إلى وسيلة سريعة للتّعبير عن نفسها وعن محيطها الاجتماعيّ؛ فكانت القصّة القصيرة جدّا الشّكل القَصَصيّ المناسب للعصر الحديث المليء بالأحداث السّريعة والمطّردة. وعندما انفتح العرب على السّرديات الغربية تحوّرت اللفظة إلى القصة بكسر القاف وأصبحت تعني الكتابة القصصيّة القصيرة والقصيرة جدّا؛ وكان ذلك بحكم تلاقح الثقافات واطّلاع العرب على الثقافة الأوربية؛ وهكذا انتقلت القصة القصيرة جدّا إلى الوطن العربي."3

       والواقع أنّ نشأة القصة القصير جدّا في الآداب الأوروبيّة جاءت في مرحلة تالية، فقد ظهر هذا النّوع في الآداب الأمريكيّة اللّاتينية قبل ذلك، وهو ما يؤكدّه جميل حمداوي بقوله: "إذا أردنا تتبّع تطوّر فنّ القصّة القصيرة جدّا، فسنجده منتوجا إبداعيّا حديث العهد، ظهر بأمريكا اللّاتينيّة منذ مطلع القرن العشرين لعوامل ذاتيّة وموضوعيّة، وذلك مع إرنست هيمنغواي سنة 1925م، وذلك حينما أطلق على إحدى  قصصه مصطلح: ((القصة القصيرة جدا)) وكانت تلك القصّة تتكوّن من ثماني كلمات فحسب: "للبيع، حذاء لطفل، لم يلبس قط". وكان هيمنغواي يفتخر بهذا النّص الإبداعيّ القصير جدّا، ويعتبره أعظم ما كتبه في حياته الإبداعيّة.".4

      ومن الباحثين "من يرى بأنّ القصة القصيرة جدّا لم  تظهر بأمريكا اللّاتينية إلا في سنة 1950م بالأرجنتين، وذلك مع مجموعة من الكتاب، مثل، بيوي كازاريسbioy Casares)) وجون لويس برخيس(Jorges Louis Borges) اللّذين أعدّا أنطولوجيا القصّة القصيرة جدّا، وكانت هذه القصص القصيرة والعجيبة جدّا تتكوّن من سطرين فقط."5لتأخذ بعد ذلك في الانتشار في كامل أنحاء المعمورة من أوربا إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى العالم العربيّ.

       وسواء أكانت سنة 1925أم سنة 1950هي سنة ميلاد القصّة القصيرة جدّا، فإنّ مَا قَامَتْ به الكاتبة الفِرنسيّة نتالي ساروت في(انفعالات)يعدُّ بِدَايَةً حَقيقية لهذا النّوع السردي على صعيد الأدب الأوروبيّ، ففي "هذا الصّدد يمكن كذلك الحديث عن كتابة قصصيّة قصيرة جدّا عند بعض كتاب الرّواية الجديدة الذين مالوا إلى التّجريب والتثوير، وتغيير بنية السّرد والحكي، وذلك من أجل تأسيس حداثة قصصيّة وروائيّة جديدة. وهكذا تفاجئنا الكاتبة الفرنسيّة نتالي ساروت Natahalie Sarrauteبأوّل نصّ قصصيّ قصير جدّا بعنوان: ((انفعالات Tropismes))عام 1932م، وكان هذا العمل أوّل بادرة موثقة علميّا بأوروبا لبداية القصّة القصيرة جدّا، وأصبحت هذه المحاولة نموذجا يحتكى به في الغرب."6

      وكيفما كان الحال فإنّ النّصف الأوّل من القرن العشرين شهد ميلاد القصّة القصيرة جدّا في أمريكا اللّاتينيّة وفي أوروبا على أيدي كتّاب استوعبوا الفن القصصيّ في أشكال مختلفة قبل أن يبدعوا في هذا الشّكل الطارئ.

1-2-القَصة القصير جدّا في الأدب العربيّ:

       لقد أصبح من المعلوم أنّ ظهور(القصة القصيرة جدّا) في الأدب العربيّ قد تمّ " بفعل الانفتاح الثّقافي على الغرب وترجمة الأعمال الأدبيّة الكبيرة، وبخاصّة تجربة(نتالي ساروت) التي نجحت في تصوير اللّحظة المكثفة والواعية؛ إضافة إلى عدد من التّرجمات لقصص غربيّة نشرتها مجلّات مثل: ((الآداب)) و((مواقف)) وغيرها. وتُعَدُّ المَجمُوعَةُ القَصَصِيَّةُ (انفعالات)للكاتبة نتالي ساروت7الصّادرة عام 1938؛ أوّل بادرة موثّقة تؤرخ لبداية هذا الفن الجديد، وكانت ترجمتها إلى العربية في السّبعينيّات بمثابة جرس تنبيه حقيقيّ للأدباء العرب بولادة شكل قصصيّ جديد، فبدأت تظهر في الصّحف والمجلّات المتخصّصة، قصصا قصيرة جدّا كان تأثير كتابات نتالي سروت واضحا عليها.."8

       و بالرغم من الاضطراب الحاصل في تاريخ كتابة(انفعالات)، فحينا تذكر سنة 19389وتذكر، في حين آخر، سنة10193211، فإنّ نشر(انفعالات)في باريس كان سنة 196912.

      و ترجمته إلى العربيّة فتحي العشري سنة 1971، في طبعته الأولى في الهيئة المصريّة العامّة للتّأليف والنّشر، مضيفا إلى العنوان الرّئيس(انفعالات)الذي يظهر في الصّفحة الثّانية بعد الغلاف عنوانا فرعيّا؛ وهو(قصص قصيرة جدّا)، ويقدّم له بمقدّمة ضافية حول(ساروت.. والانفعالات والرّواية الجديدة)، ويؤكّد ظهور عمل ساروت سنة 1938في موضعين مختلفين من المقدّمة13.

       وتعدّ المقدّمة قسما أوّلا، بينما القسم الثاني هو المتن الّذي يشمل مجموع القصص القصيرة جدّا، ويضع له المترجم عنوانا أفقيا(انفعالات) ويضع إشارة أخرى بشكل عموديا تحدّد العدد وتعيّن المعدود هكذا(24قصة قصيرة جدّا)(48) ويشرع في الصّفحات التالية في تقديم القصص؛ حيث تأخذ كلّ قصّة رقما.

       وقبل التّرجمة إلى العربيّة سبق ترجمة (الانفعالات)إلى لغات أخرى كالألمانية والإيطالية والدانماركية سنة1959، والنرويجية سنة1960، والانجليزية والهولندية سنة 1964.

       ولعلّ لترجمة(انفعالات) ساروتي إلى العربية سنة 1971أثرها في الإرهاصات الأولى للقصّة القصيرة جدّا في الأدب العربي بدليل أن المجموعات القصصية القصيرة الأولى أخذت في الظهور بعد هذه السّنة.

       وبصرف النّظر عن المحاولات القصصيّة القصيرة التي اقتربت في بنائها من القصّة القصيرة جدّا في الأدب العربيّ الحديث، فهي لا تمت إلى القصة القصيرة جدّا بأية صلة من الناحية الرؤيوية والفنّية برغم ما تتوفر عليه من سمات سرديّة وخصائص أسلوبيّة، فتلك المحاولات "لم تتم من أجل شكل قصصيّ جديد يسمّى القصّة القصيرة جدّا.. ولم تكن منطلقة من وعي فنّي يؤسس وجودها."14

 

      فالوعيّ الفنّي بالقصة القصيرة جدّا كجنس أو كنوع أو كمجرد شكل حكائيّ إبداعيّ قائم وواع بهويته وصفاته وسماته لم يتشكّل بعد.

       وهكذا، تكون الانطلاقة الحقيقيّة للقصة القصيرة جدّا في أدبنا في المنتصف من القرن العشرين، وعلى أقلام ثلّة من كتّاب القصّة.

