الأفق الحضاري لنظرية المعرفة عند ابن رشدThe cultural horizon of Ibn Rushd's theory of knowledge
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

الأفق الحضاري لنظرية المعرفة عند ابن رشد

The cultural horizon of Ibn Rushd's theory of knowledge
ص ص 193-216
تاريخ الارسال: 21/05/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

شريف خاصة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

 لقد بيّن ابن رشد، وهو يؤسس لنظرية المعرفة، أنها إمكانية بشرية متاحة لكل من كانت الحقيقة غايته، وعرف كيف يوّظف ويستغل مختلف الأدوات المعرفية التي يمتلكها، حيث سيتمكن بطريقة تصاعدية من التأسيس لليقين، كون الحواس لوحدها، رغم أهميتها، غير كافية والأمر نفسه ينطبق على العقل، فهو عارف بالقوة ولا يكون عارفا بالفعل إلاّ عندما يتوسل بالمعطيات الحسية، التي يحولها إلى حقيقة مجردة كلية. فالأمر عنده مرتبط بالطريق الذي نتوسل به لامتلاك الحقيقة، ولهذا اتّخذ موقفا صريحا من مختلف المناهج التي كانت معتمدة في عصره، فأقرّ بأهمية طريق الخطابة والحجاج في العملية التعليمية والاقناعية، وكذلك في مساعدة العقل ألبرهاني في بناء اليقين، لكنها لوحدها وإن كانت تصلح لفئة من الناس، فهي غير كافية لبناء الحقيقة الكلية الثابتة، فقد رهن امتلاك المعرفة بطبيعة الأدوات المعرفية المتوسل بها والعلاقة التكاملية التي يجب أن تستغل لبناء المعرفة وهو عمل نرى انه لا يهدف إلى مجرّد بناء نظرية في المعرفة فقطم بل، له أبعاد ابستيمولوجية وأخرى اجتماعية حضارية تؤكد انخراط هذا الفيلسوف في مشروع حضاري اجتماعي واسع الأفق، وهذا ما سنوضحه في هذا المقال.

الكلمات المفاتيح: تكامل معرفي ; الآلية البرهانية ; الكلية

Ibn Rochd, lors de son établissement de sa théorie de la connaissance, a montré que celle-ci est une possibilité humaine disponible à chaque personne dont la vérité est son objectif, et savait utiliser et exploiter les déférents outils cognitifs qui sont à sa disposition ; d’où il pourra progressivement établir la certitude. Pour lui l’acte cognitif revienne à la méthode par laquelle on saisit la vérité, c’est pour cela, il a pris une position explicite sur les différentes méthodes et approches qui ont été adoptées à son époque. Ibn Rochd en réalisons ce projet épistémologique avais un Horizon civilisationnelle, ou il veut déterminer les vrais facteurs qui peuvent permettre a construire une société civilisé qui peuvent assumer ca responsabilité scientifique est civilisationnelle. Ces engagements qui en plusieurs transfigurations, nous allons l'élucider dans cet article.

Mots clés:Intégration Cognitive, Le mécanisme démonstratif, Universalité

In establishing his theory of knowledge, Ibn Rochd has shown that it is a human possibility available to every person whose goal is truth , and knows how to employ  and exploit the different cognitive tools he possesses . He can gradually establish certainty. For him the cognitive act comes back to the method by which one grasps the truth, that is why he took an explicit position towards the different methods and approaches that were adopted in his time. Ibn Rochd in this epistemological project had a civilazational Horizon, where he wants to determine the real factors to build a civilized society.  These ideas we will elucidated in this article.

Keywords: Cognitive integration; Demonstrative mechanism; Universality

Quelques mots à propos de :  شريف خاصة

 جامعة محمد لمين دباغين سطيف2khassacherif@gmail.com

مقدمة

يعد التأسيس ألرشدي للمعرفة وحرصه على الالتزام به، بمثابة مشروع علمي لإعادة النظر في الموروث المعرفي الإنساني والإسلامي، مشروع ينبذ التقليد والخضوع للوصاية، لقد كان يسعى للتأسيس للتفكير العقلاني الحر القائم على البرهان دون الوقوع في فخ التحيّز المذهبي، حيث انفتح على الإنتاج الفكري البشري متقصياً في ذلك الحقيقة معتمداً آلية النقد البنّاء في معالجة مختلف الأطروحات المعرفية، كما أنه لم يكن حسياً محضاً أو عقلانياً خالصاً وإن كان يعترف بقدرة الإنسان على تحصيل وبناء المعرفة وعدم حاجته لمصدر مفارق للوصول إلى اليقين عند البحث في مختلف المباحث المعرفية المتاحة له، الطبيعية والنظرية والغيبية وكذلك الشرعية، فلم ينكر ما جاء به الدّين من حقائق عن هذا الوجود لعدم وجود تعارض بين الحقيقة التي يستقيها الإنسان من عالم الطبيعة والحقيقة التي يمكن أن يقدمها له الدين، فبالنسبة إليه هناك تكامل معرفي بين مختلف المصادر والأدوات المعرفية، على الإنسان الاستفادة منها لبناء الحقيقة العلمية التي تقوم على أسس برهانية.

إذا كان ابن رشد يعترف بالطبيعة البشرية للمعرفة فهو كذلك يقرّ بنسبية تلك المعرفة ونسبية قدراته المعرفية وفي هذا اعتراف صريح  بأنّ كلّ ما جاء به هو -كعالم وفيلسوف- يبقى محدوداً بتاريخانيته، ما يفرض علينا حسبه ضرورة الالتزام بالآلية البرهانية أثناء البحث عن الحقيقة العلمية، فإذا كانت الحقيقة  تبنى بطريقة تراكمية يمكن أن توصل الإنسان إلى اليقين فإنّ ذلك يقتضي اعتماد منهج في البحث يتميز بالصرامة والدقة بحيث يمنع دخول الأفكار والتصورات المؤسسة على الضنون والأوهام الأمر الذي قد يعطي الفرصة لأي كان الانتساب إلى العلم والعلماء ويمنح لنفسه الحق في التنظير للفكر البشري وإعطاء خاصية العلمية لدعاويه مع إيهام الناس بامتلاكه اليقين وحق الإتباع لكونه يملك قدرة الإقناع بطريقه الخطابي أو انه نال شرف النور الإلهي وانكشف عنه حجاب الحقيقة ولهذا تجب طاعته و منحه كل الثقة والخضوع. لقد أدرك ابن رشد أن الإقرار بأن المعرفة إمكانية بشرية يستلزم وضع طريق واضح المعالم لامتلاك العلم، هذا الوضوح لا يكون إلاّ عند التزام البرهان في بناء الحقيقة لما يتميز به ذلك المنهج من قوة ومرونة ويقينية المبادئ التي يقوم عليها الذي بدوره يوصل إلى استنتاجات يقينية. فكيف أسس ابن رشد للمعرفة وهل يمكن حصر عمله هذا في الأفق الابستيمولوجي أم أنه ذي أبعاد وآفاق أخرى؟

أولا- طبيعة المنهج والمعرفة عند ابن رشد    

يقول ((ابن رشد)) في كتابه "تهافت التهافت "الذي  يعدّ مؤلفاً في المنهج المعرفي((ليس العلم علماً للمعنى الكلّي، ولكنه علم الجزئيات بنحو كلّي يفعله الذهن في الكليات عندما يجرّد منها الطبيعة الواحدة المشتركة التي انقسمت في المواد، فالكلي ليست طبيعته طبيعة الأشياء التي هو لها كلّي ))1.بهذا يحدّد لنا ((ابن رشد ))طبيعة المعرفة ومصدرها وموضوعها، فهي عنده إنتاج إنساني بحت، يتمثل موضوعها في العالم الواقعي– الشاهد–هذا الواقع الذي تتعدّد وتتنوع فيه الظواهر مما ينتج عنه تنوع المواضيع المعرفية  سواء من حيث البساطة أو التركيب، كلّ هذا يجعل من الإنتاج المعرفي الإنساني مهما بلغ من الدقة والوضوح نسبي خاضع للتطّور والتطوير وفقاً للقدرات البشرية وطرق توظيفها في البحث المعرفي، كذلك الظروف المحيطة التي قد تُيّسر هذا البحث أو تعرقله، فما وصل إليه الأوائل ليس هو نفسه ما وصل إليه العلماء والفلاسفة الذين جاؤوا من بعدهم. لهذا يري أنّ الإنتاج المعرفي البشري يبقى دائماً نسبياً وهو ما يفسّر استمرارية الإنسان في البحث عن الحقيقة وتطويرها، طامحاً في ذلك امتلاك اليقين ومعرفة الوجود كما هو موجود.

عندما يؤكد على أنّ الوجود الطبيعي بمثابة مصدر أساسي لاستنتاج المعرفة؛ فهو في حقيقة الأمر يريد من ورائه التأكيد على ضرورة الاعتماد على منهج معرفي يتلاءم وطبيعة الموضوع، فالموضوع المعرفي المادي؛ يقتضي منّا اعتماد أدوات معرفية تستطيع التعامل مع هذا الموضوع ومنه حتماً سيكون المنهج المعرفي وضعي من إبداع الإنسان.

هذا المنهج الذي سيخضع لضوابط معرفية صارمة ومرنة في آن واحد، بحيث يقبل التكييف والتطوير للاختلاف الموجود في طبيعة الأشياء. وعند النظر في الـتأسيس ألرشدي للمعرفة نجده يتميز بجملة من الخصائص التي منها يمكن فهم طبيعة المعرفة وموضوعها.

ثانيا- خصائص المعرفة عند ابن رشد:تتميّز المعرفة عند ((ابن رشد)) بجملة من الخصائص وهي:  

(أ) المعرفة إنتاج إنساني وفق إمكاناته المعرفية الحسية والعقلية: ويظهر لنا هذا من خلال اجتهاده في وضع جملة من الكتب، التي أراد من خلالها تحديد المنهج الذي يجب اعتماده من طرف البشر للبحث عن الحقيقة، فلولا قناعته الأكيدة بقدرة الإنسان على امتلاك واكتساب الحقيقة لما وضع تلك المؤلفات التي تبيّن حدود المعرفة البشرية وسبل الوصول إليها. هذه القناعة الرشدية التي تنبثق من قناعته العقائدية التي تلزم الإنسان بضرورة البحث عن الحق وطلبه وفق منهج برهاني، انه يعتبر حثّ الشّرع على ضرورة تحرّي الحقيقة دليل قاطع على أنّها إمكانية إنسانية، وأنّ الإنسان يمتلك الأدوات المعرفية التي تمّكنه من الوصل إلى الحقيقة. هذه الأدوات التي يدع الشرع إلى ضرورة الاستعانة بها، إنها مختلف الحواس وكذلك العقل بمختلف نشاطاته من تساؤل وشك وتأمل وتذكر.

 (ب)الموضوعية والواقعية: فهي-المعرفة- مستمدة من الوجود بنوعيه المحسوس والمعقول. والمقصود بالمحسوس هو العالم المادي، أمّا المعقول فإنّه يتمثل في المعقولات التي تتشكّل في العقل، هذه المعقولات التي  لا يمكن أن يصل إليها  الإنسان إلاّ بعد دراسة العالم المادي وهو الطبيعة، دراسة ًعلميةً، خالية من التخمينات والضنون، أي يدرسها كما هي في الواقع، حتّى يدرك النظّام الذي يحكمها وهنا نجده يقول (( وذلك أنّ بالعقل ندرك ماهية الشيء وصورته  وبالحس ندرك شخص تلك الماهية، وبالعقل ندرك أنّ تلك الماهية هي في ذلك الشيء المشار إليه، أعني في مادة تلك الصورة وإن كان لتلك المادة ماهية هي موجودة في شيء أدرك كونها بها بهذه الصفة بالعقل.))2وهذا يعني أن ما يصل إليه الإنسان من معرفة بواسطة حواسه وعقله هو ترجمة للعالم المادي. وفي هذا المعنى يقول كذلك ((كما أنّ العقل الإنساني إنّما هو ما يدركه من صور الموجودات ونظامها... الترتيب الذي في العقل الذي هو فينا، فإنما هو تابع لما يدركه من ترتيب الموجودات ونظامها ولذلك كان ناقصاً جداً، لأن كثير من الترتيب والنظام الذي في الموجودات، لا يدركه العقل الذي فينا ...))3وهذا يؤكد الارتباط الوثيق بين المعرفة البشرية والوجود كما هو موجود.

(ج) الكلية: فهي تركيبية تصاعدية ينتقل فيها العقل من المعطيات الجزئية وصولا إلى معقولات كلية. وهو يقول ((وليس العلم علما للمعنى الكلي، ولكنه علم للجزئيات بنحو كلي يفعله الذهن في الجزئيات عندما يجرّد منها الطبيعة الواحدة المشتركة التي انقسمت في المواد ... فإن جرّد العقل تلك الطبائع التي في الجزئيات من المواد، وصيّرها كلية، أمكن أن يحكم عليها حكماً صادقاً وإلاّ اختلطت عليها الطبائع))4 بالنسبة ل ((ابن رشد)) عندما يقوم العقل بصياغة الاستنتاجات التي يتوّصّل إليها، فإنّ هذه العملية تتمّ وفق صياغة كلية كون العلم لا يكون علماً إلاّ بالكليات.

(د)النسبية والتراكمية: لأن العلم إنتاج بشري يترجم ادراكاته لمختلف الظواهر الطبيعية والمسائل التي تثير فيه الحيرة فهذا يجعل من العلم نسبي وجزئي، انه علم بالجزئيات فيه قد يدرك الإنسان بعض الجوانب ويجهل البعض الآخر، فهو لا يدرك جميع جوانب الموضوع والسبب  قد يعود إلى الإنسان بذاته كضعفه وقصوره أو لصعوبة الموضوع، لكن حتّى وإن كانت هذه العوائق معرقلة للبحث المعرفي، إلا أنها لا تثني من عزيمة الإنسان حسب ((ابن رشد )) إذ نجده ينتقل من جزئية إلى جزئية أخرى حتى يركب معرفة كلية تقبل التعميم، لكن تبقى هذه المعرفة نسبية تقبل التغيير والتطوير ، ولهذا نجده يسمّي العلم الإنساني بالعلم المحدث ((لأن حدوث التغيير في العلم عند تغير الموجود إنّما هو شرط في العلم المعلول عن الوجود وهو العلم المحدث...)5ويقول كذلك (( إن علمنا معلول للمعلول به، فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره))6ومنه لا يوجد مجال حسب((ابن رشد))لاستثناء أي منتوج معرفي من النقد والتطوير. وإلى جانب النسبية يشترط أن تكون المعرفة كلّية، فهي تتحول من المعطيات الحسية الجزئية إلى معطيات عقلية مجرّدة، فالمعرفة كإنتاج إنساني يجب أن تصاغ في النهاية صياغة كلية مجرّدة. هذه الصياغة النهائية التي ستسمح بالفهم الدقيق للمعرفة والقدرة على التحقّق منها أو توظيفها لفهم وتفسير مختلف المواضيع.

 

ثالثا-موضوع المعرفة عند ابن ر شد

          أمّا فيما يخص موضوع المعرفة أو المجال المعرفي الذي يبحث فيه الإنسان، فهو عنده متمثل في الوجود كما هو موجود، فجميع الموجودات هي موضوع المعرفة الإنسانية وليس هناك موضوع يمكن استثناؤه من البحث المعرفي، لهذا يقول ((إن كان فعل التفلسف ليس شيأً أكثر من النظر في الموجودات))7ومن هذا تكون المدركات نوعان: مدركات عينية حسيّة ومدركات نظرية مجرّدة:

الأولى: فتتمثل في عالم الطبيعة بظواهرها المختلفة والمتنوعة.

الثانية: فهي تخص القضايا المجرّدة التي يكوّن منها الإنسان حقيقة هذا الوجود ومنه يكون هناك نوعان من المعاني8.

