مقالة في اللاّ منهج مقاربة بول فيرابند Discuss of the no-method Paul Feyerabend approach
XML sitemap



































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

مقالة في اللاّ منهج مقاربة بول فيرابند

Discuss of the no-method Paul Feyerabend approach
ص ص 123-136
تاريخ الارسال: 02/04/2018 تاريخ القبول: 13/06/2019

توفيق بن ولهة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

   لقد شكل البحث في المنهج مادة اشتغال كثيرمن الفلاسفة، بل إن الفلسفة كانت دائمًا تحلم بأن تسود العلوم من خلال المناهج التي توفرها لها، لكن مع انفصال مختلف العلوم عنها وتشكيلها لمناهجها المختلفة، طرحت مسألة المنهج الأكثر ملائمة للوصول إلى الحقيقة للنقاش، بل هناك من دعا إلى التخلي عنها جميعًا لصالح اللا منهج، ومن هؤلاء "بول فيرابند" الذي عمل على تثبيط الزعم بضرورة الاعتماد على منهج محدد في العلم، وذلك بالرجوع إلى تفحص تاريخ العلم، حيث تبين له بأنلا وجودثمة (لمنهجعلمي) إذ لا يوجد إجراء وحيد، أو مجموعة من القواعد تشكل أساسًا ثابتًا لكل نموذج بحث، وضمانًا لأن يكون بحثًا علميًا، ومن ثم، لأن نضع ثقتنا فيه، فكل مشروع وكل نظرية وكل إجراء إنما يخضع في الحكم عليه إلى أهليته الخاصة، عنطريق معايير لابد وأن تكون متكيفة مع العمليات التي يبحث فيها، فلا وجود لمنهج واحد يمكن للعلم الاعتماد عليه من أجل ضبط موضوع بحثه.

الكلمات المفاتيح:المنهج، اللا منهج، تاريخ العلم، المقايسة، النموذج.

La recherche dans la méthode a été l'œuvre de nombreux philosophes. En effet, la philosophie a toujours rêvé que la science prévaudra à travers le processus qu'elle fournit. Cependant, avec la séparation des différentes sciences et la formation de ses différentes approches, la question de l'approche la plus appropriée pour atteindre la vérité a été soulevée. Être abandonné pour le bénéfice de la méthodologie, y compris Paul Feierabend, qui a découragé l'affirmation que la nécessité de s'appuyer sur une approche spécifique de la science, en référence à l'examen de l'histoire de la science, où il a trouvé qu'il n'y a pas d’ approche) car il n'y a pas de procédure unique, ou de groupe de règles à la base de chaque modèle de recherche, et une garantie d'être une recherche scientifique, puis, parce que nous y mettons notre confiance, chaque projet et chaque théorie et chaque procédure est soumise au jugement de sa propre éligibilité, et par des critères doivent être adaptés aux processus dans lesquels il regarde, il n'y a pas une seule approche sur laquelle la science peut compter pour ajuster le sujet de sa recherche.

Mots-clés : méthode, no méthode, histoire de la science, mesure, modèle.

The research in the methode has been the work of many philosophers. Indeed, philosophy has always dreamed that science will prevail through the process it provides. However, with the separation of different sciences and the formation of its different approaches, the question of the most appropriate approach to reach the truth has been raised. To be abandoned for the benefit of the methodology, including Paul Feierabend, who discouraged the claim that the need to rely on a specific approach to science, by reference to the examination of the history of science, where he found that there is no (scientific approach) as there is no single procedure, or group of the rules that form the basis of each research model, and a guarantee to be a scientific research, and then, because we put our confidence in it, every project and every theory and every procedure is subjected to the judgment to his own eligibility, and by criteria must be adapted to the processes in which he is looking, there is no one approach that the science can rely on in order to adjust the subject of his research

Keywords: method, no method, history of science, measurement, model.

Quelques mots à propos de :  توفيق بن ولهة

جامعة سطيف2toufik34200@gmail.com

تمهيد

لقد مثل  القرن السابع عشر قرن الاستفاقة المنهجية، بل أصبح وضع طريقة للبحث عن الحقيقة ضرورة لابد منها1، وذلك من أجل العمل على تجاوز تلك السّجالات العقيمة التي كانت موجودة بين المدرسيين، بما أنها لم تكن تعبر سوى عن "آلات اخترعوها وأطنب المؤرخون في تمجيدها... وقد استطاع الجمهور الجاهل المأخوذ بها أن يرفعها إلى مرتبة المعجزات"2، من هنا يمكن أن نُنزّل العمل الذي قام  به "ديكارت" Descartes(1596-1650م) في محاولته لإيجاد منهج شامل للبحث عن الحقيقة، لذا عُدّ العمل الذي قدمه عند كثير من الدّارسين أهم تحول ايبستيمي لذلك القرن3، وهذا ما عبر عنه في كتابه "حديث الطريقة" الذي كان يشغله منذ الصبا، حيث يقول: "فلن أحجم عن القول بحسن حظي لوجودي منذ الصبا في بعض المسالك التي قادتني نحو اعتبارات وحكم كونت منها طريقة"4.