       مثل اللّبنانيّ توفيق يوس عواد في مجموعته القصصيّة:((العذارى))الصادرة عام1944م، وضمّت مجموعة من القِصص القَصيرة جدّاسمّاها(حكايات)، ومثل في العراقي يوئيل رسام الذي نشر قِصَصًا قَصيرة جدّا في الفترة نفسها.15

       ومثل السوريّ نبيل جديد في مجموعته القصصيّة الموسومة بـ(الرّقص فوق الأسطحة)16الصادرة سنة 1976، وقد تضمّنت قصصا قصيرة جدّا، من بينها قصة(السرطان) العائد تاريخ كتابتها إلى سنة 1974.17

        ومثل السّعودي جبير المليحان الذي نشر إحدى عشرة قصّة قصيرة جدّا(11) تحت عنوان(الطفل يريده: اللون الأبيض)في ملحق المربد الثقافيّ في جريدة اليوم السعودية بتاريخ 10/04/1976م. وقد جمع قصصه الصغيرة وأصدرها سنة 2008بعنوان(قصص صغيرة).18

        ويزعم جبير المليحان أنه رائد القصة القصيرة جدّا في الأدب السعوديّ، يقول:" وأزعم أني أوّل من كتبها في المملكة العربيّة السّعودية.".19

        ومثل المصري محمد المخزنجي في مجموعته القصصية المعنونة بـ(الآتي)الصادرة سنة 1983م في طبعتها الأولى، وأعيد إصدارها في طبعة ثالثة سنة2007م20.

        وهي الّتي يصفها نجيب محفوظ بأنّها(قصص قصيرة جدّ)، يقول: "قصص قصيرة جدا، ولكنّها ممتازة؛ بحيث إنها تكتب في أضيق حيّز، ولكن كل قصّة لها معنى مترام واسع، وهي تدل على مقدرة فنّية فذّة في عالم القصة القصيرة.".21

       وبهذا قد تكون ريادة ما يسمّى بـ(القَصة القصيرة جدًّا)في أدبنا العربيّ عراقيّة بشهادة التّاريخ الأدبيّ لهذا الجنس، كريادة الشّعر الحرّ المتنازع عليها بين بدر شاكر السّياب ونازك الملائكة.

      غير أنّ هذه الأسبقية غير محسوم فيها وخاضعة للنقاش بحسب ما يستجدّ من معلومات تتعلق بظهور القصص القصير جدا في أدبنا العربي الحديث.

      أمّا  عن القصة القصيرة جدا في الأدب القديم؛ أو ما يخصّ علاقة القصص القصير جدّا بالتراث أو تأصيل هذا الفن في التّراث العربي، فإنّ-كما يرى جميل حمداوي-"لهذا الفن الوليد في الحقيقة جذور عربيّة تتمثّل في السّور القرآنيّة، والأحاديث النّبويّة، وأخبار البخلاء واللّصوص والمغفّلين والحمقى، وأحاديث السّمار، علاوة على النكت والحاجي والألغاز، دون نسيان نوادر جحا...ومن ثمّ، يمكن اعتبار الفنّ الجديد امتدادا تراثيا للنادرة والخبر والنكتتة والقصة القصيرة والحكاية، وبعد في العصر الحديث امتدادا للقصة القصيرة التي خرجت من معطف الكاتب الروسي كوكول."22

 

     ومن خلال التتبّع السّابق تتّضح نشأة ظاهرة (القَصة القصيرة جدّا) في المشهد الأدبيّ العربيّ والعالمي، وكما يؤكّدها إبراهيم درغوثي بقوله إنّ:" الظهور الأوّل للقصّة القصيرة جدّا في الأدب الحديث، كان في أمريكا اللاتينية منذ بدايات القرن العشرين حيث كتبها أشهر الأدباء هناك كخورخي لويس بورخيس وخوليو كورتازار  وجابريال قارسيا ماركز وغيرهم. ومنها انتقل إلى الآداب الأخرى وخاصّة الغربية منها. ولكن لم تعرف طريقها إلى الأدب العربي الحديث إلا في النصف الثاني من القرن العشرين فعرفت ازدهارا لا فتا للنظر في العراق وسورية وفلسطين.

      أمّا في بلاد المغرب العربي والخليج فإنّ حضورها ظلّ محتشما حتى تسعينات القرن الماضي عندما أصبحت للشبكة العنكبوتية سطوة الحضور والإشعاع وللنوادي الإبداعية في العام الافتراضي مكانة كبرى عند المبدعين الشباب والمخضرمين. قبل ذلك وجدت هذه الكتابة في المغرب الأقصى حاضنا لها لدى كتاب القصة القصيرة الكبار أمثال محمد زفزاف وأحمد بوزفور وحسن برطال ومصطفى لغتيري وغيرهم...حتى أصبح لهذا الفن الإبداعي مدونة كبيرة تعد بعشرات المجموعات تناولها النقد بالقراءة والتقييم وهي الآن تجربة لا غنى عنها لكل من يسعى للبحث في مدوّنة القصة القصيرة جدا في الأدب العربي الحديث. بيما ظل تواجدها لدى كتاب السرد في تونس والجزائر وموريطانيا في أدنى مستوياته."23  ويمثّل جمعة الفاخري أحد الأقلام الأدبيّة المبدعة في ليبيا، الذّي أثرى المشهد الثّقافيّ الليبيّ بمجموعة قصصيّة راقيّة، ونشر سنة 2015مجموعته القصصيّة في القصّة القصيرة جدّا المعنونة بـ(عطر الشّمس)، ومن المبدعات الليبية في القصة القصيرة جدّا غادة البشتي. ومن المبدعات التونسيات فاطمة بن محمود التي أصدرت مجموعتها القصصية القصيرة جدا(من ثقب الباب) سنة2013.

1-3-ظُهورُ(القَصة القصيرة جدّا)في الجزائر:

      إذا كان عبد المالك مرتاض قد حسم قضيّة ريادة القصة الجزائريّة المعاصرة لصالح محمد السعيد الزاهري حين وثّق ذلك في فاتحة كتابه(القصّة الجزائريّة المعاصرة)بالقول: "شهد الشّهر السابع من سنة خمس وعشرين من هذا القرن ميلاد القصّة الجزائريّة على يد محمد السعيد الزّاهري الذي نشر في جريدة((الجزائر))محاولة قصصيّة عنوانها((فرانسوا والرّشيد))."24

       فغَيرُ ممكن أن نَحسم أمر ريادة(القَصَة القَصيرة جدًّا)في الجزائر، لهذا القاصّ أو لذلك، ولعلّ البَحْثَ في الموضوع، في المُستقبل القريب، قد يُسعفنا بمادّة تحسم الأمر. ولعل بِدايات ظُهور(القَصص القصير جدّا)، في المشهد الأدبيّ الجزائري المعاصر، يعود إلى كتاب القصّة القصيرة الذين تخللّت مجموعاتهم قصصا قصيرة جدّا، ونذكر منهم القاص حسين فيلالي في مجموعته القصصيّة (السّكاكين الصدئة1991)الصّادرة عن رابطة إبداع الثّقافية، والمنشورة سنة 1991، والتي تضمّ قصصا لم تتجاوز الصّفحة ونصف الصّفحة كقصة(السكاكين الصّدئة)، وعدّها بعض النّقاد قصة قصيرة جدّا بالنّظر إلى حجمها وإلى سماتها الفنّية وتقنياتها السّرديّة المتميّزة الّتي كتبت بها، يقول النّاقد حبيب مونسي في ذلك:" "لقد عرف حسين رحمه الله كيف يجري السّرد في الحادث البسيط المألوف، ليرتفع به في درجات الخطاب الهادف الّذي يريد تحقيق وظيفة من أهم وظائف السّرد، وهي وظيفة التبليغ.. لم تتجاوز قصّته القصيرة جدّا الصّفحة ونصف الصّفحة، ولكنّها من الكثافة ما يمكن لمحلّلها إذا شاء ربط إيحاءاتها بالواقع الاجتماعيّ والنّفسيّ والتّربويّ للمجتمع، وما يتّصل من وراء ذلك بالواقع السياسيّ، ما يمكنه من تحرير المئات من الصّفحات، لأنّ القصّة القصيرة جدّا تكتب على هيئة القصيدة وهي تجنح إلى التّكثيف والإشارة، ومن ثم يكون استنطاقها من هذا الوجه حافلا بالتّأويلات الّتي تذهب بها في كل اتّجاه.. وكلّما كان النّص كثيفا كانت إشاراته قويّة تشعّ وهي في حاجة إلى قراءة إشعاعيّة تتخطّى حدود السّرد إلى تفسير الأسباب الكامنة وراء الأفعال."25

       ويذكر من سمات ذلك النّص الذي يسميه قصة قصيرة جدّا المفارقة والإدهاش، يقول:" إنّ انعطاف النص بهذه الطريقة يحدث الدهشة، كما يحدث الصدمة غير المتوقعة والتي تجعل من القصة خطابا عالي الوتيرة."26

      فتلك السّمات المذكورة هي سمات القصة القصيرة جّدا ومكوّناته، وهي السمات التي التزم بها حسين فيلالي في مجموعته الثّانية(ما يشبه الوحم2001)الّتي تقول عنها النّاقدة آمنة بلعالية:" هي تجربة تكاد تكون متفردة. استغلال ذكيّ لبلاغة السّخرية وخرق للدّلالات المتعارف عليها وارتياد لعوالم مجهولة لها لغتها ونظامها الخاصّان."27إنّ المجموعة قصص ينفرد بلغة سرديّة تمتاز بالكثافة والمجاز واجتناب المباشرة والسّطحيّة.