(ا) معنى شخصي: وهو إدراك المعنى في هيولى، أي يتعلق بصورة الشيء الحسية كما هي. لكنها لا تتمثل بصورتها المادية الحسية إلى الحواس وإنّما تتشكل بالحواس والتخيّل في صورة معان عن الموضوع دون الاحتفاظ بالموضوع بحد ذاته، حتى وإن كان الموضوع وصورته الحسية الشخصية الهيولية ضرورية للإدراك فهي لا تبقى هي، إنمّا تشكّل عنه معان تترجم تلك المواضيع، وهذا أمر مؤكد في الواقع فنحن نرى الشمس ونورها الساطع لكن لا نحمل في حواسنا الشمس ولا هذا النور بل يتشكل انطباع الضوء.

(ب) معنى كلّي: يتعلق بإدراك المعنى العام بشكل مجرّد من كل ما هو هيولي مادي. وفيما يخص المعنى الكلي أو الماهية فهو معنى مجرّد قد لا يكون في الواقع ما يقابله من الناحية المادية الحسية مثل الخط والنقطة، فهذه المعاني من صنع العقل الذي لا تنحصر وظيفته كما سبق وان ذكرنا في استقبال المعطيات الحسية وتجريدها بل هناك وظائف أخرى يقوم العقل وهي التركيب والحكم9وهنا نجد ((ابن رشد)) يقول(( وليس العلم علمًا للمعنى الكلي، ولكنه علم للجزئيات بنحو كلّي يفعله الذهن في الجزئيات، عندما يجرّد منها الطبيعة الواحدة المشتركة التي انقسمت في المواد ..))10يُصّر ((ابن رشد)) على إثبات  الطبيعة الإنسانية للمعرفة، فهي ثمرة جهد واكتساب، ولا تحدث دفعة واحدة ولا تتم بطرق عشوائية؛ فهي نتيجة لجهد بشري حسّي وعقلي معقّد ومتداخل منه تحصل المعرفة، التي تبقى نسبية، بحاجة إلى التطوير والتغيير ويبقى المقياس في ذلك هو الوضوح والإقناع والتطابق مع الواقع والعقل، لذلك يقول (( ولمّا كان بعض الحيوان وهو الإنسان، ليس يمكن فيه وجوده بهاتين القوتين فقط، أي الحس والتخيّل، بل أن تكون له قوة يدرك بها المعاني مجردة من الهيولى ويركب بعضها إلى بعض ويستنبط بعضها عن بعض، حتّى يلتئم  عن ذلك صنائع كثيرة ومهن هي نافعة في وجوده وذلك إما من جهة الاضطرار فيه وإمّا من جهة الأفضل، فالواجب ما جعلت في الإنسان هذه القوة  أعني قوّة النطق ))11فلا مجال لإنكار موضوعية المعرفة وارتباطها بالجهد الإنساني والأدوات المعرفية التي يمتلكها، كما أنّ الرّجوع إلى قول ((ابن رشد )) يجعلنا نستنتج طبيعة العلاقة الموجودة بين المعرفة والواقع الإنساني وهي علاقة ضرورية تكاملية ، فالحاجة والغاية النفعية يمكن أن تساهم في توجيه وتطوير المعرفة، هذا ما يؤكد دائماً نسيبة المعرفة بسبب  اختلاف الغاية العملية والظروف التي تحيط بالإنسان الثقافية والفكرية  ثم القدرات البشرية في المعرفة.

التراكمية: إنّ وجود المعقولات (المعرفة) تابع للتغير الموجود في الحس والتخيّل إتباعاً ذاتياً على جهة ما تتبع الصُّور الهيولانية التغيرات المتقدمة عليها. فهي مكتسبة وليست فطرية ومتغيرة وليست مطلقة وحادثة وليست تذّكرية. دون أن ننسى طبيعة أخرى في المعرفة، وهي  التراكمية، انه بهذا  يعترف للأمم السابقة بمجهودها العلمي وما أنتجته من مادة معرفية ومنهج علمي، لذلك يرى أنه من الضروري الانفتاح على ذلك الإنتاج وتعريضه للتمحيص والنّقد و الاختبار، فإن ثبُت لنا صدقه وصحته وجب الأخذ به لأنه ملك للجميع حيث يقول (( فبيّن أنه إن كان لم يتقدم أحد من قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه أنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم حتى تكمل المعرفة))12والسبب في ضرورة اعتماد الفعل التراكمي هو صعوبة البحث العلمي والتأسيس للمنهج العلمي الصّارم من دون الرّجوع إلى المجهود المعرفي الذي أبدعته الأمم السابقة حتىّ و إن كانت تخالفنا في الملة، وهذا يؤكد اقتناعه بأن العمل المعرفي فعل تراكمي وفي هذا يقول((فأنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد منا من تلقائه ابتداء على جميع ما يحتاج إليه من ذلك كما أنه عسير أن يستنبط واحد منا جميع ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي بل معرفة القياس العقلي أحرى بذلك و إن كان قد فحص عن ذلك فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن  بسبيله بما قاله من تقدّمنا في ذلك))13لا يوجد حرج عند ((ابن رشد)) في العمل بما أنتجه الغير من معارف ومنهج إن كان لا يتعارض مع الحق والبرهان. لقد أدرك أن العلم لا يتطور من فراغ بل يكون ذلك عن طريق التراكم المشروط والانفصال المؤسّس على العلم لا غير.

هكذا يُبيّن أنّ المعرفة ذات طبيعة إنسانية تتميّز بالنسبية والتنوع إذ يقول(( العقل منّا هو علم للموجودات بالقوة لا علم بالفعل، والعلم بالقوة ناقص عن العلم بالفعل ، وكلما كان العلم منّا أكثر كليّة  كان أدخل في باب العلم بالقوة و أدخل في باب نقصان العلم))14 كما أنها كذلك كليّة وليدة التركيب العقلي الذي يربط مختلف الحقائق الجزئية ويكوّن لنا معرفة كليّة قائمة على البراهين الموضوعية، وهي بذلك تكون وفق عملية تصاعدية تمر بمراحل ومراتب تبدأ من الوجود الهيولى الذي لا يدرك ذاته إلى وجود في البصر ثم وجود في القوة الخيالية وبعدها وجود في القوة الذاكرة إلى أن تصل إلى وجود في العقل أين تكون المعقولات الكلية15.هذه المعقولات التي تتعدّد بتعدّد الأنواع والخيالات التي يضعها الباحث حيث يقول((الحق في ذلك أنه ليس تعدّد المعلومات في العلم الإلهي كتعدّدها في العلم الإنساني، وذلك أنه يلحقها في العالم الإنساني تعدّد من وجهتين، أحدهما من جهة الخيالات وهذا يشبه التعدّد المكاني، والتعدّد الثاني تعدّدها في أنفسها في العقل منّا ... فإنّ العقل منّا هو واحد من جهة الأمر الكلّي المحيط بجميع الأنواع الموجودة في العالم وهو يتعدّد بتعدّد الأنواع))16فحتى و إن كانت المعرفة البشرية ناقصة ومتعددة، فهي تبقى عبارة عن ثمرة للمجهود المعرفي الإنساني لا يمكن الاستهانة بها أو التقليل من قيمتها العلمية، وهنا نجده يؤكد أهمية العقل البشري في بناء المعرفة وكذلك  يسدُّ الباب أمام  من يقول بوجود كليّات مفارقة أو أنّ المعرفة تتمُّ بطريقة تنازلية عن طريق الفيض أو الإلهام.  

رابعا-المنهج عند ابن رشد

تعدُّ إشكالية المنهج من ابرز الهواجس المعرفية التي شغلت الفكر ألرشدي، إنها تتمثّل في الكشف عن أسُس المنهج الذي يجب أن تتأسّس عليه المعرفة الإنسانية العلمية. لقد أدرك أنّ أزمة المجتمع وسبب تخلّفه تكمن في المنهج أو الطريق المعتمد في التفكير والبحث عن الحقيقة، لهذا جعل من كتبه الثلاث نقداً لأسس المنهج السائد وهو ما يظهر من عنوان مناهج الأدلة "كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة و التعريف بما وقع فيها بحسب التأويل من الشبه المزيفة والبدع المضلة" وكذلك كتاب "فصل المقال وتقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال" الذي نظّر فيه للمنهج ألبرهاني وبيّن الحدود الواصلة والفاصلة بين الحكمة والشريعة ثم كتاب "تهافت التهافت" الذي نقد فيه المنهج وعمل على تصحيح طرق الفلاسفة المسلمين في فهمهم للفلسفة من خلال نقد قراءة ((الغزالي)) لفلسفة (الفارابي وابن سينا ))17.

لقد أراد ((ابن رشد)) التأسيس لمنهج علمي بعيد عن الضن والتخمين ولا يقوم على قياس الشاهد على الغائب. انه يريد منهجاً يقوم على القياس العقلي ألبرهاني الذي  يضمن وحدة المعرفة وصحتها، لأن العقل (( يشكّل حلقة الوصل بالمعنى العلمي بين كتاب الطبيعة وما بعد الطبيعة أو بالمعنى الجوهري بين العالم البشري والعالم الإلهي ))18فالعقل عنده يُعدُّ بمثابة المحور الذي يرتكز عليه المنهج المعرفي العلمي لكنه ليس مجرّد أداة معرفية فحسب، وإنما هو حاضر بشكل بارز في جميع مناحي الحياة الإنسانية، بواسطته يدرك الإنسان حقيقة الوجود الذي هو معقول بالقوة ويتحوّل إلى معقول بالفعل عند تدخل العقل، كما أنّه يرى أنّ العقل قادر على إنشاء المعقولات المفارقة وبالتّالي يتجاوز العالم الهيولي.

لكن هذا التجاوز لا يعني أنّ العقل البشري حرّ في إنشاء المعرفة، بل هو كما يقول ((العقل ليس غير إدراك صور الموجودات من حيث هي في غير هيولى...))19 فالعقل الذي يبني به الإنسان المعرفة الحقيقة، هو عقل ملتزم بالمعطيات الموضوعية، فالوجود كما هو موجود بمثابة موضوع المعرفة البشرية التي تكون صورتها النهائية مجرّدة.

فالعقل البشري مجرّد استعداد معرفي عند الإنسان خال من أي معرفة مسبقة ((وإذا كان الأمر في هذا العقل هكذا، فليس طبيعته إلاّ الاستعداد فقط))20 لذلك فهو يرى أنّ هذه القدرة المعرفية عند البشر تستنبط الحقيقة من الطبيعة ونظامها ((إنّ العقل الإنساني إنمّا هو ما يدركه من صور الموجودات ونظامها))21إلى جانب هذا فالعقل يمثّل ويحقّق الصورة النوعية للإنسان من حيث هو إنسان.

لقد دافع ((ابن رشد))عن المنهج ألبرهاني وضرورة اعتماده وأكدّ وجوبه من الناحية الشرعية والعقلية لذلك نجده يستشهد بالنصوص النقلية التي تُؤكد ضرورة إعمال العقل والبرهان في البحث عن الحقيقة ودراسة الموجودات ومختلف المواضيع المجرّدة، كما أنه طلب من كل مستخدم للنّظر العقلي في دراسة العالم المادي أن يكون ملماً بكل أنواع البراهين وشروطها ونقاط الاختلاف بين المنهج ألبرهاني وبقية المناهج الأخرى ويقصد بها النهج الخطابي والجدلي و القياس ألمغالطي فهو يقول(( أن يتقدّم أولاً فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبما يخالف القياس ألبرهاني على القياس الجدلي والقياس الخطابي والقياس ألمغالطي ))22بالنسبة له لا يمكن لأي باحث عن الحقيقة الدخول في ميدان البحث المعرفي والتمّكن من الحقيقة العلمية إذا كان جاهلاً لأبجديات البحث العلمي، وغير عارف ولا متمكن من المنهج العلمي المناسب وهو ألبرهاني أو غير قادر على تميّيز هذا المنهج عن غيره من المناهج غير البرهانية التي تعتمد على المغالطة والجدل.

إنّ سبّب تفضيل ((ابن رشد)) للقياس ألبرهاني هو قيامه وارتكازه على مقدمات أولى صادقة بذاتها وتكون بمثابة المبادئ الضرورية الخاصة بكل علم، وهي مبادئ مستمدة من الواقع بعد إعمال عملي تجريبي للحواس والمخيلة مع توظيف صارم للعقل، بوظائفه المعرفية المتعددة، وفق خطّة محكمة كما أنّ هذا المنهج لا ينحصر استعماله في دراسة الطبيعة فقط وإنّما تصلح الاستعانة به في فهم ودراسة القضايا الإلهية لعدم تعارضه مع الشرع. إذ يقول ((فهذه المسألة هي خاصة بالعلماء الراسخين الذين أطلعهم الله على الحقائق، ولذلك لا يجب أن تثبت في كتاب إلاّ في الكتب الموضوعة على طريق البرهان))23 إنه يجعل من المنهج ألبرهاني شرطاً ابستيمولوجياً لبناء المعرفة الإنسانية.

يبدو أنّ المنهج الذي أسّس له ((ابن رشد)) يتماشى والقدرات البشرية ويقبل التكييف وفق طبيعة الموضوع.  فهو منهج متميز من حيث واقعية المقدمات التي ينطلق منها، مقدمات يجب أن تكون نابعة من الدراسة العلمية للطبيعة، مثل مبدأ السببية الذي لا يمكن إنكاره، هذا المبدأ الذي يمّكن الباحث من إدراك نظام الموجودات وصورها كما يجب أن يكون هذا المنهج متماش وطبيعة الموضوع، حيث يجب أن يكيّف مع الموضوع المادي فيقوم بذلك على التجريب الذي يعتمد في العلوم الطبيعية، أمّا إذا كان الموضوع نظرياً مثل العلوم الرياضية فيجب أن يعتمد على العقل المؤسس على مبادئ نظرية عقلية تكوّنت في العقل بتراكم المعارف وإذا كان الموضوع يتعلّق بالإلهيات والشّرع فإنّ ذلك يقتضي أن يكون المنهج ألبرهاني تأمليًا نوفق فيه بين ثوابت الشّرع والواقع المتغيّر، هذا ما يستوجب بناء حقيقة واقعية موضوعية لا تتعارض مع البرهان ومقتضيات الشّرع، ولا مع متطلبات الحاجة العلمية والعملية.

إنه يشترط أن تكون المبادئ التي يقوم عليها المنهج ألبرهاني متماشية وطبيعة الموضوع، لأنه يرى استحالة تعميم هذه المبادئ على كل الصنائع والعلوم  وفي هذا يقول((فأمّا  المقدمات التي منها يكون البرهان في جنس وطبيعة من طبائع الصنّائع البرهانية، فلمّا كانت الأمور ها هنا مقدمّات عامة لأكثر من جنس واحد فسنبيّن كيف يمكن استعمال الصنّائع الخاصة بها وكذلك الأمر في المطلوبات أيضاً، أعني أنّه يجب فيها أن تكون خاصة بالطبيعة الموضوعة إذا كانت ذاتييه لها، وإذا كانت المقدمات يجب أن تكون خاصة بجنس حسّ وكذلك فبيّن أنّه ليس يمكن أن يُنقل البرهان من جنس إلى جنس والسّبب في ذلك أنّ الطبّائع الموضوعة للصنّائع مختلفة))24 هذا النّص ألرشدي الذي لم يكتف فيه بشرح موقف ((أرسطو)) حول خصوصية المبادئ البرهانية، بل قام بإبداء موقفه من مسألة طبيعة البرهان الذي يجب اعتماده وضرورة مراعاة طبيعة الموضوع أثناء وضع المبادئ العلمية التي تؤسّس للمنهج ألبرهاني  هذا ما يؤدي بشكل آلي ومنطقي إلى ألتعدّد في أنواع البراهين، وفي تطبيق المنهج ألبرهاني من موضوع إلى آخر حسب ما تقتضيه طبيعة ذلك الموضوع  لهذا نجده يقول ((وقد تبيّن أنّ ألبراهين المختلفة إنّما تكون من المبادئ المتقدّمة بالطّبع التي هي أعرف عندنا وعند الطبيعة))25 وهو يؤكد في هذا النص، ضرورة استنباط المقدمّات التي تقوم عليها البراهين وتعتمد في الدراسة البرهانية لأي علم من العلوم، هذا الاستنباط الذي يكون من الواقع الموضوعي وليس الخيال المجرّد الذي لا علاقة له بالوجود كما هو موجود.