لقد رغب "ديكارت" في استحداث منهج كلي ينطبق على كل العلوم، يستمد روحه من الرياضيات التي طالما أبدى إعجابه بها ،لكن يتسع مدى هذا المنهج حتى يشمل البحث على كل الحقائق، بما أن الرياضيات كانت تمثل نموذج النّظام والدقة، بل إنها كانت تمثل نموذج العلم الكلي5، لكن رغم دقة المشروع الذي أراده "ديكارت" إلا أن الاختلاف الحاصل بين مبادئ الفلسفة ومبادئ الرّياضيات، جعل من العسير إقامة منهج واحد بينهما، بما أن مسلمات الفلسفة ذاتية تختص بها الأنساق الفلسفية دون أن تلزم الأنساق الأخرى بالتسليم بها، رغم أن العلم يفترض أشياء ويسلم بمصادرات ولكن مسلماته ومصادراته تكون موضوعية وصريحة ،فالهندسة الإقليدية مثلا تفترض المكان في تواصله وتجانسه ولا تناهيه، وليس عليها أن تقيم البرهان على ذلك6، وهذا التسليم هو من مقوماتها وأسباب تقدمها في البرهان والمحاجة.

بعد هذا الإخفاق الذي عرفه المنهج الديكارتي، أراد الفلاسفة الاستفادة من المنهج الذي كانت قد طبقته العلوم التجريبية، من أجل تجاوز كثير من المشكلات التي ظلت عالقة، فكان المنهج الاستقرائي هو الهدف، وقد بدأت هذه الدعوات مع "فرانسيس بيكون" F.Bacon(1561-1626م) ، الذي قام بنشر كتاب "الأورغانون الجديد" Novum Organun، حيث ضمنه مبادئ منطقه الاستقرائي، الذي أراده أن يكون مقابل "أورغانون أرسطو"Aristote(384-322ق.م) ، ويعد هذا الكتاب من الوجهة التاريخية أول محاولة لوضع منطق استقرائي7، الذي أراده بيكون أن يحل محل المناهج السابقة في البحث، خاصة المنهج الأرسطي.

إن الفكرة الأساسية التي تستند إليها النزعة الاستقرائية، هي أن العلم يبدأ من ملاحظات وينتقل من خلالها إلى تعميمات (القوانين والنظريات)، وفي ممارستهم للمنهج العلمي يبدأ كبار العلماء بجمع عدد كبير من الملاحظات الدقيقة، ثم يتوصلون بعد ذلك إلى بعض التعميمات من خلال المعطيات الحسية التي لديهم، ومن خلالها يمكنهم التنبؤ بحدوث ظواهر معينة، وقد شرح "بيكون" منهجه الاستقرائي اعتمادًا على ملاحظاته اليومية لواقعه، فمثلا لكي نصنع النبيذ علينا أولا أن نجني محصول العنب الناضج في موسمه، نجمع عددًا لا يحصى من حبات العنب، ويصنع النبيذ عن طريق عصر ذلك العنب، والعنب هنا يقابل تلك الملاحظات التي تستخرج منها على نحو ما، وبذلك تبنى التعميمات العلمية، ومنها تصاغ في النهاية القوانين والنّظريات التي يغتني بها العلم.

لقد شكل المنهج الاستقرائي أحد ركائز صياغة القوانين في العلم، ثم اكتسبت النزعة الاستقرائية خصائصها الأساسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مما جعلها تشكل نموذج العلم في القرن التاسع عشر، ولم يختلف القرن العشرين عن سابقيه في انبهار علماءه بهذا المنهج، ومما هو جدير بالذكر في سياقنا هذا، هو زيادة الانتباه إلى أهمية هذا المنهج، خاصة بعد الثورة التي حدثت في مجال الفيزياء، والتي أثرت في جميع المناهج الفلسفية تقريبًا، بما أنها كانت منبهرة بنجاح هذا المنهج، و يمكننا ذكر معيار التحقق الذي اتخذته الوضعية المنطقية كمنهج تعترض به على تلك القضايا التي لا تخضع إلى هذا المعيار، فالتحقيق يشمل فقط قضايا جزئية اشتقت من القضية الأساس، وكلما ازدادت القضايا المشتقة من القضية الأساس، زادت درجة التأييد لها8.

لكن هذا لم يمنع من ظهور نزعات نقدية لهذا المنهج، ويعد النقد الذي وجهه الفيلسوف "كارل بوبر" K.Popper(1902-1994م)، من أهم الانتقادات التي وجهت إلى أنصار هذا التوجه، وعلى رأسهم "الوضعية المنطقية"، التي كانت تنتصر للمذهب الاستقرائي في التحقق من صدقية القضايا، لذا جاء تركيز "بوبر" في كتابه "منطق الكشف العلمي" على موضوعات تخص "جماعة فينا" أو ما عرف فيما بعد بالوضعية المنطقية، حيث تناول معها عدة مسائل تخص المنهج الملائم للوصول إلى الحقيقة، مثل المنهج الاستقرائي، ومشكلة التمييز، والاحتمال و/التأييد، والمشكلات المفاهيمية لميكانيكا الكوانتم، حيث أراد "بوبر" لفلسفة العلم أن تستلهم روح البحث العلمي بكل تفاصيله، ابتداءً من المشكلة التي يبدأ منها البحث مرورًا بالفروض وانتهاءً بحل المشكلة، هذا الحل الذي يعدّ مشكلة جديدة في البحث، وهو إيقاع متكرر على طول تاريخ العلم9، وبذلك نستبدل فرضية البحث عن صدق الظواهر وخضوعها للقانون العلمي، بفرضية إمكانية التخلي عن هذا القانون لصالح فرض جديد، بما أنه قابل للتكذيب دومًا.

