جدلية التناول المفاهيمي للمجتمع المدني في ظل التنظير السوسيولوجي -مقاربة سوسيو-تاريخية-The dialectic of the conceptual approach of civil society under sociological theory. -Socio-historical approach-
XML sitemap





































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

جدلية التناول المفاهيمي للمجتمع المدني في ظل التنظير السوسيولوجي -مقاربة سوسيو-تاريخية-

The dialectic of the conceptual approach of civil society under sociological theory. -Socio-historical approach-
ص ص 217-227
تاريخ الارسال: 12/07/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

سلمى كوندة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

لقد تناولنا بالدراسة في هذا المقال العلمي اختلاف وجهات نظر المفكرين السوسيولوجيين حول مصطلح المجتمع المدني، الذي اتسم بتحولات جذرية منذ ظهوره؛ إذ لم يتطور دفعة واحدة، أو على يد مفكر واحد، بل نشأ وتطور بفضل تراكم إسهامات العديد من الفلاسفة والمفكرين السوسيولوجيين الذين أثاروا جدلا كبيرا نتجت عنه عدة رؤى إيديولوجية، وعليه عمدت الباحثة إلى النظر في خلفية المفهوم من خلال تقديم مقاربة سوسيو-تاريخية، والتأكيد على هذا الاختلاف المفاهيمي للمجتمع المدني، ولفت الانتباه إلى التطور التاريخي الذي مر به.

فالجدل القائم حول المفهوم يقودنا بالضرورة إلى التأكيد على أصوله وظروف نشأته، اعتمادا على التنظير السوسيولوجي، الذي يتيح إبراز دلالات المفهوم، والكشف عن مضامينه، وهذا ما جاء في جوهر الدراسة الحالية.

الكلمات المفاتيح: المجتمع المدني، المجتمع السياسي، المفاهيم السوسيولوجية، علم الاجتماع، القطاع الثالث

Nous avons étudi, dans cet article, les points de vue divergents des penseurs sociologiques sur le terme « Société Civile », marqué par des transformations radicales depuis son émergence, non développée à la fois ou par un seul penseur, mais ayant grandi et évolué grâce à l'accumulation de contributions par de nombreux philosophes et penseurs sociologiques qui ont suscité une grande controverse aboutissant à plusieurs visions idéologiques. En effet, la contribution examine l'arrière-plan du concept en présentant une approche socio-historique, en soulignant cette différence conceptuelle de la société civile et en attirant l'attention vis-à-vis du développement historique qu'il a subi.

La controverse entourant le concept nous amène nécessairement à souligner ses origines et les circonstances de sa genèse, basées sur la théorisation sociologique, qui permet la présentation des concepts et la divulgation de son contenu, qui est au cœur de la présente étude.

Mots-clés : Société civile, Société politique, Notions sociologiques, Sociologie, Troisième secteur

In this article, we study the different views of sociological thinkers on the term Civil Society, which has been marked by a radical transformations since its emergence. The term did not develop at once or by a single thinker, but has grown up and evolved through the accumulation of contributions by many philosophers and sociological thinkers, who aroused a great controversy that resulted in several ideological visions.  Therefore, the researcher examined the background of the concept by presenting a socio-historical approach, and emphasizing on this conceptual difference of civil society, and drawing attention to the historical development it has undergone. The controversy surrounding the concept necessarily leads us to underline its origins and the circumstances of its emergence, based on sociological theorizing. It allows the presentation of the significance of the concept and the disclosure of its content, which is at the heart of the present study.

Keywords: Civil society, Political society, Sociological concepts, Sociology, Third sector

Quelques mots à propos de :  سلمى كوندة

جامعة محمد لمين دباغين -سطيف2 selmaridha@gmail.com

مقدمة

من المتفق عليه أن لكل علم مفاهيمه الخاصة تميزه عن العلوم الأخرى، بل ويعد المفهوم (Le consept) شرطا أساسيا لظهور العلوم وقيامها كتخصصات معرفية قائمة بذاتها، إلا أنه بالمقابل توجد مفاهيم مشتركة بين العديد من العلوم، وخاصة العلوم الاجتماعية التي تحوي تداخلا وتشابكا مفاهيميا كبيرا في العديد من المصطلحات أثير حولها الكثير من الجدل بين علمائها ومنظريها.

والمجتمع المدني (Société Civile) كأحد أهم المفاهيم الاجتماعية الذي اختلف حوله الباحثون بين مدافع عنه وناقد له، اتسع  استخدامه بشكل كبير في التسعينيات من القرن الماضي، وتزايدت  الدراسات والأبحاث التي تطرقت إليه، ولاسيما  في ظل التحولات التي مست المجتمعات المعاصرة، وعجز القطاع الحكومي والقطاع الخاص على مجاراتها والتصدي لها، هذا العامل الأساسي الذي أثر في ظهور  قطاع ثالث عرف "بالمجتمع المدني"، وأيضا في ظل الحاجة لإشراك المواطنين  في اتخاذ القرارات التي تخص شؤونهم وشؤون العامة، والسير في طريق الديمقراطية.

وتجدر الإشارة بأن مفهوم المجتمع المدني هو قرين بالفكر الغربي، فمنذ ظهوره شكل تراكما معرفيا ضخما حول مضمونه ودلالته وسياقه التاريخي، وعليه تحاول الباحثة من خلال هذا المقال العلمي تبيان نشأة المفهوم، وإبراز دلالاته وأبعاده في ظل النظرية السوسيولوجية، مع الإشارة إلى أركانه وخصائصه ومؤسساته، وبالتالي تتمحور الإشكالية في التساؤل الرئيسي الآتي:

ما هو مفهوم المجتمع المدني؟ وما هي الخلفية السوسيو-تاريخية لهذا المفهوم؟

أولا-جدلية مفهوم المجتمع المدني

شكل مصطلح المجتمع المدني اختلافا كبيرا لدى الباحثين؛ فمنذ ظهوره لاقى محاولات عديدة حول إيجاد مفهوم واحد متفق عليه، مما نتج عنها تعدد التعريفات النظرية التي خاضت فيه، ولقد أدى هذا التنوع المعرفي إلى نقاش واسع بين مختلف الباحثين في العلوم الاجتماعية، ولاسيما العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، وذلك لارتباط المفهوم بالدولة والمجتمع السياسي.