في الوقت الذي يشير فيه  إلى تنوع العلوم بسبب تنوع المواضيع فهو يؤكدّ كذلك  مسألةً ابستيمولوجيةً كان قد أكدّها المعلم الأوّل ((أرسطو))، هذه المسألة التي تتمثل في مدى إمكانية اعتماد نفس المنهج ألبرهاني وتوظيف نفس البراهين في كل العلوم، إنه يرى استحالة تعميم المنهج الواحد في كل العلوم أو تطبيق نفس البرهان في علوم مختلفة من حيث طبيعة الموضوع والمطلب المعرفي المقصود، أمّا في حالة وجود قاسم مشترك بين علمين مختلفين فإن هذه الاستحالة تسقط بصفة نسبية ويضرب في ذلك أمثلة عن هذه العلوم مثل استعانة علم المناظر بأمور هندسية وعلم الموسيقى بأمور عدية إذ يقول(( أنّما يمكن أن يُنقل البرهان من صناعة إلى صناعة متى كان المطلوب في الصناعتين واحداً بعينه: إمّا على الإطلاق إن أمكن وأما أن يكون واحداً بجهة ما. وذلك أن تكون إحدى الصناعتين تحت الصناعة الأخرى، بمنزلة علم المناظر يستعمل أموراً هندسية، وبمنزلة علم الموسيقى الذي هو تحت علم العدد))26 لكنه يؤكد كذلك أنّ الأمر غير ممكن علمياً عندما يكون الاختلاف كلّي بين علمين مختلفين ويظهر ذلك في قوله ((وأمّا إذا كان المطلوبين مختلفين، فليس يمكن أن يتبرهن واحداً منها في غير الصناعة التي تخصّه. مثال ذلك أنه ليس يمكن أن يبرهن صاحب علم الهندسة أن الضد إنمّا له ضد واحد، وأن الضدين علمهما واحد، إنمّا ذلك للعلم الإلهي. كما أنه ليس للعلم الإلهي أن يبيّن أن الكعبين إذا ضوعف أحدهما بالآخر كان منهما عدد مكعب إنّما ذلك للعددي...وهذا ما يدل غاية الدلالة على انه ليس يمكن أن ينقل البرهان من صناعة إلى صناعة لانّ الأمور المشتركة لأكثر من موضوع صناعة واحدة هي من الأمور العرضية لا من الأمور الذاتية))27

         انه يضع لنا الإطار الابستيمولوجي للبحث المعرفي، الذي يؤكد فيه على ضرورة اعتماد المنهج ألبرهاني في عملية البحث عن المعرفة، وفي الوقت نفسه لا يغفل عن تحديد مختلف الضوابط المعرفية التي يجب الالتزام بها أثناء توظيف هذا المنهج، لأجل ضمان الموضوعية والدقة العلمية، ومنه يمكن إقحام هذا المنهج في مختلف المباحث، حتّى الإلهية لكن وفق ضوابط يمليها الشرع ويفرضها العقل فينا كما يؤكد كذلك أن تكون الاستنتاجات التي يصل إليها الباحث مبرّرة عقلياً وواقعياً وتتوفر فيه خصائص المعرفة العلمية.

خامسا-أبعاد وآفاق التأسيس ألرّشدي للمعرفة:

(أ)- من اللاّتحيّز المذهبي إلى موسوعية الفكر الإنساني: حينما نحلّل الطريقة التي اعتمدها ((ابن رشد)) في تأسيس المعرفة نجده يجعل من الحقيقة هدفه الأساسي وهو يسعى لتحقيق هذا الهدف كان يدرك ضرورة ضبط طريقة التفكير والبحث عنه. هذا الطّريق الذي انتقى له طريق البرهان كأسمى طريق وأضمنها للوصول إلى المعرفة، لكن وهو يعمل على ضبط المعالم الابستيمولوجية لهذا الطّريق كان حريصاً على أن يجعله يتماشى والإمكانات المعرفية للإنسان، لهذا كان يؤكدّ على أهميّة الحواس والتخيّل ثمّ العقل في البحث عن الحقيقة كما أكدّ وجود علاقة تكامل معرفي بين هذه الأدوات المعرفية البشرية. كما أنه حرص على التأكيد على أهمية تحديد مصدر المعرفة الذي اعترف فيه بأن الوجود كما هو موجود هو بمثابة المصدر والمرجع الأساسي لبناء المعرفة، لكن وهو يؤكدّ هذا الحقيقة لم ينفي  وجود الحقيقة الفلسفية المجرّدة أو الحقيقة الغيبية اليقينية التي يمكن للإنسان أن يصل إليها بإمكاناته المعرفية المشتركة بين أفراد النّوع البشري؛ فامتلاك اليقين عند ((ابن رشد )) أمر ممكن، عندما يسلك الإنسان طريق البرهان ويبدأ في بحثه المعرفي من الوجود كما هو موجود هيأعهباإلى أن يرتقي وينتقل من مرتبة إلى أخرى حتّى يصل إلى الاتصال بالعقل الفعّال، هذه المرتبة التي يمتلك فيها العقل البشري اليقين. لكنه عندما أكدّ على موسوعية واتساع المعرفة البشرية لم يستثن الشّرع أو الدّين كموضوع للمعرفة الإنسانية لأنه يقبل الدّراسة البرهانية العقلية سواء في مجال الفقه والتشريع أو المسائل الغيبية التي تخُصُّ بناء العقيدة.

لقد حدّد ((ابن رشد)) مكانة ودور الأدوات المعرفية التي يمتلكها الإنسان والطريقة التي يجب أن توظّف بها دون إنقاص لقيمة أي أداة، و بيّن كذلك أن خطوات المنهج ألبرهاني تختلف وتتنوّع حسب طبيعة الموضوع، فالمنهج ألبرهاني عنده يتميّز بالمرونة ويقبل التعديل والتكييف وفق طبيعة الموضوع ، فإذا كان الموضوع مادياً تحتّمّ علينا للوصول إلى الحقيقة التسّلُح بالعقل والتجربة بحيث يكمّل كل منهما الآخر، ليس هناك إمكانية لإقصاء نشاطات العقل التأملية مثل التخيّل و الافتراض والتساؤل لما لها من دور في توجيه التجريب لما تقدّمه من فرضيات علمية وكذلك لما يحمله العقل من مبادئ علمية موضوعية واقعية تكوّنت عنده بعد دراسات علمية مستمرة لهذا الوجود كما هو موجود .

لكن التأكيد على مكانة العقل العلمية لم تكن على حساب التجريب والواقعية التي تُلزم الباحث النزول الدائم إلى أرض الواقع (الطبيعة، البيئة الاجتماعية) لاستنطاقه واستنباط الحقيقة منه، لأجل ضمان علمية الإنتاج المعرفي البشري، بالنسبة إليه أي محاولة لتجاوز الواقع المادي أثناء البحث عن الحقيقة سيؤدي إلى ابتعاد العقل عن الحقيقة كما هي وبالتالي الوقوع في الذاتية وفخ الضنون والوهم، أو فقدان للنسقية والبناء المنطقي للمادة المعرفية، بسبب غموض المبادئ المعتمدة أو لخلل في المنهج المعتمد.

إنّ العودة إلى الموضوع كما هو موجود في الواقع تمّكن الباحث من معرفة خصائص وطبيعة الموضوع وما يتميّز به عن غيره من المواضيع، هذا ما سيساعد الباحث على ضبط وتكييف المنهج ألبرهاني حتّى يتماشى وطبيعة الموضوع ومنه تتحقّق المعرفة العلمية التي تبقى دائماً نسبية، بسبب نسبية ما يدركه العقل فينا إذ يقول((أمّا الترتيب الذي في العقل فينا، فإنّما هو تابع لما يدركه من ترتيب الموجودات ونظامها، ولذلك كان ناقصاً جداً، لأن كثيراً من الترتيب والنظّام الذي في الموجودات لا يدركه العقل الذي فينا))28 فالعقل كأداة معرفية ضرورية بحاجة إلى الرّجوع إلى الواقع لاستنباط المبادئ العلمية التي ستكون القاعدة والأساس المعرفي لبناء الحقيقة العلمية، إذا كان الرّجوع إلى الواقع حتمية علمية فإن الاستعانة بالأدوات المعرفية التي تمّكن الباحث من تحقيق هذا الشرط المعرفي يعدّ أكثر من ضرورة ، ومنه يؤكد ضرورة الاعتماد على الحواس والتخيّل، التي تقدم للعقل المعرفة الجزئية الموضوعية، التي تتحوّل إلى معرفة كلية مجرّدة تقبل التعميم .

يعدُّ التأسيس ألرشدي للمعرفة وحرصه على الالتزام به بمثابة ثورة علمية لإعادة النّظر في الموروث المعرفي الإنساني والإسلامي، ثورة تنبذ التقليد والخضوع للوصاية، انه يؤسّس للتفكير العقلاني الحّر القائم على ألبرهان دون الوقوع في فخ التحيّز المذهبي ، حيث انفتح على الإنتاج الفكري البشري متقصياً في  ذلك الحقيقة معتمدا آلية النقد البنّاء في معالجة مختلف الأطروحات كما أنه لم يكن حسياً محضاً أو عقلياً خالصاً وإن كان يعترف بقدرة الإنسان على تحصيل وبناء المعرفة فإن هذه الجرأة لم تجعله ينكر ما جاء به الدّين من حقائق عن هذا الوجود ، لكن دون أن يجعل منها الحقيقة الوحيدة، هذا ما جعل البعض يصفه بالقائل بالحقيقتين وفي هذا تقويل ل ((ابن رشد)) ما لم يقله، لأنّه يؤكد أنّ الحقيقة واحدة والاختلاف يكمن في الآلية والمصدر الذي تستنبط به ومن الحقيقة.

إذا كان ((ابن رشد)) يعترف بقدرة الإنسان على المعرفة فإنّه كذلك يعترف بنسبية تلك القدرة وما ينتج عنها من معرفة وهذا اعتراف صريح منه أنّ كلّ ما جاء به هو كعالم وفيلسوف يبقى محدود بتاريخانيته ما يفرض علينا الالتزام بالآلية البرهانية أثناء البحث عن الحقيقة العلمية، هذه الحقيقة التي تبنى بطريقة تراكمية إلى أن تصل إلى اليقين.

فقد تجاوز ((ابن رشد))التعصّب والتحيّز المذهبي حتّى وإن كان يبدي إعجابه ب ((أرسطو)) الفيلسوف فإنّ ذلك الإعجاب كان في حدود ما تسمح به العلمية لا أكثر ولا أقّل وفي هذا تأكيد منه على ضرورة الانفتاح العلمي على الإبداع البشري كلّه، لحاجتنا إلى المعرفة والاستفادة من الآليات المعرفية النّاجحة وكأنّه يقول بكلّ ما أوتي من قوّة "لا يهمّ فيما تفكّر، كلّ ما يهمّ هو كيف تفكّر" وربمّا عدم تحيّزه المذهبي وتحلّيه بالانفتاح والتسّامح العلمي والفكري هو سبب من الأسباب للمحنة التي تعرّض إليها، لأنّ المرونة التي تميزّ بها المنهج ألبرهاني، الذي أكدّ على ضرورة الالتزام به في كل المباحث المعرفية التي يطرقها الإنسان هو اعتراف ضمني بأنّ الحقيقة إنتاج وملكية إنسانية وهذا تمهيد ودعوة لثورة علمية معرفية في المجتمع. هذه الثّورة التي قد تكون إعلاناً لنهاية ووفاة الوصاية على عقول البشر ورقابهم.

إنّ تميُّز ((ابن رشد)) بهذه الخصائص التي عزّزت شخصيته العلمية وقوّت نزعته العقلية البرهانية، التي جعلته يعرف كيف يكون وفياً للمنهج ألبرهاني مع مراعاة طبيعة كل موضوع معرفي بحث فيه، يصّعب علينا تصنيف أو تسمية ((ابن رشد )) بالتجريبي أو العقلاني، ذلك لأنّه تجريبي حين يدعو إلى البدء بالمعرفة الحسّية كما يدعو إلى إدراك الكليات بالتجريد، لكنّه قد يكون عقلانياً حين يقيمُ نظريةً معرفية يؤكدّ فيها على الدّور الأساسي للعقل وحضوره الضّروري في جميع المراحل التّي تمرّ بها المعرفة، حتّى تصل إلى مرتبة الكلّية واليقين .

لقد كان عقلانياً متحرّرًا للفكر، دون أن يسعى لخلق صدام بين الحكمة والشّريعة29. من دون شك فإنّ هذا الطّرح الابستيمولوجي يحمل أبعاداً وأفاقاً، فما هي هذه الأبعاد وتلك الآفاق التي يمكن استقرائها من التأسيس ألرّشدي للمعرفة؟

ب-التأسيس ألرشدي للمعرفة بين الأبعاد والآفاق المعرفية: لقد كان ((ابن رشد)) يفتتح كل مؤلف من مؤلفاته بتحديد وتوضيح الغاية التي يرمي إليها من خلال ذلك العمل، حيث نجده يبيّن الغرض من كتابه (تهافت التهافت ) بقوله ((فإنّ الغرض من هذا القول أن نُبيّن مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التّهافت لأبي حامد في التصديق والإقناع ، وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان ))30 كذلك يقول في كتابه فصل المقال ((فإنّ الغرض من هذا القول أن نفحص على جهة النظر الشّرعي هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشّرع أم محضور أم مأمور به إما على جهة النّدب وإما على جهة الوجوب))31 هذه أمثلة تؤكد أنّ ((ابن رشد)) لم يكن يؤلّف من أجل التأليف أو يؤسّس لأي طرح فلسفي لغرض استعراض عضلاته الفكرية على من خالفهم .إنّ التأليف والتفلسف عنده؛ ما هو إلا وسيلة يعتمدها رجل العلم والفلسفة لأجل الوصول إلى غاية معرفية  ما وكذلك تحقيق بعض الأبعاد و التخطيط لآفاق مستقبلية قد تكون بمثابة الأنموذج الذي يسعى إلى تحقُّقه على أرض الواقع.

هذا هو ديدن كل رجل لا يريد الانتصار لنفسه أو احتلال مراتب الشّهرة على حساب الحق، إننا لا نستطيع استثناء أي عالم أو فيلسوف من هذا الأمر، فلقد أراد ((أفلاطون)) تقديم مشروع دولة يكون بديلا للمجتمع والدّولة الموجودة على أرض الواقع الدولة التي حكمت بالإعدام على الفكر الحر ((قتل سقراط))، نفس الأمر ينطبق على ((أرسطو)) الذي أراد تخليص المجتمع الأثيني من التفكير الخرافي الذي يسيطر عليه التفكير اللّاهوتي والأسطوري وكذلك نلتمس هذه الغاية عند الفلاسفة المسلمين، باختلاف مناهجهم  الفكرية وطرقهم المعرفية حيث سعى ((الكندي)) إلى نحت مكانة للفلسفة والتفكير الحر في المجتمع الذي ينتمي إليه وفق فلسفة توفيقية حاول من خلالها الجمع بين التناقض الموجود في الإنتاج الفلسفي الوافد، وحاول الشيخ الرئيس وقبله المعلم الثّاني إيجاد طريقة فكرية يثبتون بها التوافق بين الحكمة والشّريعة. ثمّ يأتي من بعدهم فلاسفة المغرب للتأكيد على أنّ الفلسفة نظام معرفي إنساني متميّز، يوصل إلى الحقيقة وأنّ الإنسان يقدر على اكتساب الحق دون الاعتماد على قوة مفارقة وبعدهم يأتي الفيلسوف ألقرطبيي ((ابن رشد)) حاملاً معه هماً معرفياً خطيراً، وهو همّ المنهج وطريقة التفكير ومصادر الحقيقة وعلاقتها بالذات البشرية وقدراته المعرفية، لهذا وجدنا معظم مؤلفاته تبحث أو تحمل بداخلها بشكل مباشر أو غير مباشر هذا الهّم.