       وهي السّمات الّتي يلاحظها بوشعيب السّاوري في هذه المجموعة القصصيّة، فيقول: "يراهن القاصّ الجزائري حسين فيلالي في مجموعته((ما يشبه الوحم))على كتابة قصصية منفتحة على واقعها ومنشغلة بمفارقاته وتوتراته برؤية تعميميّة تتجاوز الزّمان والمكان مع الانطلاق من الأسس السّرديّة التّراثيّة، وخصوصا الحكاية الشّعبيّة، على مستوى البناء وتأسيس وتأثيث عالمه، وذلك من خلال لغة تمتح من معين تراثيّ، وذلك في سياقات لغوية ومواقع قصصيّة تشتدّ فيها السّخريّة والمفارقة."28

      وقد نشر علي لونيسي سنة 1995خمس قصص قصيرة جدّا في مجلة آمال، تحمل العناوين التالية: القصة الأولى(فاقدة الذاكرة، والثانية(لم أعد شهيدا)، والثّالثة(الصّواب)، والرّابعة (المكبوت)، والخامسة(اللغز).29واتّسمت بما تتّسم به القصة القصيرة جدّا من سمات الإيجاز والتّكثيف والمفارقة وما إلى ذلك.

      ثمّ كانت مع مجموعة من القصّاص من أمثال محمد الصالح حرز الله من خلال بعض النماذج قصة(خراب)التي كان ينشرها في المجلات كمجلة الثقافة الجزائرية2004. أو في مجموعات قصصية كمجموعته(التّحديق من خارج الرقعة)التي ينعتها الناقد مخلوف عام  في سياق البحث عن خصائص القصّة عند القاص بأنّها قصص قصيرة جدّا، يقول :" تمثل الكتابة القصصيّة عند محمد الصالح حرز الله شكلاً متميزاً، لا لأنّها قصص قصيرة جداً، بل لأنّها- وهذا أهم- تخضع في بنائها لتقنيات لم نعهدها في قصص أخرى من المجموعات التي تمكنّا من الاّطلاع عليه"30.

      ومن أمثال القاصّ عبد الواحد بن عمر، في نُصُوص مَجموعتِه القصصيّة(ما لا يوجد في الرّمل2012)، ومع القاصّ عبد الرزّاق بو كبّة في(من دسّ خفّ سيبويه، ط:1، 2004)، ومع القاصّ السّعيد موفقي في مجموعته القصصيّة(لحظة خجل2007)، ومع خالد ساحلي في نصوص مجموعته(لوحات واشية2008).

       وأتي بعد ذلك جيل وجد في النّشر الالكتروني فرصة سانحة لعرض قصصهم القصيرة جدّا في المواقع المختصة بهذا الفنّ السّردي، فظهرت قصص بشير ونيسي وشوقي بن حاج وعبد الرزاق بالي ... وغيرهم، ومتون كثير من القصّاصين والقصّاصات الّتي تنحو منحى التّجريب.

       وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض الكتّاب قد نشروا قصصا قصيرة جدّا ضمن مجموعاتهم القصصيّة القصيرة، كعز الدّين جلاوجي في مجموعته(رحلة البنات إلى النّار2008)والّتي يقول بشأنها: "تحول اهتمامي أخيرا إلى كتابة القصّة القصيرة جدّا، وهي جنس يعتمد الرمز والتكثيف ونشرت مجموعة منها في جريدة صوت الأحرار وجريدة الأسبوع الأدبي التي يصدرها اتّحاد الكتّاب العرب بسوريا، وقد جمعت أعمالي القصصيّة في إصدار بعنوان “رحلة البنات إلى النّار."31

      وتستمر كتابة القَصص القَصير جدّا، إذ أصدر السعيد موفقي مجموعته(كمثل ظله)سنة2012، وأصدرت رقية هجريس مجموعتها القصصية(مقابيس من وهج الذّاكرة) سنة 2013، وأصدر عبد القادر برغوث مجموعته(ديدان آخر الليل)سنة2014، ونشر حسين فيلالي مجموعته الثالثة(عطر النساء)سنة 2015، ونشر محمد الكامل بن زيد مجموعته(لعنة التيه..)سنة 2017، ونشر عبد الرزاق بادي مجموعته(سفر في سديم الروح) سنة2017، ونشرت القاصّة مريم بغيبغ مجموعتها (كهنة)سنة 2017...وتظل قائمة المبدعين في هذا  اللون  مفتوحة إذ يمتنع الإحاطة بهم جميعا في هذا الموضع.

       و بالرّغم من المنجز الكميّ والنّوعيّ،  فيبدو أنّ المُتابعة النّقديّة لظاهرة القَصة القَصيرة جدّا في الجزائر تظلّ شحيحة- في حدود علمي-إذ تندر الكتابات النقديّة الّتي تتناول تلك المجاميع والنّصوص القصصية بالدّراسة باستثاء المقالات الموجزة الّتي تنشر في الصّحف وتذاع في المواقع الالكترونيّة.

       وقد حظيت القصة القصير جدّا في الجزائر بدراسات أكاديميّة جامعيّة اتّخذت منها موضوعات لرسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وهي على قلّتها تعدّ اعترافا بهذا الفن السّردي وإقرارا بشرعيّته. ونذكر تمثيلا لذلك لا حصرا رسالة ماجستير للباحث محمد يوسف غريب بعنوان(شعرية القصة القصيرة جدا في الجزائر)الّتي قدّمت بجامعة تيزي وزو سنة 2013.

       كما أنجز الباحث علاوة كوسة(موسوعة القصة القصيرة  جدا في الجزائر سير ونصوص 2017)، والتي ترجمت لـ 60كاتبا  في القصة القصيرة جدّا واختارت نصوصا من إبداعاتهم في هذا الجنس السّرديّ الآسر. وبذلك يكون قد أضاء بهذا العمل القيّم دربا كان معتّما في رسم جغرافيّة القصّة القصيرة جدّا في الجزائر وتثبيت معالمها، ليسهل الولوج إلى هذا العالم السّرديّ للباحثين المهتمين بالموضوع.

     وقد أقيم لهذا النّوع السّرديّ عدد من المُلتقيات الّتي عالجت قضايه وإشكالاته المختلفة، مثل ملتقى:

-شعريّة السرد في القصّة القصيرة جدّايومي: 17- 18أفريل 2017جامعة محمد البشير الإبراهيمي برج بوعريريج الجزائر.

-ملتقى القصة القصيرة جدا تحت شعار "القصة القصيرة جدا واقع وتحديات من30إلى 31جويلية 2016، والمنظم من طرف لجنة المسابقات والمهرجانات التابعة لمجلة الإبداع العربي الالكترونية

-الملتقى المغاربي الأوّل للقصة القصيرة جدّا 10و112018عين البيضاء أ م البواقي الجزائر.

3-قراءة في المتن القصصيّ القصير جدّا في الجزائر:

       يتألّق المشهد الأدبيّ والثّقافيّ في الجزائر بأسماء قصّاصة لامعة أسهمت في كتابة القصص القصير جدّا، ويومض بأقلام أبدعت التجريب في مضمار السرد القصصي المختزل المتميّز الجديد، سليل القصّة القصيرة وثمرة الوسائط التكنولوجيّة الحديثة.

       ويتقدّم لائحة أسماء كتاب القصة القصيرة جدا في الجزائر السّعيد موفقي، خالد ساحلي، عبد الكريم ينينة، عبد الرزّاق بو كبّة، محمد الكامل بن زيد، عبد الرزاق بادي، بشير ونيسي...وآخرون.

       ولقد أسهمت الأقلام النّسويّة(الأنثويّة) في كتابة القصة القصيرة جدّا، فلم تعد كتابةُ هذا النّوع السّرديّ رهينة فئة ذكوريّة وامتيازا لها، تستحوذ عليه وتفرض هيمنتها(الذكورية)، فقد لمعت أسماء مميزة في القصة القصيرة جدا من أمثال رقية هجريس ومريم بغيبغ... وغيرهما.