جذب "بوبر" بنقده هذا للوضعية المنطقية خاصة والمنهج الاستقرائي عامة الكثير من المعجبين والأتباع، ومن هؤلاء فيلسوف العلم "بول فيرابند" Paul Feyerabend (1924-1994م)10، الذي كان من الفلاسفة المعجبين بالنقد الذي قدمه بوبر للمنهج الاستقرائي11، لكنه في لحظة ما من لحظات تطوره الفكري تراجع كلية عن تأييده لـ"بوبر"، بل إن هذه اللحظة الابستيمية مثلت نقطة حاسمة في فكر "فيرابند"، أين أصبح من أشد المنتقدين له، من هنا جاء هذا المقال متسائلاً عن السبب الذي جعل "فيرابند" يتراجع عن الموقف البوبري، ويمقت كل اتجاهات فلسفة العلوم المعاصرة، وينظر إليها بطريقة عبثية، ولكشف خبايا هذه القضية استأنسنا بالإشكالية التالية: ما هي الحيثيات الابستيمية التي جعلت "فيرابند" يتراجع من الموقف البوبري؟ وما هو البديل الذي يمكّن  العلم من الكشف عن موضوعه في نظره؟ و هل يجب استبدال النظام بالفوضى كي نتمكن من سبر أغوار تلك العوالم التي لا تزال مجهولة لدينا؟ وهل اللا منهج بديل ملائم لتحقق تطور مقبول في البحث العلمي؟ وإذا فتحنا المجال لقبول مختلف المناهج، هل هناك سبيل لتوحيد جهودنا في البحث العلمي؟

 

1-                       فيرابند قارئا لبوبر

  لقد التقى "فيرابند" بـــ"كارل بوبر" في نهاية الأربعينيات عندما سافر إلى انجلترا، أين اطلع على آرائه ومواقفه النقدية، التي أعجب بها واتخذها نموذجًا مثاليًا لقراءة منهج العلم، حيث كانت كل أفكاره مستمدة من الروح البوبرية تقريبًا، حتى أنه قال عنه "لا أعتقد بأن هناك فكرة خطرت لنا ولم يكن لها أساس في التّراث الواقعي، وفي تفسير البروفيسور "بوبر" على وجه الخصوص"12، فقد بدا موقف بوبر بالنسبة لـ"فيرابند" موقفًا ثوريًا على كل مرتكزات البحث العلمي في صورته الكلاسيكية، مستبدلا إياه بمنهج فرضي استنباطي، بما أن العلم عنده هو تغيير للنظم والثوابت التي عهدها العالم، كما أن العالم الذي لا يأخذ بعين الاعتبار تحولات وتطورات النظرية العلمية، لا يستطيع أن يدرك خصوصيات العلم التجريبي، ولن تفتح له خبرة عينيه أبدًا13.

غير أن هذا الود لم يدم طويلاً، وسرعان ما انقلب التّلميذ على الأستاذ، وبدا لـ"فيرابند" بأن الطرح الذي قدمه "بوبر" غير جدير بالتّقدير، وظهر هذا التحول من خلال تلك الانتقادات الحادة التي وجهها له، خاصة في كتاباته المتأخرة، بل إن هذه الكتابات جعلت من النقد البوبري هدفها الأول، حيث يأتي على ذكر النسق البوبري في كثير من القضايا التي ناقشها العلم المعاصر، ثم يعمل على تبيان أوجه القصور فيها، خاصة ما ورد في كتبه "وداعًا للعقل" و"محاورات في المعرفة"، "حدود العلم"، أين بدا له بأن المبدأ الذي دعا "بوبر" لأن توصف به النظرية العلمية حتى تحافظ على بقائها، وهو القابلية للتكذيب مبدأ لا يشكل هدفًا للعلم، بل إن المشروع البوبري كله بلا معنى عنده14، لأنه ليس ثمة نظرية علمية يمكن أن تصاغ وفق شروط مشكوك فيها، بوصفها نظرية معرضة للخطر الدّائم حتى يتم قبولها، لأن النظرية التي لا تحقق الاطمئنان العلمي، سواء على مستوى التّنظير أو الممارسة العلمية لا يمكن أن يطمئن إليها العلماء، بل تجعلهم يعيشون ذلك التوتر والقلق غير المجدي في كثير من الأحيان، لأن النظرية هي نموذج مناسب لمرحلة مناسبة ،دون أن نحتاج لحمل ذلك القلق والشك المفرط في نظرية تخدمنا لحد تلك اللّحظة، لأن كثير من النظريات العلمية التي بنى عليها العلم صرحه لا يمكن تكذيبها، بل هي بحاجة إلى تطوير وإعادة تعديل مستمر، والتطوير يسير في عملية حلزونية تحوي السابق وفق نموذج التصديق والتجاوز.

كما أن التكذيب هو عملية هدم للسابق وليس استيعابًا له، لكن العلم لا يهدف عبر تطوره إلى هدم ماضيه والتخلص منه، بل هي عملية تطورية تدخل فيها آلية الاستيعاب والتكامل، من خلال تصحيحات وتراكمات، تجعل ذلك العلم يستفيد من كل التجارب والمحاولات السابقة التي قام بها مهما كانت بسيطة، ومهما تعاظم عهدنا بها، حتى وإن كان البعض يصنف تلك المحاولات والآراء ضمن الأسطورة والسحر، بل هي محاولات يستفيد منها الفكر بما أنها منطلقه وأساسه، فلا يمكن أن يستقيم البناء ونحن نتنكر للأسس التي بدأنا منها.