ما من شك إنّ تبنّي ((ابن رشد)) هذا المشروع الابستيمولوجي وتحمُّل تبعاته التي كادت أن تؤدي لحتفه، كذلك صبره واجتهاده للوفاء بهذا المشروع يحمل أبعاداً متنّوعة وآفاقاً إنسانية راقية أراد أن يضع لها الحجر الأساس الذي يمكن أن يحولها من مجرّد طموح ومشروع إلى حقيقة على أرض الواقع. هذا ما أردنا التطّرق إليه في هذا المبحث حيث حاولنا استقصاء هذه الأبعاد والآفاق محاولين حصر هذه الأبعاد في المستوى المعرفي ثمّ الاجتماعي والحضاري. فما هي هذه الأبعاد التي يمكن استخلاصها من التأسيس ألرشدي للمعرفة ؟

أولا- البعد المعرفي: التأسيس ألرشدي للمعرفة الإنسانية لم يكن مجرّد عمل فكري منفصل عن الواقع الحضاري الذي ينتمي إليه ((ابن رشد ))، خاصة ونحن نعرف أنه كان يتحرّك فكرياً في ضل الواقع الذي كان يعيش فيه سواءً فيما يخص الاهتمامات الاجتماعية أو المعرفية وكذلك مختلف المشكلات التي كانت مطروحة في مجتمعه، التي كان يرى أنّ الخروج بحل حضاري لها مشروط بإعادة النّظر في طرق التفكير و البحث المعتمدة  في فهم الدّين أو اكتشاف الحقيقة وفهم الوجود، لهذا جاءت معظم مؤلفاته مقالات في المنهج، لقد انكبّ على الواقع الفكري للمجتمع الذي ينتمي إليه دون أن يكون منغلقاً على نفسه وعلى هذا الواقع حيث انفتح على الإنتاج العلمي المعرفي لمن سبقه من فلاسفة ومفكرين دون الشّعور بأيّ حرج لانتماءاتهم الحضارية أو الدّينية.

كلُّ هذا من أجل التأسيس للمعرفة البشرية وتحديد مصدرها ومدى قدرة الإنسان على اكتسابها كون الفصل في هذه المشكلة بتقديم حل مؤسّس، سيكون بمثابة نقطة الانطلاق من جديد للمضي قُدماً في بناء المعرفة الإنسانية بطريقة علمية واقعية، وهنا تنكشف لنا الأبعاد المعرفية التي كان يرمي إليها وهي:

أ- إزالة الغموض عن العمل العلمي المعرفي: عندما يؤكدّ ((ابن رشد)) أنّ المعرفة والحقيقة إمكانية إنسانية؛ فهو في حقيقة الأمر يسعى إلى تقديم رسالة واضحة إلى كلّ من يرى أنّ الوصول إلى الحقيقة ميزة خاصة بجنس محدّد من البشر أو بفئة معيّنة من النّاس. رسالة أكدّ فيها أنّ أي إنسان قادر على امتلاك الحقيقة، بل هو قادر على امتلاك اليقين بشرط أن يلتزم بالمنهج ألبرهاني وإتباع مراحل البحث المعرفي دون حرق الأشواط، بحيث لا يستطيع الباحث أن يدرس أو يبحث المواضيع المفارقة للمادة دون أن يكون قد درس الطبيعة، تلك الدراسة التي ستزودّه بالمبادئ العلمية التي تجعله ينتقل من علم إلى آخر ومن مرتبة إلى أخرى حتّى يصل إلى اليقين لهذا وجدناه يقسم العلوم إلى علوم عملية وأخرى نظرية ثم علوم مجرّدة يقينية تتحقّق بما يسميه بالاتصال.

إن كان ((ابن رشد)) يقبل بوجود طرق معرفية أخرى إلى جانب طريق البرهان فهو يؤكدّ كذلك أنّ الحقيقة اليقينية لا تتأتّى للإنسان إلاّ باعتماد المنهج ألبرهاني. وليقطع الطّريق أمام المدّعين بامتلاك اليقين لقد بيّن لنا الأدوات المعرفية التي يجب اعتمادها، أدوات معرفية متاحة لكّل إنسان دون استثناء وهي تتمثّل في الحواس والمتخيلة وكذلك العقل. آليات ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في أي مبحث معرفي، ومنه لا يحقّ لطالب الحقيقة أن يحلّق في السّماء بخياله الواسع وينشئ في ذهنه تصوّرات معينّة، بل عليه الاستعانة بحواسه التي تعدّ النّافذة التي يتّصل عبرها بالعالم الخارجي، حتّى يدركه فيستقبل مختلف المعطيات الحسيّة التي تنتقل إلى العقل ليستنبط منها الحقيقة الكليّة المجرّدة.

لكن هذه الأدوات المعرفية ليست وسيلة للاستنباط فقط، بل هي آلية للتحقُّق والاختبار وامتحان مختلف التصّورات والأحكام العقلية، هذا ما يتيح إمكانية مراجعة مختلف الاستنتاجات سواء من طرف صاحبها أو من طرف باحث آخر ومنه تكون عملية بناء المعرفة عملية واضحة خالية من الغموض أو الصّدفة أو الخرافة والخوارق. إنه يريد أن تكون طريقة بناء المعرفة واضحة المعالم من بدايتها إلى نهايتها، وتقع تحت الإمكان البشري حتّى يستطيع التحقّق من أي فكرة ومعرفة مدى تطابقها مع الواقع والعقل.

ب- ضبط الموضوع هو ضبط للمصدر والمرجع المعرفي: إذا كان الإنسان حسب ((ابن رشد)) قادر على اكتساب المعرفة فإنّ هذه القدرة تحتاج إلى ضبط الموضوع الذي تعمل عليه هذه القدرة لاكتشاف الحقيقة. إنّ تحديد مصدر المعرفة ضروري بالنسبة إليه. لقد وضع يده على إشكالية ابستيمولوجية مهمّة، المتمثلة في أصل المعرفة الإنسانية، هل هو الواقع المادي أم الخيال العقلي.

إنّ دقة وعمق الطّرح ألرشدي جعله يحدّد طبيعة الموضوع المعرفي كما حدّد نوعية الحقيقة التي تستنبط منه. فإذا كانت المعرفة عنده تتنّوع من معرفة علمية طبيعية إلى علمية نظرية ثمّ إلى معرفة علمية فلسفية يقينية فذلك يعود إلى طبيعة الموضوع في حدّ ذاته فالمعرفة العلمية الطبيعية متعلقة بعالم الطبيعة وهو الوجود المادي الذي يعدّ، المصدر الأوّل والأساسي للحقيقة، كون الأشياء تحمل الحقيقة في ذاتها بالقوّة والباحث عند إعمال الحواس والعقل وفق المنهج ألبرهاني سيّطّلع على تلك الحقيقة التي تتحوّل إلى حقيقة بالفعل. لكن إقرار((ابن رشد)) بموضوعية المعرفة لم يدفعه إلى إلغاء العلوم النّظرية كالرّياضيات مثلاً التي تبحث في مفاهيم مجرّدة ليس لها ما يقابلها في الواقع المادي ، هذه العلوم التي يجب أن نعتمد فيها التأمّل العقلي ألبرهاني القائم على مبادئ العقل التي تكوّنت فيه بتراكم المعرفة العلمية.

ت- تخليص المعرفة من الأوهام والضن والخرافة التأسيس ألرشدي للمعرفة، يهدف إلى معالجة ظاهرة خطيرة تفشّت في عهده حيث أُلحق الضن والخرافة والأوهام والتخيّلات بعالم المعرفة والحقيقة، هذه الظاهرة التي شوّشت عقول النّاس وأدخلتهم في متاهات الجهل والتقليد. ولأجل تخليص المعرفة من هذه الشوائب، حرص على وضع صمّاماً للأمان يمكن اعتماده من طرف أيّ إنسان لاكتشاف الحقيقة أو اختبار أي مقولة ادعى أصحابها أنّها الحق بعينه، يتمثّل هذا الضمان المعرفي في ضبط المنهج ألبرهاني الذي يجب أن يكون متماشياً وطبيعة الموضوع ومدعماً بمبادئ علمية لا تتعارض مع العقل والواقع، بذلك أي مقولة تفتقر لهذه الشّروط تعتبر مجرّد توهمّات وتخيّلات لا أساس من الصّحة أو هي بمثابة خرافات اعتاد عليها النّاس.

فالعمل المعرفي عند ((ابن رشد)) لا علاقة له بالعشوائية والصّدفة، انه عمل مؤسّس له مرجعية يقوم عليها، هذه المرجعية التي قد تختلف باختلاف طبيعة الموضوع، لكن رغم هذا الاختلاف فإنه يعدُّ الوجود كما هو موجود مرجعاً أساسياً ومشتركاً، كما يعدّ العقل بمبادئه الثابتة النّاتجة عن التراكم المعرفي بمثابة آلية معرفية ضرورية إلى جانب ضرورة العودة إلى النص الأصلي عندما يتعلق الأمر بالفلسفة أو الدّين. لقد أراد تجنيب الإنسان التيه المعرفي بحيث حدّد لنا المرجعية المعرفية التي يجب الرّجوع إليها حتّى يسّهل الطريق إلى المعرفة العلمية، هذا المرجع الذي قد يختلف من مبحث إلى آخر، لكن هذا الاختلاف لا يعني التعارض بين ضرورة الرجوع إلى الواقع كمرجعية معرفية أساسية والاستعانة بمرجعيات أخرى لوجود تكامل وظيفي ومعرفي بين مختلف المرجعيات المعرفية التي قد يعتمدها الدّارس لبناء الحقيقة العلمية.

يبرز هذا الطّرح بوضوح عندما أكدّ لنا أنّ العقل البشري قادر على دراسة المسائل الغيبية والشّرعية بشرط أن يكون النص الشّرعي بمثابة المرجع الذي يجب ألعودة إليه عند البحث عن الحقيقة، لكن ضرورة العودة إلى النص لا تعني عنده الإعراض عن الواقع والطبيعة، بل تبقى الطبيعة مرجعاً مهماً في هذا المبحث كونها تساعد على فهم النص و إدراك الحقيقة الغيبية؛ لهذا وجدناه يقول((والوقوف على الغيب ليس هو شيأً أكثر من الإطّلاع على هذه الطبيعة))32فوضوح المرجع المعرفي قد يجنب الإنسان الوقوع في التقليد والتصديق الأعمى أو التعصّب لأي طرح أو التقوقع حول فكرة أو مذهب محدّد ورفض الانفتاح على المذاهب الأخرى فالثّابت هو المرجع، ويبقى الإنتاج المعرفي البشري بمثابة فهم وموروث بشري نسبي يمكن أن يتغيّر لما قد يلحقه من النقص أو الخطأ.

ث- العلم البشري متطور: العلم بالنسبة ل ((ابن رشد)) إنتاج بشري محكوم بالظروف التاريخية التي نشأ فيها  وهو كذلك محكوم بعوامل موضوعية تتعلّق بالموضوع المعرفي أو ذاتية تتعلّق بالباحث لكونه إنسان يتأثر بما يحيط به من ظروف، هذا ما يمكن الباحث من وضع بواسطة المتخيلة جملة من الفرضيات، ويعمل على التحقّق منها برهانياً، تلك الفرضيات التي تختلف من باحث إلى آخر، لأجل هذا حكم على المنتوج المعرفي البشري بالنسبية والقابلية للتطّور والتطوير، هذه القابلية التي لا تتحقّق بعفوية أو عشوائية؛ بل هي عملية انتقائية تقوم على الهدم والبناء و على الاتصال والانفصال أو ما يسمى بالقطيعة الإبستيمولوجية المؤسّسة على النّقد الإيجابي و السّلبي:

- الإيجابي: فهو النقد الذي يعترف بالحقيقة والصّواب في الإنتاج المعرفي السّابق ويؤسّسُ عليه إضافات علمية جديدة بعد أن يهدم ما يجب هدمه.

- أما النّقد السّلبي: فإنه يكمن في الاعتراض الصّريح والمؤسّس، على الأخطاء المعرفية والعمل على تصحيحها مهما كان مصدرها مع العمل على هدمها وبناء بديل معرفي عنها، بهذا لا يكون بناء المعرفة العلمية عنده من العدم، بل هناك منطلقات يجب الانطلاق منها كون امتلاك الأدوات المعرفية من حواس وعقل وطريق البرهان غير كاف لبناء المعرفة، وقد يجعل من البحث المعرفي دوران في حلقة مفرغة وتكرار لما قام به السّابقين ممّا يجعل ذلك البحث عقيماً.

إنّ خصوبة البحث المعرفي البشري يقتضي الإحاطة بالموروث العلمي وغربلته ومن ثمّة التأسيس لمباحث وأفكار جديدة يمكن أن تساهم في تطوير العلم الإنساني وتمكينه من امتلاك اليقين والحق، هذا الأخير الذي كان ((ابن رشد)) مخلصاً إليه إلى أبعد الحدود ويسعى إلى الحقيقة ويعمل جاداً للوصول إليها والأخذ بها من دون أي اعتبار للقائل، فلقد كان يدعو إلى قبول الآراء الصّحيحة سواءً من مسلم أو غير مسلم33فالعلم لا يحمل أيّة جنسية كون الحقيقة ضالة الباحث أينما وجدها فهو أحق بها.

إذا كانت المعرفة الإنسانية لا تحتاج إلى مصادر مفارقة للإنسان وكانت كذلك نسبية تتطوّر فإنّ هذا التطوّر محكوم بالهدف أو الغاية من البحث المعرفي وهي الوصول إلى الحق، هذا ما يمكن أن يجنّب الباحث الوقوع في فخ الذّاتية والتعصّب لمذهب من المذاهب؛ ومن هنا يتحقّق تطوّر العلم وفق المنهج ألبرهاني الواقعي ويبتعد بذلك العلماء ثمّ عامة النّاس، عن تحويل بعض الأفكار إلى أوثان أو أصنام مقدّسة لا يمكن تجاوزها أو نقدها أو تطويرها. فكلّ العلوم البشرية يجب تخضع لهذه القاعدة ومن ثمّة يكون قد وضع يده على مشكلة من مشكلات عصره ومجتمعه المتمثلة في التقوقع والصراع المذهبي الذي يهدف إلى تكريس الجمود الفكري بسبب التعصّب ورفض الأفكار المخالفة.

إنّ الاختلاف عند ((ابن رشد)) لا يعدُّ خللاً علمياً، بل هو ظاهرة صحيّة بشرط أن يكون هذا الاختلاف قائم على أساس ألبرهان، كون هذا الاختلاف كفيل بخلق حوار فكري وعلمي قائم على النّقد والانفتاح العلمي، الذي يمكن أن يساهم بدوره في تنوير المجتمع وتحويله من مجتمع خرافي إلى مجتمع علمي، يثق في قدرات الإنسان المعرفية ولا يعترف إلاّ بالتفسير العلمي ألبرهاني لأيّ موضوع من المواضيع التي تشغل الفكر البشري وتقع تحت دائرة الإمكان المعرفي للإنسان، أي المواضيع التي يستطيع أن يبحث فيها باعتماد المنهج ألبرهاني.

إنّ إقرار ((ابن رشد)) بأن العلم يخضع لقانون التطّور والتغيّر ينمّ عن تواضعه المعرفي، فهو بطريقة غير مباشرة يرفع صفة القداسة عن أي شخص يدّعي العلم أو وصل إلى الحقيقة فعلاً، لا وجود للعلم المقدّس الذي لا يقبل النقد والتجاوز، لقد أدرك أنّ الإقرار بهذه الخصوصية في العلم سيكون دافعاً قوياً يدفع البشرية إلى البحث عن الحقيقة في الموروث العلمي وكذلك عدم التقيّد بذلك الموروث والاستمرار في البحث لفك بقية المجاهل التي لا تزال تنتظر من يكتشفها ويخرجها من حالة المعرفة بالقوّة إلى المعرفة بالفعل.