      وبذلك تكون المشاركة الجزائرية في كتابة القصص القصير جدّا أصيلة راسخة، عميقة ومتجاوزة، وتجربة متميّزة منذ أن تقرّر بأنّ "ثمّة شكلا أدبيّا جديدا يولد؛ وظاهرة لها ملامحها وسماتها المميّزة باتت تفرض نفسها على واقع الحركة الأدبيّة؛ ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو تجاوزها سكوتا وإعراضا ألا وهي القصّة القصيرة جدّا."32

       واليوم، وقد أسّس المَتْنُ القَصصِيّ القَصيرُ جِدًّا في الجزائر تراكمًا ملفتا للانتباه على صعيديّ الكم والنّوع، وانتشر في الصّحف والمجلّات، وذاع في المواقع الالكترونيّة، وفي المجاميع القصصيّة الصّادرة، وعلا صوته من على منابر النّدوات والملتقيات، فأصبح جديرا بالدّرس النّقديّ الموجّه والمقيّم والواصف والمحلّل والمؤوّل. بغرض التّعريف بهذا النّوع السّرديّ وممارساته في هذا القطر العربيّ، والتّعريف بروّاده ومبدعيه والتّعريف بنصوصه والتّعرّف على خصائصه وسماته وأساليبه وملاحظة علاقاته والوقوف عند تطلعاته وآفاقه.. ليرتسم واضحا متألقا الجزء المعتّم في خارطة القصص القصير جدّا في الوطن العربيّ.

       وإنّ المتن القصصي القصير جدّا النسائي بعدّه جزءا من ذلك المتن الكبير الواسع جدير بقراءة خاصّة، تتطلّع إلى معرفة خصوصياته الجمالية والشعرية والموضوعية والكشف عن بنياته الأسلوبيةّ وأبعاده الدّلالية المختلفة، وفيما يأتي قراءة في تجربة رقية هجريس.

3-1-رقية هجريس ومجموعتها القصصية(مقابيس من وهج الذّاكرة2013):

       تعدّ القاصّة رقيّة هجريس واحدة من المُبدعات الرّائدات في كتابة القَصص القَصير جّدا في هذا القطر العربيّ، وهي كذلك، غير أنّ قائمة القصّاصات الجزائريّات تنفتح لأسماء مبدعات أخريات سعين لترك بصماتهنّ الفنّية في القَصص القَصير جدّا وتركن أصداء بعيدة في المشهد الأدبيّ السّرديّ؛ تتعدّد أسماؤهن بتعدّد تجاربهن.

       وتندرج مجموعتها القصصية(مقاييس من وهج الذّاكرة)الصادرة سنة 2013عن دار نوميديا بقسنطينة الجزائر، ضمن فنّ القصص القصير جدّا، تبعا لعتبة العنوان الفرعيّ(قصص قصيرة جدّا)في غلاف المجموعة، وتبعا لتكوين القصص الّتي تشتمل عليها الأضمومة وطبيعة تشكيلاتها الحكائيّة وأساليب وخصائص كتابتها وبنائها. 

      وتشكّل الأضمومة، المذكورة سلفا، محطّة فنيّة أخرى في مسار تجربة رقيّة هجريس القصصيةّ، الواعدة باستمرار بالعطاءات الجديدة، وهي تجربة غنية بالإنجازات الإبداعيّة وبالاستحقاقات الأدبيّة، فقد أبدعت في (ابنة التّربية)، وفي(أطياف قصصية)، وفي(هؤلاء)، وفي(عرس الطّبيعة)، وفي(لمن تصدح الطّيور)، وفي(نسائم على ضفاف الشعر)..، وظفرت بالاعتراف بالإبداع وانتزعت الإقرار بالتميّز في فنّ القصّ القصير على المستوى المغاربيّ والعربيّ.

      قد يتنوع الجنس الأدبيّ الذي تمتطي صهوة الكتابة فيه، بجدارة، لكنّ الإبداع واحد والتّجربة واحدة، إذ تطوّع أدواتها الفنّية في الكتابة في هذا أو في ذاك، وتصدر عن رؤية فنيّة منفتحة ترفدها مرجعيّة فكريّة تتّسع لهموم الذّات والآخر وشواغل المرأة والرّجل وإكراهات الزّمن والمكان واشتراطات اللّحظة التاريخية الرّاهنة الثقيلة الوطأة.

      تجربة تشتبك في نسيج بنيتها اللّغويّة المقتصدة أبعاد نفسيّة واجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة ..وإنسانيّة،

      وتلك بعضُ الموضوعات والتّيمات الرئيسة الّتي تنبني عليه التّجربة القَصصيّة القصيرة جدّا لدى رقيّة هجريس، كما ينكشف عنها المتن القصصيّ الزّاخر، ويفضي بها البوح السّرديّ ورغبة الحكْي في الفضاءات المتلوّنة الورقيّة والالكترونيّة وفي الفضاءات الأثيريّة.

       وإذ تستهوينا تجربة(مقابيس من وهج الذّاكرة) القصصيّة، فنستسلم راضين لسِحر الحَكيّ المتدفق على لسان شهرزاد(المقابيس) ولفتنته، وتستفزّنا شهوة السّماع العارمة ولذّة الإنصات الفائقة إلى قصص ترتقي بنا من حكاية إلى حكاية، ومن مغامرة سرديّة إلى مغامرة من مقام إلى مقام.. نمسك بخيط الحكّي الجذّاب مشفقين من انقطاعه في لحظة فاصلة، ومنغمسين في تيار السّرد الغاوي مترقّبين لحظة توقّفه.. ومأخوذين بالدّهشة...فنعود إلى واقع تجربتنا القرائيّة ومغامرتنا الأخرى، وقد أتقنت رقية هجريس سحر التّخييل وبرعت في تعويذاته، متصرّفة في طرائقه ومبحرة بنا في عوالمه اللّامحدودة من شاطئ الحكاية الأولى(الأمّ) إلى شاطئ الحكاية الخمسين(زلزال).

       تتألّف أُضمومةُ(مقابيس من وهج الذّاكرة) من(50)خمسين قصّة قصيرة جدّا، تعالج حالات الفرد ووضعيات المجتمع، وتصوّر تحوّلات التّاريخ في هذه الجغرافيّة المتلاشيّة الحدود، وترسم عوالم خاصّة بريشة أدبيّة تخييليّة تضفي عليها ألوانا مختلفة وتصوغها في أشكال متنوّعة وتنحنها في قوالب مختلفة. وتتوزّع في فضاءات لا تتجاوز مساحتها على الورق المقاس(14.5/21).

      وعلى العموم فالقصص القصير جدّا في أضمومة(مقابيس من وهج الذّاكرة)أتى وفيّا لشروط كتابته الفنّية ولمنطق أدبيّته السّرديّة. ويتحدّد بالأركان الأربعة الرئيسة التي يؤكّد عليها دارسو هذا النوع السرديّ، هي: القصصيّة، والجرأة، والوحدة، والتكثيف.33وتتجسّد فيه مظاهر كل القصص القصير جدّ من حكائيّة وتكثيف واختزال وإيجاز وحذف. ويتميز ببناء الحالات وبناء الجملالفعلية(الحدث) وبالشاعرية والإضمار والرمز.

      ولعتبة العنوان(مقابيس من وهج الذّاكرة)دلالات لها ظلالها البعيدة في النّصوص القصصيّة المنطوية بين دفّتي المجموعة، فمن خزان الذاكرة الممتلئ تستمدّ القاصّة أحداث قصصها وترسم شخصياتها وتلون فضاءاتها وترتب أشياءها وكائناتها، وتشيّد أبنيتها.

       ولا تقلّ عتبة التقديم من حيث الدّلالة والوظيفة أهمية وقيمة عن عتبة العنوان إذ تضيء المناطق المعتمة المظلمة في القصص، جاء في عتبة التقديم:

                        "عندما تتوهج الذّكريات..

تلتهب الأحداث تحت الرّماد..

وما أكثرها الذّكريات الملتهبة

في عقولنا وقلوبنا! !.."34

       بهذه القوّة في الإيحاء والتنظيم الشعري للجمل، وترك فراغات للقارئ لخلخلته وحلحلته لإنتاج المعنى بدوره واقتناصه من وراء علامات الحذف والتعجّب وكثافة الكلمات.