إن المعيار البوبري عند "فيرابند" يقوض العلم ويعكس مساره، وليس هذا رأي "فيرابند" فقط، بل شاركه في ذلك كثير من الفلاسفة والعلماء، ومن بينهم "توماس كون" T.Kuhn(1922-1996م) و"إمري لاكاتوش" I.Lakatos (1922-1974م)15، الذين عدّا الاحتكام إلى هذه القواعد يجعل مسيرة العلم تتوقف، وفي هذا يقول "فيرابند": "إن بعض المعايير والقواعد المعقولة والبسيطة جدًا، التي نظر إليها الفلاسفة والعلماء بوصفها مقومات ضرورية للعقلانية، كانت قد انتُهكت في الفترات التي أعقبت الثورة الكوبرنقية، وانتصار النّظرية الحركية ونشأة نّظرية الكم، وهكذا نظروا إليها على أنها ضرورية بالمثل، ولقد حاولت أن أبين بصورة خصوصية أكثر (أ) أم القواعد (المعايير) كانت قد انتهكت بالفعل، وأن العلماء الأكثر حصافة كانوا على علم بهذه الانتهاكات، وأنهم اضطروا إلى انتهاكها، والاحتكام إلى القواعد لن يجعل الأمور تتحسن بل سيجعل مسيرة العلم تتوقف"16.

والمفارقة التي يمكن أن نستشفها هنا من الموقف الذي اتخذه "فيرابند" من المنهج البوبري، هي أن هذه الروح النقدية الكبيرة التي تمتع بها بعثها فيه أستاذه "بوبر" نفسه، باعتبار أن هذا الأخير كان يلح على النقد، الذي يجعلنا نصاب بخيبة أمل كبيرة أمام مقتنيات العلم، حيث يقول: "إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي يقوده إلى النّجاح، فلا بد أن يصاب بخيبة أمل، لأنه ليس هناك طريق ملكي للنجاح، وأيضًا إذا حاول أحد أن يفكر في منهج علمي كطريق لتبرير النّظريات العلمية، سيصاب أيضًا بخيبة أمل، لأن النّظريات العلمية لا يمكن أن تبرر، إنها فقط تُنقد وتُختبر"17، هذه المقولة ذهب بها "فيرابند" بعيدًا من حيث التّطبيق، أين أعطاها بعدًا تاريخيًا وليس فقط منطقيا، من خلال إعادة فحص كل تاريخ العلم، ليس فقط النظريات التي توصل إليها بل كذلك كل المناهج التي اعتمدها، وبذلك تتم مراجعة كل عناصر العلم من مبادئ ونتائج ومناهج، وكان يمكن في نظر "فيرابند" أن ينجح "بوبر" باعتبار أن منهجه كان واضحا، وغير مبهم ومصاغ بإحكام، لو أن العلم كان بهذه المواصفات، لكن لسوء الحظ ليس كذلك، لأن تاريخ العلوم أعقد بكثير مما يظهر، وفيه تعريجات ومناسبات من الصعب حصرها، حيث يقول: "التاريخ عمومًا، وتاريخ الثورات بشكل أخص، هو دائمًا أكثر غنى في مضمونه، وأكثر تنوعًا، وأكثر تعددًا في أشكاله، وأكثر حيوية وأكثر حذقًا بما لا يلتفت إليه أو يعتقد أحسن المؤرخين وأفضل الميتودولوجيين"18، وقد كانت هذه الانتقادات متأثرة بالآراء التي كان يدعو إليها صديق "فيرابند" "إمري لاكاتوش".

2-                       إمري لاكاتوش وفيرابند

لقد بدأت صداقة "لاكاتوش" مع "فيرابند" في البدايات الأولى لتكوينهما، وزاد تقاربهما عندما كان كل منهما ينادي بالتعددية والفوضوية في المناهج العلمية، وقد كان تقدير "فيرابند" لـ"لاكاتوش" نابعًا من إعلانه بأنه فوضوي متنكر، حيث إن "لاكاتوش" أخفق في تعريف حد الزّمن الذي ينبغي بعده أن يترك برنامج بحث متفسخ، أين صرح "لاكاتوش" بأنّ لديه ميتودولوجيا أكثر تطورًا، ومع ذلك فإنه عندما كشف عن أسسها اتضح أنها ليست ميتودولوجيا على الإطلاق19.

انطلاقا من هذه الخلفية التي تبدو مبعثرة، بدأت صداقة الفيلسوفين تتوطد، ولم تقتصر على نطاقها الشّخصي بل تعدت إلى المستوى الفلسفي والابستيمولوجي كذلك، ونذكر هنا ذلك اللّقاء الذي جمعهما سنة 1972م في إحدى الاحتفائيات التي نظمتها جامعة برلين، أين كان كل منهما يحمل معول النّقد، حيث قال "لاكاتوش" مخاطبًا "فيرابند": "إنه لديك أفكار مدهشة، لماذا لا تسجلها وأكتب أنا ردًا عليها؟ وننشر هذا وذاك في عمل واحد، وأعدك بأنه سيكون مبعث سرور لكلينا"20، وقد كان "لاكاتوش" يقصد بهذا المشروع أغناء فلسفة العلوم من خلال جدلية قائمة بين العقلانية والفوضوية، ولو أن "لاكاتوش" لم يكن من أنصار ذلك المذهب.