  وكون أن المصطلح هو غربي الأصل فيلفظ باللغة الفرنسية (Société Civil) لذا لا يوجد تعريف دقيق له في المعاجم السياسية والفلسفية والاجتماعية العربية، و(Société) كلمة لاتينية تعني مجتمع، أما (Civil) فهي من أصل لاتينيِ(Civis) أيضا وتعني المواطن، وليست مشتقة من (Civilization) كما هو شائع، وكلمة (Civis) في ترجمتها تشير إلى مدني من المدينة أو التمدن، والمدينة تعني المكان الذي يجتمع فيه الأفراد للعيش معا استجابة للعوامل المختلفة، وبالتالي يحتضن الشأن العام.1

ويعرفه (جون لوك) في كتابه "الحكومة المدنية" بأنه: مجموع الأفراد الذين يجتمعون في هيئة واحدة، ويخضعون لقانون وسلطة شرعية عامة، تؤدي إلى فض المنازعات بينهم، والالتزام بقانون الطبيعة".2

كما يعرفه الإيطالي (أنطونيو غرامشي) بأنه: مجموعة من البنى الفوقية مثل: النقابات والأحزاب والمدارس والجمعيات والصحافة والآداب والكنيسة.3

وعرفه المفكر الألماني (هابرماس) بأنه: نسيج من الجمعيات والهيئات الاجتماعية التي تناقش الحلول الممكنة لبعض المشاكل المرتبطة بالمصلحة العامة.4

وتعرفه منظمة الأمم المتحدة على أنه مجموعات طوعية لا تستهدف الربح ينظمها مواطنون على أساس محلي او قطري أو دولي، يتمحور عملها حول مهام معينة، ويقودها أشخاص ذوو اهتمامات مشتركة، وهي تؤدي طائفة متنوعة من الخدمات والوظائف الإنسانية.5

وهذه التعريفات السابقة كلها تعريفات غربية، أما تعريف المجتمع المدني بالنسبة لباحثينا العرب فقد قدموا الكثير حوله ويمكن تقديم البعض منها في:

يعرفه حسنين توفيق إبراهيم بأنه: مجموعة الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية تنتظم في إطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى والتكوينات الاجتماعية في المجتمع، ويحدث ذلك بصورة ديناميكية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية التي تنشأ وتعمل باستقلالية عن الدولة.6

كما يعرفه الدكتور سعد الدين إبراهيم بأنه: مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف.

ويتفق الدكتور عبد الغفار شكر مع سعد الدين إبراهيم في أن المجتمع المدني هو: مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها.7

ويبدو جليا بأن كل التعريفات تشترك في نقاط وتختلف في نقاط أخرى للتوصل ولاستخلاص مفهوم أقرب للمجتمع المدني في بيئتنا الاجتماعية، ويمكن تحديد النقاط المشتركة في الآتي:

-                       المجتمع المدني تنظيم تطوعي غير هادف للربح.

-                       المجتمع المدني يشكله أعضاء أو أفراد من المجتمع.

-                       المجتمع المدني يقع بين الأسرة والدولة.

-                       المجتمع المدني هيئة اجتماعية غير رسمية.

-                       المجتمع المدني يهتم بشؤون الصالح العام.

-                       المجتمع المدني هو هيئات تعمل في المجال السياسي والثقافي والاجتماعي ولا تهدف للوصول إلى السلطة.

وعليه وبناء على هذه النقاط الجوهرية يمكن القول بأن المجتمع المدني إجرائيا هو مفهوم غربي نشأ وتطور في الفكر الغربي السوسيولوجي، ويمثل مجموعة التنظيمات الاجتماعية والسياسية والثقافية غير الرسمية، والتي تعمل بالتوازي مع الدولة وتتميز بالطابع التطوعي المستقل ذاتيا، وتسعى إلى تحقيق منافع ومصالح أفراد المجتمع.

وفي ذات السياق يلاحظ من خلال هذه التعريفات النظرية المتداولة أن المجتمع المدني لم ينشأ في الآونة الأخيرة فقط، بل أصول وجذور المفهوم تعود إلى ما قبل ذلك، ويبدو ذلك من خلال تناول الفلاسفة والمفكرين له في فترات زمنية قديمة، الأمر الذي يستدعي الخوض في سياقه التاريخي، وإبراز طريقة نشأة المفهوم وتبلوره في الفكر الإنساني المعرفي.

ثانيا-إشكالية التناول السوسيو-تاريخي لمفهوم المجتمع المدني

إن ظهور مفهوم جديد في الحقل المعرفي يرتبط بالضرورة  بالتغيرات والتحولات التي تمس المجتمعات سواء على الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، ومصطلح المجتمع المدني ليس جديدا على الإطلاق، بل  له علاقة وثيقة بالفكر الغربي الذي يعود بجذوره إلى القرون القديمة، ويدل استعماله في المراحل المختلفة للفكر الغربي على القطيعة المتعددة الأشكال مع النظام السياسي والاجتماعي إلى الشكل المدني ككيان مستقل وقادر على تحديد مستقبل الدولة، وهو بذلك محصلة النقاش الحاصل في سياقات الفلسفة السياسية الغربية التي احتضنت هذا المفهوم، إلا أن صياغاته أثارت جدلا كبيرا بين الفلاسفة والمفكرين، وعليه وفي هذا الصدد يمكن استعراض السياق التاريخي لمفهوم المجتمع المدني انطلاقا من الفلاسفة اليونانيين وصولا إلى المفكرين السوسيولوجيين.

أ -المجتمع المدني في ظل الفلسفة اليونانية والرومانية القديمة

تؤكد وجهات نظر كثيرة أن مصطلح المجتمع المدني يعود إلى الحقبة اليونانية، أي إلى أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد،... "فقد وضع أفلاطون في الكثير من مؤلفاته السياسية وخصوصا في كتابي "الجمهورية" و"القوانين"  تفسيرا لكيفية انبثاق الحياة السياسية وهو ما عبر عنه بأول بداية للدولة باعتبارها نتيجة لتدخل عوامل طبيعية افتراضية، فاعتبر مبدأ الحاجة هو حاجة الإنسان إلى مؤازرة بني جنسه، وإحساسه بالخوف والفاقة والجهل...الخ، وهو الذي دفعه إلى الاجتماع بنظائره، ومن ثم تكونت لديه غريزة طبيعية وهي الميل إلى الاجتماع".8

بمعنى أن أفلاطون(427-347ق.م) من خلال مؤلفاته رسم المدينة الفاضلة للمجتمع المدني العادل، واضعا أسسها على حكم العقل، حيث ينشأ المجتمع نتيجة لحاجة البشر إلى الآخر، والتي لا يمكن إشباعها إلا بالتعاون بين أفراد ذلك المجتمع المدني.

