يورغن هابرماس نحو مواطنة كونيَّة تستوفي شروط العقلانيَّة التواصليةJürgen Habermas toward a universal citizenship contains the communicative rationality conditions
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

يورغن هابرماس نحو مواطنة كونيَّة تستوفي شروط العقلانيَّة التواصلية

Jürgen Habermas toward a universal citizenship contains the communicative rationality conditions
ص ص 181-192
تاريخ الارسال: 25/02/2018 تاريخ القبول: 24/03/2019

نورة بوحناش / سمير جواق
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

  استهدفت العقلانية التواصلية أداء مهمتين: أما الأولى فمهمَّة نقدية، رعت تفصيل البُنى الإبستيمولوجية للعقلانية الأداتية، بما أنها قد خلصت إلى نزعة حسابية تشييئية، عمَت الآفاق، الطبيعة، الإنسان والمجتمع. أما المهمَّة الثانية، فهي بنائية، وقد تمثلت أحد آداءاتها، في المشروع الإنساني الكوني الذي سار فيه الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس) واضعاً لأسُس المواطنة الكونية المؤدية لشروط هذه العقلانية التواصلية، هو –المواطنة الكونية-مفهوم مغاير يتجاوز حدود الانتماء الاثني بكل مقوماته. تقع المواطنة الكونية على نقيض القيم الانسانية للنزعة القومية التي حصلت ضيق الأفق الإنساني، هي بناء مواطنة دستورية تقوم على أساس القانون، العدل والديمقراطية، وتؤسس لثقافة النقاش والتواصل والتفاهم، لها ميزة كونيَّة تستوعبُ الانسانية المختلفة. 

الكلمات المفاتيح: المواطنة، العقلانيَّة التواصلية، أيتيقا المناقشة، القومية، الكونية

La rationalité communicationnelle a deux tâches : La première est critique, elle prend en considération les méandres des structures épistémologiques du rationalisme instrumental, elle conduit à une tendance mathématique dans l’étude de la nature, de l’homme et de la société. La deuxième est constructive dont une de ses manifestations est le projet humain universel fondé par le philosophe allemand (Jurgen Habermas), qui a établi les bases de la concitoyenneté universelle menant à cette rationalité communicationnelle. La concitoyenneté universelle est une notion différente surpassant les frontières de l’appartenance ethnique dans tout son idéalisme. La concitoyenneté universelle se fonde sur le contraire des valeurs humaines issues du nationalisme qui limite l’horizon humain. Elle crée une concitoyenneté constitutionnelle basée sur des textes de loi, la justice et la démocratie et préparant la culture de la discussion et de la communication et l’intercompréhension. Elle se caractérise par son universalité de pouvoir assimiler toute l'humanité.

Mots Clé: La citoyenneté, La rationalité communicationnelle, Ethique de la discussion, Nationalisme, Universalisme

The Communicational rationality has diathesis two important tasks: the first one is a critical task, has sponsored the elaboration of epistemological structures of instrumental rationalism, the latter since they have reached a mathematical calculus the horizons, the nature, the human and society.  The second one is constructivist, one of whose manifestations is the universal human project founded by the German philosopher (Jurgen Habermas), who has laid the foundations for universal citizenship leading to this communicative rationality.This universal citizenship is a different concept that transcends the boundaries of ethnicity in all its idealism. Universal citizenship is based on the opposite of human values derived from nationalism that limits the human horizon. This is the construction of a constitutional citizenship based on legal texts, justice and democracy and preparing the culture of discussion and communication and intercomprehension. It is characterized by its universality to be able to assimilate all humanity.

Keywords:The citizenship, The communicative reason, The ethics of discussion, Nationalism, Universal

Quelques mots à propos de :  نورة بوحناش

جامعة عبد الحميد مهري –قسنطينة 2bouhennachewas@yahoo.fr

Quelques mots à propos de :  سمير جواق

جامعة عبد الحميد مهري –قسنطينة 2[1]philo.samirdjouak@gmail.com
[1]  المؤلف المراسل

مُفتتح

يُعد  (يورغن هابرماس) Jurgen Habermas)  أحد أبرز الوجوه الرئيسيَّة فيّ الفلسفة الغربيَّة المـُعاصرة، بقوة تدخله المثير للجدل فيّ قضايا المجتمع المعاصر سواء السياسيَّة منها أو الثقافيَّة أو الاجتماعيَّة، إلىّ حد جعلت منه ظاهرة فريدة وجديرة بالمتابعة والقراءة، كمَّا يُعد أيضاً المـُمثِّل الرئيسيّ للجيل الثانيّ لمدرسة فرانكفورت النقديَّة كما دأبَ تصنيفَهُ من قبلِ جُلِّ الدراسين والباحثين لفلسفته، وفعلاً فالناظر فيّ مُؤلفاته يلتمسُ حسها النقديّ الذيّ مكنه منّ ربط الوعيّ باليوميّ والفكر بالراهن، لذلك نجدُ تأليف صاحب مُدونة (نظريَّة الفعل التواصليّ)، مشغولاً بالواقع وقضاياه الكبرىّ، وابتغىّ له صاحبه أنّ يكون زعزعةً لتلك القضايا منّ خلال استشكال اليوميّ وفهم المعيش، فتصيَّرتْ فلسفته بذلك، تعبيراً عنّ اندهاش وقلق إزاء مسائل منّ قبيل:  الهجرة، الهويَّة، حقوق الانسان، المواطنة، التعدديَّة الثقافيَّة، السلام الكونيّ، الشرعيَّة السياسيَّة والديمقراطيَّة التشاوريَّة، وعنّ عودة الدينيّ والمقدس إلىّ الفضاء العام ...الخ، مما يوحيّ  لنا أننا أمام فيلسوفٍ يتحركُ فيّ جبهات معرفيَّة متعددة، كمَّا يشتغلُ علىّ مسارات استشكاليَّة متنوعة، وهو فعلاً ما نلمسُه فيّ المتن الهابرماسيّ المـُتراميّ الأطراف: منّ الفلسفة إلى السياسَّة، ومنّ الأخلاق إلىّ القانون، ومنّ علم النفس إلى علم الاجتماع ...الخ، لتكون الخُلاصة نوعٌ منّ الخطاب الفلسفيّ الذيّ ينهَّلُ منّ روافد ومرجعيات فكريَّة وثقافيَّة وسياسيَّة مُتعددة دون أنّ يكون في غفلةٍ عنّ الانهمَّام بالأحداث الراهنة والمـُعاشَّة.  

والحق، يدور محوّر هذّا المقال حوّل آراء  (يورغن هابرماس)، فيّ شأن موضوع المواطنة، في سياق مُقاربة هذّا الموضوع  بفلسفته التَواصليَّة ومبدأُهُ فيّ أيتيقا المـُحاجَّة والمـُناقشة، والتي بلور الفيلسوف الألمانيّ في أعقابها رؤيةً جديدة للمواطنة، اقتضتْ منه تخريجَها منّ سياق أُنموذج الوعيّ والذّات إلىّ أُنموذّج التَواصُل والتذّوات، سعياً منه إلىّ تجاوز النموذج الضيَّق للمُواطنة القائم علىّ النزعة العرقية والقومية إلى النموذج الكوني، أينَّ يغدو الفرد مُواطناً عالمياً دونّ النظّر إلىّ خلفيته الثقافيَّة أو الاثنيَّة أو خصوصيَّة انتمائه الفكري والعقائديّ والجغرافي.

علىّ ضوء ذلك، يُمكننا صياغة المشكلة الرئيسة للمقال كالآتيّ: ما السبيل إلىّ تحقيق مواطنة كونيَّة تستوفي شروط العقلانية التواصليَّة وتحترم التعدد الهوياتي والإثنو-ثقافي؟

هذّه المشكلة أفرزت العديد منّ التساؤلات منها: هل ستشهدُ الحداثة استمراراً لبرنامجها: التقدم، الحرية، الديمقراطية، حقوق الانسان فيّ ضوء الدعوة إلى مواطنة كونيَّة؟  ثم ولئن قُدر أنّ يكون الفعل التواصليّ بديلاً لخروج الحداثة منّ أزمتها الضيقة وتقويضاً لمركزية الذّات والوعيّ – كما بادر إلىّ ذلك (هابرماس)-، فإلىّ أيّ مدى مكَّنت العقلانيَّة التواصليَّة منّ اخراج المواطنة منّ ضيق النطاق المحلي والقوميّ إلى سعة النطاق الكوني؟ وهل فعلاً بمقدور إجراءات النموذج العمليّ لـ (أيتيقا المناقشة) منّ تأسيسُ فضاء كونيّ للحوار والتشاور فيّ قضايا الشأن العام، بينّ أفراد ينتمون إلىّ مواريث ثقافية ومرجعيات عقائديَّة وروافد سياسيَّة مُختلفة؟

هذه أهم التساؤلات التيّ يسعى هذا المقال أن يشتغل عليها وفق ثلاث خطوات أساسيَّة: ننطلق فيها أولاً برصد أطروحة (هابرماس) في الدفاع عن مشروع الحداثة وفي طبيعة التعالق بينّ هذّا المشروع وسؤال المواطنة عنده، كي نقف ثانيا علىّ نظرية الفعل التواصلي عنده، والتيّ يتوسَّل بها فيلسوفنا منّ أجل تقويض مركزيَّة الوعيّ والاستنهاض بمفهوم المواطنة منّ ضيق استخداماته القوميَّة إلىّ مرتبة الكونيَّة، كيّ نعرج ثالثاً إلىّ الحديث عنّ برنامج أيتيقا المناقشة عنده، وعنّ إمكانيَّة هذّا البرنامج الأخلاقيّ فيّ ضمان فضاء للنقاش العقلانيّ بينّ أفراد ذويّ مرجعيات مختلفة ومتباينة، منّ أجل الانتهاء أخيراً إلىّ حوصلة عامة لجملة النتائج التيّ انتهى إليها المقال، كما نتساءل عنّ إمكانيَّة استضافة الفكر الهابرماسيّ فيّ شأن موضوع المواطنة في العالم العربيّ.