لقد أخذ "فيرابند" هذا الموضوع بجدية أكبر حتى من "لاكاتوش" صاحب الفكرة، وشرع في كتابة الجزء الخاص به، وعندما أنهى محاولته الأولى بعث بها إلى "لاكاتوش"، الذي كان يقيم في لندن، لكن الموت كان أسرع من ذلك، حيث توفي "لاكاتوش" إثر حادث مرور سنة 1974م، ليفشل بذلك المشروع الذي كان قد اتفق مع "فيرابند" على إتمامه، وحرم تاريخ العلوم من مناظرة كانت ستقدم الكثير لفلسفة العلوم، ولكن مع هذا استمر فيرابند في إنجاز وعده، وكان نتيجة هذه العزيمة أن أخرج لنا كتابه الأهم "ضد المنهج"، فقد كان هذا الكتاب الجزء الأول من كتاب حول العقلانية، الذي كان يتوجب على الفيلسوفين إنجازه، حيث كانت مهمة "فيرابند" تتمثل في مهاجمة المذهب العقلاني، في حين كان على "لاكاتوش" أن يعيد تشكيله وصياغته من جديد، لذلك فإن "لاكاتوش" تأخر عن صياغة مشروعه، بما أن منطلقه سيكون ردًا على ما ورد في الجزء الأول للكتاب، ورغم الاختلاف بينهما في الأفكار إلا أن الرسائل واللقاءات بين الرجلين تكاد تكون دورية، بل إن مراسلتهما لم تخل في بعض الأحيان من روح الدّعابة، وهذا ما رواه "فيرابند" في مقدمة كتابه حينما قال: "لقد توعدني "لاكاتوش" بعد انتهائي من كتابي هذا بتحويلي إلى لحم مفروم"21.

لقد بدأ التحضير لهذا المشروع قبل هذه السنوات بكثير، فهو يعود إلى لقائهما الأول سنة 1964م، ولكنه كان مقتصرًا على رسائل وملاحظات بين الرجلين، وتجلى كذلك من خلال تلك المحاضرات التي كان يقيمها كل منهما في الجامعات، ويتأسف "فيرابند" بشدة لأن هذا الكتاب المزدوج لم ير النور، وبذلك جاء كتاب ضد المنهج منقوص من أهم صفة فيه، وهي السجالية، ومع هذا جعل "فيرابند" هذا الكتاب تكريمًا لصديق وأخ في الفوضوية22.

3-                       من تبرير الاستقراء إلى اللاّمنهج

إن الحرص على الفوضوية التي قد تعني التعدد والتنوع عند "فيرابند"، بغرض تحرير المبادرة العلمية والمعرفية بوجه عام، لم يتوصل إليها "فيرابند" من فراغ، بل اعتمد فيها على آراء من سبقه، أين مثلت لديه هذه الآراء بيئة خصبة لطرح نظريته، إنه تاريخ مفعم بهذا الطّرح، وهو ممتد من أزمنتنا الأولى إلى أزمنتنا الحاضرة، وتتراجع لتغوص في باقي محطاته الغابرة، فنقرأ فيها مزجًا غير مصطنع بين أشكال من العقلانية واللاّعقلانية، مما جعله يخرج بقناعة غاية في الجرأة والابتكار، تنتصر إلى اللاّعقلانية واللاّمنهج، وكان يجاهر دائمًا بأنه لو كان هناك تقدم، فهذا يعني بأنه ناتج عن تجاوز كل القواعد والمناهج التي وضعت سلفًا، وقد ألمح "فيرابند" إلى فترات رائجة في تاريخ العلم يتباهى بها العلماء والفلاسفة بأنها لم تكن عقلانية، فالعقل لا يلاءم العلم دائمًا، بل يمكن القول بأنه من السخف اختزال العلم في بعض القواعد البسيطة التي يصيغها العقل، وذلك بسبب تعقد العلم ذاته23.

قد تبدو في نظر "فيرابند" بأن الفوضوية غير مرغوبة في الفلسفة السياسية، إلا أنها مطلوبة بل ضرورية في فلسفة المعرفة، باعتبار أن مناهج البحث التّقليدية التي تناولت موضوع المعرفة لم تقدم شيئًا للعلم، لأن العلم ليس له منهج خاص به استطاع من خلاله تحقيق التقدم، بل أن مناهجه تعددت وتنوعت بتنوع الموضوع والوسائل المتاحة، لذلك فإن تجاوز أو مخالفة قواعد المنهج الموجود ليس أمرًا عرضيًا أو حدث يوصف بالندرة، بل إن التجاوز أمر ضروري لتحقيق التقدم في العلم24.