والمتتبع للحقبة الفلسفية اليونانية يرى بأن مصطلح المجتمع المدني ظهر أكثر في فكر الفيلسوف أرسطو(384-322ق.م)، إذ تناول مصطلح (koinonía  politikè) ويعني به اتحاد أو رابطة مواطنين 9، وبالتالي يمثل المجتمع المدني حسبه مرادفا للرابطة السلطوية في دولة المدينة الأثينية (Polis) وهي جماعة من المواطنين تترابط لأجل هدف خيري، ومفهوم أرسطو لهذا المصطلح –Polis- أو المجتمع المدني يؤسس إلى لون من الجمهورية الارستقراطية التي تبنى قواعدها على مواطنين أحرار، يملكون ما يكفي من الثروة، ومن وقت الفراغ كي يتفرغوا للاهتمام بما هو سياسي أي بالشؤون العامة.10

وأشار أيضا إلى أن المجتمع المدني هو "مجموعة سياسية تخضع للقوانين"، بمعنى أنه لم يميز بـين الدولـة والمجتمع المدني، فالدولة عنده بصفه خاصة، والفلسفة السياسية اليونانية بصفه عامـه يقصد بها مجتمعا مدنيا يمثل تجمعا سياسيا أعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفـون بقـوانين الدولة ويتصرفون وفقها.

وقد دعا أرسطو إلى تكوين مجتمع سياسي تسود فيه حرية التعبير عن الرأي، ويقوم بتشريع القوانين لحماية العدالة والمساواة، إلا أن المشاركة في هذا المجتمع السياسي تقتصر على النخبة، ويحرم منها ومن حق المواطنة العمال والأجانب والنساء .11

ولم يتوقف المفهوم عند فلاسفة اليونان، بل امتد أيضا إلى المفكرين الرومانيين، الذين اتجهوا مثل اليونانيين لمماثلة الدولة بمجتمع المواطنين، فأدخلوا بعض التطورات العامة الملموسة في انفصال الدولة عن المجتمع المدني، وظهر هذا الانفصال في القانون الروماني الذي ميز بين المجالات العامة والمجالات الخاصة، وأعطى للملكية الخاصة مكانة قانونية مرموقة، فظهورها ظهور لفكرة المجتمع المدني12

بمعنى أن الظروف التي نشأ فيها المجتمع المدني عند الإغريق والرومان انبثقت من الحاجة إلى المدينة المثالية التي تقوم على العدالة والمساواة الخارجة عن إطار سلطة الدولة وحكامها.

ب-المجتمع المدني حسب أصحاب العقد الاجتماعي (توماس هوبز، جون لوك وجون جاك روسو)

لقد تبلور مفهوم المجتمع المدني من خلال مفكري نظرية العقد الاجتماعي انطلاقا من فكرة انفصال الفرد عن الدولة باعتبار حقوقه الطبيعية، والتي برزت مع التملك والملكية الخاصة. وذلك من خلال تحاكم الأفراد إلى صيغة قانونية افتراضية لتأسيس السلطة بمعيار دنيوي بدلا من المعيار الديني، فقد شكلت إسهاماتهم أولى الأفكار التي عبرت عن إرادة الفكر الغربي في إبعاد السيطرة الدينية عن المجتمع، وذلك لحماية الفرد وحقوقه الطبيعية

فيرى الفيلسوف "توماس هوبز"(1588-1679م) أن السلطة المطلقة ليست مستمدة من الله، بل إنها مستمدة من الطبيعة، فالحاكم المطلق لا يقوم على أساس نظرية الحق الإلهي، ولكن على أساس التعاقد الحر الذي يتم بإرادة أفراد متساوين ومستقلين يتنازل فيه الأفراد إراديا عن حريتهم وحقوقهم للسلطة الحاكمة القائمة على احترام التعاقد، والمجتمع المدني عنده قائم على التعاقد ولو اتخذ شكل الحكم المطلق13، بمعنى أن أصل الاجتماع البشري حسب (توماس هوبز) هو نتيجة منطقية لحاجة الإنسان لحماية مصالحه وتنظيمها تحت مظلة مجتمع يكون الفرد جزءا أساسيا فيه.

أما المفكر جون لوك(1632-1704م) فقد أعطى للمجتمع المدني أهمية كبيرة، إذ كان من أكثر مفكري مدرسة العقد الاجتماعي اهتماما بهذا المصطلح، والذي يقصد به "وصف ذلك المجتمع الذي داخله الأفراد، لضمان حقوقهم المتساوية التي تمتعوا بها  في ظل القانون الطبيعي، لكن غياب السلطة القادرة على الضبط في المجتمع الطبيعي كان يهدد ممارستهم لهذه الحقوق، لذا اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين ذلك المجتمع المدني ضمانا لهذه الحقوق ثم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة للسلطة الجديدة، التي قامت بإرضائهم والتزمت بصيانة حقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والتملك، والتزام أفراد ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة طالما التزمت بعناصر ذلك الاتفاق معهم، أما إذا خرجت عنه فإنها تفقد كل أسس طاعتهم لها، ويصبح من حقهم أن يثوروا عليها ويحلوا محلها سلطة أخرى أكثر اتساقا في احترامهم لحقوقهم".14

وعلى العموم فالمجتمع المدني حسب جون لوك يظهر عندما يسلم الأفراد أمرهم لسلطة حكومية بالقدر المشروع على حسم المنازعات فيما بينهم، ووجود حقوق الفرد الشخصية في حالة الطبيعة، هي الضمانة الحقيقية لحماية هذا الفرد في حالة المجتمع من تجاوزات هذه السلطة الحكومية.