      فعلامة الحذف أو التعجّب في النّص أو في القصّة لا توضع احتراما لقاعدة إملائية أو لضرورة الكتابة والتحرير، إنّها تفرض ذاتها حين لا تجد القاصّة في اللغة ما يعبّر بقوة وصدق وعمق عن معنى مختلف خاصّ أو عن شعور مميّز حادّ، فتعمد إلى علامة الحذف ليلمس القارئ عمق الفراغ الذي تركته وسعة المكان الذي لم تملأه، وتلجأ إلى علامة التعجّب لتلسعه بحرارة الشّعور ونار المعاناة الّتي لم تقلها، فيجهد القارئ نفسه في استحضار المعاني الغائبة المضمرة المسكوت عنها وفي تصوّر المواقف المتجاوز عنها.

       وكتّاب القصص القصير جدّا قد عنوا بعلامات التّرقيم، "حيث وظفوا في نصوصهم بعضها بدرجات متفاوتة.. ولم توظّف العلامات هكذا اعتباطا لتوشية نصوصهم ..ولكن وظّفوها للمواقف التّعبيريّة الّتي يتغيوها.. فهم يستغلونها في التعبير عن مواقف الاندهاش والتعجب، والاستغراب، والاستفهام، والتّأكيد.. ومواقف السّخريّة، والتّهويل وغيرها من المواقف.."35

3-2-خصائص القصص القصير جدّا في(مقابيس من وهج الذاكرة):

       قبل أن نشْرع في قراءة المتن القَصصي القصير جدّا وتشكيلاته الثريّة في تجربة رقية هجريس القصصية، يمْثل أمامنا سؤال يستوضِح المقصود بـ(القَصة القصيرة جدّا)في افتتاح الدّراسة، فنبادر بالقول إنّه :"ليس المقصود من القصّة القصيرة جدّا قصر البناء الفنّي المكتفي بعدد قليل من الكلمات المكثّفة؛ وإنّما المقصود هو حجم الحدث الّذي تعتمده؛ وهو حدث لحظيّ قصير جدّا؛ يعالج موضوعا واحدا، أو فكرة واحدة أو موقفا محدّدا أو جزئيّة من جزئيات الحياة لشخصيّة من الشّخصيات؛ لأنّه حدث كبير فيما يحمله من دلالات مضمرة في ثنايا الكلمات القليلة الضّروريّة؛ يتلقاه القارئ ككلّ وفي الحال وبسرعة شديدة؛ ويتّسع معنى القصّة القصيرة جدّا كلّما تعدّدت أوجه القراءات والتّأويلات؛ ويصبح للحدث الواحد عددا لا متناهيا من المعاني والدّلالات."36

3-2-1-الإيجاز، التّكثيف، المفارقة، السخرية، الحكائية:

      تستغرق القصص القصيرة جدّا في الأضمومة فضاءات لا تتجاوز مساحتها على الورق المقاس14.5/21، ويأتي حجم القصّة متراوحا بين سطر ونصف سطر مثل قصة(قشور الليمون):

"لمّا استنفد كلّ طاقاته وإبداعاته، أُحيل خارج المجال،

وانقطع الوصال والرّحم.."37

       ويبدو أن هذه القصّة القصيرة جدّا تُمثل أصغر وَحدة سرديّة في الأضمومة، إذ تنبني على حدث قائم على ثلاثة أفعال(استنفد..أُحيل..انقطع..)ماضية معبّرة عن حدث عامّ قد تمّ وانقضى غير أنّ إيحاءه قويّ دائم الحضور في ذاكرة المبدع والقارئ.

       وتقتنص القصّة لحظة نادرة في نهر الزمن لتثبّتها في ملفوظ لغويّ، تفتح دروبا للدلالات اللّامتناهيّة، الّتي تختزلها بنية القصّة اللُّغويّة المكثّفة، والموصوفة بالإضمار الذي يجسّد الشّخصية المُغيّبة، وحذف أداة الرّبط، وبناء الفعل إلى المجهول اختصارا، لتأتي خاتمة القصّة عبر قفلة تكرّس شعورا أليما وتحسّرا عميقا صامتا تفجأ الملتقي.

      وتخيّب أفق انتظاره، وتفرز مُفارقة مُدهشة تَخْدَشُ إحسَاسَه، فمآل كلّ التّضحيات الجَسيمة وكلّ البذْل ليس الاعترافَ والإقرارَ والجزاء الوفير كِفاءَ العطاء الوفير.. وهُو ما يُؤمّلُه المتلقّي ويتوقّعه أفق انتظاره، وإنّما النّكران والإهمال والتّجاوز ..والنّسيان.. وقطيعة الرّحم في نهاية الأمر عقوبة أبديّة.. تَتساوق الفكرة وتنتهي بفكرة ضديدة، فتتولّد مفارقة تعبيريّة صارخة.

       وتسفر المفارقة عن وجه قبيح من وجوه مآسينا الاجتماعيّة الّتي أتت من اختلال المنظومة القيميّة لإنسان العصر المتأزّم.

      وتأتي المفارقة خِصيصةً لازمةً في بنية القصّة القصيرة جدّا، وهي إحدى المظاهر التشكيلية الي اشتغلت عليها قصص رقية هجريس بصفة عامّة.

      وقد يتسع الفضاء النصي للقصص لثلاثة (3) أسطر كما في قصّة(ميراث):

هدّ كاهلَها العوز، ذَرفَت دُموعُا حارّةً، ثمّ قالَتْ:

أينَ ثروةُ أبينا الطّائلةُ؟

رَدّتْ: تَقَاسَمتْها زَوْجاتُ إخْوتنا منْذ وَفاتِه.38

       تُظهر بنيةُ القصّة القصيرة جدّا حوارا داخليّا تتجاذب الذّات أطرافه بين استفهام تعجبيّ، وجواب تقريريّ ساخر، لقد طوى الإيجاز المحيط بتفاصيل بنية القصّة تفاصيلا كثيرة لحالة إنسانيّة ماثلة في مُجتمع هدم أعرافه العريقة وهشم تقاليده الرّاسخة، وعطّل مبادئ الشّريعة. وتضمر نقدا عنيفا للمجتمع واستنكارا قويّا لممارسات أفراده الذّميمة حتّى في إطار القرابة والأسرة.

      إنّ الجملة الختامية في القصّة تنهض بسُخريّة مَريرة وتهكمّا لاذعا، لاستماع من ليس له حقّ في الميراث، وحرمان صاحبه منه.

      سُخريّة تتوارى وراء أُسْلُوب يثيرُ في قارئه شعورا بالتّنكيت وتحرّكّ شفاهه لمباشرة ضحكة مبكيّة بابتسام عريض متحفّظ. 

     وتقوم السّخريّة بمثابة السّمة السّارية في جسد القصص القصير جدّا مستغلة الطاقات الكامنة في المفردات وفي بعض التراكيب كالاستفهام هنا.

ومثل قصة(شغور)التي جاء فيها:

"وثَب العُمْرُ، وهُو مُنْهَمِكٌ في أَدَاءَاتٍ، لا يَدْرِي مَا يُخطَّطُ لهُ في زَوَايا النِّسْيان. ذَاتَ مَسَاء مِن نِهاية خَريف، سَقَطتْ وَرَقَةٌ عَلَى مَكْتَبِهِ، لمَّا قرأَها، لَمْ يُصدِّق، انْهَمَرَتْ دُمُوعَه، مَمْزُوجةً بنَزِيف قَلْبٍ، هَرِمَ بين جُدران تَصَدَّعَتْ. غادَر خَاوِي الوِفاض، يفكّر فِي مَأْوَى.39

       تتجسّد الحكائيّةُ أو القصصيّة كركن مهمّ في العناصر السّرديّة المتعارف عليها في فنّ القصّة؛ إذ تتشكّل من حبكة يتمركز فيها حدَث ما أو بعضُ أحداث، تنشأ وتنمو، لتصل قمة التوتّر والتأزّم مكوّنة عُقدة ثم تأخذ في الحلّ والانفراج لتخلص إلى نهاية ما، تديره الحدث شخصيات، في فضاء من الزمن ومن مكان أو أمكنة. تلك هي العناصر الّتي تقوم بها الحكايّة.

       وقد يُستغنَى عن عُنصر أو أكثر لضرورة فنّيّة تتعلّق بالجِنْسِ السّردي الّذي يُتّخذ شكلًا تعبيريّا للكتابة على منواله، كـ(القصص القصير جدّا)الّذي لا تسمح فضاءاته ولا يقبل حجمُه، أحيانا، حضورُ كلّ العناصر السّالفة في لحظة واحدّة أو التّفصيل والتّنويع والتّعديد في أحدها أو فيها جميعا، إذ ذلك يخرج بها عن دائرة الجنس السرديّ القصير جدّا إلى ما هو أعلى منه كالأقصوصة أو القصّة القصيرة.