من هنا لا يمكن تقديس المناهج العلمية، مهما بدا لنا نجاحها، فهناك فترات رائجة في العلم يتباهى بها العلماء والفلاسفة بأنها لم تكن عقلانية، سواء في مسلكها أو قوتها المحركة أو الأحكام التي أطلقتها، فقد كان "كوبرنيك"N.Copernicus (1473-1543م) في نظر معاصريه لاعقلانيًا، لأنه ببساطة خرج عن المنهج المعهود، خاصة عندما خرق وخالف القواعد الميثودولوجية الراسخة للعلم السّائد، المستندة على أدلة الأرسطيين المدافعة عن سكون الأرض، ويبدو أنه قد برز معه من جديد العقل الصوفي، الذي كان يحمله فيلو لاوس، وهو أيضًا عقل الهرمسيين السحرة، المتوحد بإيمان صوفي يؤمن بخاصية الحركة الدّائرية، فلم يكن بالإمكان أن يحقق علم الفلك والديناميكا تقدمًا دون الاستعانة غير العلمية بأفكار قبل الطوفان25، كما نجد أن الطب استفاد كثيرًا من المحاولات الأولى التي عرفها الطب الشعبي، المعتمد على الفراسة والشعوذة وأفكار الباعة المتجولين، كما أنه من المعروف أن القرن السادس عشر والقرن السابع عشر هما قرنا الطّب، إلاّ أن المرض كان منتشرًا، وظل الوضع على حاله حتى مجيء الثورة الكوبرنيكية التي أعادت إحياء الأفكار السابقة26.

إذن فالعلم أشد قربًا إلى الخرافة بكثير منه إلى العقلانية في نظر "فيرابند"، "لكن للأسف لا توجد فلسفة علمية مستعدة لقبول هذا، إنه واحد من الأشكال العديدة التي طورت من قبل الإنسان، لكنه ليس الأحسن حتمًا، إن العلم محدث للجلبة والاشمئزاز والوقاحة، فهو ليس أرقى مقامًا إلا في نظر المعجبين به، هؤلاء الذين سلموا بمزاياه دون معرفة حدودها، ومثلما يحق لأي فرد أن يتبنى أو يرفض إيديولوجيا ما، فالأمر نفسه ينطبق على نتائج العلم، لهذا فإن انفصال الدّولة عن الكنيسة لا يكتمل إلا بانفصال الدولة عن العلم، هذا الانفصال هو الوحيد الكفيل بإيصالنا إلى درجة الإنسانية التي نستحقها"27.

4-                      تاريخية المعرفة عند بول فييرابند

لقد درس "فيرابند" تطور العلم، وتبين له بأن العلم يتقدم من مرحلة إلى أخرى حينما يتحرر من سلطة العقلانية، التي سادت وسيطرت في مراحله القديمة، خاصة مع بداية عصر الحداثة الذي عرف أوجه مع "ديكارت"، أين سيطرت معه فكرة وحدة العلوم من خلال وحدة المنهج، هذا المنهج الذي يكفل لكل العلوم تجنب الخطأ وإصلاح ما فسد من نتائجها في المحاولات السابقة، ومن هذا المنطلق فإن ما قد يلاحظه مؤرخ العلوم بين العلوم من تفاوت، يصبح مجرد تفاوت عرضي إلى زوال، بحكم أساسية المبادئ التي يضبطها المنهج، بل عنه صدرت كل المعارف وتفرعت كل العلوم، وهو اعتبار ينتهي بإهمال الخصوصيات النوعية والمنهجية لكل علم، ويلهي عن العناية بها من الداخل لأن هناك نظرة شمولية تكفلت بإضاءة الطريق أمامها.

رغم ما تظهره هذه النية من عمل متقن يخدم العلم، لكنها تبقى رغبة عند "فيرابند" تخفي نظرة تقديسية للعلم ولمنهجه الأوحد، هذه النظرة التي ازدادت تغوّلا وتحجرا مع الفلسفات الوضعية فيما بعد28، لذلك علينا حسبه أن ننزع تلك النظرة التي كرست العلم النموذج الأعلى للتفكير، ونعدّه مجرد نوع من أنواع الثقافة، بل إنه ينمو ويزدهر وسط مجمل الأنظمة المعرفية البشرية الأخرى التي تحيط به، وتحركه عوامل الوعي التاريخي والحضاري للمجتمع، عبر مراحل الزمن المتعاقبة، "إن العلم ليس مقدسًا إلى أبعد حد، فمجرد حقيقة أنه موجود، وأنه يصادف من يعجب به، تكون له نتائج غير كافية لجعله مقياسًا، إذ نشأ العلم الحديث من اعتراضات شاملة ضد ما كان عليه الحال من قبل بل وضد العقلانية ذاتها"29.

إن النظر في مشكلة المعرفة وتكونها عند "فيرابند" ، ليست وليدة اليوم، بل هي وليدة الفلاسفة الطبيعيين ما قبل "سقراط"، ثم تمت صياغتها من قبل "أفلاطون" و"أرسطو"، ثم عاد وخبا بريقها مع تطور العلوم الحديثة، لأنها نشرت اعتقاد الوثوقية في المنهج وعدم الشك في النتائج المحصل عليها، لكنها عادت إلى الظهور مع انبثاق الفيزياء المعاصرة، إذ تزايدت النزعة التاريخية في النظر إلى طبيعة المعرفة بصورة عامة،  فأصبحت ترى بأن المعرفة البشرية ومن ضمنها المعرفة العلمية، محاطة ومتأصلة فيها المتغيرات التاريخية، بل لقد صاحبتها منذ بداياتها الأولى، في مقابل النّزعة النّظرية لطبيعة المعرفة، التي تجردها من تدخلات العوامل التاريخية30، فالمعرفة البشرية عند فييرابند تشكلت عبر التراكم، الذي يضفي على القديم نوعا من الوضوح ليجعله أكثر موائمة مع متطلبات الحياة الجديدة.