وإذ كان الأمر كذلك فإنه بالمقابل  يؤكد جان جاك روسو (1712-1788م) على أن ميلاد المجتمع المدني مقترن بمبدأ التملك، وقد رأى بأن رغبة الامتلاك تعد بداية الشر باعتبارها تجر إلى شهوات أخرى غيرها، فتسمح بظهور التفاوت في الملكية بين الأفراد وعدم المساواة، وهذا كله نتيجة الاستبداد،  وتختلف المساواة هذه مع المساواة الأصلية التي مصدرها الطبيعة، وتكون السبيل لتحقيق العدل ودفع التفاوت والبحث عن صيغة جديدة من العيش والوجود، وبالتالي إقرار تعاقد اجتماعي يضمن الحرية والمساواة المطلقة أمام القانون للموجودين داخل المجتمع الواحد.15

ويؤكد روسو على حرية الإنسان الطبيعية التي يتنازل عنها للآخرين من أجل الحفاظ على حريته نفسها، حيث تصبح المدينة هي السيادة أو السلطة لكل الأفراد، مع أنها وبنفس الوقت تقيد حرياتهم وتكبلها، ومعنى ذلك أن الإنسان تنازل بموجب "العقد الاجتماعي" عن حقه الطبيعي وكذلك عن حريته الطبيعية.

ولقد تأثر روسو بـ"هوبز" حين أكد على أن الحياة الاجتماعية ليست فطرية غير أنه اختلف معه حين أشار إلى أن حياة الإنسان الأولى كانت خالية من الشر والشقاء، واعتقد بأن الإنسان طيب بطبيعته، وأن جميع الشرور هي من حولت الإنسان نفسه فالبشرية تطورت من الحالة الطبيعية  إلى حالة الإنسان المتوحش بفعل ظروف السلطة والتملك، وعليه "يرى جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي شرط ملازم لكل سلطة شرعية، وبالتالي شرط ضروري لكل نظام سياسي طبيعي، فالعقد الاجتماعي يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني. وهنا يربط روسو رباطاً جدلياً بين تكون المجتمع المدني، وبين تأييده للعقد الاجتماعي".16

ويتفق مفكرو نظرية العقد  الاجتماعي على أن مصدر السيادة والسلطة في الدولة هو العقد، وأن الأفراد يشكلون المجتمع المدني بشكل طوعي هدفه الأساسي الحفاظ على حقوقهم المتساوية التي كانوا يتمتعون بها في ظل القانون الطبيعي، ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى أنهم اختلفوا في بعض الأفكار كما أشرنا سابقا بين هوبز وجون جاك روسو، وأيضا بين هذا الأخير وجون لوك، حيث دعا  روسو إلى عقد اجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع، لتنظيم حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، أما جون لوك فقد اعتبر أن الغرض من العقد الاجتماعي هو الحفاظ على حق الأفراد في الملكية بوجود سلطة تنظم الحق في استخدام العنف لمعاقبة من ينحرف عن ذلك، لكنه اعتبر «الملكية المطلقة» لا تتفق مع طبيعة المجتمع المدني.

جـ-المجتمع المدني عند فريدريك هيجل

بالرغم من أن منظري "العقد الاجتماعي" ركزوا على انفصال المجتمع المدني عن الدولة إلا أن الفيلسوف الألماني "فريدريك هيجل(1770-1831م)» وفي مؤلفه "نقد فلسفة الحق 1821"  قد انتقد نظريتهم في العقد الاجتماعي، بحيث رأى بأن المجتمع المدني وحدة عاجزة عن مراقبة الدولة لها، كما أنها غير قادرة على تحقيق الأمن ضمن صيغتها التعاقدية.

ويرى هيجل أن المجتمع المدني هو مجال تقسيم العمل وإشباع الحاجات المادية، وهو في نفس الوقت مجال تنافس المصالح الخاصة والمتعارضة، هكذا يصاغ مفهوم المجتمع المدني في منظور هيجل لا ليطابق المجتمع السياسي أو الدولة، كما هو الحال في نظرية العقد الاجتماعي، بل يستخدمه ليشير إلى مجال إنتاج وتبادل الخبرات المادية مجال المبادرة الخاصة والمصلحة الخاصة، وتشكل الدولة في إطار هذا الفهم المجال الجوهري المجسد للمصلحة العامة.17

وتناول مفهوم المجتمع المدني استنادا إلى مؤلفه السابق الذكر -نقد فلسفة الحق-حيث أشار بأنه يقع بين الأسرة والدولة وأنه بتكون من أفراد وجماعات ومؤسسات18

وهذا يدل على أن هيجل قد غير كليا فكرة المجتمع المدني، وانطلق في تحديده لمفهومه  من فكرة الانقسامية بين المجتمع السياسي (الدولة)  وبين المجتمع المدني، ويرى بأنه جملة المؤسسات التي تستجيب لحاجيات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والتي تلعب دور الحكم بين المصالح الشخصية، ويرى بأن الدولة روح غارقة فوق مادية المجتمع المدني، وهذا الأخير هو كممثل لأفراد كثيرين يشترك في بحث شؤون الدولة العامة  وفي الفصل فيها بواسطة النواب، ويفعل الجميع هذا بوصفهم أفرادا "بمفردهم"، أي أن هيجل في هذه الفكرة فصل بين الإرادة العامة الممثلة في الدولة، والإرادة الخاصة الممثلة في الأفراد.19

ومن هذا المنطلق فإن نظرة هيجل للمجتمع المدني نظرة دونية، حيث يؤكد على أن المجتمع المدني لا يتحقق استقراره ووحدته إلا بوجود الدولة على عكس نظرية العقد الاجتماعي، إذ أنكر رؤيتهم في عدم قدرة المجتمع المدني على تحقيق الفاعلية دون الدولة، وينطلق هيجل من أن الأسرة التي يعتبرها المنظومة الأولى والجذر الأخلاقي للدولة ومظهرا لها، والمجتمع المدني هو المظهر الآخر، بمعنى أن هذا الأخير هو تقسيم العمل بين الخلية الاجتماعية (الأسرة) والمركز الأعلى (الدولة).