أولاً: المواطنة واستكمال برنامج الحداثة السياسيَّة

 يُدرك المشتغلون بفكر الفيلسوف الألمانيّ (يورغن هابرماس)، أنّ البرنامج الأعم لفلسفته، يَكّمنُ في إعادة النظر في مشروع الأنوار والحداثة، بعد تصحيح مسارها وإعادتها إلىّ الطريق الصائب والسليم قناعةً راسخةً وإيماناً منه بما أنجزه عصر الأنوار: منّ قيمٍ كونيَّة وتفتحٍ وديمقراطيَّة وحقوق الإنسان ...الخ، إذّ إنّ المـُطلع علىّ أعمال (يورغن هابرماس) وخاصةً في سفريه (القول الفلسفيّ للحداثة) (Le Discoure philosophique de la modernité)، و (نظريَّة الفعل التواصليّ)La Théorie de l’agir) communicationnelle )، يقفُ بمقتضاه علىّ امتعاضّ فيلسوف التواصليَّة منّ التصورات المـُصاحبة لمشروع الحداثة والعقلانيَّة الغربيَّة، -خاصَّةً منّ طرف القول المـُضاد لها منّ فلاسفة ما بعد الحداثة-، والتي استوى أمرها علىّ ربط العقلانيَّة بالأداتيَّة والاغتراب والتشيؤ والاستيلابْ، وأنّ هذّا المشروع قد غاب نجمه وأدركت طموحاته علىّ الفشل وآلَّ إلىّ الاكتمال والأفول، وإنّ ثبتَ ذلك، علينا تجاوزه نحو ما بعد الحداثة، وآية ذلك، أنّ فيلسوفنا يُنافح بقوة علىّ أنّ (الحداثة مشروع غير مُكتمل) ( la modernité: un projet inachevé )  1.

منّ هنا نذر (هابرماس) جهده الفكري والفلسفي لإعادة الاعتبار لمشروع الحداثة والأنوار فيّ سياق هذّا التصعيد العدائيّ ضد مشروع الحداثة نفسه، ولأجل هذه الغاية، كانّ لزاماً عليه التشخيص والتنقيب عنّ السبب الأوّل لداء الحداثة لتقديم الدواء المناسب لها، ثمَّ ولئن قُدر أنّ يتطلبَ التفكيرُ فيّ أيةِ أزمةٍ هو العملُ أولاً علىّ إيضاح جذورها والكشف ثانياً عنّ مظاهرها وإبراز ثالثاً أبعادُهَا، فنحنُ  منّ ثمة، لا نستغرب إنّ وجدنا فيلسوف التواصليَّة يُطنب في رصد معالم أزمة انحراف العقل الأنواري والحداثيّ عنّ مساره الحقيقيّ منّ خلال البحث عنّ الجذور التاريخيَّة لتلك الأزمة ومآلها نحو الأداتيَّة، والتيّ حُددتْ معالمـُها الأولىّ بشكلٍ مُباشر مع وتيرة الفتوحات العلميَّة ورحلة الكشوف الجغرافيَّة الغربيَّة، أينّ أضحى النظرُ إلى الطبيعة والعالم والوجود مصحوباً بنظرةٍ عقلانية وعلميَّةٍ وتقنيَّة، ممّا ترتب عنه توجيه الفكر الإنسانيّ نحو قراءة وفك غُموض الطبيعة ولُبوسِهَا بدلاً منّ قراءة والنظّر في معانيّ ودلالات النصّ الدينيّ المـُقدس، الأمر الذيّ أدى إلىّ تخليص العالم منّ معانيه الروحيّة وقيمه الدينيّة، والإعلاء منّ شأن الذات الإنسانيَّة، بل وجعلها فيّ مصَّف المرجعيَّة الأساسيَّة، مُنفلتةً منّ أيَّةِ مرجعياتٍ أو نُظُمٍ أخرىّ سواءٌ أكانت ميتافيزيقيَّة أو أخلاقيَّة...الخ، ومنّ ثمة "غذّى هذّا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذو طبيعة إشكاليَّة هو المركزيَّة الغربيَّة، (...) وإلىّ ذلك تقصد المفهوم، أنّ يُمارس إقصاءً لكل ما هو ليس غربياً، دافعاً به إلىّ خارج الفلك التاريخيّ الذي أصبح (الغرب) مركزه،... وأفضى كلّ ذلك إلى نوعٍ منّ التمركز حوّل الذات بوصفها المرجعيَّة الأساسيَّة لتحديد أهميَّة كلّ شيء وقيمته، وإحالة (الآخر) إلىّ مكون هامشي لا ينطوي على قيمةٍ بذاته"2.

لذلك سينطلق (هابرماس)، منّ هذّه الفكرة بالذات، بتقويض أُسس ودعائم المركزيَّة الغربيَّة والنزعة العرقيَّة فيّ مُحاولته التشخيصيَّة للأعراض المرَضيَّة للحداثة، ومنّ أجل تبيان الآفات والمآزق التيّ وقعت فيها، والحفر عنّ جراثيمها الأولى المـُمتدةِ جذورها فيّ عُمق التشكّلات التاريخيَّة والاصطلاحيّة للعقل الغربيّ فيّ صيرورته التاريخيَّة والثقافيَّة، وهيّ السبب الأساسيّ الذيّ قاد لاحقاً إلىّ المـُمارسات الاستعماريَّة والصراعات والصدامات والحروب والعنصريَّة والتهميش والاقصاء ونبذ الأقليات، منّ هنا، أرسى صاحب مدونة (الفعل التواصليّ)، ترسانته المفاهيميَّة في التذوات والتواصل والتعايش والاندماج والتسامح، وكلّ ذلك يصُّبُ فيّ مشروعه الفلسفيّ الراميّ إلىّ إعادة تشكيل التصور الكونيّ حوّل مفهوم المواطن، منّ جهة، وتلبيةً لمطالب التعدد والتنوع الإثنو-ثقافيّ والهوياتيّ المـُشكلة لنسيج المواطنة الكونيَّة، منّ جهةٍ أُخرى، منّ ثمَّة يرى (هابرماس) أنّه "يجب أنّ يتجاوز النموذج المـُقترح في حدود المواطن الغربيّ أو حتى المهاجر أو اللاجئ السياسيّ المـُقيم في الغرب، لكيّ يجمَعَ بينَّ كُلّ أبناء العالم"3

لذلك ليس منّ باب المـُجازفة القوّل، أنّ وعيّ (هابرماس) الفكريّ يتفقُ مع تقليدٍ فلسفيّ انتدبَ نفسَهُ علىّ مُقتضى نقد مآل العقل الغربي (الأداتي)، فأتىّ وعيُهُ القلق فيّ صورةِ فكرٍ موهوسٍ براهنه وتساؤلاته الكبرىّ، غيرَ مُطمئنٍ علىّ أوضاع الواقع وأحواله، فأراد له صاحبه أنّ يكون زعزعةً لتلك التساؤلات منّ خلال فهم المعيش واليوميّ والراهنيّ، فأتت فلسفته –(هابرماس)- تعبيراً عنّ اندهاش وانهمام إزاء أسئلة منّ قبيل: الهجرة، حقوق الإنسان، التعايش الاجتماعي، التعددية الثقافيَّة والهوياتيَّة ...الخ، وحقيقٌ بالذكر ههنا، أنّ المواطنة التيّ يُحاول فيلسوف النظريَّة النقديَّة المعاصرة التقعيد لها تُعانق الكونيّ، ومنّ ثمَّة فهيّ مشروع حداثيّ بامتياز، ويتضحُ لنا هذّا التواشُج والتعالق بينّ المواطنة والحداثة، منّ خلال ما بينهما منّ علاقةٍ وطيدة فيّ دعوتهما إلىّ قيمٍ كونيَّة وإنسانيَّة: منّ حرية ومساواة وتسامح وديمقراطيَّة، منّ هنا يُحاول (هابرماس) جُهد المـُستطاع إثبات أنّ طاقات الحداثة لم تُكتمل قطُ، وأنّ وعودها لم تُستنفذ بعدُ فيّ ضوء دعوته إلىّ مواطنة كونيَّة، لذلك علينا التشبثُ بهذّا المشروع والتمسُكِ بمقاصدهِ، ولعل ما زاد منّ قُوة مُقاربة (هابرماس)، إيمانه الراسخ بقدرة الحداثة علىّ تجاوز سلبياتها وعودتها إلىّ مسارها الصحيح، فـ "الحداثة والعقل والعقلنة ليست فقط تنظيماً صارماً وتكييفاً أداتياً للغايات والوسائل، وليست فقط قمعاً وترويضاً وتشييئاً واستيلاباً، بل هيّ تحرر وتحرير منّ هيمنة الماضي والمـُقدس وانفتاحٌ وتواصُلٌ، وفضاءٌ ديمقراطيّ وعقلانيَّة عمليَّة، وإقامة مُجتمع غير قائم علىّ الإكراه والعُمق بل علىّ التفاهم وتبادل الأفكار وتكافؤ الحُجج والبراهين في إطار نقاش عموميّ مفتوح"4.