ج - المنهجية المعرفية ضرورة علمية في التأسيس للسعادة الإنسانية :انطلاقاً من الـتأسيس ألرشدي للمعرفة الإنسانية على أُسُس وقدرات معرفية إنسانية بحتة  وفق شروط منطقية صّارمة تضمن واقعية المعرفة، نكتشف تأكيد فيلسوف قرطبة على ضرورة إنكباب الجهد البشري الهادف إلى الحقيقة العلمية واليقين و إلى فحص ودراسة الموجودات، دراسة ميدانية استقرائية دائمة لمعرفة نظامها وخصائصها و ماهيتها، هذا ما يوّسع أُفُق المعرفة الإنسانية إلى ابعد الحدود حتّى يعرف هذا الوجود وكذلك يتعرّف على إنّ يته هذه المعرفة التي سترفع من مقامه وتحققُ له السّعادة خاصةً عندما يتعرّف بالبرهان على حقيقة ذات الله حقّ المعرفة وهي اشرف العبادات، فقد أكدّ أنّ اشرف العبادات هي تفّحُص الموجودات، لما ينتج عنها من معرفة يقينية تُؤسسُ لحياة منسجمة ومؤسّسة خالية من التناقضات والشّكوك التي تجعل الإنسان مرتبك في كلّ أفكاره وسلوكياته وهذا يُبرز الأفق والبعد المعرفي والمنهجي العميق الذي كان يسعى إلى تحقيقه. فمن خلال ضبطه لأسس المعرفة وتحديده لطبيعة المنهج المعرفي الرّاقي الذي يستحقُ الثّقة والتوظيف يحاول أن يلغي ويرفض كلّ المواقف المكفّرة للعلم أو المقلّلة لشأنه، أو الدّاعية إلى الانصراف عن العلم العقلي بحجّة أنّه يشغل الإنسان عن العبادة أو يبعده عنها.

الحياة الإنسانية عند ((ابن رشد)) يجب أن تؤّسّس على العلم الذي يمّكنّه من إدراك حقيقة هذا الوجود وصانعه، هذا العلم الذي سيكون العلاج الشّافي لمختلف الأمراض التي أصابت العقول من تخلّف وجهل وتقليد وتعصّب.

ح- التأكيد على أنّ اللّغة أداة معرفية وعلمية: أكدّ ((ابن رشد)) أثناء تأسيسه للمعرفة على أنّ اللّغة التي يريد الكثير من النّاس حصر دورها في مجال الاتصال أو التعبير عن العواطف والمتطلبات الحيوية هي في حقيقة الأمر بمثابة أداة معرفية لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الحقيقة العلمية، سواءً تعلّق ذلك بحقيقة الظواهر المادية أو الحقيقة الشّرعية وكذلك الفلسفية.

إنّ التّمكُن والتحكم في اللّغة من شأنه أن يُسّهل عملية البحث والتفكير وكذلك بناء التصوّرات والأحكام العلمية الخالية من أيّ غموض؛ فقد تحمل اللّغة معنى ظاهر وآخر باطني، لما تحمله من دلالات مجازية، يمكن للعقل البشري تفكيك شفراتها لكون العقل هو المسؤول في اعتماد المجاز مبتعدا في ذلك عن الاعتباطية والعشوائية. إنّ التّحكم في اللّغة كأداة معرفية وكعلم خاص مستقل من شأنه أن يساعد الباحث في اعتماد لغة منطقية واضحة المدلول، فضبط المفاهيم ضرورة علمية لتجّنُب الخلط وسوء الفهم، كأنّ ((ابن رشد)) يؤسس لعلم الدّلالة أو اللّغة المنطقية وهو بهذا يضيف أساساً جديداً للمعرفة البشرية، ويشترط أن يكون هذا الأساس خاضع لشروط لا تتعارض مع العقل أو الواقع حتّى نتمّكن من اعتماد هذا الأساس في بناء المعرفة العلمية وكذلك فهم وتفسير واستنباط الأحكام المتعلقة بالشّرع.

لقد سعى من خلال هذا الأساس إلى وضع وتنظيم عملية البحث المعرفي في ميدان جدُّ هام بالنسبة للإنسان وهو الدّين سواءً تعلّق الأمر بالدّين الإسلامي أو باقي الأديان الأخرى، هذه الأديان التي يجب أن تُحترم وأكبر احترام يمكن أن نقدّمُه لها هو أن ندرسها دراسةً علمية عقلية برهانية، هذه الدّراسة التي لا يمكن أن تتحقّق إلاّ بالتحكّم في اللّغة الأصلية للنّص الدّيني؛ وهو في هذا المجال يهدف إلى عقلنة وعلمنة فهم النّص الدّيني الإسلامي الذي حسبه يخلو من اللاّمعقولية ما يستوجب ضرورة إعمال العقل وفق شروط صارمة.

حتّى نتمكن من استخراج الدّلالات الباطنية يجب اعتماد حركة فكرية برهانية تنقلنا من المعنى الظّاهر إلى المعنى الباطن ممّا يؤسّسُ لقراءة استكشافية علمية تقوى على إجتراح الدّلالات المعنوية الكامنة وراء الترصيف اللّغوي المعتمد في غير وضعه المألوف، ممّا سيُمكن من الظّفر بالمعنى حيث يضّنُ اللاّمعنى34 ومن هنا يتحقق الفهم العقلي للنّص القرآني المؤسّس على البرهان. إنّ تأسيس فهم النص الدّيني على العقل والبرهان لا يلغي قابلية هذا الفهم البشري للنّقد والتطوير، هذا التطوير الذي يجب أن يتفاعل مع التطوّر العلمي الذي من شأنه أن يضع حداً للتعصّب ويُثّبت في العقول التسّامح الفكري بين مختلف المذاهب.

يُعدُّ ضُعف التّحكم في اللّغة وفقر الزّاد اللّغوي بالنسبة إلى ((ابن رشد)) عائقاً معرفياً خطيراً يجب العمل على تتجاوزه ولا يكون ذلك إلاّ بالإنكباب على دراسة اللّغة والتحكم فيها وبهذا يكون ابن رشد قد وضع يده على إشكالية ابستيمولوجية لا زالت مطروحة حتى في عصرنا هذا، المتمثلة في طبيعة اللّغة التي يجب اعتمادها في بناء العلم.

خ - موسوعية الفكر وتعدُد الأقطاب المعرفية يعتبر((ابن رشد))في مقدّمة من أسّسُوا لعقلانية المعرفة، فالمنهج العقلي ألبرهاني الذي يمكن اعتباره أوّج العقلانية العربية ونهايتها35أراد من خلاله بعث حركة علمية فلسفية برهانية متحرّرة من أي سلطان إلاّ سلطان العقل والبرهان، إنّه يسعى إلى التأسيس لمنهج معرفي علمي برهاني كوني يمكن العمل به في ميدان البحث عن الحقيقة أو التحقيق فيما يعدّ حقيقة دون أن يستثني أياً كان من ضرورة الالتزام بهذا المنهج الذي يختلف في طريقة تطبيقه من موضوع إلى آخر وفق طبيعة الموضوع مع التأكيد على ضرورة ممارسة النّقد على أي منتوج معرفي.

د -الصّرامة المنهجية التي أراد التأصيل لها كان لها أثرين مختلفين

-الأثر الأول: فيتمّثل في إحراق مؤلفاته الفلسفية أو إهمالها في وطنه وتداول المؤلفات الفقهية فقط. الأثر الثّاني: فيتمثّل في ترجمة هذه المؤلفات ابتداءً من القرن الثاني عشر إلى العبرية واللاتينية وانتشرت في أوربا لتبعث يقظتها العقلية الأولى وتخلق فيها حركة فلسفية عقلية متحرّرة من أي سلطان إلاّ سلطان العقل36 هذا ما يبرز البعد العالمي للطّرح الابستيمولوجي ألرشدي.

لقد كان يهدف إلى تحرير العقل الإنساني، بعد أن أعاد الاعتبار للقدرة الإنسانية على المعرفة، وجعل من الحواس والعقل مصدراً أساسياً للمعرفة ومن الواقع المادي مرجعية موضوعية لإدراك الحقيقة كما أكدّ على ضرورة ممارسة القطيعة المعرفية مع كلّ أشكال التقديس للموروث الفكري؛ لأنّه أنتاج قابل للنقد بسبب نسبيته، بشرط أن يكون هذا النّقد مؤسّس على فهم المبادئ التي شيّد عليها ذلك الموروث العلمي والفكري ومنه ليس هناك مبرّراً لوصفه بالمطلق والثابت الذي لا يتغيّر.

بهذا حاول أن يقدّم لنا منهجاً معرفياً نكتسب به المعرفة بطريقة تصاعدية و تراكمية في آن واحد، منهج يمكن أن يبعدنا عن التحليق في السّماء والخيال ويجنبنا الخوّف من ما أبدعه الذين يخالفوننا في الملّة، عن طريق الانفتاح عليهم وقراءة النصوص الأصلية لما أبدعوه، من مادة فكرية وعلمية وكذلك التحكّم في المبادئ التي انطلقوا منها، لأنّ ذلك  سيمّكنُنا من فهم ذلك التراث المعرفي والاستفادة منه من الناحية المعرفية وكذلك المنهجية، مثل هذا الانفتاح العلمي المؤسّس على النّقد العلمي الذي يتيح لنا إمكانية التّعامل المباشر مع الأصول المعرفية والعلمية لأي منتوج دون استثناء.

الضّرورة العلمية عند((ابن رشد)) تستوجب إعادة قراءة الإنتاج المعرفي الأجنبي وكذلك المحلّي وفق منهج علمي نقدي، يقوم على العقل والبرهان مع التزام الموضوعية والواقعية، هكذا نجده يسعى وهو يؤسّسُ للمعرفة الإنسانية بمختلف مباحثها الطبيعية والميتافيزيقية كذاك الشّرعية إلى إزالة الجدل الثنائيّ الأقطاب ليضيف قطباً ثالثاً وبذلك يخلق نوع من التلاحم بين العقل والنص والواقع  بهذا التأسيس لهذه المقاربة الفلسفية الإبستيمولوجية يريد معالجة وضع حضاري التقت فيه وتراكمت عليه عوامل عديدة أدّت إلى تعطيل نموه وتطوّره وكادت أن تحجب عنه منافذ التجديد وتحكم عليه بالمؤبّد في سجن التقليد والجمود الذي يمنع تطوّر الإنسان حضارياً. 

إذا كان ((ابن رشد)) يسعى إلى إصلاح المنظومة المعرفية والفكرية ليؤكد بذلك موسوعية الفكر البشري، فإنّ هذا الإصلاح مرهون بعدم إقصاء أي قطب من الأقطاب المعرفية الثلاث سواءً كان عقلاً أم نصاً أو واقعاً، كون إلغاء العقل هو قتل وتهميش للإنسان بصفة عامة والإنسان المسلم الذي ينتمي إلى الحضارة الإسلامية وكذلك الإنسانية. إنّ إلغاء العقل سيكون سباً في جعل المسلم على هامش التّاريخ لا يفيد و لا يستفيد، إمّا مصاب بمرض الغرور و التعالي أو بعقدة النّقص والضّعف، يشبه الذي ينظر إلى نفسه في مرآة محدّبة، فيرى نفسه توهماً أنّه عملاقاً وكاملاً معرفياً فيعتقد أنّه ليس بحاجة إلى الآخر معرفياً أو يكون مثل الذي ينظر إلى نفسه في مرآة مقّعرة فيرى نفسه قزماً، فيحتقر نفسه فيخشى على نفسه التيه في حقل معرفي يجهله ويعتقد أنّه سيكون سبباً في فقدانه لهويته ودينه.

أمّا فيما يخص تجاهل الواقع؛ فهو قتل للإنسان في حد ذاته، كون حياة هذا الأخير مرهونة في جميع الأحوال بالواقع الذي يوجد فيه ويمارس فيه حياته. إنّ أي إهمال لهذا الواقع معناه اقتلاع الإنسان من جذوره أو محاولة فاشلة لتزويده بأفكار لا يمكن أن تساهم في تناغمه مع الواقع بل سيكون سبباً في الانفصام بينه وبين هذا الواقع فيغرق في اللاّواقعية والأحلام وهو في حالة يقظة ممّا يؤدي إلى انحراف الفكر والسّلوك في آن واحد.

أمّا القطب الثالث وهو النص الأصلي، خاصة المتعلق بالشّرع فإنّ أي محاولة لإلغاء هذا القطب أو تجاوزه بشكل تعسُّفي أو التمّسُك به تعصباً دون فهم علمي موضوعي  واقعي، قد يؤدي إلى إنكار مرجع مطلق وأساسي في حياة الإنسان، خاصة بالنسبة للفرد والمجتمع المسلم، كما أنّ التمسُّك به دون فهم علمي متطوّر سيحرم المجتمع من مواكبة التطّوُر الحضاري ممّا يؤدي إلى الوقوع في فخ التقليد الذي سيحكم على المجتمع بالجمود والتخلُّف و مراوحة المكان والوقوف متفرجاً لكن على هامش التّاريخ؛ إنه يهدف إلى إعادة استعادة الثقة المفقودة في العقل والنص وكذلك الواقع لأجل بعث من جديد عجلة التّنمية العلمية والفكرية.

ذ-إعادة الاعتبار للعقل البشري: أعاد ((ابن رشد)) الاعتبار للعقل البشري وأكد على ضرورة الوثوق بقدراته المعرفية، فالإنسان كفرد يمتلك العلم ويقدر على المعرفة بواسطة العقل، كون المعرفة تتمّ في الإنسان ويقوم بها الإنسان، لكن إذا كان العقل البشري يمّكن الإنسان من الوصول إلى الحقيقة، فإنّ هذه الأخيرة مستقلة عنه لكنها ترتبط به كذلك، كون العقل دون حقيقة لا معنى له والحقيقة دون عقل يعقلها كذلك لا معنى لها37منه يجب الاعتماد والوثوق في العقل أثناء البحث عن الحقيقة لأنّه سبب التكليف الإنساني وسرُّ الإرادة الإنسانية وقدرتها على الاختيار، في ظل عالم محكوم بالحتميات أو الأسباب التي يقدر العقل الوصول إليها بالبحث ألبرهاني وبذلك يمتلك أساساً ابستيمولوجياً به يُحرزُ على المعرفة38، كما أنّ العقل عنده ليس مجرّد آلية معرفية فقط بل هو أداة لتحصيل الإيمان وكذلك فهم الشّرع، فالثّقة في العقل لازمة لما يحمله من بعد معرفي وكذلك وجودي39.

لقد قدّم لنا ((ابن رشد)) حلاً لإشكالية حضارية لا تزالُ تؤرّق المسلمون بل حتّى أصحاب الأديان الأخرى، حيث انقسم النّاس إلى فرق ومذاهب منغلقة على نفسها وتحمل الحقد في نفوسها لكل من يخالفها، أمّا بالنسبة إليه كلّ نص يحمل الحقيقة ديني كان أو وضعي، يجب استثماره إبستيمياً وفق شروط منهجية علمية تتماشى وطبيعة الموضوع.

ثانيا- البعد الواقعي: مراعاة الواقع ضرورة منهجية يجب الرّجوع إليها للكشف عن الحقيقة وإيجاد الحلول لمختلف المشكلات العلمية والحضارية، لهذا نجد ((ابن رشد)) يحصر أسباب تأزُّم الواقع المعرفي إلى عنصرين:(مصدر المعرفة ثمّ محتوى المعرفة).فمن خلا بحثه في موضوع مصدر المعرفة وجد أنّه هناك أطروحات فلسفية وصوفية وكلامية تؤكدُّ قيام المعرفة على مصادر غير عقلية، لهذا رفض بصراحة وبقوّة البراهين طريقة الاستشهاد التي اعتمدها المتكلمين وهي قياس الشاهد على الغائب، كما رفض نظرية الفيض التي أقّر أصحابها بأهميّة الحواس والعقل في بناء المعرفة لكنهم نبّهوا إلى نسبية هذه الأدوات وهو أمر معقول حسب((ابن رشد ))، والأمر غير المعقول هو القول بحاجة العقل البشري إلى دعم خارجي للوصول إلى الحقيقة، هذا المصدر غير الواقعي الذي يفيض بالمعرفة للعقول البشرية، كما وجدناه يرفض تصنيف طريقة الإشراق ضمن طرق المعرفة لأسباب ابستيمولوجية بحتة.