د-المجتمع المدني عند ألكسيس دي توكفيل

انطلق  عالم الاجتماع الفرنسي ألكسيس دي توكفيل Alexis De Tocqueville (1805-1859م)من تأثره بالتجربة الأمريكية في الديمقراطية لتحديد مفهوم المجتمع المدني في كتابة "الديمقراطية في أمريكا" مشيدا فيه بخاصية تميز المجتمع الأمريكي القديم (مجتمعات المهاجرين الأوروبيين) مقارنة بفرنسا من الانتشار الواسع للمؤسسات الأهلية التي تعمل على إدارة الشؤون العامة كإحدى مظاهر الديمقراطية، ويربطها بالنظام الديمقراطي والديمقراطية، والحاجة الملحة للفصل بين الدولة والمجتمع المدني من خلال الاهتمام بالثقافة السياسية، وهي الصيغة التي يطرح في سياقها المجتمع المدني في المرحلة الراهنة، وافتراض وجود عين فاحصة ومستقلة تمثل مجموعة متعددة من الجمعيات المدنية الدائمة والقائمة على التنظيم الذاتي يدعم استمرار الجمهورية الديمقراطية.20

وقد اهتم هذا العالم السوسيولوجي بالعلاقة بين الفردية والمجتمع المدني، وقد أكد على أن التشارك بين الناس وسيلة هامة لتحقيق الأهداف الفردية، كما أشار إلى أن المشاركات الفردية ليست تضحية بالإرادة أو المنطق بل إن الإرادة والمنطق يستخدمان لتخفي النجاح للمشروع المشترك.21

وعليه فإن عالم الاجتماع الفرنسي يؤكد على نجاح الديمقراطية الأمريكية ولاسيما في جانب الحياة المدنية، ويؤكد على أن المواطنين المشاركين في العمل المدني هم أكثر قابلية لتعلم مبادئ التسامح والتعددية واحترام القانون.

ه-المجتمع المدني عند كارل ماركس

 استفاد "كارل ماركس" (1818-1883م) من أفكار "هيجل" حول مفهوم المجتمع المدني، إلا أنه بالمقابل خالفه في بعض النقاط كنقده للمثالية الهيغلية، فقد رأت النظرية السوسيولوجية الماركسية أن المجتمع المدني يشكل قاعدة مادية مؤسسة للدولة، واعتبره الأساس الواقعي للدولة، وأنه يعبّر عن مجموع العلاقات المادية للأفراد في مرحلة محددة من مراحل تطور الإنتاج، بمعنى أن المجتمع المدني عند ماركس هو مجال للصراع الطبقي.

ومن جهته اعتبر ماركس التذرّر أو التفكك الفردي نوعاً من الاغتراب (Alianation) عن الجوهر الاجتماعي، وكذلك تعبيراً عن الصراع الطبقي، وكان رفض ماركس لفكرة مؤسسات وسيطة بين الفرد والدولة، يستهدف استبدال الدولة نفسها بمؤسسات طوعية بين الأفراد بعد ذبول الدولة واضمحلالها، وعند ذلك يزول الفرق بين الفردي والاجتماعي والسياسي، أي أنّ الدولة تنحل في المجتمع وتذوب فيه.22

وقدم كارل ماركس قراءة مزدوجة للمجتمع المدني، إذ يعتبره القاعدة الواقعية والمادية للدولة، ومن جهة أخرى فإنه يعتبر هذا المجتمع نقيضا للدولة، وهكذا كان المجتمع المدني في نظره كيانا مزدوجا، أي أنه من جهة مجتمع مدني اقتصادي، ومن جهة أخرى مجتمع مدني سياسي.23

وضمن هذا السياق وكرؤية معمقة فإن كارل ماركس يعتبر المجتمع المدني بمثابة حلبة التنافس الواسعة للمصالح الاقتصادية البرجوازية وفضاء للصراع الطبقي، فالمجتمع المدني حسب وجهة نظره هو المجتمع البرجوازي الذي يمثل البنية التحتية من قوى وعلاقات الإنتاج، ويعتبر ساحة معركة للمصالح الخاصة بحكم النظام الاقتصادي الذي يسير عليه المجتمع، ويشكل جزءا أساسيا من الوجود الاجتماعي، وهذه المقاربة الإيديولوجية تختلف عن سابقاتها

و-المجتمع المدني عند أنطونيو غرامشي

عاد مفهوم المجتمع المدني إلى الساحة وإلى التداول المفاهيمي بعد فترة من الانقطاع أي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك بفضل المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937م)، وذلك في ظل التحولات الاجتماعية التي شهدتها أوربا بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917م، وبدء ظهور الحركات الفاشية والنازية واستيلائها على مقاليد السلطة في إيطاليا وألمانيا، السؤال الذي جعل غرامشي يتناول هذا المفهوم من خلال طرح الأسئلة الآتية:

·  ما هي الشروط الاجتماعية التي مكنت الطبقة العمالية من الاستيلاء على السلطة في روسيا رغم خصوصيتها الاقتصادية والاجتماعية المتميزة؟ كيف يمكن تكوين جبهة مدنية واسعة من مؤسسات المجتمع المدني لمواجهة المجتمع الفاشي الشمولي في إيطاليا وإقامة المجتمع الشيوعي التحرري؟24

وينبغي الإشارة إلى  أن أنطونيو غرامشي  قد استعار مصطلح المجتمع المدني والمجتمع السياسي من منظومة الفكر البرجوازي، وتحديدا من كتابات هيجل، حيث قام بتحويل هذين المفهومين الهيجليين تماما مثلما فعل كارل ماركس وانجلز وأصبح  مفهوم المجتمع المدني مخالفا تماما لما كان عليه، فبعد أن كان يشير إلى دائرة التنافس الاقتصادي بين الأفراد أصبح جزءا من البنية الفوقية، أي حسب أنطونيو غرامشي  المجتمع المدني هو المؤسسات الطبقية والاجتماعية التي تختص بالوظائف الإيديولوجية25،  وهذه الفكرة تخالف تماما فكرة السوسيولوجي كارل ماركس حول المجتمع المدني الذي جعله في البنية التحتية، ويعتبر غرامشي أن وظيفة المجتمع المدني هي الهيمنة عن طريق الثقافة والأيديولوجيا، أما وظيفة المجتمع السياسي فهي السيطرة والإكراه.