انطلاقاً مما سبق، يتبين لنا أنّ هناك هاجسين حكّما مُقاربة (هابرماس) الفلسفيَّة لمشروع الحداثة، أولُهما: الطابع الدفاعيّ عنّ الحداثة بوصفها برنامجاً غير مُستنفد أو غير مُكتمل، والتمسُك بهذّا البرنامج، طبعاً، بعد نقده وتخليصه منّ سلبياته ونواقصه، فيّ هذّا السياق تحديداً، أمكّننا تفهُّم عبارته الشهيرة والمعروف بها فيلسوف التواصليَّة علىّ أوسع نطاق (الحداثة مشروع غير مُكتمل)، لكنّ ما مدى مشروعيتها والأخذ بها؟

بالعودة إلىّ توصيف الحداثة والذيّ نجده يُحيل إلىّ فعل التجاوز والديناميَّة والقطع مع كلّ ضروب الماضيّ وصنوف التراث والتقليد، منّ ثمَّة فإنّ دلالة هذّا المفهوم هو "القطيعة المـُستمرة مع الماضي والقفز المـُتكرر نحو الحاضر-المستقبل، لا يجعلُ منّ معنىّ للاستقرار المفهوميّ والدلاليّ إلاّ الماضيّ والتجاوز، ومنّ ثمَّة فالقوّل بإنجاز المشروع، ينفيّ هُويَة الحداثة وهيّ التقدم والقطيعة"5.

إنّ ما يُثبت لنا صحة هذّه الأطروحة، ويُدعم أُسس مشروعيَّة الأخذ بها ذلك أنّ "(الحداثة) بعكس العصور التاريخيَّة السابقة لا تستمدُ مشروعيتها منّ الماضيّ ولا منّ أيّ نموذج سابق (...)، بل تستمد مشروعيتها وحقها في الوجود منّ ذاتها، ومنّ المـُمكن ومنّ المـُستقبل الذيّ لا يُمنحُ أبداً منّ الماضيّ حتىّ لو لم يُعلن القطيعة الصريحة معه"6، ولنا شاهدٌ آخر علىّ طرحنا هذّا، والمـُتمثّل فيّ نصّ لفيلسوفنا اقتبسناهُ منّ كتابه العمدة (الخطاب الفلسفيّ للحداثة)  يقول فيه: "ليس بإمكان الحداثة ولا برغبتها استعارة المعايير التيّ تسترشدُ بها منّ عصرٍ آخر، إنها مُلزمة باستخراج معياريتها منّ ذاتها"7.

فـ (هابرماس) لا يعرضّ لنا ههنا مشهداً ثابتاً لبرنامج حداثيّ ساكن، بل يشرحُ لنا الحداثة في صيرورتها وحركتها وتحوّلاتها، مسيرة فلسفيَّة طويلة ومُتشعبة منّ خلالها نفهّم كيف تشكلت البدايات وتباينتْ المآلات، وكُلها مُسوغات تُحيل إلىّ توصيفه للحداثة علىّ أنها مشوع غير مُستنفذ، ويبدو أنّ كثافة حضور هذّا التوصيف فيّ المتن الهابرماسيّ أبلغ تعبير عنّ إسهابه فيّ الدفاع عنها. ثانياً: الطابع الاستشرافيّ وهو الوجه الآخر المضيء للحداثة، علىّ أنّ إمكانياتها لم تُنجز بعد، لذلك يجدرُ بنا الحفاظ علىّ مقاصد المشروع وعنّ طموحاته في التقدم والأنوار والحرية ...الخ، منّ هنا استفرغ (هابرماس) وسعه الفكريّ فيّ مجال إعادة الاعتبار لمشروع الحداثة والأنوار، وهو الأمرُ الذيّ ليس في الإمكان إنجازهُ إلاّ منّ خلال ارتسام منحى فلسفيّ جديد، كانّ له قدرٌ كبيرٌ منّ الجسارة بأنّ تمخضّ عنه القوّل بـ (العقلانيَّة التواصليَّة)  La Rationalité Communicationnelكانّ منّ نتائجه وتوابعه تحقيق الانتقال منّ فلسفة الوعي والذات Philosophie de la conscience et du sujet إلىّ فلسفة التواصل والتذوات Philosophie de la communication et de l’intersubjectivité، وهيّ المـُهمة الأساسيَّة التيّ أخذها (هابرماس) علىّ عاتقه فيّ تعيين الشرائط الضروريَّة لتوجيه الفعل التواصليّ نحو بلوغ الفهم البينذاتيّ و مشاركة الآخر في العمليَّة  التواصليَّة  والنقاش فيّ المسائل والقضايا التيّ تخصّ الشأن العام وذلك فيّ كتابه الأساسي (نظريَّة الفعل التواصليّ) ( Théorie de L’agir communicationnelفي جزأين، قام بترجمة الجزء الأول إلىّ الفرنسيَّة(Jean Marc- Ferry )، أما الجزء الثاني منه فقد نقله إلى الفرنسية  Jean-Louis Schlegel )8.

تأسيساً علىّ هذّا المسعى الفلسفيّ، يُمكننا الاهتداء إلىّ أنّ (هابرماس) قد حشد عُدته النقديَّة بُغية زعزعة مركزيَّة العقل الأداتي، هذّا النقد العدائيّ للعقل الأداتي تُوِّج وأفضى فيّ خُلاصته النهائيَّة إلى تخريج العقل التواصلي مكسباً للحداثة، وهو بصنيعه هذّا يُعد بحق الاسهام المـُميز له، ذلك أنّ فيلسوف نظريَّة الفعل التواصليّ ولئن نذر جُهده الفلسفيّ منّ أجل التأسيس فلسفياً للاندماج الاجتماعي في أُفُقٍ منّ المواطنة الموسوم بالكونيَّة والعالميَّة، فذلك يقتضيّ منه إرساء حقوق التواصل والمـُشاركة السياسيَّة القائمة علىّ فعاليَّة العلاقات التواصليَّة والممارسات التذواتيَّة، والتيّ تُشكِّل جميعاً فيّ أعين (هابرماس) النواة الصلبة للمواطنة9.

علىّ ضوء هذّه المـُستندات، يتضحُ لنا أنّ قراءة درس الفعل التواصليّ خيرُ سبيلٍ يُتيح لنا إمكانيَّة النفاذ الناجع إلىّ مشروع المواطنة عنده، ولعلنا بهذّا الإجراء نتمكّن منّ الولوج إلىّ مظانِها ودلالتها الثاويَّة فيّ مشروعه الفكريّ والفلسفيّ برمته، لذلك سنعملُ تحت هذّه اللائحة منّ خلال تتبع ولادة العقلانيَّة التواصليَّة كمخرجٍ منّ أزمة العقلانيَّة الأداتيَّة، إنّ مضمون هذّا التتبع هو معرفة كلّ سُلطة تسلبُ الإنسان حريته ووجوده وتُمارس عليه القهر والاقصاء، ومنّ ثمَّة يتبين لنا ههنا وكأن فيلسوفنا يُحاول جُهد المـُستطاع أنّ يُقدم لنا العقل التواصلي المـُوجه نحو التفاهم بينّ الذوات كنموذجٍ للتحرر وخدمةً للمُجتمع الكونيّ، عندما يكتب مثلا: "ما انهك هو نموذج فلسفة الوعي ولئن قُدر ذلك، كانّ لابد أن يتِم إخفاء أعراض الانتهاك منّ خلال الانتقال إلى نموذج التفاهم"10.

هذّه النقلة النوعيَّة، أيّ الانتقال منّ عقلٍ مُتمركزٍ حوّل الذات إلىّ عقلٍ تواصلي، تكشفُ لنا عنّ المسار الفكريّ الطويل لـ (هابرماس) فيّ رغبته الجامحة وسعييه الدؤوب إلىّ بناء منظومة منّ المواطنة تفسحُ المجال لواقع التعدد والتنوع الثقافيّ والهوياتيّ، وهو تعبيرٌ صريح عنّ رفض هذا الفيلسوف، القطعيّ والمطلق منّ تشيّيد مواطنة تستندُ علىّ أساس الاندماج القوميّ أو الهوية الوطنية، لضعف هذّا الأساس وبيانِ هشاشته، وفضَّل فيلسوفنا على خلاف ذلك، التعويل علىّ نموذج الاندماج الجمهوريّ، منّ هنا أمكننا تفهُّم جهده فيّ تعرية مفهوم المواطنة منّ طابعها الأداتيّ ومنحها بالمقابل ثوباً تداولياً، وهو المبتغى الأساسيّ وشُغله الشاغل الذيّ دفع بفيلسوف فرانكفورت للتساؤل عنّ ماهيَّة السياسَّة التشاوريَّةQu’est-ce que la politique délibérative? ، في كتابه العلامة (الاندماج الجمهوريّ) ( L’intégration Républicaine ) 11.