      والحكائيّة هي معيار فصل وفرز بين ما هو قصّة قصيرة جدّا وما هو غيرها من أنماط تعبيريّة قريبة كالخاطرة، مثلا.

      وبهذه التشكيلة القصصية تدخل قصص رقية هجريس القصيرة جدّا في جنس القصّة القصيرة جدّا بالنظر إلى هذه الخصائص والسمات.

3-2-2-شعرية التّناص في (مقابيس من وهج الذاكرة):

        تبدو نُصوص القصص القصير جدّا "على مستوى بنية اللّغة وكأنّها نصوص مغلقة وبسيطة، وعندما نغوص فيها نجدها نصوصا مائلة إلى تأويلات متنوعة تتناص مع نصوص معرفيّة أخرى، لأنّ فيها زخما هائلا من الدّلالات تبين عمق وفكر صاحبها واطّلاعه على مجالات معرفيّة مختلفة ومتعدّدة. وهي بحكم طبيعتها المكثّفة لا تحيل إلى نفسها وإنّما تحيل إلى دلالات أخرى تتجاور بل تتجاوز المعنى البسيط إلى معاني أكثر عمقا، تتقاطع مع مجالات معرفيّة أخرى أكثر دلالة وأكثر موسوعيّة، نصوص يصعب قراءتها بطريقة تفسيريّة شارحة لسطح القصة القصيرة جدّا؛ بل تحتاج إلى الغوص عميقا في دلالاتها، ولا تكتفي بالحاضر بل تبحث في الغائب فيها، والغائب يبقى مضمرا خفيا في ذهن القاص مهما تعدّدت القراءات."40

      وفي المتن القصصي القصير لرقية هجريس تنفتح القصص على نصوص أخرى من مجالات ذات طبيعة شبيهة أو مختلفة، ويتجلّى ذلك الانفتاح عبر آلية التّناص الّذي يستدعي بطرائق متنوّعة نصوصا غائبة، ويموقعها في بنية النّسيج اللّغويّ مستولدّا دلالات يتمخض عنها التّجاور الجديد والاستضافة الطارئة، ففي قصّة(ذر رماد)، تقول رقية هجريس:

"تجلّت آيات النّكسة والانكسار، خيّم ليل داكن طويل، جاءت فكرة تفصيل على مقاس من ورق، سرى إعلان النّبأ برقا خاطفا، هبّ الغباء طائرا، وزحفت الرّداءة تسعى، لكن حجارة الوادي ظلّت صامدة."41

      إنّ التّناصّ سمة لصيقة بالنّصّ يُولد معها وبها، ويستمرّ من خلالها، والقصّة نصّ يجسّد الفعل اللّغويّ الثقافيّ الحواريّ التّفاعليّ الّذي يهدم الحدود الفاصلة بين النّصوص والأجناس، ويمدّ جسور الإبداع بين القراءة المنتجة والكتابة الخصبة الّتي تغذّي بدورها بذور القراءة الملقاة في تربتها.

      تستوحي القاصّة في خاتمة القصّة المثل الشّعبي الجزائريّ(ما يبقى في الواد غير حجارو)الذي تحتفظ به الذّاكرة الشّعبيّة، وتستحضره في السياقات المناسبة للدلالة على رسوخ ومكوث الأصيل والنّافع في مكانه وفي ترتبته وما سواه يذهب ويزول.

       وقد وظّفت القاصّة على مستوى بنية  التّركيب في القصّة ثلاثة أفعال نابضة بالحرّكة في صيغتها المضارعية الدّالّة على الحال(سرى، هبّ، زحفت..)، ومن خلال سبع جمل فعليّة، ليفاجأ القارئ بجملة اسميّة وحيدة تنزل في آخر القصّة دالّة على الثّبات والسّكون والرّسوخ مثل رسوخ المعنى الّذي تحمله(لكن حجارة الوادي ظلّت صامدة).

        وتستدعي القاصّة، مرّة أخرى، مثلا شعبيّا يدعم موضوع القصّة ويثري دلالاتها، مثيرا حوارا تفاعليًّا بين النّصوص المُتلاقحة، تقول في قصّة(مقايضة):

"عادَ الخرِيفُ مُنْتكِسَ الأَوْراقِ، عَاصِفًا راعدًا، رِياحُهُ تُوَلْوِلُ بِفَحِيحٍ تَضْطَرِبُ لهُ المَشَاعِرُ.. نَظَر إِلَيهَا وابْتَسمَ، ثمّ دَنَا منهَا، وبِعبارَاتِ اللِّين والدّهاء قالَ: بِيعِي حُليَّكِ ومُجوْهرَاتِكِ لنَشْتَرِيَ سِيَّارةً للتّسوّقِ والفُسْحةِ. اِلتَهَبَ البُركَانُ في أَعْمَاقِهَا، وتطايرَ الشَّرَرُ أمَامَ مُقْلتَيْهَا، فردَّتْ: أَينَ حِسَابُ رَصِيدِك؟ انِتَفَضَ وَاقِفًا، يَصيحُ: هَذا مَا تَعْرِفِين. ثُمّ خَرَجَ ولم يَعُدْ...

قَهْقَهتْ وقَالَتْ: هَاتْ يَدّكْ يَا ضْبَعْ للحنّاء."42

      وفي المثل إحالة على قصة النّمر والفهد والذّئب والضّبع، وكيف أوقعت سذاجة الضبع به في مكيدة الذّئب. وتترك القصّة شعورا بالفكاهة والسّخرية والتهكّم من الرّجل الّذي نصب مكيدته للمرأة، الّتي لم تكن بالسّذاجة الّتي يعتقدها، وفضحت نيّته وأوقعت به.

      وإنّ الاسترفاد من الرّصيد التّراثي(الشّعبيّ) أمثالا وحكما ومأثورات شعبيّة يضفي جمالا ومعنى خاصّا على القصص القصير جدّا، وتلك النّصوص والملفوظات المستدعاة لمناسبة السّياق تمنح ذلك التراث الموغل في القدم حياة وحيوية وحركة، وهو يتدفّق في مسارب النّصوص الحديثة الّتي تتغذى على معاني التّجارب الإنسانية البعيدة.

       وهو الأمر الّذي لم يغب عن وعي القاصّة ولم تتخاذل في توظيف خُلاصات تلك التجارب الإنسانيّة الحيّة واستقطاب النّصوص الشفويّة المتوارثة. وسنشير إلى ذلك من خلال الحديث عن التّناص في قصص رقية هجريس فيما سيأتي.

       وحين نتأمّل بعض النّصوص الّتّراثية الشعبيّة، خاصّة، الّتي تتداخل في نصوص القاصّة كـ(هَاتْ يَدّكْ يَا ضْبَعْ للحنّاء) و(ما يبقى في الواد غير حجارو) ندرك أنّ القاصّة لا تخرج في(تناصها) عن المرجعية الثقافية الجامعة التي توحّد بينها وبين قارئها، ولا تحيد عن فضائها الثقافي المحيط، تشترك وقارئها في مرجعيّة واحدة للفهم والتفسير والتّأويل، فـ"المبدع هنا والآن، كائن ثقافي ومعرفي لا سبيل له إلّا بالكتابة في إطار معرفيّ ما، ومن مرجعيّة تفرض عليه إشراك القارئ بفتح مسارات لكل ما هو مشترك بينه وبين ذلك القارئ."43

       فضلا عن لغة المجاز والتّصوير الشّعريّ الذي يسم جمل القصّة، ويشي بانزياحات تخفّف وطأة واقعيّة السّرد وموضوعيّة الأحداث، لترتفع بالقيمة الأدبيّة للقصّة، وتمنح(الخبر)فيها لمسات فنّيّة وجماليّة.

       ولإشراك القارئ في القصّة تلجأ القاصّة إلى الحذف وإلى التّغطيّة على المعنى، فتستعمل علامة التّرقيم المفيدة للحذف(...)ليتأوّل القارئ المعاني النّاقصة ويبذل جهدا في ملء الفجوات والفراغات المتروكة قصدا، وينشط مخيّلته لتملأ الفراغات بما يدور في أفقه. إنّ الحذف وسيلة استدراج فنّية للقارئ للاشتراك في بناء القصّة وإنتاج دلالاتها.