وبعد معالجة وتحليل هذه الرؤى المختلفة يجب الإشارة إلى أن هؤلاء تحدثوا بشكل مباشر على المجتمع المدني، بالمقابل هناك من أشاروا إليه بطريقة غير مباشرة أمثال: إيميل دور كايم ورواد البنائية الوظيفية

 إذ أشار السوسيولوجي إيميل دوركايم (1858-1917م) إلى أن ضرورة وجود شبكة أمان تتشكل من المؤسسات المدنية بين الدولة والفرد للتصدي للأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمع، ولحالة الاغتراب التي يعيشها الأفراد في ظل مجتمع الحداثة، وهذه الضمانة ليست إلا المجتمع المدني.26

والمتفق عليه في علم الاجتماع أن البنائية الوظيفية تركز على أن أي شيء سواء أ كان كائنا حيا أم اجتماعيا، وسواء أ كان فردا أم جماعة صغيرة، أم تنظيما اجتماعيا رسميا أ غير رسمي بأنه نظام أو نسق(System) يتألف من عدد من الأجزاء المترابطة، ولكلّ دورٌ يؤديه حتى يكون النسق في حالة توازن واستقرار، وإلا سيختل هذا التوازن27، وفي ضوء دراستنا للمجتمع المدني في ظل هذه النظرية فإن هذا الأخير يعتبر نسق اجتماعيا يسهم في بناء المجتمع الكلي، والحفاظ على حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعليه نخلص إلى القول بأن إشكالية مفهوم المجتمع المدني وتطوره التاريخي قد مر بمراحل متعددة؛ فمن الفلسفة اليونانية إلى الرومانية إلى فلاسفة عصر التنوير، أي منظري العقد الاجتماعي، ثم الهيجلية ورواد الديمقراطية أمثال: ألكسيس دي توكفيل إلى الماركسية والغرامشية، وأخيرا رواد البنائية الوظيفية هذه السيرورة الزمنية التي أدت إلى الكشف عن اختلاف وجهات نظر هؤلاء في تناولهم للمفهوم، وتعدد الإيديولوجيات حوله، وكلها خضعت لظروف المجتمع الاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك.

ثالثا-المجتمع المدني: الخصائص والوظائف والمؤسسات

أ-خصائص المجتمع المدني: يتميز المجتمع المدني ببعض الخصائص والمميزات تعتبر أركانا أساسية لنشوئه ونذكر منها:

الفعل الإرادي الحر أو التطوعي: حيث يتميز المجتمع المدني بمختلف مؤسساته عن باقي المؤسسات الاجتماعية بالمشاركة التطوعية.

الوجود في شكل منظمات أو مؤسسات: أي أن المجتمع المدني في مجمله مؤسسات تشمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كل مؤسسة تضم أفرادا أو أعضاء اختاروا عضويتهم بإرادتهم.

الاستقلالية: وتعد من أبرز أركان المجتمع المدني وهو أن تتمتع تنظيماته باستقلالية حقيقية عن سلطة الدولة، وهذا لا يعني انفصالها عنها، ولكن استقلالية نسبية من النواحي المالية والإدارية والتنظيمية.28

الشعور بالانتماء والمواطنة: تعتبر هذه الخاصية أهم العناصر لتحقيق التماسك والترابط؛ لإيمان الأفراد بأنهم يتمتعون بهوية مشتركة، وأنهم قادرون على الدفاع عنها، وحمايتها مقابل أداء واجباتهم والتزاماتهم نحو الدولة، من منطلق أن طاعة الجزء للكل تقتضي تعبير الكل عن مطالبه واحتياجاته، وأن المواطنة بمعناها الحقيقي هي مجموعة الحقوق والمسؤوليات التي تربط الأفراد بالدولة على قدم المساواة، وبغض النظر عن الاختلافات بينهم.

التسامح: وهو الذي يجعلنا نطلق صفة مدني على المجتمع، فالمجتمع الذي تسوده روح المدنية هو المجتمع الذي يقبل فيه الأفراد والجماعات وجود آخرين يختلفون معهم في الرأي والمصلحة، كما يحترمون حقوقهم في التعبير عن وجهات نظرهم29

وهو ما يؤكد عليه الدكتوران عبد الغفار شكر ومحمد مورو حول وجود أهم خاصية للمجتمع المدني وهي: قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين.30

وعليه يمكن القول بأن خصائص المجتمع المدني تتجسد في أنه مؤسسة غير رسمية، تتميز بالاستقلالية، وتتمتع بالديمقراطية والحرية، يمثلها أعضاء مواطنون بشكل تطوعي إرادي حر، يجمعهم التسامح من أجل تحقيق مصالح أفراد المجتمع من خلال الأدوار التي يؤديها هؤلاء في ظل المجتمع المدني، والتي سنتطرق إليها في العنصر الآتي.

أدوار المجتمع المدني: يؤدي المجتمع المدني كتنظيم اجتماعي غير رسمي في المجتمع أدوارا عديدة تبرز مكانته في البناء الاجتماعي الكلي، يمكن تلخيصها في العناصر الآتية الذكر:

v                      دعم الحقوق والحريات ومناهضة كل مساس بهما، وكفالة ما يعجز الأفراد عن تحقيقه، وهذا جراء الطابع الاحترافي والقانوني الذي يحوزه المجتمع المدني، ونتيجة إدراكه للحلقات التي توصله لحل المشكلات الحاصلة.

v                      إسهامه في دعم ثقافة السلم والتسامح في الدولة، ونبذ مظاهر العنف والتطرف والصراع.

v                      دعم الشعور بالمواطنة والانتماء، والتأكيد على مقومات الهوية والانتماء الحضاري.

v                      يدعم المجتمع المدني أداء الجماعات المحلية، وينمي قدرة الفرد في المشاركة التمثيلية محليا ووطنيا.

v                      يحقق المجتمع المدني مستويات متفرقة من التربية والتعليم، ودعم العديد من المشاريع الإنسانية الخيرية داخليا ودوليا.

v                      يحقق المجتمع المدني الرأي العام الواعي المستعد لتحمل المسؤوليات الاجتماعية والاقتصادية.31

جـ-مؤسسات المجتمع المدني: كما أشرنا في التعريفات النظرية والتعريف الإجرائي بأن المجتمع المدني يتكون من مؤسسات غير رسمية تطوعية، تمس مجالات الحياة المختلفة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الخ، ونأتي في هذا العنصر لتطرق إلى أبرز هذه المؤسسات التي تشكل المجتمع المدني في وقتنا الراهن وتتمثل فيما يأتي:

1-الأحزاب السياسية

تعد مكونا رئيسيا في المجتمع المدني؛ إذ تقوم على الإرادة الطوعية لأعضائها، وهي جماعة من المواطنين تضم نفسها بمبادرتها الفردية، وتستهدف تحقيق برنامج سياسي له أهداف محددة في جميع المجالات، وتسعى للوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه لتطبيق برنامجها وأهدافها.