إنّ هذّا الأفق الفلسفيّ الذيّ انتهينا إليه يُحيلنا إلىّ أفقه الإشكاليّ الخاصّ لنتساءل: عنّ مدى فعاليَّة العقل التواصليّ فيّ إخراج الحداثة منّ أزمتها؟ هل سنشهد مع العقل التواصليّ استمراراً لآمال التنوير وطموحات الحداثة: عنّ التحرر والتقدم ... الخ؟ هل يسمكن العقل التواصليّ منّ خلق نسيج موحد بينّ المواطنين فيّ مُجتمع يمتازُ بالتنوع الثقافيّ والاثنيّ والعقديّ؟ ومنّ ثمَّة تحقيقاً لسياسة الاندماج ونبذاً لآفة التمركز والاقصاء؟

ثانياً: المواطنة والعقلانية التواصليَّة: منّ انسدادات الوعي إلى فتوحات التواصل

اهتدينا منّ الخطوة السابقة إلىّ أنّ الأطروحة التيّ ملكت علىّ فيلسوف فرانكفورت مركز تفكيره هيّ تحقيق مشروع المواطنة والعيش معاً، والذيّ مبناه التخليّ عنّ أُنموذج فلسفة الوعيّ والذات وتبنيّ أُنموذج التواصل والتذّوات، ولشدَّة ما أصَّر عليه فيلسوف التواصليَّة طَفَقَ يُبرهن أنّ العقلانيَّة الأصيلة هيّ العقلانيَّة التيّ تَتَطلَعُ إلىّ تحقيق قيم الانفتاح ومشاركة الآخر، أو قُل تتطلع إلىّ تحقيق القيم الكونيَّة، وسعياً منه إلىّ الاستنهاض بهذّا البرنامج، وجه (هابرماس) جهده الفكريّ لبناء مُجتمع تواصليّ – تشاوريّ، يقوم علىّ الاختلاف والتنوع والتعدد منّ جهة، وعلىّ التسامح والتعايش والاعتراف منّ جهةٍ أخرى، مهما تباينتْ المرجعيات والروافد الثقافيَّة والحمولات الدينيَّة والعقديَّة، ويُمكّن تحقيق ذلك فيّ أعين (هابرماس)، إذّ ما قدمنا نموذجاً للعقل "يتجاوز العقلانيَّة الغربيَّة التيّ أعطت أولويَّة مُطلقة للعقل الغائي والتيّ تهدف إلىّ تحقيق مصالح وغايات معينة، فهذّا العقل يُبنى علىّ فعل خلاق يقوم علىّ الاتفاق وبعيداً عنّ الضغط والتعسف وهدفه بلورة إجماع يُعبر عنّ المساواة داخل فضاء عام ينتزعُ فيه الفرد جانباً منّ ذاتيته ويُدمجها فيّ المجهود الجماعيّ الذيّ يقوم بالتفاهم والتواصل العقليّ"12.

علىّ ضوء هذّه المقاربة الجديدة، استهدى فيلسوف فرانكفورت (يورغن هابرماس)، إلىّ حلٍ يكّمن فيّ البحث عنّ فضاء عقلانيّ - كونيّ يضُمُ فيّ كنفه الجميع ولا يُقصيّ أحد، بغضّ النظّر عنّ لونه أو عرقه أو مُعتقده، وكله يُوحيّ بارتباط النقد الهابرماسيّ ببرنامجٍ بناءٍ، يسعىّ منّ خلاله إلىّ الإفصاح عنّ الوجه المسكوت أو المـُغيب عنه فيّ مشروع الحداثة، والمـُتمثّل فيّ فلسفة التواصل، ولسنا بحاجةٍ ههنا والحالة هته إلىّ التذكير، أنّ إعادة بناء مشروع الحداثة والعقلانيَّة الغربيَّة كانّ الهَّم الاشكاليّ الذيّ لاحق (هابرماس) طيلة مساره الفكريّ والفلسفيّ، قناعةً وإيماناً منه علىّ قدرته النموذجيَّة فيّ "توسيع المشروع غير المكتمل للعقل الحديث، عنّ طريق فتح هذّا العقل علىّ أبعاد ظلت إلىّ الآن مجهولة، وهيّ أبعاد الفعل التواصليّ، التيّ يستخلص (هابرماس) مُفترضاتها المعياريَّة ومعايير صلاحيتها انطلاقاً منّ براغماتيَّة اللغة المـُتداولة بينّ الذوات الفاعلة"13.

ارتباطاً بهذّا الجُهد الفكريّ، يتضحُ لنا نُزوع (هابرماس) نحو تجاوز التصنيفات المحدودة والضيقة وفيّ سعيه الحثيث لإيجاد مفهوم آخر للعقل، بإمكانه أنّ يُؤديّ نفس الدور المنوط بـ (العقل العمليّ) (La Raison Pratique )، ولكنّ طبعاً بعد تخليصه منّ السُمعة المتعاليَّة والترنسندنتاليَّة التيّ وسَمَهَا وألحقَها به (كانط)14.   

ومما سبق ذكره، غدا الآن واضحاً نوايا (هابرماس) الأساسيَّة كما يتضح لنا ذلك فيّ جلّ أعماله وخاصَّةً في مصنفه العمدة (نظريَّة الفعل التواصلي)، فيّ ضرورة الانتقال منّ العقلانيَّة الأداتيَّة إلىّ عقلانيَّة أخرى، وهو نفس الحراك الفلسفيّ الذيّ صرح به فيلسوف فرانكفورت فيّ أكثر منّ مُناسبة، بيد أنّ ما يُمثِّل نموذجاً لهذّه العقلانيَّة الجديدة (التواصليَّة)، ليس فيّ تلك العلاقة الأداتيَّة والغائيَّة التيّ نجدها عند أصحاب الاتجاه الوضعيّ والفلسفات العلمويَّة scientisme، وإنّما فيّ العلاقة التذواتيَّة La Relation Intersubjectivité، التيّ يُمارسها الناس بًغيَّة بلوغ الاتفاق والتفاهم حوّل مسألة أو قضيَّة ما موضع النزاع والجدال والنقاش تخصّ الشأن العام15.

فيّ هذّا الإطار بالذّات، يُمكننا -وبالاستناد إلىّ القراءة التيّ قدمها المفكر الكنديّ (بيارن مالكفيك) (Bjarne Melkevik في دراسته الرائعة الموسومة بـ (الحق والفعل التواصليّ: التفكير مع هابرماس)  - ( Droit et Agir communicationnel : penser avec Habermas ) منّ رسم الخطوط الكبرى لأربعة أنواع للفعل العقلانيّ، حيث يُميز (هابرماس) ههنا حسب هذّا المفكر بينّ:

1-الفعل الغائيّ   L’agir Téléologique: الذيّ يندرج ضمن العلاقة بينّ الذات والعالم الموضوعيّ، أينّ يكون النموذج فيّ هذّا النمط منّ الفعل، هو المعيار العلميّ scientifique، بحيث يكون الهدف المتوخىّ منّ هذّا الفعل هو انتاج خطاب اقتراحي في شأن هذا الموضوع16.

2- الفعل المضبوط بواسطة معايير L’agir régulé par des normes : للوقوف علىّ دلالة هذّا النمط منّ الفعل، نستحضر تعريف )هابرماس(: "يُمكننا تعريف الفعل الخاضع لمعايير كمفهوم يفترض وجود عالميّن: العالم الموضوعيّ le monde objectif والعالم الاجتماعيّ le monde social"17، ومنّ ثمَّة فإنَّ هذا النمط منّ الفعل، هو نمط العلاقة المضبوطة بمعايير بينّ العالم الموضوعيّ والعالم الاجتماعيّ، علماً أنّ هذّا الأخير –العالم الاجتماعيّ- يتكّون منّ سياق معياريّ  un contexte normatif الذيّ يُحدد طبيعة التفاعلات la nature des interactions المـُنتميَّة إلىّ مدونة منّ العلاقات ) البينــ - شخصيَّة( ) Inter-personnelles ( المبررة، وعلىّ ضوء ذلك، يُمكننا تعريف هذه العلاقة بينّ الفعل والعالم الاجتماعيّ، علىّ أنها اتفاق واعتراف بوجود معايير تضبظ هذه العلاقة، والتي تتمحور حوّل )الصحة المعياريَّة( ) justesse normative) أو (المشروعيَّة المعياريَّة)  légitimité normative )18.