يعتبر الإنسان حسب ((ابن رشد)) المسؤول الأوّل عن عملية إنتاج المعرفة، فهو الذي يبدأ العملية ومنه يرتقي العقل ويتطوّر ويحدث له ما يعرف بالاتصال بالعقل الفعّال، إنّ المصدر الأساسي للمعرفة هو العقل الإنساني كون المعرفة عنده ليست تذّكرية ولا هبة أو وهباً أو عرفاناً، بل هي اكتساب وجهد بشري مستمر.

أ- توجيه النقد إلى المحتوى المعرفي: يؤكد ((ابن رشد)) أن النّقد آلية معرفية ضرورية، تقوم على الشّك الهادف لكن ممارسة النّقد يجب أن تكون موجّهة إلى المادة المعرفية فقط دون التّعرُّض لأصحابها، لقد رفع حصر مهمّة النّقد المعرفي على الموروث المعرفي الذي تميّز به عصره واضعاً بذلك المنهج ألبرهاني شرطاً يجب أن تخضع له كل أنواع المعارف في جميع المواضع مهما تعدّدت وتنوّعت طبيعتها.

إنّ الهدف من النّقد هو بناء معرفة علمية بعيدة عن التّخمين والتكهّن والضنون وما يعززُ طرحه هو الفجوات المعرفية أو الخلل المعرفي الذي تميّز به المحتوى المعرفي الموروث، لتحقيق هذه الغاية أكدّ على ضرورة توجيه النقد للمادة المعرفية والمناهج المعتمدة لتحديد الأخطاء المعرفية والأسباب المنهجية التي جعلت أصحابها يقعون في الزلل مع الإقرار بالمعارف الصّحيحة وقبول المبادئ التي أُسّست عليها وكأنه كان على يقين أنّ العلم يتطوّر بتصحيح الأخطاء المعرفية. إنّه يريد أن يخلّص الفكر الإسلامي أولاً ثمّ الفكر الإنساني من الأفكار التي لا تساهم في بناء المعرفة العلمية عن هذا الوجود. أمّا فيما يخُصّ الفكر الإسلامي، فقد أكدّ أنّ عدم اعتماد الكثير من المفكرين والفلاسفة للمنهج ألبرهاني قد جرّهُم إلى معالجة المواضيع العقدية بطريقة جعلتهم يبتعدون عن الحقيقة ويقعون في مطبّات فكرية لا علاقة لها بالإسلام، بسبب الخلل المنهجي الذي يتمثّل حسبه في اعتمادهم قياس الغائب على الشّاهد. وهذا مُحال لأنّ المطلق لا يقاس على النسبي40.فضرورة إخضاع المحتوى المعرفي للنّقد  لا ينحصر فقط في المباحث الإلهية بل هو لازم كذلك في العلوم الطبيعية بسبب ذهاب بعض العلماء أمثال ((الغزّالي)) إلى إنكار السّببية وهذا له تداعيات سلبية على العقيدة والعلم والعمل، لقد قام بمسح ابستيمولوجي لهذا المحتوى المعرفي الذي يؤدي إلى خلخلة العقيدة وإنكار حقائق يؤكدها النص الشّرعي بلغة صريحة، كما أنه يؤدي إلى إنكار العلم والعقل ويؤدي إلى الخمول والتواكل والابتعاد عن الحياة العملية النّافعة، وهذا أمر مرفوض لذلك قال بوجوب تصحيح مثل هذه الأخطاء حتّى نفسح المجال أمام تطور العلم الإنساني وازدهار الحضارة الإنسانية.

فعلاً حينما يكون هناك خللاً في طريقة البحث يتبعُه الخلل المعرفي وهذا ما يؤدي إلى اختلال المنظومة الفكرية داخل المجتمع وانتشار التّخلُف الذي لا يمكن أن يستثني أي مستوى من مستويات  بل إنّ هذا الخلل المنهجي والمعرفي هو الذي يؤدي إلى الصّراع ألإقصائي بين مختلف الأطياف والتيارات الفكرية وبهذا تُقيّد وتُقلّص دائرة الحرية الإنسانية خاصة الفكرية تحت أي غطاء ديني كان أو إيديولوجي ممّا تسبّب في تعرُّض رواد الفكر الحر إلى المضايقة المعنوية والمادية، التي قد تحُدُّ من جُرأتهم  الفكرية وتجعلُهم يسكتون عن الحق أو يعتمدون أساليب غامضة ومشّفرة في خطاباتهم الفلسفية وهذا ما يصّعبُ فهم تلك الخطابات على الباحث بل قد يوقعه في تأويلات قد تبعده عن المعنى الحقيقي للنّص الفكري، وهذا ما يفسّر تعدُّد القراءات وتغييب الفائدة العلمية والعملية التي يمكن استنباطها من تلك الأطروحات41.

ب- تطوير طريقة التفكير شرط من شروط التطّوّر وتغير الواقع: التقدُّم والتطوّر حسب ((ابن رشد)) ليس عملية عشوائية أو قفزة نوعية تحكمها الصُّدفة، بل إنّ التطوّر الحقيقي الدّائم والمثمر يجب أن يكون مؤطراً في إطار منهجي ومعرفي واضح المعالم ومتاح للإنسان، لهذا وضع لنا جملة من الشروط التي يمكن استخلاصها من خلال تحليل مشروعه الإبستمولوجي وهي:

1) ألرّجوع إلى النصوص الأصلية للخطاب الدّيني أو الفلسفي: عن طريق الرّجوع إلى النصوص الأصلية للخطاب الدّيني والفلسفي سيتحقّق عنده أمراً مهماً يمكن أن يساهم في تطوّر العلم، هذا الأمر الذي يتمثّل في التجاوز العلمي للمرجعيات المذهبية لكونها ليست أصل بل هي عبارة عن عنصر إضافي عرضي، أضافه المجهود البشري محاولاً من خلاله فهم النّص، ما يساهم بدوره في فتح المجال أمام الاجتهاد العلمي الممنهج، القائم على البرهان ومنه تسهُل عملية استثمار النّص واستنطاقه بطريقة موضوعية بعيدة عن الذّاتية.

إنّ النّص الأصلي سواء كان يتعلّق بالدّين أو بأي منتوج فكري فلسفي بمثابة الحامل الأصلي للمعرفة التي لايمكن أن نصل إليها إلاّ بالعودة إلى النّص المعني، لكن هذا الشّرط لا يعني إلغاء مختلف القراءات أو التقليل من قيمتها المعرفية، فالاستئناس بها ضروري عند التزام الشّك الهادف والنقد البنّاء وهذا يبرز التسامح الفكري الذي تميزت به شخصية ((ابن رشد)) فهو لا يرفض الموروث الفكري المتعلق بفهم  النّص وإنّما لا يقبل تقديس ذلك الموروث ورفض أي محاولة لنقده أو تجديده أو تجاوزه، حينما يتحدّث عن الموروث البشري فهو يقصد ما أنتجه العقل البشري في مجتمعه أولاً  ثمّ بقية المجتمعات الأخرى سواءً كان يتعلّق بفهم النص الشّرعي أو النص الأصلي للخطاب الفلسفي.

لهذا نجده يؤكد ضرورة التعرّض لمجهود العلماء في فهم القرآن والسّنة وكذلك مختلف القراءات الفكرية لفلسفة((أرسطو))، كأنّ ((ابن رشد)) يقوم بوضع مناهج البحث العلمي في مختلف العلوم، هذه المناهج التي تشترط الرّجوع الدائم إلى المصادر لأنّها الحامل الأصلي للمعنى.

(2) تحرير العقل العامي من التقليد:إنّ تحرير العقل العامي من التّقليد يمكن أن يساهم في تحرير عقول البشر من قيود التقليد والتعصّب لقراءة الآخر و احتقار الذات والاعتقاد بسذاجتها وعجزها عن إدراك الحق. إعادة الثقّة للفرد تكتسي أهمّية كبيرة في دفع حركية الفكر، لدى جميع أفراد المجتمع وهذا من شأنه أن يخلُق نوع من الانسجام والانخراط في المشروع الحضاري والاجتماعي و كذلك العلمي بين جميع أفراد المجتمع بحيث يساهم كلّ فرد بما يُسّر له في إثراء وتشجيع البحث العلمي والمعرفي داخل المجتمع، إن لم يكن بالإنتاج المعرفي على الأقّل بالاحترام والتقدير للجهد الذّي يبذله المفكرين والفلاسفة وكذلك العلماء في مختلف المباحث لتنوير المجتمع.

إلى جانب هذا فإنّ تحرير العقول من قيود التّقليد، يمكن أن يلغي أسلوب الوصاية الفكرية والرّوحية التي تحكم عقول النّاس، لقد أراد أن يفسح المجال لعامة الناس ولو بشكل نسبي لإعمال العقل لتحرّي الحقيقة، خاصة الحقيقة التي تتعلّق  بفهم النص القرآني، لأنه حسبه يحمل لهم حقائق يمكن أن يدركوها وبذلك يتشاركون بتلك الحقائق مع العلماء والفلاسفة، لكن بنسب مختلفة في الإدراك وهذا يعود إلى تنوّع أساليب البرهنة في الخطاب القرآني، لكن حرص((ابن رشد))على تحرير عقول النّاس من قيود التقليد لا يمكن أن نفهم منه الدّعوة إلى اللاّمذهبية(*) أو تجاوز اجتهادات العلماء في وضع الأطر الفكرية والعلمية التي يمكن الاهتداء بها إلى الحقيقة  أو التجرؤ  على هتك أعراض المفكرين والتشكيك في عقيدتهم، هذا محال ومرفوض عند ((ابن رشد)).فلو كان يريد ذلك ، أي تجاوز مختلف المذاهب لكان هو أوّل من تنّكر للمذهب المالكي ورفض مختلف المذاهب الفقهية الأخرى. لكنه رغم موسوعيته في الفقه ووصوله مرتبة الإبداع في هذا المجال بقي وفياً للمذهب المالكي، وفي هذا درس لكل من ينشُد الحق بالتحلّي بآداب وأخلاق طالب الحقيقة المتمّثلة في التواضع والتسامح والتعايش الفكري.

3-الاجتهاد ممكن وخاص بالعقل ألبرهاني: دون شك الاجتهاد العلمي والفكري في مختلف ميادين المعرفة ضرورة لتحقيق التطوّر وتجاوز التقليد، لكن حساسية العملية تقتضي حسبه وجود عقل متخصّص لهذه العملية الحضارية والمعرفية وهو العقل ألبرهاني لا غير لأنّه مدّعم بالأداة الإبستيمولوجية التي تمّكنه من إدراك الحقيقة وتطويرها.

إنّ حرصه على تحديد طبيعة المنهج ألبرهاني بمثابة برهان قوّي على تمسّكه بضرورة اعتماده من قبل كل طالب للحقيقة، ممّا سيسمح بالتفاعل الإيجابي مع الواقع وكذلك الموروث الفكري البشري وكذلك المرجع الشّرعي الذي يتيح إمكانية توسيع أُفُق المعرفة الإنسانية ومنه يكون التلاحم والتكامل بين جميع أنواع المعارف وتذوب الحواجز بينها بحيث لا يظّنُ وجود تعارض ببين علم وآخر.

ثالثا- البعد الاجتماعي: لقد تعدّدت الأبعاد والأفاق المعرفية للتأسيس ألرّشدي للمعرفة الإنسانية، هذه الأبعاد التي تؤكدُ أنّ عمله المعرفي هذا، لم يكن وليد ترف فكري أو محاولة لاستعراض عضلاته الفكرية، إنمّا كان يريد تغير الواقع الفكري للمجتمع الذي ينتمي إليه أولا، ثم المساهمة في تنوير البشرية جمعاء بالمنهج المعرفي الذي سيهديها إلى الحقيقة. حينما نتحدّث عن تأثير الفكر والمعرفة يجب التحدُّث عن المجتمع، وهذا يفتح المجال للحديث عن البعد الاجتماعي للطّرح ألرشدي، هذا البعد الذي يتجلّى لنا في النقاط التالية:

(أ)- بناء العقل الفردي والجمعي: أدرك ((ابن رشد)) أنّ أزمة الأمّة والمجتمع تكمن في اللّبنة الأساسية التي تكوّنه وهي الفرد، فمصير المجتمعات كلّه مرهون بأفرادها وطرق تفكيرها، فحينما يكون الخلل في طريقة التّفكير تنتج تبعات خطيرة على المجتمع من تخلُّف عن مواكبة العصر والوقوع في التقليد بسبب استقالة الفرد الفكرية وتقوقعه على ما تركه له السابقين من موروث فكري ومعرفي. إنّ الخلل الفكري يفقد الفرد استقلاليته ويجعله يقبل بالوصاية الفكرية والتبعية للآخر عن غير وعي.

لهذا الأمر نجد فيلسوف قرطبة يؤكدّ على ضرورة استرجاع الفرد لثقته في نفسه وقدراته المعرفية بحيث يدرك أنّه بمثابة المركز الأساس الذي يتحرّك وفقه الوجود ، حينما يؤكد أنّ الفرد يملك القدرات المعرفية الكافية لاكتساب الحقيقة وفهم هذا الوجود والتأسيس لحياة تقوم على العلم والمعرفة والحرية والتسامح والانفتاح الفكري، فهو يعيد الاعتبار إلى مختلف القدرات الحسيّة  ويثبت أنّ دورها غير محصور في تلبية المتطلبات الحيوية بل إلى جانب هذا الدّور لها دور معرفي، خاصةً عندما ترتبط بالعقل الذي يُعدّ بمثابة كمُّون طاقة موجودة بالقوة في الإنسان، التي يمكن أن تصبح قوة بالفعل عند بدء عملية التّعقُّل وفق الطريقة البرهانية التصّاعدية، من عالم المحسوس إلى عالم المعقول وصولاً إلى العالم المجرّد فيمتلك الفرد اليقين ويعرف طعم السّعادة. لكن لماذا ركزّ ابن رشد عل الحواس والعقل في بناء المعرفة؟

عندما نتمّعنُ المسألة نجد أنّ المقصد عميق وبعيد المدى، فحرصه على إعادة الاعتبار لدور العقل والحواس في بناء الحقيقة له أهميته الإبستيمولوجية لكننا نعتقد أنّه كان يسعى كذلك إلى تحقيق أبعاد أخرى لها علاقة بتغيير الواقع الذي يعيش فيه، لأنّ بناء  وتغيير طريقة  التّفكير عند الفرد البشري لا تتحقّق بشكل اعتباطي أو عفوي ولا يوجد لها أسباب مفارقة للإنسان، إنّما الأمر متوّقف على الإنسان بذاته، فعلى الفرد أن لا يبحث عن أسباب التطوّر والتغيير خارج نطاقه هو بل عليه استغلال القدرات والأدوات المعرفية التي بحوزته وبحوزة جميع الأفراد، فهي قواسم مشتركة وموّزعة بشكل عادل بين جميع الأفراد البشرية، فليس هناك إنسان أدنى وآخر أرقى إنّما الإشكال أنّه هناك إنسان يحسن استغلال قدراته الحسيّة والعقلية وإنسان لا يحسن ذلك. إنّ التشاّبه في امتلاك آليات البحث يفتح المجال أمام التّكامل المعرفي بين العقول، فوحدة الآلية والأدوات المعرفية والرّجوع إليها بشكل دائم، يمكن أن يجنّب الفرد والجماعة الدّخول في متاهات الاختلاف غير المؤسّس على ألبرهان والانفتاح والتسامح الفكري ومن ثمّة يغيب الانسجام والتكّامل البنائي.