ولقد أثارت فكرة الأحزاب السياسية في كونها أحد مكونات المجتمع المدني جدلا كبيرا وسط الباحثين والمفكرين، حيث إن الكثير منهم اعتبر الأحزاب السياسية لا تدخل في تشكيل المجتمع المدني، وإنما تدخل في إطار المجتمع السياسي، ويرجع السبب في إقصاء هؤلاء للأحزاب السياسية من دائرة المجتمع المدني إلى كونها تسعى إلى السلطة.32

2-النقابات المهنية والعمالية

تعتبر النقابات العمالية المهنية بمختلف أنواعها من المكونات الرئيسية للمجتمع المدني، بل تشكل أحيانا نواة هذا المجتمع نظرا لأنها ليست كالأحزاب السياسية مدعوة في لحظة للمشاركة في السلطة أو أقسامها.

ويرى البعض أن النقابات العمالية أكثر تعبيرا عن روح المجتمع المدني مقارنة بالأحزاب السياسية، حيث تختلف فيها الاتجاهات والمدارس والمذاهب، لذلك لابد من الاعتراف بالتعددية، والرابطة المهنية33

وتعرف بأنها منظمات تجمع أشخاصا يمارسون المهنة نفسها من أجل الدفاع عن مصالحهم المهنية، فمهمة النقابة هي الدفاع عن المصالح المهنية للأعضاء، وهي تضم:

·  النقابات المهنية: كنقابة الصحفيين، القضاة، المقاولين...الخ.

·  النقابات العمالية: كالاتحاد العام للعمال الجزائريين.34

3-المنظمات غير الحكومية ( NGO’s) أو الجمعيات:  

تعرف حسب منظمة الأمم المتحدة بأنها تنظيم غير هادف إلى الربح، أعضاؤه مواطنون أو جماعات من المواطنين ينتمون إلى جماعة أو أكثر، تتحدد أنشطتهم بفعل الإرادة الجماعية للأعضاء، استجابة لحاجات واحدة أو أكثر.

ويشير المصطلح حسب البنك الدولي إلى أنها: المنظمات المستقلة إلى حد كبير عن الحكومات، وتتسم بصورة رئيسية بأن لها أهدافا إنسانية أو تعاونية أكثر من كونها أهدافا تجارية، وتسعى بصورة عامة إلى تخفيف المعاناة، أو تعزيز مصالح الفقراء والفئات المستضعفة الأخرى، أو حماية البيئة، أو توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية والاضطلاع بتنمية المجتمعات المحلية.35

ويتضح جليا بأن المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات أو المنظمات الأهلية، وهذا اختلاف في التسميات فقط بأنها مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على تفعيله في المجتمع الكلي.

ومن خلال استعراضنا لمؤسسات المجتمع المدني ينبغي الإشارة إلى أن هذه المؤسسات الثلاثة هي المكون الرئيسي للمجتمع المدني بغض النظر عن مؤسسات أخرى نذكرها في الشكل الآتي:


  الشكل رقم (01): يوضح مؤسسات المجتمع المدني

 

 


المصدر: من إعداد الباحثة


خاتمة

وخلاصة ما تقدم في هذا المقال العلمي هو أن "المجتمع المدني" كمفهوم سوسيولوجي غربي من المفاهيم الأكثر تعقيدا في العلوم الاجتماعية، وهو ما استدعى البحث في مفهومه ودلالاته من طرف المنظرين السوسيولوجيين والسياسيين لارتباطه الوثيق بالدولة والمجتمع السياسي والديمقراطية. فقد اختلفت الرؤى بين هؤلاء حول إيجاد مفهوم متفق عليه، فهناك من نظر إليه على أنه نشأ كضرورة لحماية مصالح المجتمع من الدولة، وهناك من رأى بأنه لا ينفصل تماما عن الدولة، وهناك من أكد على مكانته بين الأسرة والدولة...وغيرها من الرؤى والمفارقات النظرية حوله.

                   وفي ظل سياق الاهتمام المتزايد به تبين بقوة للباحثة تقديم دراسة وقراءة تحليلية لتطور المفهوم، ومعالجته من منظور سوسيو-تاريخي، مع أنه كان من الصعب تحديد بدايات المفهوم إلا أننا أشرنا إلى بدايته لدى فلاسفة اليونان، وعليه يمكن التأكيد في الأخير على النقاط الأساسية الآتية:

·  أن المجتمع المدني مؤسسة تطوعية غير رسمية حرة تمثل القطاع الثالث بعد الدولة والقطاع الخاص وتعمل بالتوازي معهم لتحقيق التنمية في المجتمع.

·  أن المجتمع المدني مفهوم ذو جذور غربية بحتة لم يتناوله الفكر العربي إلا مؤخرا.

·  أن المجتمع المدني نشأ وتطور في أحضان الفكر الغربي والسوسيولوجي.

أن المجتمع المدني منذ نشأته وهو محل نقاش الباحثين السوسيولوجيين ولمّا يتفقوا بعد على مفهوم محدد له

.

الهوامش

1.-داود جفافلة وعبيدة صبطي، دور الإعلام الجديد في دعم منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية، مؤلف جماعي بعنوان: "دراسات في المجتمع المدني، الجزء1، من إعداد الدكتور بلقاسم سلاطنية وآخرون، ط1، الدار الجزائرية. الجزائر العاصمة.  2017.ص ص 283-284.

2.جون لوك، الحكومة المدنية، ترجمة: محمود شوقي الكيال ، مطابع شركة الإعلانات الشرقية، القاهرة، د.س.ن، ص75.

3.- خالد ساحلي، المجتمع المدني: من التأسيس الغربي المأمول إلى الواقع المأزوم، منشورات الوطن اليوم، سطيف، الجزائر، 2017. ص182.

4.-الطاهر براهيمي وعبد اللطيف بكوش، دور المنظمات الجمعوية ذات الطابع المدني في استراتيجيات تنمية ثقافة الأمن الاجتماعي، مؤلف جماعي بعنوان: "دراسات في المجتمع المدني، الجزء1، من إعداد الدكتور بلقاسم سلاطنية وآخرون، ط1، الدار الجزائرية. الجزائر العاصمة.  2017.ص173.