3- الفعل الدراميّ L’agir dramatique: يتحدد هذّا النمط منّ الفعل عبر العلاقة بينّ الذّات un sujet والعالم الذاتيّ un monde subjectif، فالذّات ههنا تُمثّل عالماً ذاتياً أمام مُتلقين ومستمعين مُكونين منّ ذوات أخرى، غير أنّ لا يُفهَّم ههنا (العالم الذاتيّ) إلاّ بوصفه  عالم (كليَّة التجارب الذاتيَّة) ( La Totalité des expériences subjectives )، وهيّ التجارب التيّ يُمكّن أنّ تلج إليها الذّات بصورةٍ إمتيازيَّة: منّ عواطف وأفكار ومشاعر ...، والتيّ تفصح وتُعتبر عنها الذّات وتقدمها للآخرين، ويُمكننا الحكم عنّ هذّه العلاقة انطلاقاً منّ صدق امتثال الذّات إلى ملفوظاتها19.

4-الفعل التواصليّ  L’agir communicationnel: إنّ أهم ما يُميز الفعل التواصليّ كوّنه يرتبط ويشمل كلّ أنماط الفعل التيّ قمنا بذكرها ههنا، فضلاً عنّ ذلك، فالفعل التواصليّ خلافاً لتلك الأنماط منّ الفعل نجدهُ ينشُد التفاهم والتذّوات والاجماع أفقاً له عبر وسيط اللغة مع غلبة أقوى حُجة أثناء النقاش فيّ قضايا الشأن العام، لنستمع إلىّ قوّل (هابرماس): "إنّ مفهوم العقلانيَّة التواصليَّة مليئة بمعانٍ مرتبطة فيّ النهاية بالتجربة المركزيَّة بالخطاب المتمركز علىّ حجج، والقادرة علىّ استثارة موافقة دون إكراه وخلق إجماع، بواسطة هذّا الخطاب يتجاوز المتحاورون الذاتيَّة الأصليّة لمفاهيمهم، وبفضل قناعاتهم المـُبررة عقلانياً هم يضمنون فيّ آنٍ واحد العالم الموضوعيّ والبينذاتيّ لحياتهم"20.

مما سبق، ولئن قُدر أنّ يكون همّ فلسفة (هابرماس) الأوّل والأخير هو المطابقة بينّ العقلانيَّة والتواصل، فصيّرتهُمَا مبحثاً واحداً (العقلانيَّة التواصليَّة)، فقد اقتضى منه ذلك، أنّ ينحرف بالعقلانيَّة منّ حيز النظر الأداتيّ إلىّ مقام التأسيس التواصليّ، لذلك فقد لا نأتيّ بجديد إنّ قلنا، إنّ أهميَّة هذّا الفيلسوف تتجلى فيّ قدرته علىّ تأسيس عقلانيَّة  تواصليَّة - كونيَّة تُراهن فيّ زمن التشظيّ والتشذرم والعنف والصراع علىّ التسامح والاندماج والتلاقيّ والتقارب، فيّ أفق منّ المواطنة والعيش معاً، ومنّ ثمة القضاء علىّ جميع التصنيفات والتفاوتات الضيقة: الإثنيَّة والعقديَّة والثقافيَّة والجغرافيَّة...الخ، وذلك تماشياً مع غرضّ فيلسوف التواصليَّة الأساسيّ فيّ "بلورة مفهوم المواطنة الديمقراطيَّة المبنيَّة علىّ القانون فيّ مُقابل المفهوم القوميّ أو العرقيّ للمواطنة، أيّ التماهيّ مع أمة قوميَّة تجمعها قيم جماعيَّة مشتركة" 21.

ومهما يكُّن منّ حالٍ، فإنّ ما يُحرك خلفيَّة هذا الفيلسوف الألماني، هيّ رغبته الجامحة فيّ إخراج المواطنة منّ خندقها الضيق أينَّ كانّ يُنظَّرُ إليها حسبَ الوجود الجغرافيّ أو اللغويّ أو القوميّ أو العقديّ، إلىّ نظرةٍ تتبصَّرُ فيّ المفهوم كفعلٍ إنسانيّ قادرٍ علىّ تحقيق التوافق والتعايش والاندماج الاجتماعيّ، وتُؤسِسُ لثقافة التشاور والحوار والتفاهم بينّ أفراد مُجتمع مُتعدد الأجناس والثقافات، منّ ثمة، فـ "لم تعد عناصر اللغة والدين والانتماء الاثني أو الاقوامي هي التي تشكل في نظره –هابرماس- أساسا للاندماج الجمعي، وإنما الدوافع المشتركة وديناميكية التفاعل والتفاهم التي تقرب بين الافراد والشعوب معا، فهذا الشكل من الاندماج الاجتماعي والسياسي القائم على مبادئ دستورية ومدنية خالصة ولس على انتماءات أقوامية أو لغوية أو دينية خاصة هو الوحيد القادر في نظر هابرماس على خلق شعور بالتضامن بين أعضاء مجتمع أصبح بالغ التعقيد"22.

منّ جهةٍ أخرى، ولئن قُدر بحسب القراءة الفلسفيَّة لـ (هابرماسْ)، أنّ يتحدّد مفهوم (المواطنة) لمدةٍ طويلة معنىّ الانتماء إلى دولة قوميَة، فإنّه لم يتطور إلاَّ مع العصر الحديث انطلاقا منّ الجهود الفلسفيَّة والسياسيَّة التيّ بذلها كلّ منّ (روسو) و (كانط) منّ خلال فكرة العموميَّة وسيادة الشعب، ليغدو مفهوم المواطنة توصيفاً علىّ معنى وضعْ مواطن له حقوق المواطنين، لذلكَ لا نجدُ اليوم تعبير (المواطنة) لوصف العُضوية في مُنظَّمة رسميَّة، بلْ إنها فيّ أعين (هابرماس)، لوصف الوضعْ الذّي يُحدَّد من حيثُ المضمون بواسطة الحقوق والواجباتْ التّي لمواطني الدولة23.   

ومنّ ثمَّة، يجوز القوّل أنّ فيلسوف فرانكفورت كانّ فيّ جملة قليلة منّ الفلاسفة المؤمنون بأنّ "المعيار الأساسيّ للديمقراطيَّة (المواطنيَّة) ليس هو انغراسها في هوية قوميَّة، وإنما إنبناؤها علىّ أساس التعاقد الحر بينّ أفراد يُنظمون حياتهم الجماعيَّة علىّ قواعد تنظيميَّة إجرائيَّة تضمنُ العدل فيّ ما بينهم، وإذّ كانَّ هذّا النموذج قد ارتبط تاريخياً بشكل الدولة القوميَّة، فإنَّه اليوم يسيرُ فيّ اتجاه المواطنة الدستوريَّة التيّ تنسجمُ مع فكرة الشراكة الكونيَّة العابرة للحدود السياسيَّة الوطنيَّة (...) تضبطها قواعد وأخلاقيات الضيافة الانسانيَّة المفتوحة"24.  

إنّ الهّم الإشكاليّ الذيّ ننتهيّ إليه فيّ هذّا المقام، يُمكننا طرحه علىّ النحو الآتيّ: إلىّ أيّ مدى يُمكّن البرنامج الأخلاقيّ لـ (إيتيقا المناقشة) ( Ethique de la Discussion ) منّ تحقيق سياسَّة الاندماج والتعايش والتفاعلّ الاجتماعيّ، فيّ مُجتمعٍ  تنوعيّ وتعدديّ؟

ثالثاً: المواطنة وأيتيقا المناقشة: منّ مآزق الإقصاء إلىّ آفاق الاندماج

لقد باتَّ منّ الواضح الآن نوايا (هابرماس) ومقاصده الأساسيَّة في ارساء قواعد اتيقيَّة ودعامات أخلاقيَّة لتواصلٍ ناجحٍ وسليم، ونظراً لذلك، يأتي برنامج (أخلاقيات المُناقشة) (Ethique de la discussion)، كشرط أساسيّ لتقعيد التواصل البينذّاتيّ الذيّ يُمكننا منّ تحقيق الاتفاق والاجماع ونبذاً لآفة الفرقة والإقصاء، وحقيقٌ بالذكر ههنا، أنّ هذّه المرحلة منّ فلسفة (هابرماس)، وتحديداً مع مطلع التسعينات (1992) –علىّ خلاف سابقتها- اتسَّمت بالتعريج علىّ الخطاب الأخلاقيّ، وهو الخطاب الذّي افتقدته مؤلفاته الأولى وغاب عنها، كما تميزت أيضاً، بإعادة قراءة  نقديَّة للأخلاق الكانطيَّة، وجعلها أكثر راهنيَّة منّ خلال تحريرها منّ أُنموذج الذّات والوعيّ وإلباسها ثوباً تداولياً تواصلياً، فمنّ المعلوم أنّ الذّات في منظومة (كانط) الأخلاقيَّة، هي منّ يصوغ الأوامر والأحكام بشكل قطعيّ ونهائيّ وما تراه في أعينها خادماً للإنسانيَّة جمعاء، في حين تقوم مُقاربة (هابرماس) الأخلاقيَّة في مدونته الفلسفيَّة، علىّ أخلاق التواصل والتذوات، مع الحفاظ علىّ المنحى العام لأطروحة (كانط) الأخلاقيَّة في بُعدها الكونيّ25، ميزة أخرىّ، نلمحها في برنامج أخلاقيات التواصل والنقاش، كونها تتميز ببعدها الإجرائي / التطبيقيّ/ العمليّ وليس بالمفهوم النظريّ/ التأمليّ / القديم والكلاسيكي، إذّ سيرى برنامجه الأخلاقي فعاليَّة تطبيقاته في النقاش والحجاج داخل الممارسات الديمقراطيَّة والفضاء العام، ومجتمعات ما بعد العلمانيَّة، وهو الإجراء الذيّ يسميه فيلسوفنا ويصطلح عليه بــ (اجراءات المُحاجَّة) (Procédures de l’argumentation ) 26، منّ هنا تغدو اجراءات المـُحاجَّة في برنامج ايتيقا المناقشة، "شكلاً منّ أشكال التحرر منّ التشويه والوقايَّة منه، وتهدف إلىّ إبانة شكل التأسيس البينذّاتي، أو العقلي للمعايير الأخلاقيَّة المـُختلفة"27.