3-2-3-شعرية الرّمز في (مقابيس من وهج الذاكرة):

       ويتمثل ذلك التّوظيف الرمزي للغة الطّبيعة الحية والجامدة في القصص الآتية، ففي قصّة(تكتّل) تقول رقية هجريس:

"أداروا الظّهور للبراعم والورود والسّنابل، صمّ، بكم، عميّ، أحاطوا مملكتهم بسياج من الأشواك، لمّا نبت زرعهم اختنق، فذبلت أزهارهم وماتت، أمّا البلابل والعصافير والحمائم، فقد هاجرت إلى فضاءات أنقى وأرحب."44

       تستعير رقية من الطبيعة رموزا نابضة بالمعنى والدلالة للتعبير عن مقاصدها، تستعير(البراعم، الورود، السنابل، الأزهار، البلابل، العصافير والحمائم..)وهي تحمل دلالات إنسانية تعبر عن عالم رقية هجرييس وعن تجربتها في هذه القصة المشوبة بالغموض والفراغات التي تحفز على القراءة التأويلية للرموز المستعملة، ومن ثمّ مقاربة المحتوى الرمزي والسيميائي للرموز والعلامات الموظّفة في القصص.

وتلجأ رقية في قصّة(عضّ الثّعالب)إلى الرمز، أيضا، تقول رقية هجريس:

"تصادق ثلاثة ثعالب، خبيرة في فنّ الدّهاء، مع أرنبة بيضاء، تعشق الورود، وانسياب المياه المتلألئة، وسخاء الغيث المنهمر. عزموا على السّفر، لقضاء يوم جميل على ضفّة نهر دافق، معشوشب، أخضر.

عجّلت بالبكور، تترقّب القدوم، وفي الحضن باكورة تفّاح وباقة عشب غض، وفواكه يانعة، مضى النّهار، وخيم الظّلام، ارتعشت له الفرائص، وما بدا لهم أثر؟..فغادرت متسترة، وفرّت عن الأنظار لاهثة، تسبح، ولسان حالها يردّد: النّجاة، النّجاة."45

       وحين تستعمل رقية هذه الرموز فهي تستفيد من طاقتها الإيحائية ومن رصيد الخبرة الإنسانية المركوزة في اللاوعي الجمعي، حيث ارتبطت بهذه الحيوانات الشرسة الماكرة والأليفة المستأنسة دلالات عميقة، وهي تعكس عالم البشر المضطرب بكل تناقضاته، بخيره وشرّه.

      وتوظف رموزا قريبة من السابقة للتعبير عن بعض نوازع البشر ورصد السلوكات المختلفة في المجتمع، ففي قصّة(بين ثعلب وثعبان)، تقول:

"فريسة بلهاء في مجلس داهيّة، وحيّة رقطاء، سال لعاب طمعها، ورجت حظّها من غنيمة مغريّة، نسج الثّعلب شرنقة، محكمة البناء، متينة اللّف، وانطوى الثّعبان، فأحاط، وابتلع المأمول والمرتجى، ثمّ لدغ الثّعلب، فما نجّاه مكر ولا دهاء."46

       فالحية والثعلب والثعبان أقنعة لنماذج من البشر، تعيش في واقعنا لتأتي القصة القصيرة جدّا وتقتنص لحظات هاربة في نهر هذا الواقع ومن تاريخهما الزاحف الى الماضي، وتثبتها في هذا المتن، و ترصد الواقع سافرا حينا ومتقمصا أقنعة ووجوها رمزية حينا آخر. 

       ولعل رقية تستفيد من الأشكال القصصية السردية التراثية التي يدار فيها الحكي على ألسنة الحيوان كما نلمس ذلك في كليلة ودمنة لابن المقفع ، وتلك القصص التي تنسج بقصد النّصيحة والتوجيه والاتعاظ والاعتبار.

       وما تقدّم من إشارات مقتضبة إلى سمات وخصائص القصص القصير جدا في مجموعة(مقابيس من وهج الذاكرة)، تنطوي على ثلاثة أفضيّة سردية؛ الفضاء النّصيّ، الفضاء الدّلاليّ، والفضاء المكانيّ؛ والمقصود بالفضاء النصّيّ كتابة القصّة في حيّز الورقة وطريقة توزيع جملها وتراكيبها؛ أي الشكل الهندسي الذي تتخذه في الورقة، وما يرتبط بذلك من بياض وسواد وأمور طباعيّة أخرى. والغالب في قصص الأضمومة أنّ كلّ قصّة تشغل حيزا خاصا بها على الورق، والفضاء الدلاليّ: والمقصود به ناتج اللغة في لعبة إنتاجاتها المجازية الدّلاليّة، إذ الصّورة تشكل فضاء لغويّا متّسما باستعاراته وتشبيهاتها ..ودلالات مفرداتها وتراكيبها المنزاحة، وأسهم الرمز بدور فعال في تشكيله. والفضاء المكانيّ: والمقصود به ما يؤطّر حدث القصّص، ويعدّ مسرح حركة شخصيّتها، كالمكان(الطبيعي) الذي ينمو في الحدث وتتحرك الشخصية.

       ولقد تصرّف كتاب القصص القصير جدّا في الشّكل الهندسي للقصص، وأبدعوا في التّنويع في فضاءاتها، "الشّيء الّذي يجعل القراءة البصرية متنوّعة ومتعدّدة الجوانب.. وهذا التّنوّع يؤدّي أيضا إلى التنوّع في الشّكل والتّشكيل الهندسي.. حيث نجد اختلافا في الكتابة الطوبوغرافية للنّصوص القصصيّة.."47

       وتفيد رقية هجريس من أنواع من الفضاءات لتوزّع على شاكلتها متون قصصها القصيرة جدّا، كالفضاء السرديّ  الذي يتجاوز النص القصصي فيه السطر الواحد، ويمتدّ السّرد48وهو ما نلحظه في عدد من قصص رقية، كقصة(الأمّ) الّتي تقول فيها:"

"عجز الجسد الّذي كان آية الجمال والرّشاقة، كلذت أعضاؤه، ضمرت عضلاته، وما عادت تقوى على شيء.. نأى الأبناء، كلّ وفق مصالحه، ناسين، متجاهلين، فأضحت وحيدة، تتجرّع مرّ الفراق وآلام الدّاء في سن قيل عنها((أرذل العمر))لا فرق بينها وبين متاع مودع في زاوية البيت، تشكو ولا يسمعون، تئنّ، تبكي، لا أحد يضمّد جراحها إلّا الفراش...

في ليلة من ليالي الصّقيع، صرخت بما تبقى في حنجرتها، رفعت رأسها، وأومأت بيد مرتعشة، لتوصي بشيء.. لكن لا أحد تفطّن .. مضت عابرة سبيل في دنيا الوحدة والأمل."49

        وكالفضاء المشهدي الحواريّ الذي يعتمد فيه النّص القصصي الحوار والمشهد الدراميّ، ونتلمس فيه نوعا من المسرحة50، قد يطول فيه الحوار أو يقصر، وهو ما يتحقق في نصوص قصصية عدّة، مثلما نلحظه في نص(تهميش)الذي تقول فيه رقية:

"كنت في غرفتي، أطلّ على حديقة، فتنتني بسحر جمالها اخضرارها، وتفتح أكمام زهر أشجار مثمرة.. أيقظني من نزهتي طرق خفيف على الباب، لمّا فتحت، ذهلت.. شابة جاءت تسألني:

-سيّدتي لم همشت؟..

قلت:

في رأيك لم كان ذلك؟

فكّرت، ثمّ ردّت:

لأنّك نشرت الغسيل، ولم تعبري السّرير.

-الحمد لله  رسالتي وصلت."51

       وعادّة ما يميل الحوار بالنصّ من سرديته المألوفة إلى (المسرحة)لتتداخل هويتان أدبيتان مختلفتان في هويّة جديدة ممزّقة تلك الفواصل الملحوظة بين الأنواع الأدبية.

       وهذا التنويع في تشكيل فضاءات القصص في مجموعة(مقابيس من وهج الذاكرة)، بالاستفادة من الفنون الأخرى يكسر رتابة القالب الواحد والبناء الثّابت ويشرع الباب أمام القاصّة للتّجريب والإثراء والإبداع الملائم للموقف وللفكرة.

 

خاتمة:

       يتألّق المشهد الأدبيّ والثّقافيّ في الجزائر بأسماء قاصّة لامعة أسهمت في كتابة القصص القصير جدّا، ويومض بأقلام أبدعت في التجريب في مضمار السرد القصصي المختزل المتميّز الجديد، سليل القصّة القصيرة وثمرة الوسائط التكنولوجيّة الحديثة.