إنّ رجوع كلّ فرد إلى قدراته المعرفية وسعيه إلى ممارسة التعقّل يمكنه من الانتقال من مرتبة الإنسان العاقل بالقوة إلى الإنسان العاقل بالفعل ومنه يتمّكن من تعقّل هذا الوجود  بذلك يتمّكن من تعقّل ذاته أي الشّعور والوعي بها ، كون معرفة الإنسان لذاته مؤسّس على طريقة التفكير والبحث عن الحقيقة، هذه الطريقة التي تمّكنه من الانخراط في مشروع بناء الفكر الإنساني، عن طريق المشاركة في إمداد العقل الجماعي بالأفكار والمبادئ  العلمية والنّظرية التي يمكن أن نعتمدها كأساس يساهم في تحقيق الفكر ألنّسقي المنسجم البعيد عن الدّوغماتية السكونية.

يهدف(( ابن رشد)) إلى جعل الحواس والواقع، كذلك العقل مرجعية أساسية مشتركة في تحقيق  التطوّر الفكري على مستوى الأفراد والجماعة، حينما نعود إلى الدّراسات الفكرية الحديثة والمعاصرة نجدها تكاد تُجمع على أنّ السبّب في الانفصام بين العقول  يعود إلى الخلل في طريقة التّفكير لهذا نجد الفيلسوف الذي ينعت باب العقلانية الغربية ((رينيه ديكارت)) (1596-1650) يسعى في مؤلفه الفلسفي "مقالة في الطّريقة" إلى تحديد المنهج الدقيق واليقيني الذي يجب اعتماده قبل البدء في عملية البحث عن الحقيقة ثمّ يأتي بعده الفيلسوف الألماني((إيمانويل كانط ))(1764-1804) ليؤكد كذلك أنّه ليس هناك فلسفة يمكن أن نتّعلّمها بل كلّ ما يمكن أن نتعلمّه هو كيف نفكّر لا أكثر ولا أقّل.  

فالقضية إذن تتمركز في طريقة التفكير والأدوات المعرفية المعتمدة من طرف الفرد التي يحرص ((ابن رشد)) أن تكون إنسانية بحتة لا علاقة لها بقوة مفارقة، هذا ما نجده كذلك عند رواد الفكر العربي الحديث والمعاصر حيث يجمعون على أنّ الخلل والسبّب في التخلّف عن اللّحاق بروح العصر يعود إلى تأزُّم الفكر وطرق التفكير. حيث نجد المفكر الجزائري((محمد أركون)) (1928/2010)الذي يوصف بأنّه وريث ((ابن رشد ))لانخراطه في مشروع نقد العقل الإسلامي يؤكد في دراساته على ضرورة نقد العقل الإسلامي، كون الفكر الإسلامي مأزوم يعاني من مشكلة المنهج وطريقة التفكير، حيث حاول في أعماله وكتاباته الكشف عن مختلف العوائق الذهنية والمعرفية والاجتماعية التي تمنع تحقيق التطوّر واللّحاق بالرّكب الحضاري وعلى نفس الدّرب سار المفكر المغربي ((محمد عابد الجابري ))(1936، 2010) الذي أكدّ على ضرورة نقد بنية العقل العربي وطبيعة المنهج المعتمد الذي حال دون الوصول إلى الحداثة المنشودة والوصول إلى مرتبة الكونية والعالمية.

     لقد سبق ((ابن رشد)) زمانه بنظرته الثاقبة وأفقه الفلسفي والحضاري والاجتماعي الواسع حيث أراد بطرحه الابستيمولوجي إحداث ثورة كلّية شاملة في بنية المجتمع الإنساني بصفة عامة والمجتمع المسلم بشكل خاص.

(ب)-التأسيس المعرفي عند ابن رشد وعلاقته بإعادة الاعتبار للمرأة: أكدّ ((ابن رشد)) أنّ المعرفة إنسانية المصدر ومتوّقفة على توظيف الأدوات المعرفية المتاحة للإنسان، لكننا عندما نعود إلى تأكيده لدور الحواس والعقل البشري نجده لا يحدّد الجنس البشري الذي يقدر على حمل المشروع العلمي والمعرفي وتطبيق المنهج ألبرهاني والتحكّم في مبادئه والارتقاء بالعقل البشري إلى مرتبة اليقين المعرفي أو ما يسميه بالاتصال بالعقل الفعّال.

لقد ركّز على أهمية تلك الأدوات المعرفية في اكتساب الحقيقة وهذا لم يكن مجرّد صُدفة بل نعتقد أنّ الأمر مقصود من طرفه، ليثبت أنّ الوظيفة المعرفية ليست مقصورة على ألرّجل دون المرأة بل هي قاسم مشترك وقدرة مشتركة بينهم على السّواء. إنّه يريد إعادة الاعتبار للمرأة كإنسان عاقل ومفكّر، فهي تستطيع الوصول إلى الحقيقة مثلها مثل الرّجل ولا يحقّ تحت أيّ مبرّر أو عُذر حرمان المرأة أو منعها من تأدية هذه الوظيفة الإنسانية الأساسية. يؤكد ((ابن رشد)) ضرورة إشراك المرأة باعتبارها عنصر أساسي وهام في المجتمع وهي قادرة على تأدية دورها المعرفي والحضاري الثّقافي والسّياسي وكذلك الاقتصادي والإسهام في بناء المجتمع ودفع عجلة التنمية الفكرية والاجتماعية إلى التطوّر والتقدّم.

فالمرأة بالنسبة ل((ابن رشد)) تستطيع مثلها مثل الرّجل خوض غمار البحث العلمي والمعرفي واعتلاء أعلى مراتب العلم دون استثناء. لقد التفت إلى أحد العوائق الهامّة التي تحول دون تقدّم المجتمع الذي ينتمي إليه لذلك نجدُه يدعو النّساء إلى القيام بخدمة المجتمع والدّولة وهو يرى أنّ حالة العبودية التي نشأة عليها المرأة قد أتلفت مواهبها وقضت على مقدرتها العقلية ولذلك قلّ ما نجد امرأة ذات فضائل أو على خلُق عظيم لدرجة أنّهن أصبحن عالة على أزواجهنّ وعلى ذلك فهو يرى أنّ الكثير من الفقر في عصره يرجع إلى احتفاظ الرّجل بالمرأة لنفسه كأنّها شيء أو وسيلة للمتعة دون أن يمنحها الفرصة للمشاركة في إنتاج الثّروة   المادية والعقلية وحفظها42.

فعلاً حينما نتّبّع المؤلفات الرشدية التي حاول من خلالها التنظير والتأسيس لمنهج وأسس المعرفة  لا نجده يستثني عقل الرّجل دون عقل المرأة، بل يكتف بذكر العقل البشري والحواس والمتخيلة دون تحديد الجنس البشري(ذكر أو أنثى) وبهذا فهو يعيد الاعتبار للحواس والعقل البشريين  وفي الوقت نفسه يؤكد أنّ فعّالية هذه الآليات المعرفية هي نفسها عند الرّجل وعند المرأة وبذلك يرفع عنها أيّ قصور أو عجز في القدرات الحسّية أو العقلية حيث يقول(( فلا يمتنع أن يكون بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة ))43بل يؤكد أنّ مثل هذه السلوكيات  و الذهنيات السّلبية هي التي أسهمت في تهميش المرأة في القيام بدورها الحضاري المنوط بها.

فالمجتمع بالنسبة إليه ، بحاجة إلى جميع العقول البشرية بشرط أن تلتزم بالبرهان لإدراك الحقيقة وتحقيق السّعادة الحقيقية، السعّادة الخالدة وهي الوصول إلى اليقين والعيش في كنف العلم والمعرفة مع تمكين هذه المعرفة  من كلّ أفراد المجتمع دون تمييز أو استثناء، كون تطور المجتمع مرهون بتسلّح جميع أفراده رجالاً ونساءً بالعلم والتحكّم في الأدوات المعرفية، وأيّ إهمال للمرأة قد يؤدي إلى حرمانها من أداء دورها المعرفي الحضاري وكذلك حرمان المجتمع من خدمات جليلة يمكن أن تساهم فيها المرأة داخل المجتمع وبذلك يصبحن حملاُ ثقيلاً على الرجال والمجتمع44.لقد أصبح هذا الطّرح بديهية من البديهيات التي يقرّ بها كلّ من يريد بناء مجتمع منسجم ومتماسك لا يخضع للوصاية الفكرية ولا يقبل التقليد وينبذُ التعصّب ويؤمن بالحوار والتسّامح والتّعايش داخل المجتمع الواحد أو بين مختلف المجتمعات الإنسانية.

رابعا- البعد الحضاري وعالمية الفكر: لقد أدرك ((ابن رشد)) وهو يعمل على التأسيس للمعرفة الإنسانية من خلال تحديد مصدرها وضبط معالم المنهج العلمي الذي يجب اعتماده لبناء الحقيقة العلمية أننا في عالم متغيّر يتميّز بكثرة المذاهب والتيّارات الفكرية والسياسية، عالم لا مكان فيه للضّعيف في مجال الفكر، هذا المجال الذي يُعدُّ النّقطة الفاصلة في تحديد معالم النّظام السّياسي والاقتصادي وكذلك الحضاري لأي مجتمع. هذا ما جعله يبيّن ضرورة الانفتاح على بقية الحضارات والإطّلاع على منتوجها المعرفي والمنهج المعرفي الذي اعتمد في بناء المعرفة، لغرض الاستفادة منها.

لهذا الطرح ألرشدي دور كبير في تأكيد سلبية التقوقع والانغلاق على الذّات والتشّبُث والتعصُّب للموروث المعرفي ونكران الآخر استناداً لأحكام مسبقة غير مؤسّسة على الفهم والعلم ومعرفة الذات والآخر. إنّ الإطّلاع على الإنتاج المعرفي الأجنبي وطرق المعرفة يمكن أن يساعد في تمكين المجتمع من آليات التقدّم والتحضّر، كون امتلاك آلية معرفية علمية برهانية مؤسّسة مع اعتمادها في مواضعها المعرفية الصّحيحة سيزيل أي تخوّف من الذّوبان في الآخر أو الوقوع في تناقضات مع المعتقد لأن التحكّم في المنهج المعرفي الصّارم يعدّ ضماناً كافياً لتحقيق ما يسّمى بالمناعة الحضارية((فصاحب المعدّة القوّية لا يخشى من تناول أي نوع من أنواع الأطعمة))45ومعنى هذا أنّ امتلاك منهج معرفي قائم على البرهان سيتيح للمجتمع حسب((ابن رشد))من الانفتاح على مختلف الثقافات بشكل إيجابي يبتعد فيه عن الاستهلاكية العمياء لما أنتجه الآخر أو الرّفض الدوغماتي لأي منتوج معرفي مهما كان مصدره الحضاري.

إنّ الانفتاح الذي دعا إليه ((ابن رشد)) فيما يخصّ الإنتاج المعرفي والمنهجي سيّمكن الفرد والمجتمع من امتلاك آلية بناء الفكر بناءً قوياً خالياً من التناقضات الدّاخلية والخارجية لدرجة تكون الموضوعية سمة بارزة فيه والحقيقة العلمية غاية مقدّسة تذوب أمامها كلّ الأفكار القبلية المذهبية. هذه الآلية التي تُحوّل الفكر من مجرّد مستهلك مقلّد إلى منتج للفكر والثّقافة قادر على ترك بصماته في سجّل الحضارة البشرية دون الخوف من تلقي سهام النّقد أو التصادمات الفكرية والمعرفية، لأنه يقوم بدوره الحضاري في إطار تاريخي محدّد وإن تجاوز الزّمن ذلك الإنتاج فذلك لا يمكن اعتباره عيباً أو نقصاً بل هو راجع إلى تطوّر الفكر والمعرفة البشرية. هذه قاعدة لا يمكن أن ننكرها بل يجب أن نقبل بها ونسايرها إذا أردنا أن لا يرمينا التاريخ الإنساني المعرفي بالبهتان والتخلّف والتعصّب لموروث معرفي تجاوزه الزّمن.

يُعدُّ التأسيس ألرشدي للمعرفة إجابة فاصلة لسؤال ربّما لم يكن مطروحاً بصراحة في عصره لكنه كان واقعاً أو مشكلة معاشة على أرض الواقع، إذ كانت هناك رغبة في التطّور مع المحافظة على الهوية، لكن العائق الذي كان يحول دون ذلك هو عدم امتلاك آليات وعوامل التطور أو جهل أو تجاهل لها، إمّا عن غير قصد خاصة عند عامة النّاس المقلّدين أو بقصد عند الذين أصبحوا أوصياء على عقول النّاس لما أصبحوا يتمتّعون به من مزايا السّلطة. أراد ((ابن رشد)) أن يسبق زمانه ويقدّم الحل الجذري والطّبيعي لهذه الإشكالية التي قد تجُّرُ المجتمع إلى الخراب الفكري ومن ثمّة الخراب الحضاري إذا لم يوضع لها حلاً إنسانياً.

فالتغيير الآمن للمجتمع حسبه يتمّ على مستوى العقول، الفكر وطريق التّفكير، عندما يحدث التغيير في منهج التفكير والبحث المعرفي لدى أفراد المجتمع بصفة عامة ونخبتها المفكّرة بكلّ تياراتها بالخُصُوص سيتمّكن المجتمع من العمل بشكل متكامل لأجل هدف واحد وهو البناء، بناء المجتمع الحر المتسامح المتعايش لأنّه يؤمن بنسبية المعرفة وتاريخانيتها ولا جنسيتها، فالمعرفة لا تحمل جنسية ولا دين.

لكن إذا لم يتحقّق هذا التغيير فلن يعرف المجتمع النّور ولن يكسر قيود التقليد والوصاية، ولن يذوق أبداً طعم الحرّية وحلاوة امتلاك الحقيقة ولذة المساهمة في تنوير العقل البشري وتلك هي السّعادة الحقّة لما تمنحه من اليقين والثّقة في النّفس البشرية للمضي قُدماً في ممارسة دوره وواجبه الاجتماعي الحضاري دون أن يخشى أو يخاف أياً كان.

 عندما ردّ((ابن رشد ))الاعتبار للحواس والعقل وأكدّ ضرورة الالتزام بالمنهج ألبرهاني الصّارم، كان ينظر إلى مستقبل بعيد، يرى فيه الفرد داخل مجتمع واعي ومتمّسك بحقّه في المعرفة، فرد يرفض الخضوع لقيود التقليد والالتزام غير الواعي بأي مذهب فكري أو فقهي، يطمح ((ابن رشد)) في فرد واسع الأفق يتجاوز الشطوط الإيديولوجية والمذهبية والحضارية وكذلك الزمنية والمكانية ، إنّه يريد فرداً قادر على الانخراط في مشروع تشييد الحضارة الإنسانية بكلّ ثقة وعزم على ترك بصمته الحضارية المتميّزة، لأنّ الحضارة أخذ وعطاء في آن واحد.