تأسيساً علىّ ما سبق، تتضح لنا أنَّه منّ بين القضايا أو الأطروحات الرئيسة التي يسعى (هابرماس) الدفاع عنها في مشروعه الفكريّ والفلسفيّ، نجد تلك الأطروحة المـُتمثلة في دعوته إلى الإقرار بـ (أخلاقيات النقاش)، وبالفعل لقد وجد فيلسوف العقلانية التواصلية في برنامج أخلاقيات التواصل "القدرات العامة والقبليَّة المطلوبة لأداء ناجح لأفعال الكلام في الممارسة التواصليَّة، وذلك يزود الفاعلين بأساس لنقد الأيديولوجيات والهيمنات، التيّ قد تنتج عنها، ومنه تصيب التواصل بالتشويه"28.

منّ هنا، فإنّ برنامج (ايتيقا المناقشة) يتلاءم مع مشروع (هابرماس) الفلسفيّ، الذّي رسم معالمه ذو طموح مواطنة كونيَّة، بل وتُعد الدعامة الرئيسة التيّ يقوم عليها ذلك المشروع، لجهة أنها تسمح بخلق نقاش مُؤسس بشكل عقلانيّ وكونيّ، نقاشٌ قد يحدث بينّ أطراف ينتمون إلىّ تقاليد وموروثات ثقافيَّة مختلفة، تربطهم قيم مُشتركة مُوحدة، وبطبيعة الحال، فكلّ واحد ولا شك، سيقدم مقاربات وحجج مُختلفة ومُتباينة، بتباين قناعاته الثقافيَّة ومُنطلقاته الفكريَّة ومرجعاته الدينيَّة والعقديَّة، بيد أنه ولئن كانَّ (هابرماس) يسعى ههنا إلىّ دمج وصهر تلك الاختلافات في نقاش عقلاني مُوحد، فإنَّ كلّ خطاب أو ملفوظ يخضعُ إلزاماً لقواعد مُحددة لينال مصداقيته وشرعيته وحتىّ لا يغدو النقاش والحوار عشوائيا، "تقترح نظرية الفاعلية التواصليَّة تناول الحقيقة كسيرورة لتبادل الحجج تتم حسب افتراض يتعلق بقيام اتفاق جماعي، وهو افتراض موجود في بنية اللغة نفسها، تلك هي أخلاق المناقشة، وبكلمةٍ واحدة هيّ الحقيقة التي لا يُمكن اعتبارها اتفاقاً بين ملفوظ وموضوع فحسب، يجب فهمها كـ (مصداقيَّة)، أي كشكل لخطاب ملزم بمتطلبات الصلاحيَّة"29.

ومنّ ثمة، استهدى فيلسوف التواصليَّة في مُقاربته لإشكاليَّة (اتيقا المناقشة)، إلىّ مبدأين أساسيّين:

1- مبدأ المناقشة (D) le principe de la discussion، وهو المبدأ الذيّ نجده يُقر بـ (صلاحيَّة المعايير الأخلاقيَّة) ( la validation des normes morales )، انطلاقاً منّ اتفاق شركاء الحوار حولها منّ خلال ممارسة التشاور والتداول والحجاج. 2- مبدأ الكونيَّة (U) le principe universel، و(هابرماس) حين يتحدث ههنا، عن (مبدأ الكونيَّة)، فهو يتحدث عنّ اتفاق مشترك واعتراف مُتبادل منّ قبل الجميع علىّ صلاحيَّة الحجج والبراهين المستخدمة في الحوار والنقاش أثناء التذوات التواصليّ إيماناً منه بالقيم المشكلة للمواطن العالميّ، وهي الاستراتيجيَّة التي اتبعها فيلسوفنا في دعوة كلّ شخصّ قادر علىّ الفهم والكلام والفعل للانخراط داخل أجواء الحوار والمـُساهمة في اثراء النقاش حوَّل قضايا الشأن العام، مهما اختلفت روافده الفكريَّة وتباينت حمولاته الثقافيَّة وخلفيته العقديَّة، شريطة الاحتكام إلىّ قاعدة عقلانيَّة - كونيَّة في عمليَّة المـُحـــــاجَّة   règle universelle d’argumentation30.

وبالجملة، لقد كانّ لبرنامج اخلاق النقاش الأثر الأكبر في الدعوة إلى مواطنة كونيَّة تتجاوز الحدود الضيقة للأساس القوميّ والعقديّ الاثنيّ، ويُمكن أنّ تعزى هاته الدعوة إلىّ الكونيَّة منّ طرف فيلسوفنا إلىّ عقلانيته التواصليَّة، والتيّ هيّ ولئنّ رامتْ إلىّ تجديد مشروع الحداثة الغربيَّة وإعادة بناء التراث القيميّ لبرنامج الأنوار، فلنّ يكونّ ذلك المطلبُ مُتحققاً، إلاَّ منّ خلال المـُروق عنّ التصور الضيق للعقلانيَّة الأداتيَّة إلىّ تصورٍ آخر أوسع وأفسح، هو التصور العالميّ أو الكونيّ، عنّ هذّه النقطة بالذّات، يسوق لنا (هابرماس) نصاً فيّ كتابه (أيتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة)L’éthique de la discussion et la question de la vérité )، يقول فيه: "لقد حاولت في إطار نظريَّة الفعل التواصليّ إرساء معقوليَّة سلوكيَّة، مفادها أنّ شخصاً مُعيناً ومهما يكن محيطه الاجتماعيّ ولغته وشكل حياته الثقافيَّة، فإنّه ليس بمقدوره عدم الانخراط داخل المُمارسة التواصليَّة، ومنّ ثمة لن يكون في مقدوره كمحصلة أنّ لا يُبدي اهتماماً ببعض الافتراضات التداوليَّة نعتقد بأنها ذات منحى عام"31 ، كقضايا الهجرة، والعولمة، وحقوق الانسان، ومسألة الهويات ..الخ. 

لقد وُجه لمشروع هذا الفيلسوف الكثير منّ الانتقادات وردود الأفعال، وهيّ النقود التيّ شككَّت فيّ تجسيد برنامج أخلاقيات  المناقشة علىّ أرض الواقع بوصفها ذات طبيعة مثاليَّة وطوباويَّة، وفيّ قدرتها ونجاعتها علىّ ضمان نقاش عقلانيّ بينّ أفراد ذويّ روافد ومرجعيات مُختلفة، أو ما تعلق بقصور النموذج اللغويّ فيّ تحقيق الاندماج والتفاعل الاجتماعيّ، وعنّ هذّه النقطة بالذّات، يُعلق  (أكسيل هونيث) (Axel Honnête ) ، فيّ سياق نقده لـ (هابرماس) قائلاً أنّه: "لا يصِّحُ اختزال هذّه العلاقات فيّ عمليَّة التواصل اللغويّ، لأنّ ذلكَ سيحجبُ عنا حقيقة الحياة الاجتماعيَّة وطبيعة الصراعات والنزاعات التيّ تحدث علىّ المستويات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والأخلاقيَّة أيضاً، وذلك لأنَّ: علاقات التواصل الاجتماعيّ أوسع بكثير منّ العلاقات التيّ تتمُ داخل إطار التواصل اللغويّ وما تحققه العمليات اللغويَّة للتفاعل (...) ولهذّا السبب كانّ منّ الخطأ اختزال عمليات التفاعل الاجتماعي وعلاقات التواصل في البعد الضيق للتفاهم اللغويّ"32.

كذلك إنَّ ما يُعاب عنّ أطروحة (هابرماس)، هيّ وإنّ ادعت لنفسِهَا جنساً منّ التشاور العقلانيّ الموسُوم بالكونيَّة، فإنّ هذا الفيلسوف لم يبذل أيَّ جُهدٍ للحديث عنّ المـُجتمعات غير الغربيَّة إلاّ فيّ مناسبات قليلة ونادرة، ومنّ ثمّة، فهو ولئنّ نذر جهده الفكريّ لتقويض المركزيَّة الغربيَّة فإنّه قد بقي سجيناً لأيديولوجيتها، لذلك حقٌ علينا أنّ نقوم بطرح النقد ذاته الذيّ وجهَهُ بعضُّ المفكرين والدراسين لـ (هابرماس) فيّ شأن هذّا الموضُوع، ومنهم الباحث (عادل البلوانيّ) إذّ يقول فيّ هذّا الصدد: "إنّ (هابرماس) لم يظهر في يوم ما اهتماما كبيرا بمجتمعات غير المجتمعات الغربية، فجل كتاباته تزكي هذا الطرح، إذّ لا نكاد نلمس خروجا عنّ هذه القاعدة إلاّ لماماً، وفي سياقات محددة وبشكل فضفاض وعام، وذلك من قبيل حديثه عن العولمة وعلى بلدان العالم الثالث والبلدان الفقيرة، أو عنّ الأصوليات الدينية ومشاكل الارهاب الدولي"33.