إن الأفكار التي أتى بها العلم المعاصر لم تأت من فراغ، بل نجد أسس لها حتى في التفكير اللاهوتي، ويعطينا "فيرابند" كثيرا من الأمثلة التي يعدّها دليلا على تاريخية المعرفة، "فالكنيسة لم يكن موقفها دجماطيقيا كما هو مفترض غالبًا، وإنما روجعت تفسيرات الكتاب المقدس على ضوء البحث العلمي من قبل، فقد نظر كل شخص إلى الأرض على أنها كروية، وعلى أنها سابحة في الفضاء... وقد كان لا يزال الكتاب المقدس يلعب دورًا حاسمًا بالنسبة إلى نيوتن الذي استخدم تدبير الله، وكلمته معًا، ليكشف عن خططه، لقد كان عقد اتفاق مع كلمة الله، كما هي في الكتاب المقدس، شرطًا لازمًا ومقبولاً بوجه عام في البحث الفيزيائي"31، وهذا يؤكد التداخل الوظيفي بين حقول المعرفة البشرية، كما أنها تستفيد من بعضها البعض عبر مراحل تطورها ،لأن الإنسان لا يبحث في العلم بطريقة عقلانية دائمًا، بل تتدخل معتقداته وعاداته وآماله في فهم طبيعة حدوث الظواهر ،لذلك حافظت العلوم السابقة على جانب من الصحة في نظرتها للأشياء، فما أنجزه البابليون في مجال علم الفلك، الذي كان معتمدًا على حساب مستمد من تناوب وتكرار رؤية القمر وبعض الأجرام السماوية الأخرى، إذ شكل هذا الحساب الدقيق دالة رياضية تناوبية، ولا يزال هذا معتمدًا لدى كثير من الرياضيين اليوم، كما اعتمد علم الفلك عند الإغريق على هندسة توزيع الأجرام السماوية في قبة الفلك، اعتمادًا على علوم الهندسة المنتشرة في حضارتهم، وبذلك شكل الحساب الفلكي لديهم دالة هندسية متعددة الأضلاع32، وقد استمر الاعتقاد في صحة هذه العلوم والنتائج المحصل عليها حتى عصرنا الحالي، رغم غلبة علم الفلك الإغريقي على علم الفلك البابلي في الاستمرارية، وإنا لنقف مندهشين أمام بقاء تلك الآراء رغم بساطتها وبساطة الأجهزة التي اعتمدت عليها في اكتشافها.

لقد عُدّ العلم ظاهرة إنسانية، تستمد وجودها من النشاط الذي يقوم به هذا الكائن المفكر، منذ بداية تعامله مع العالم، وقد بدأ مؤرخ العلوم يستوعب هذه الفكرة حين انفتحت البوابة أمام الوعي التاريخي ليحتل موقعه بعد طول غياب، والوعي التاريخي للنظرية العلمية لا يعيها كمنجز مكتمل البناء يؤخذ في صورته النهائية، بما أنه تعامل مع الظاهرة موضوع الدراسة بطريقة استقرائية، بل هي عملية معطاءة تسير نحو الأمام ككرة الثلج، وكلما زادت المسافة التي تقطعها أثناء تدحرجها كلما كبر حجمها، دون أن تحتكم بالضرورة في قضاياها إلى مناهج عقلية صارمة، هذه المناهج أو حتى المبادئ قد تشكل لها في لحظة تاريخية ما عائق تكبل تقدمها، فالوعي التاريخي الذي يصاحب تطور النظريات العلمية يجب أن يكون مطعمًا بوعي التغير والديناميكية المتنامية عبر الزمان "مما يعني أن المتغيرات الزمانية السوسيوسيكولوجية أي العوامل الخارجية للنسق العلمي، هي ثورة فاعلة وناجزة لابد من أن تؤخذ في الاعتبار"33.

إن التاريخ الذي قام عليه العلم هو تاريخ مصطنع مزج بين العقلانية واللاعقلانية، بل إن "فيرابند" ينتصر إلى اللاعقلانية وإلى اللاّمنهج في فهم هذا التقدم، فهما من جعلا النظريات العلمية تبزغ، نتيجة حيادها عن التفسيرات المعهودة، والتي تدعى امتلاك التفسير الوحيد للظاهرة، لذا فإن الخطأ الكبير الذي وقع فيه مؤرخ العلم، هو خلطه بين تاريخ العقل وتاريخ العلم، لأن العلم في تطوره قد يتخذ طريقًا آخر، غير الطريق الذي سلكه العقل، وهذا لأننا نحاول أن نسلك الطريق الأسهل، بما أن العلم يظهر لنا تاريخًا متعرجًا وصعب الإيغال في تفاصيله، بل أقل ما يوصف به أنه تاريخ معقد34.