       ويتقدّم لائحة أسماء كتاب القصة القصيرة جدا في الجزائر السّعيد موفقي، خالد ساحلي،  ، عبد الكريم ينينة، عبد الرزّاق بو كبّة، محمد الكامل بن زيد، عبد الرزاق بادي،  بشير ونيسي...وآخرون.

       ولقد أسهمت الأقلام النّسويّة(الأنثويّة) في كتابة القصة القصيرة جدّا، فلم تعد كتابةُ هذا النّوع السّرديّ رهينة فئة ذكوريّة وامتيازا لها، تستحوذ عليه وتفرض هيمنتها(الذكورية)، فقد لمعت أسماء مميزة في القصة القصيرة جدا من أمثال رقية هجريس ومريم بغيبغ... وغيرهما.

      وبذلك تكون المشاركة الجزائرية في كتابة القصص القصير جدّا أصيلة راسخة، عميقة ومتجاوزة، وتجربة متميّزة منذ أن تقرّر بأنّ "ثمّة شكلا أدبيّا جديدا يولد؛ وظاهرة لها ملامحها وسماتها المميّزة باتت تفرض نفسها على واقع الحركة الأدبيّة؛ ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو تجاوزها سكوتا وإعراضا ألا وهي القصّة القصيرة جدّا."52

       قد أسّس المَتْنُ القَصصِيّ القَصيرُ جِدًّا في الجزائر تراكمًا ملفتا للانتباه على صعيديّ الكم والنّوع، وانتشر في الصّحف والمجلّات، وذاع في المواقع الالكترونيّة، وفي المجاميع القصصيّة الصّادرة، وعلا صوته من على منابر النّدوات والملتقيات، فأصبح جديرا بالدّرس النّقديّ الموجّه والمقيّم والواصف والمحلّل والمؤوّل. بغرض التّعريف بهذا النّوع السّرديّ وممارساته في هذا القطر العربيّ، والتّعريف بروّاده ومبدعيه والتّعريف بنصوصه والتّعرّف إلى خصائصه وسماته وأساليبه وملاحظة علاقاته والوقوف عند تطلعاته وآفاقه.. ليرتسم واضحا متألقا الجزء المعتّم في خارطة القصص القصير جدّا في الوطن العربيّ.

       وإنّ المتن القصصي القصير جدّا النسائي بعدّه جزءا من ذلك المتن الكبير الواسع جدير بقراءة خاصّة، تتطلّع إلى معرفة خصوصياته الجمالية والشعرية والموضوعية والكشف عن بنياته الأسلوبيةّ وأبعاده الدّلالية المختلفة، سعى البحث إلى قراءة تجربة رقية هجريس وأخرى في تجربة مريم بغيبغ سعيا إلى تحقيق ذلك الغرض.

       ويتميز القصص القصير جدّا بالتّجريب الذي يستند إلى وعي بالتّجربة وبالفضاء السّردي ووعي عميق في كتابة القصص، وتتنوع النّماذج والرؤيات والخصائص الأسلوبية والمقاربات الجمالية داخل والفضاء النوعي للقصص القصير جدا خصوصا رغبة في اقتراح تشكيل خاص للقصص القصير جدّا

الهوامش

1. - عبيد(محمد صلبر): التشكيل النصي الشعري، السردي، السيرذاتي، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2014، ص:129.

2.--المرجع نفسه، ص:129.

3. - محمد يوب: القصة القصيرة جدا، ص: 35.

4. - جميل حمداوي:( القصة القصيرة جدا، الجنس الأدبي الجديد)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:68.

5. - المرجع نفسه، ص: 68.

6.- المرجع نفسه، ص: 69.

7. - ناتالي ساروت: انفعالات، تر: فتحي العشري، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1991.

8.- محمد يوب: القصة القصيرة جدا، ص:61.

9. - ناتالي ساروت: انفعالات، تر: فتحي العشري، ص: 12.

10.- جميل حمداوي:( القصة القصيرة جدا، الجنس الأدبي الجديد)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:68.

11.- أسامة البحيري:( دراسة في نصوص القصة القصيرة جد في الوطن العربي)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:40.

12.- ناتالي ساروت: انفعالات، تر: فتحي العشري، ص ص: 12، 21.

13.- المصدر نفسه، ص: 43.

14.- محمد أقضاض: مقاربة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، ص: 158.

15.- وينظر: أسامة البحيري:( دراسة في نصوص رواد القصة القصيرة جد في الوطن العربي)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:69 وما بعدها.

16.- نبيل جديد، الرقص فوق الأسطحة، دمشق، ط:1، 1976.

17.- أسامة البحيري:( دراسة في نصوص رواد القصة القصيرة جد في الوطن العربي)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:40.

18.- جبير المليحان: قصص صغيرة، دار المفردات والنادي الأدبي بالجوف، السعودية، ط1، 2008.

19.- جبير المليحان : (صغيرة لماذا)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:27.

20.- محمد المخزنجي: الآتي، دار الشروق، القاهرة، ط: 3، 2007م.

21.- المصدر نفسه، الغلاف الخلفي، وينظر: أسامة البحيري:( دراسة في نصوص رواد القصة القصيرة جد في الوطن العربي)، مجلة الراوي، ع: 25، ص:48.

22.- جميل حمداوي: القصة القصيرة جدا، الجنس الأدبي الجديد، مجلة الراوي، ع: 25، ص:69.

23.- إبراهيم درغوثي: (ذلك الديناصور الذي أسرني، عن القصة القصيرة جد) مجلة الراوي، ع: 25، ص:22.

24.- عبد المالك مرتاض: القصة الجزائرية المعاصرة، المؤسسة الوطنية للكتاب، (د، ط)، 1990، ص: 7.

25.- حبيب مونسي: (تقنية القصة القصيرة جدا وجمال التّكثيف )جريدة الشعب، 15 - 11 - 2015

26.- المرجع نفسه.

27.- https://www.albayan.ae/five-senses/2002-03-04-1.1294009

28..- http://www.startimes.com/f.aspx?t=11212920.

29.-علي لونيسي: خمس قصص قصيرة جدّا، مجلة آمال، مجلة أدبية ثقافية، وزارة الثّقافة، الجزائر، ع:63، 1995، ص: 96.

30.- مخلوف عامر: مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1998، ص: 101.

31.65-http://www.dzroman.com/?p=663

32.- محمد يوب: القصة القصيرة جدا، ص: 51.

33.- أحمد جاسم: القصة القصيرة جدا، دار عكرمة، دمشق، ط: 1، 1997.

34.- رقية هجريس: مقابيس من وهج الذاكرة، ص: 7.

35.-محمد داني: جماليات القصة، ص: 154.

36.- محمد يوب: القصة القصيرة جدا، ص: 59.

37.- رقية هجريس: مقابيس من وهج الذاكرة، نوميديا للطباعة والنشر والتتوزيع، قسنطينة، الجزائر، (د، ط)، 2013، ص: 38.

38.- المصدر نفسه، ص: 27.

39.- المصدر نفسه، ص: 51.

40.- محمد يوب: القصة القصيرة جدّا، ص: 60،

41.- رقية هجريس: مقابيس من وهج الذاكرة، ص: 12.

42.- 74-المصدر نفسه، ص: 15.

43.-محمد سعيد البقالي: وجوه السرد وسرد الوجوه في مجموعة(خيال مريض) لنحمد البشير المسري، مجلة فكر العربية، جمعية مدرسي اللغة العربية للتنمية الثقافية والاجتماعية، ع:1، س:2، 2016، ص: 43.

44.- المصدر نفسه، ص: 25.

45.- المصدر نفسه، ص: 32.

46.- المصدر نفسه، ص: 33.

47.-محمد داني: جماليات القصة، ص: 78.

48.-المرجع نفسه، ص: 79.

49.-رقية هجريس: مقابيس من وهج الذاكرة، ص:9.

50.-محمد داني: جماليات القصة القصيرة جدا، ص: 84.

51.- رقية هجريس: مقابيس من وهج الذاكرة، ص:62.

52.- محمد يوب: القصة القصيرة جدا، ص: 51.

رابح بن خوية, «القصة القصيرة جدا في الأدب العربي –الجزائر أنموذجا-»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 01 مجلد 16-2019N°01 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 153-167,
Date Publication Sur Papier : 2019-04-11,
Date Pulication Electronique : 2019-04-11,
mis a jour le : 11/04/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5501.