     لهذا السّبب أكدّ الفيلسوف القرطبي ضرورة الانفتاح على الآخر والعودة إلى الأصول الأصلية لأفكارهم، وتجاوز مختلف التأويلات التي جاء بها المفكرين والفلاسفة، لما في ذلك من فُرص لنهل العلم من منابعه الأصلية وكذلك التمّكن من آليات البحث المعرفي الصّارمة التي ستمّكن صاحبها من الغربلة والإنتاج المعرفيين، فيُرفض ما يتعارض مع الواقع والعقل ويُقبلُ بكلّ موضوعية وبعيدًا عن الذاتية ما يتماشى والواقع والعقل. فعندما لا يقبل بالتّقليد أو تقديس ثقافة أو منتوج معرفي ما ، فهذا لا يعني إعطاء الحق للباحث في  رفض ما أنتجه السابقون، ليس إلاّ لأنه يملك هو كذلك العقل الذي سيدرك به الحقيقة، كون بناء المعرفة عمل تراكمي، بالنسبة إليه الشخص الذي يلغي المجهود العلمي للسابقين ويريد الانطلاق من الصفر هو شخص جاهل لحقيقة البحث العلمي والصعوبات التي تواجه الباحث أثناء بحثه عن المعرفة، لذلك نجد الشارح الكبير يعترف للآخر  بما أبدعه من علم، لكن ذلك  الإعجاب لم يمنعه من أن يقدّم أقواله وشروحاته وإضافاته أو أن يفتح ميادين معرفية جديدة تقبل اعتماد المنهج ألبرهاني أثناء  دراستها وتوظيف القدرات المعرفية البشرية مع التأكيد على ضرورة ممارسة النّقد المعرفي  عليها، كأساس من أسس المعرفة العلمية التي يمكن أن تساهم في تشييد المشروع الحضاري، القائم على العقل والعقل فقط والحرّية الفكرية. كون ((تأسيس مشروع أي حضاري. ينبغي أن يكون قائما على العقل والعقل فقط، ينبغي أن يكون مؤسّساً على الفكر التجديدي العلمي البنّاء بحيث نطرُدُ تماماً كلّ فكر رجعي ونحذف تماماً أي فكر لا معقول))46إنّنا عندما نمتلك الطّريق المعرفي السّليم وهذا ما يجب أن نتعلّمه حسب ((ابن رشد)) سنتمّكن من إنتاج كلّ ما يمكن أن يساهم في بناء مجتمع متحضّر، يقوم فيه كل فرد وبكل عقلانية بإبداع ما يمكن إبداعه، من فنون وأعمال علمية أو عملية أو اقتراح للمشاريع العلمية أو السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تساهم بقوّة في تنوير المجتمع الحاضر.   

إنّ صناعة مجتمع المستقبل متوقفّة على امتلاك العلم والإيمان بقدرة الإنسان على المعرفة مع ضرورة التسلُّح بالمنهج ألبرهاني الصّارم وفي نفس الوقت الالتزام بالحدود المعرفية للعقل وتجنُّب المتاهات المعرفية التي لا مخرج لها، فإن كان الإنسان قادراً على الوصول إلى اليقين فإنّ هذه القدرة نسبية ولا تعطيه الحرّية في البحث في كلّ شيء بل هناك قضايا لا يقدر العقل البشري البحث فيها، لهذا فليتركها كما هي وليقبل بها مثلما جاءت ، المقصود بهذه القضايا ، القضايا التي تخصّ المعتقد أي معتقد، القضايا التي تساهم حسب ((ابن رشد))في غرس الاطمئنان في النفوس البشرية الحائرة وجودياً ، ليتفرّغ إلى إنتاج المعرفة التي يقدر عليها، هذا النتاج الذي هو عبارة عن موروث بشري غير مطلق و لا يجب أن يتحوّل إلى أوثان تقدّس وتستسلم لها العقول، هي مجرّد مشاريع فكرية من الضّروري أن تكون مؤسّسة على البرهان وتتماشى والإمكانات المعرفية البشرية. مشاريع نابعة من دراسة الوجود كما هو موجود بعيدة عن الذّاتية والانتصار لمذهب من المذاهب أو التحيُّز لتيار من التيّارات الفكرية أو التحليق في السّماء وإنتضار الإلهام من مصدر مفارق للإنسان.       

إذا كان ((ابن رشد)) يحترم حرّية العقل ولا يسمح باحتكار إنتاج المعرفة فإنّه كذلك يضع لها شروط وضوابط معرفية دقيقة، حتى لا تكون المعرفة سبباً في التأصيل والًتأسيس للجهل المُقنّن وهو بهذا يسعى إلى توجيه العمل الفكري البشري في مجتمعه إلى المعركة الحضارية الحقيقية وهي البناء أو الهدم والبناء والابتعاد عن الدّخول في معارك مذهبية لا يمكن أن ينتج عنها إلاّ دمار العقول.

لقد رفض ((ابن رشد)) بشدّة هذه المعارك الوهمية مع المختلفين معنا داخل الملّة الواحدة أو مع الذين يخالفوننا في الملّة، إنّه يُؤمن أنّ المحبّة ورحابة الصّدر ورجحان العقول وترفّع النفوس عن مثل هذا الصّراع الذاتي الذي يغذيه الانتصار للذات لا غير هو الوحيد الذي يضمن لنا النجاح والوصول إلى اليقين وامتلاك الحقيقة، التي ستكون ذلك النّور الذي ننير به طريق البحث المعرفي في كلّ الميادين والمباحث طبيعية كانت أو فلسفية أو غيبية. عندها يُقبل الإنسان على الحقيقة متحلياً بالرّوح العلمية والتسّامح الفكري والانفتاح على من يخالفنا والتعايُش معه مع التزام الحوار والنّقد البنّاء الذي لا يهدف إلاّ للحقيقة.

تأسيس ((ابن رشد) للمعرفة، يبيّن لنا أنه لم يكن يقصد في مشروعه المعرفي هذا المجتمع الذي ينتمي إليه فقط، بل كان ينّظّرُ للبشرية جمعاء، ما يؤكدّ عالمية هذا الرّجل، هذه العالمية التي جعلته ينفتح على من سبقه في تحديد طريق المعرفة وأسُسها وكذلك ينفتح على المستقبل وعلى الأجيال اللاّحقة، فهو يقدّم لها منهجاً معرفياً إنسانياً يمكن تعميمُه واعتماده من طرف أي إنسان يبتغي الحقيقة وهذا يبيّن الأفُق العالمي للمشروع المعرفي ألرّشدي. إنّه مشروع كامل الأهميّة لما يمكنُه من تخليص الإنسان من التعصّب والفكر ألإقصائي ويدفعه إلى الانفتاح الفكري، كون الحقيقة ليست حكراً على جنس بشري محدّد ولا ملكاً لأي كان مهما كان أصلُه أو دينه.

وفق هذه القناعة يمكن الاستفادة من جهود الآخرين دون أن نكون بحاجة إلى أخذ أخطائهم أو ما نرى أنّه بعيد عن الصّواب أو رفض ما كان صحيحاً بحجّة أنّه صادر من الآخر الذي يخالفنا في الدّين والثّقافة  الحقيقة ليس لها دين محدّد ونفس الأمر بالنسبة للمنهج المعرفي، فأينما كان الحقّ يجب أن نأخُذ به مهما كان انتماء صاحبه، لكن مع اشتراط التأسيس ألبرهاني لأي فكرة أو حقيقة وهذا يقتضي التمّكُن من المنهج ألبرهاني والقدرة على النّقد وممارسة الشّك القوي الهادف إلى الحقيقة فقط، بذلك يجب الابتعاد عن الأقاويل التي لا تنتج إلاّ الشّك والحيرة وتؤدّي إلى التيه أو تُغذّي روح التعصّب والتقليد و تصنيم أقوال السّابقين.

لقد أسّس للمعرفة البشرية تأسيساً إنسانياً يؤكدّ فيه ضرورة استمرارية البحث عن الحقيقة لانّ كلّ ما وصل إليه الإنسان يبقى جزء أو نقطة في بحر حقيقة هذا الوجود، خاصة وأنّ الوسائل والطّرق المعرفية ممكنة ومتاحة لكلّ من يطلب الحقيقة البرهانية كون العلم يقوم على حركية معرفية مستمرّة لا تعرف الجمود والتوّقف.

 

 

خاتمة البحث

وتأتي خاتمة هذا البحث لترصد أهم النتائج التي توّصلنا إليها من خلال تناولنا للأفق الحضاري لنظرية المعرفة عند ((ابن رشد)) والتي تتلخص فيما يلي:

- موسوعية الفكر ألرشدي وعدم انحصاره على مرجعية فكرية واحدة: فالانفتاح ألرشدي على ((أرسطو)) لم يمنعه من التعامل مع الإنتاج الفكري والمعرفي الذي أنتجه العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين يشترك معهم في الملّة، كما أنه لم يكن منعزلاً عن التغيّرات الحضارية التي عرفها مجتمعه، فلقد كان صاحب نظرة معرفية عميقة هدفها الوحيد هو الاستفادة من التجارب المعرفية التي أبدعها الآخر ؛ لأجل تحديد الأسس المعرفية المتماشية والإمكانات المعرفية عند الإنسان وكذلك القادرة على تيسير الطّريق لبناء المعرفة العلمية في مختلف المباحث والميادين التي يطرقها فضول الإنسان.

- إدراكه لجوهر الإشكال في بناء الحضارة : يبدو لنا أنّ((ابن رشد)) عندما كان يعمل على تحديد الأسس المعرفية التي يمكن أن تساهم في بناء المعرفة العلمية أنّه كان مدركاً تمام الإدراك أهمية هذا المشروع في تنظيم وتطوير العلم وبناء الحضارة، فلقد أكدّ من خلال هذا العمل على ضرورة الاهتمام بطريقة التفكير والعمل على إخضاعها للنقد والتطوير قبل الاهتمام بامتلاك المادة المعرفية؛ ومنه بيّن أنّ الإشكالية الحضارية  والعلمية لا تكمن في من يمتلك المعرفة بل في من يمتلك ويتحكّم في الطّريق والمنهج الموصل إلى المعرفة العلمية فالأزمة عنده هي أزمة منهج وطريقة التفكير وليس في الغزارة المعرفية والعلمية؛ فعندما يكون المنهج فاسداً لا يقوم على البرهان تصاب العقول بالعجز وتقع في فخ التقليد واجترار الماضي أو الوقوع في التبعية والرضوخ للوصاية الفكرية .

           لأجل هذا وجدناه يؤكدّ ضرورة امتلاك المنهج العلمي الذي يقوم على البرهان، هذا المنهج الذي يؤهل مالكه للاستفادة من المجهود المعرفي البشري والمساهمة في إثرائه وتطويره عن طريق عملية الهدم والبناء في آن واحد مبتعدين عن الأحكام الذّاتية والتخيّلات والأوهام التي لا تقبل التكذيب والنقد.

فإذا كان التأسيس ألرشدي عبارة عن مشروع ابستيمولوجي محض، فإنّنا نرى أنّ هذا الطّرح أوسع بكثير من أن يحصر في الهم المعرفي كون المتعمق في هذا المشروع يجد أنّه كان يسعى إلى بناء طريقة تفكير برهانية لأجل إحداث تغيير في ذهنيات الأفراد، هذا التغيير الذي سينعكس على الواقع الحضاري والاجتماعي في المجتمع الذي يعيش فيه أو المجتمع الإنساني بصفة عامة. لقد أكدّ على ضرورة سعي كلّ فرد إلى إعادة النظر في طريقة تفكيره واعتماد آلية الشّك والنقد للتحرّر الواعي من القيود المعرفية والرّوحية لأجل تحقيق الاستقلالية الفكرية؛ التي ستُتيح الفرصة لكلّ أفراد المجتمع دون تمييز للمساهمة في إنتاج المعرفة والفلسفة وكذلك بناء مواقف مؤسّسة علمياً عن هذا الوجود وعن الذات والآخر ممّا قد يساهم في انتشار التسامح والتعايش والتحلّي بأخلاقيات الاختلاف والحوار بين كلّ فئات المجتمع عبر كلّ المستويات

الهوامش

1.ابن رشد، تهافت التهافت، تهافت التهافت، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد. إشراف محمد عابد الجابري، دراسات الوحدة العربية.ص190.

2.ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، تحقيق وتعليق ألفرد إيفري، مراجعة محسن مهدي، تصدير إبراهيم مدكور، المكتبة العربية، المجلس الأعلى للثقافة، ((القاهرة))1994، لم تذكر الطبعة، ص126، 127.

3.ابن رشد، تهافت التهافت. ص273.

4.ابن رشد، المصدر نفسه، 190-191

5.ابن رشد، ضميمة لمسألة العلم القديم التي ذكرها في فصل المقال، تقديم وتعليق أبو عمران الشيخ وجلول البدوي. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر1982. ص70.

6.ابن رشد. فصل المقال، ص 41.  

.ابن رشد، المصدر نفسه، ص 24.

8.عاطف العراقي، النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، دار المعارف ((القاهرة)) الطبعة الرابعة 1984، ص90.

9.عاطف العراقي، النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، ص96.

10.ابن رشد، تهافت التهافت. ص190.

11.ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، ص68.

12.ابن رشد، فصل المقال، ص27.

13.ابن رشد، المصدر نفسه، ص27-28.

14.ابن رشد، تهافت التهافت، ص 370.

15.محمد عاطف العراقي، النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، ص 111.

16.ابن رشد، تهافت التهافت، 396.

17.المنصف شعراانة، "قراءة ابن رشد للغزالي نقد وتأسيس" ضمن كتاب أعمال الندوة الدولية بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد، تنسيق محمد المصباحي، منشورات الجمعية الفلسفية المغربية، المغرب1998، ص69.

18.محمد ألمصباحي، إشكالية العقل عند ابن رشد. الطبعة الأولى، ((الدار البيضاء))، المركز الثقافي العربي، 1988، ص 6.

19.ابن رشد، تهافت التهافت، ص273.

20.ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، ص123.

21.ابن رشد، تهافت التهافت، ص273.

22.ابن رشد، فصل المقال، ص25.

23.ابن رشد، تهافت التهافت، 378.

24.ابن رشد، شرح البرهان لأرسطو وتلخيص البرهان، تحقيق وشرح وتقديم، عبد الرحمن بدوي، الطبعة الأولى ((الكويت)) المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، 1405 /1984، ص68.

25.ابن رشد، المصدر نفسه، ص68.

26.ابن رشدن المصدر نفسه، ص68.

27.ابن رشد، المصدر نفسه، ص69.

28.ابن رشد، تهافت التهافت، القسم الأولى تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة 03، 1968، ص359.

29.محمود زيدان، نظرية المعرفة عند مفّكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصرين. مكتبة المتّنبي. ((المملكة العربية السّعودية)) لم تذكر الطبعة. 2012.ص224.

30.ابن رشد، تهافت التهافت، تقديم محمد عابد الجابري، ص101

31.ابن رشد، فصل المقال، ص23.

32.ابن رشد، تهافت التهافت، القسم الأولى تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة 03، 1968، ص514.          

33.قدري حافظ طوقان. مقام العقل عند العرب. دار القدس للطّباعة والنشر والتوزيع. ((بيروت)). لم تذكر الطبعة. 2002، ص203.

34.سيف الدين ماجدي، العقل والنص عند الفلاسفة والمتكلمين، منشورات دار علاء الدين، سورية، ط01، 200887.

35.محمد أبو القاسم حاج أحمد، ابستيمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج، الطبعة الأولى ((بيروت، لبنان)) سلسلة فلسفة الدين والكلام، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2004124.

36.محمد حاج حمد، المرجع نفسه، ص125.

37.محمد المصباحين إشكالية العقل عند ابن رشد، ط 01، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء

38.المغرب، 1988، ص227.

39.يمنى طرف الخولي، العلم والاغتراب مقال في فلسفة العلم، من الحتمية إلى اللاّحتمية، ط01، ا الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987، ص133.

40.سيف الدين ماجدي، العقل والنقل عند الفلاسفة والمتكلمين، ط01، منشورات دار القلم، 2008، ص143-153.

41.سيف الدين ماجدي، المرجع نفسه، ص159.

42.انظر أحمد عبد المجيد عطية، " قراءات ابن رشد، الدراسات العربية الراهنة حول ابن رشد"مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، العدد 08، 1999.

43.قدري حافظ طوقان، مقام العقل عند العرب، ص186.

44.ابن رشد، الضروري في السياسة مختصر كتاب السياسة لأفلاطون، نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شحلان، مع مدخل ومقدمة وشروح ل محمد عابد الجابري، ((بيروت)) سلسلة التراث الفلسفي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998125.

45.ابن رشد، المصدر نفسه، ص125.

46.عاطف العراقي. الفيلسوف ابن رشد، ومستقبل الثقافة العربية، أربعون عاماً من ذكرياتي مع فكره التنويري، الطبعة الثانية، ((القاهرة)). دار الرشاد. 2005.ص216.

47. عاطف العراقي، المرجع نفسه، ص220

شريف خاصة, «الأفق الحضاري لنظرية المعرفة عند ابن رشد»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 01 مجلد 16-2019N°01 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 193-216,
Date Publication Sur Papier : 2019-04-11,
Date Pulication Electronique : 2019-04-11,
mis a jour le : 11/04/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5539.