خاتمة

بعد هذّه الجولة الفكريَّة يُمكننا الانتهاء إلىّ القوّل، أنّ الهاجس الأساسيّ الذي مكّن منّ تفكير (هابرماس) منذ أولى مؤلفاته إلىّ آخرها، هو التساؤل عنّ النهّج الذيّ بمقتضاه يصيّرُ فعلُ التعايش والاندماج الاجتماعيّ أمراً مُمكناً فيّ أُفقٍ منّ المواطنة الموسُومِ بالكونيَّة والعالميَّة، وفعلاً فقد انبرىّ فيلسوف التواصليَّة إلىّ تجاوز النموذج القديم لـ (المواطنة) استجابةً لشروط فلسفته التواصليَّة ومبدأه فيّ أيتيقا الخطاب والمناقشة، وتبعاً لذلك، نذر (هابرماس) جهده الفكريّ والفلسفيّ منّ أجل الاستنهاض بهذّا المفهوم منّ مرتبة القوميَّة، التيّ يتحدد فيها دلالة المفهوم بحسب الانتماء إلى الرقعة الجغرافيَّة أو محل السكن والإقامة أو للاعتبارات الأثنية والعقديَّة، إلىّ مرتبة الكونيَّة والعالميَّة أين يغدوا الجميع مواطنين يتمتعون بحقوق مُتساويَّة مهمَا اختلفت حمولاتهم الثقافيَّة وتباينت مرجعياتهم  وروافدهم العقديَّة، وهو تعبيرٌ عنّ هوس فيلسوفنا فيّ المسعىّ الذّي كانّ يتوق إلىّ بلوغه في تخريج المواطنة منّ دائرة استخدامات فلسفة الوعي والذّات وإعطائها صُبغةً تذواتيَّة وتداوليَّة تضم الجميع في كنفها منّ أبناء العالم.

وقد ترتب علىّ هذّه الخلاصة العامة العديدُ منّ النتائج نذكرها توالياً:

أولاً- لقد وضع (هابرماس) علىّ عاتقه مُهِمَّة استكمال مشروع الحداثة، ضد الأطروحة المـُعارضة لها، فعوضَّ الدعوة إلىّ تجاوز الأنوار والحداثة، آثر (هابرماس) الاضطلاع بمسؤوليَّة الدفاع عنها، فالحداثة ليست توصيفاً عنّ التشيؤ والاغتراب فقط، بل هيّ أيضاً إمكانيات للانفتاح والتحرر والتعايش، ويمكننا القوّل ههنا، أنّ فيلسوف العقلانيَّة التواصليَّة يعقد آماله علىّ برنامج المواطنة الكونيَّة منّ أجل التأسيس لمجتمعٍ حداثيّ يستندُ على مبدأ الديمقراطيَّة ويحترم حقوق الانسان، ويسمح بتشكيل فضاء للتنوع والتعدد الديني والثقافيّ والسياسيّ، ومنّ ثمة ينفتح مشروع الحداثة الغربيَّة علىّ آفاقٍ جديدة فيّ إطار التحديث المتواصل لمشروع الحداثة غير المستنفذ، بل واستئنافاً له.

ثانيا: سعى (هابرماس) إلىّ إخراج مشروع الحداثة والعقلانيَّة الغربيَّة منّ أزمتها الضيقة، منّ خلال  (فلسفة التواصل)، في الكتاب الذّي أنشأهُ عام 1981 في جزئيين، يتوسّل منّ وراء هذّه الفلسفة الجديدة توحيد عالمٍ أفلت كلّ مرجعاته وفقد جميع نُظمه الأخلاقيَّة والميتافيزيقيَّة، وهو بذلك يكون قد أحدث انقلاباً فلسفياً كانّ منّ أهم ما أنبنىّ عليّه القوّل بـ (العقلانيَّة التواصليَّة)، والتيّ ترميّ إلىّ إقامة حوار نقديّ كونيّ يحدث بينّ أطراف ينتمون إلىّ تقاليد ومواريث ثقافيَّة مُختلفة عبر تقويض مركزيَّة الوعي والذّات وإحلال مكانها التواصل والتذّوات، ومنه فنحن أمام مُقاربة جديدة تتبصَّر في مفهوم جديد للمواطنة يتماشى والتحولات التي يشهدها الخطاب السياسيّ الحداثيّ لدولة الحق والديمقراطيَّة والقانون.

ثالثاً-منّ الأطروحات الأساسيَّة التيّ يُنافح عنها (هابرماس)، نجد تلك التيّ تتعلق بضبط التواصل والنقاش بأطر وقواعد أخلاقيَّة، ومنّ أجل هذه الغاية وضع برنامج (أيتيقا المُناقشة)، يكّبُ علىّ تفحصّ تجنيب النقاش منّ الانزلاق نحو القوة والعنف وتقليصاً لمسافات النزاع والصراع بينّ المشاركين، ومنّ ثمة تعزيزاً لإستراتيجيَّة التعايش والاندماج بينهم في إطار نقاش عموميّ مفتوح للجميع داخل نسيج منظومة المواطنة الكونيَّة.

وأخيراً يُمكننا القوّل، أنّ مُقاربة فيلسوف التواصليَّة لموضوع المواطنة الكونيَّة في وقتنا الراهن، لها أهميتها في مُجتمعاتنا العربيَّة، ولئنّ كانتْ هذّه الدراسة لا تسعى إلى تقديم فيلسوف التواصليَّة إلىّ القارئ العربيّ إذّ إنَّ بحثاً كهذّا أضحى فيّ جُملة النوافل بحكم طبيعة الحضور الفريد والمـُكثف والقويّ الذيّ حققته فلسفة (هابرماس) فيّ الوطن العربيّ؛ تأليفاً وترجمةً، أو قاموساً ومواقفاً، فإنَّ ما نحتاج إليه فيّ وقتنا الحاليّ هو التفكير فيّما تطرحه علينا الفلسفة التواصليَّة منّ آليات مفاهيميَّة وإشكاليَّة وفكريَّة تحملنا علىّ إعادة بناء الكثير منّ مفاهيمنا التيّ يعجُ بها وعينا الثقافيّ ومشهدنا الاجتماعيّ والسياسيّ.

 ثمّ إنّ فيّ مُصنفات مُمثل الجيل الثانيّ لمدرسة فرانكفورت  النقديَّة تمرينٌ صعب علىّ الحوار والتشاور والتواصل وآداب النقاش يحتاجه الفكر العربيّ لبناء فضاء ديمقراطيّ حداثيّ مواطناتيّ قائمٌ علىّ التسامح والتآخي لا العنف والصراع، كما أننا نجدُ في تضاعيف كُتب هذّا الفيلسوف اختبار عقلانيّ لتأسيس ثقافة المواطنة والتعايش الاجتماعيّ، وهيّ ثقافة يحتاجها العالم العربيّ خاصَّة فيّ وقتنا الحاليّ، لكونها تسمحُ بحضور جميع الأطياف العقديَّة والهوياتيَّة للنقاش فيّ قضايا الشأن العام بعيداً عنّ آليات التصادم والتقاتل ممَّا يُسهِل منّ عمليَّة تبني ديناميات الاندماج والتفاعل الاجتماعيّ وتماسك وحداته.