5.- توفيق بوستي، نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني العربي: مكونات وإطاره التنظيمي، مؤلف جماعي بعنوان: المجتمع المدني العربي في ظل العولمة: من الإقليمية إلى العالمية (مجموعة من الباحثين)، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت، 2017. ص58.

6.-حسنين توفيق إبراهيم، بناء المجتمع المدني: المؤشرات الكمية والكيفية، ورقة قدمت إلى ندوة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992، ص ص79-80.

7.-عبد الغفار شكر ومحمد مورو، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية، ط1، دار الفكر، دمشق، أفريل2003، ص43.

8.-نور الدين السعيد، النظم القانونية لمنظمات المجتمع المدني، ط1، دار الإعصار العلمي للنشر والتوزيع، عمان، الأردن. 2018. ص ص 86-87.

9.-Nina Cvetek & Friedel Daiber,Qu’est ce que la société civile ?, Traduction :Rabary Andriamanday Voahanitriniaina, KMF-CNOE/ Friedrich-Ebert-Stifting (FES), Antananarivo, Octobre 2009. P 06.

10.-خالد ساحلي، المرجع السابق. ص64.

11.- ليندة لطاد بن محرز، إشكالية مفهوم المجتمع المدني: قراءة سوسيو - تاريخية، ط1، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 2016، ص ص92-93.

12.-ليندة لطاد بن محرز، المرجع نفسه، ص94.

13.- أحميدي بوجلطية  بوعلي ومحمدي صليحة، المجتمع المدني العربي: تأسيس نظري وضبط مفاهيمي، مؤلف جماعي بعنوان: المجتمع المدني العربي في ظل العولمة: من الإقليمية إلى العالمية (مجموعة من الباحثين)، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت، 2017. ص183.

14.- ليندة لطاد بن محرز، المرجع السابق، ص99.

15.- نور الدين السعيد، المرجع السابق، ص135.

16.-إبراهيم الحيدري، روسو وحرية الإنسان الطبيعية، مقال منشور بمجلة إيلاف الالكترونية، يوم: 12/05/2009، متوفر على الموقع الالكتروني: http://elaph.com/Web/ElaphWriter/2009/5/437986.htm

17.-المرجع نفسه، ص ص103-104.

18.-سعاد حفاف ومليكة بوضياف، المجتمع المدني والدولة العربية: علاقة تكامل أم تصارع، مؤلف جماعي بعنوان: المجتمع المدني العربي في ظل العولمة: من الإقليمية إلى العالمية (مجموعة من الباحثين)، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت، 2017. ص149.

19.-صفاء علي رفاعي ندا، المجتمع المدني ومستقبل التنمية: الجمعيات الأهلية نموذجا، ط1، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2013. ص20.

20.-مصطفى عوفي والطيب بلوصيف، المجتمع المدني: النشأة والتطور (مدخل نظري للمجتمع المدني)، مؤلف جماعي بعنوان: "دراسات في المجتمع المدني، الجزء1، من إعداد الدكتور بلقاسم سلاطنية وآخرون، ط1، الدار الجزائرية. الجزائر العاصمة.  2017.ص181.

21.- إبراهيم بن داود، المجتمع المدني بين الفاعلية والتغييب،ط1، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 2015. ص 16.

22.-عبد الحسين شعبان، في فلسفة الدولة والمجتمع المدني، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي، د.ب.ن، مقال منشور يوم: 31/07/2009بالموقع الالكتروني: http://www.ssrcaw.org/ar/print.art.asp?aid=179847&ac=1

23.-عبد القادر حسين، المجتمع المدني والدولة والفكر والممارسة: دراسة مقارنة للممارسة السياسية الغربية والممارسة الإسلامية المعاصرة، مؤلف جماعي بعنوان: "دراسات في المجتمع المدني، الجزء2، من إعداد الدكتور بلقاسم سلاطنية وآخرون، ط1، الدار الجزائرية. الجزائر العاصمة.  2017.ص62.

24.-جلال خشيب وأمال وشنان، الدولة والمجتمع المدني...حدود التأثير والتأثر: دراسة في التطور الفكري والتبلور النظري لظاهرة المجتمع المدني، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، 13يوليو 2016، د.ب.ن، ص 19، مقال متوفر على الموقع الالكتروني الآتي: http://idraksy.net/wp-content/uploads/2016/07/State-and-civil-society.pdf

25.-غازي الصوراني، تطور مفهوم المجتمع المدني وأزمة المجتمع العربي، ط1، مركز دراسات الغد العربي، غزة، فلسطين، 2004، ص55.

26.-عاطف أبو سيف، المجتمع المدني والدولة: قراءة تأصيلية مع إحالة للواقع الفلسطيني، ط1، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2005، ص33.

27.-صفاء علي رفاعي ندا، المرجع نفسه، ص84.

28.- أحميدي بوجلطية  بوعلي ومحمدي صليحة،المرجع السابق. ص ص181-182.

29.-توفيق بوستي، نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني العربي: مكونات وإطاره التنظيمي، مؤلف جماعي بعنوان: المجتمع المدني العربي في ظل العولمة: من الإقليمية إلى العالمية (مجموعة من الباحثين)، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، دار الروافد الثقافية ناشرون، بيروت، 2017. ص71.

30.- عبد الغفار شكر ومحمد مورو، المرجع السابق، ص44.

31.-إبراهيم بن داود، المرجع السابق. ص ص 25-26.

32.-توفيق بوستي، المرجع السابق. ص149.

33.                     -سامية بن عمر وبودالي بن عون، المجتمع المدني: مدخل نظري، مؤلف جماعي بعنوان: "دراسات في المجتمع المدني، الجزء1، من إعداد الدكتور بلقاسم سلاطنية وآخرون، ط1، الدار الجزائرية. الجزائر العاصمة.  2017.ص41.

34.- إبراهيم بن داود، المرجع السابق. ص49.

35.- نور الدين السعيد، المرجع السابق، ص ص27-28

سلمى كوندة, «جدلية التناول المفاهيمي للمجتمع المدني في ظل التنظير السوسيولوجي -مقاربة سوسيو-تاريخية-»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 01 مجلد 16-2019N°01 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 217-227,
Date Publication Sur Papier : 2019-04-11,
Date Pulication Electronique : 2019-04-11,
mis a jour le : 11/04/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5550.