 وإضافةً إلىّ ذلك، فإنّ الاحتكام إلىّ جُرأة هذّا الفيلسوف فيّ تناوله لإشكالات راهنة، مُستعصيَّة وصعبة، وفيّ قُدرته العجيبة علىّ ربط الفكر بالواقع والوعيّ بالراهن، منّ شأنه أنّ يُحفز الفكر العربيّ بجرأةٍ وشجاعة علىّ الخوضِ فيّ مغامرة التساؤل والتفكير والنقد، وهيّ مغامرة  نعتقد أنَّ بإمكانها أنّ تُسعف الفكر العربيّ  علىّ تحريك عاطفته الفكريَّة واستفزازه سؤاله الفلسفيّ ، الأمر الذيّ يُسهِّم فيّ بلورة فهمٍ معقول لواقعه العربيّ المعاصر وما يطرحه ذلك الواقع منّ مواقف وتناقضات واشكالات

الهوامش

1.مما يُحسن الإشارة إليه في مدار هذّا الموقف، أنّ دفاع (هابرماس) عنّ الحداثة بوصفها مشروعاً لم يكتمل، ليس نابعٌ منّ تأمل نظري مُنفصِلٌ عنّ مقتضاه التاريخيّ وعنّ راهنه الفكريّ والثقافي، بل إنه تعبيرٌ عنّ هوس فيلسوف التواصليَّة بالمآل المـُقلق والتراجيديّ الذيّ انتهى إليه مشروع الأنوار والحداثة، ومنّ ثمة، فقد أطل هذا الفيلسوف علىّ أزمة الحداثة منّ منبرٍ فلسفيّ واستند فيّ ذلك ببصيرةٍ فلسفيَّة ساعده بها اطلاعه الموسوعيّ والشامل لمتون الفكر الفلسفي ونصوصه التيّ تناولت سُؤال الحداثة بالتحليل والنقد، منّ (كانط) إلىّ (هيغل) إلىّ (فوكو) مروراً بـ (نيتشه) و(هوركهايمر) و(أدورنو) و(هيدغر) و(ديريدا) و(باطاي)، وهو ما يتضحُ لنا في كتابه العمدة (القول الفلسفيّ للحداثة)، وعلى العموم فإنّ ما يود  رسمه لنا (هابرماس) عبر المئات منّ صفحات ذلك الكتاب، لوحة الحداثة في مسالكها العريضة ومساراتها المتشعبة، "هذّه الحركة الفكريَّة التي انطلقت بكيفيَّة منّ الكيفيات مع (كانط)، ثم غدت أمراً مُلحاً مع (هيغل) وصولاً إلىّ (نيتشه)، الذيّ انخرط بدوره في أحداث هذه القصة عنّ طريق نقده الجذري للعقلانيَّة، بعد (نيتشه) وتحديداً مع مطلع القرن العشرين، تبلور اتجاهان نقديان: مثل أحدهما نظريَّة للسُلطة منّ خلال أعمال (فوكو)، والثانيّ تمثل في نقد الميتافيزيقا وقد قاده كُلّ منّ (هيدغر) و(ديريدا)". - نقلاً عنّ: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة وانتقاداتها، نقد الحداثة من منظور غربي، الطبعة الأولى، دار توقبال للنشر، المغرب، 2006، ص93.

منّ جهتنا نعتقد أنّ هذّا السجال الفكريّ الشامل، هو ما يُعطيّ لمقاربة (هابرماس) قيمتها الفكريَّة، إذّ أنها تُدرج بقارئها فيّ مسار الحداثة لتأخذ منه أجوبةً عنّ أسئلتها القلقة، كما أنَّه دفاعه عنّ الحداثة كانّ منّ أحد الثوابت الفكريَّة التيّ تمسك بها طيلة مسيرته الفلسفيَّة، ثم إنّ الناظر إلىّ جُلّ أعمال (هابرماس)، يلحظُ أنَّه يستدعيّ جميع المرجعيات والأطاريح الفكريَّة في بناء مشروعه الفلسفيّ وينفتحُ عليها، بقدر ما تتبدى له أنها تُمثل منبعاً مُنتجاً ومصدراً خصيباً ويُشكل منّ تناقضاتها وحدةً، وهذّا منّ بينّ أهم خصائص فلسفته التواصليَّة.

2.ابراهيم عبد الله، المركزية الغربية إشكاليَّة التكوّن والتمركز حوّل الذَّات، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب، 1997، ص13.

3.المـُختار بنعبدلاوي، هابرماس منّ الحداثة إلىّ الديمقراطيَّة، مجلة رهانات، تصدر عنّ مركز الدراسات والأبحاث الإنسانيَّة، الدار البيضاء – المغرب، العدد الثالث، 2007، ص4.

4.محمد سبيلا، هابرماس دفاعاً عن الحداثة والعقل، ضمن كتاب، يورغن هابرماس العقلانيَّة التواصليَّة في ظل الرهان الايتيقي في نقد العلموي والديني والسياسي، تحرير واشراف الناصر عبد اللاوي، الطبعة الاولى، ابن نديم للنشر والتوزيع ، دار الروافد الثقافيَّة –ناشروت، الجزائر- لبنان، 2013، ص24.

5.علي عبود المحمداوي، الإشكاليَّة السياسيَّة للحداثة، هابرماس أنموذجاً، الطبعة الأولى، الدار العربية للعلوم ناشرون- منشورات الاختلاف، لبنان –الجزائر، 2011، ص116.

6.محمد سبيلا، مرجع سابق، ص 19.

7.هابرماس يورغن، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، (د ط)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق –سوريا، 1995، ص16.

8.Jürgen, Habermas. (1987), Théorie de l’agir communicationnel, Rationalité de l’agir et rationalisation de la société, Tome 1, traduit de l’allemand par Jean Marc- Ferry, Paris-France, Editions Fayard. – Jurgen, Habermas. (1987), Théorie de l’agir communicationnel, Pour une critique de la raison fonctionnaliste, Tome 2, traduit de l’allemand par Jean-Louis Schlegel, Paris-France, Editions Fayard.

9.هابرماس يورغن، الحداثة وخطابها السياسيّ، ترجمة جورج تامر، مراجعة جورج كتوره، الطبعة الأولى، دار النهاء للنشر، بيروت -لبنان، 2002، ص 189.

10.هابرماس يورغن، القول الفلسفي للحداثة، مصدر سابق، ص 454.

11.– Jurgen, Habermas. (1998), L’intégration Républicaine, Essais de théorie politique, traduit de l’allemand Rainer Rochlitz, Paris-France, Editions Fayard, p 259.

12.حمدي أبو النور، يورغن هابرماس الاخلاق والتواصل، الطبعة الأولى، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت –لبنان، 2012، ص137.

13.محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، ما بعد الحداثة، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، دار توقبال للنشر، الدار البيضاء –المغرب، 2007، ص83

14.– Christian, Bouchindhoumme. (2002), le vocabulaire de Habermas, Paris-France, Ellipses Edition, p50.

15.– Jürgen, Habermas. Théorie de l’agir communicationnel, Tome 1, op cit, p395.

16.– Bjarne, Melkevik. (2012), Droit et Agir Communicationnel, Penser avec Habermas, Paris, Edition Buenos Books International, p29.

17.– Jürgen, Habermas. Théorie de l’agir communicationnel, Tome 1, op cit, p105.

18.–Bjarne, Melkevik., op cit, p 29

19.-Ibid., p 29.

20.-«Ce concept d’une rationalité communicationnelle est chargé de connotations qui remontent, en dernière instance, à l’expérience centrale de la force propre au discours argumenté, capable de  suscité un accord sans contrainte et de créer un consensus, au moyen de ce discours argumenté, les différents interlocuteurs dépassent la subjectivité initiale de leurs conceptions et, grâce à la communauté de leurs convictions rationnellement motivées s’assurent en même temps de l’unité du monde objectif et de l’intersubjectivité de leur vie ». – Jurgen, Habermas. (2005), Logique des sciences sociales et autres essais, traduit de l’allemand Rainer Rochlitz, Paris-France, Quadrige/ PUF, p445. Voir aussi - Bjarne, Melkevik .op cit, p30.

21.السيِّد ولد أباه، الدين والسياسة والأخلاق، مباحث فلسفية في السياقين الاسلامي والغربي، الطبعة الأولى، جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت – لبنان، 2014، ص268.

22.حسن مصدق، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب، 2005، ص09. 

23.هابرماس يورغن، الحداثة وخطابها السياسيّ، مصدر سابق، ص ص 188-189.

24.السيِّد ولد أباه،الدين والسياسة والأخلاق، مباحث فلسفية في السياقين الاسلامي والغربي، مرجع سابق، ص 263

25.محمد عبد السلام الأشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، الطبعة الأولى، دار ورد الأردنيَّة للنشر والتوزيع، (د.ب.ن)، 2013، ص37.

26.– Jurgen, Habermas. (1993), la Pensée Post Métaphysique, traduit de l’allemand Rainer Rochlitz,  Paris, Armand Colin, p46.

27.عليّ عبود المحمداويّ: مرجع سابق، ص199.

28.المرجع نفسه، ص 206.

29.فرانسوا إوالد، هابرماس وجدلية العقل الحديث، ترجمة محمد ميلاد، مسارات فلسفيَّة، الطبعة الأولى، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقيَّة- سوريا، 2004، ص158.

30.– Yves, Cusset. (2001), Habermas L’espoir de la discussion, France, éditions Michalon, p p 65-68.

31.هابرماس يورغن، أيتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة، ترجمة عمر مهيبل، الطبعة الأولى، الدار العربية للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف، لبنان-الجزائر، 2010، ص 30.

32.نقلاً عنّ: كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت منّ ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث، الطبعة الأولى، الدار العربيَّة للعلوم ناشرون- منشورات الاختلاف، لبنان –الجزائر، 2010، ص124.

عادل البلواني، النظرية السياسية لهابرماس، الحداثة والديمقراطيَّة، الطبعة الأولى، افريقيا الشرق، المغرب، 2014، ص09

نورة بوحناش / سمير جواق, «يورغن هابرماس نحو مواطنة كونيَّة تستوفي شروط العقلانيَّة التواصلية»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 01 مجلد 16-2019N°01 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 181-192,
Date Publication Sur Papier : 2019-04-11,
Date Pulication Electronique : 2019-04-11,
mis a jour le : 11/04/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5523.