إن التقدم الذي عرفته العلوم لا يسقط هذا الرجوع الذي نجده لدى العلماء في صياغة النظريات، حتى لو كانت هذه النظريات تبدو بالغة الدقة وتقدم تفسيرات جديدة، لما كنا قد عرفناه سابقًا "فلقد تعلمنا من نظرية الكم على وجه الخصوص، أن العلاقات الرياضية المتناسقة كما هي موجودة مثلا في نظرية "شرودينجر" E.Schrodinger(1887-1961م) المتعلقة بالجسيمات الدقيقة ليست في حاجة لأن تعكس انتظامًا متناسقًا بالتّساوي، وهذا ما قرره الأرسطيون من قبل، وإنما يتعين أن توصف الطّبيعة بنظرية جد مختلفة، وفيزياء أرسطو هي تلك النظرية، ومن ناحية أخرى، كان ثمة صعوبات جمة عند أرسطو" ،35، وبذلك يبدو عند "فيرابند" أن أي نظرية علمية لابد وأن يطرأ عليها كثير من التعديلات والتغييرات، بسبب المواقف التاريخية التي تتعرض لها، ولا نكتفي فقط بالرجوع إلى الماضي البعيد ليظهر لنا هذا التراجع أو الاسترداد التصحيحي، بل يمكننا أن نستشفه حتى في النظريات الجديدة، فنجد مثلا أن نظرية "نيوتن" تشير إلى الحتمية من خلال دراستها لحركة كوكب زحل وحتمية اصطدامه بكوكب المشتري، لكن هذا الأمر لم يحدث، وهنا بدا لـ"نيوتن" أن يفسر هذا الأمر برجوعه إلى الدين، الذي يقر بأن هناك إله يسيّر هذا الكون، ومن الأشياء التي فعلها ليحافظ عليه هو منع هذا التصادم، وقد تم تعديل هذا الموقف التّاريخي فيما بعد على يد الفرنسي "لابلاس" P.Laplace (1749-1827م) في القرن التاسع عشر36، ليس هذا فقط بل نظرية النسبية لـ"أينشتاين"A.Einstein  (1879-1955م) كذلك تعرضت إلى كثير من التغيير والتصحيح أو التوسيع، سواء على يد مؤسسها أو على يد من جاء بعده من الفيزيائيين، فلم تكن نظرية النسبية بصيغتها الحالية هي نفسها التي انبثقت عام 1919م بصيغتها العامة37، وهنا يبدو تدخل العامل الزمني في تغيير النظريات العلمية مهما كانت تبدو صارمة ودقيقة في عصرها.

5-                       من أجل منهج مفتوح

بكل إصرار ينفي "فيرابند" أن يكون للعلم منهج واحد، ولا وجود لأي مبادئ خالدة تشكل الأساس الذي يبنى عليه أي علم ،مهما أبدته هذه المبادئ من صلابة أمام التطور الذي عرفته المعرفة البشرية، ويعود دائما "فيرابند" في مناقشاته للمنهج إلى الاستقراء الذي ساد وتطور بداية من القرن السابع عشر، ليبسط سيطرته على العلم فيما بعد على نطاق واسع خلال القرن العشرين، ويشرح لنا "بيكون" المنهج الاستقرائي ببساطة عن طريق مماثلة صارخة غاية في الوضوح بصناعة النّبيذ، فلكي نصنع النّبيذ علينا أولا أن نجني محصول العنب الناضج في موسمه، نجمع عدد لا يحصى من العنب، ويصنع النّبيذ عن طريق عصر العنب في المعصرة، والعنب هنا يقابل كل الملاحظات التي تستخرج منها على نحو ما التعميمات العلمية (القوانين والنّظريات)38، وبذلك عد منهج الاستقراء المنهج المقبول من قبل العلم بلا تحفظ، وليس في وسع كائن من كان أن يشكك في قيمة هذا المبدأ بالنسبة للحياة اليومية.

إن العلم الكلاسيكي يستمد رفعته عند "فيرابند" من سببين مهمين وهما: استعانته بمنهج صحيح يوصله إلى نتائج موثوق بها، والسبب الثاني وهو مرتبط بالأول ويكمن في تحقيقه لنتائج عديدة، التي بدورها تعمل على زيادة التمسك بالمنهج39، ومن ثمة أصبح التصور الذي يوجه فلسفة العلوم، هو دراستها لتطور المنهج الذي اعتمدته العلوم، وكان هذا المنهج المعني هو الاستقراء، الذي يبدأ بالملاحظات أو الوقائع التجريبية، ثم يعمل على تعميمها حتى يصل منها إلى قانون علمي.

يعمل "فيرابند" على تثبيط هذه المزاعم، وذلك بالرجوع إلى تفحص تاريخ العلم، حيث تبين له بأنه "لا يوجد ثمة (منهج علمي) إذ لا يوجد إجراء وحيد، أو مجموعة من القواعد التي تشكل أساسًا لكل نموذج بحث، وضمانًا لأن يكون بحثًا علميًا، ومن ثم، لأن نضع ثقتنا فيه، فكل مشروع وكل نظرية وكل إجراء إنما يخضع في الحكم عليه إلى أهليته الخاصة، وعن طريق معايير لابد أن تكون متكيفة مع العمليات التي يبحث فيها"40، لذلك فإن "فيرابند" يلقي باللائمة على مؤرخي العلم وفلاسفته من الذين يغضون الطرف عن التعرجات التي شهدها تاريخ العلم أثناء ملاحقته لموضوعه، لأن العلم لم يكن ليكتفي بمنهج واحد وينغلق عليه، ويسعى من خلال هذا المنهج (المتكامل) إلى تحقيق تطورات باهرة في دراسة موضوعه، بل إن المعايير والمبادئ المعقولة والبسيطة، التي نظر إليها الفلاسفة باعتبارها منطلقات ضرورية، تهاوت بعد ظهور الثورة الكوبرنيكية، وبروز نظرية الحركة، لقد انتهكت القواعد بالفعل، وكان العلماء على علم بهذا التطور، لكنهم فضلوا التطور على التّمسك بمبادئ قديمة41.

لذلك يعمد "فيرابند" إلى تعطيل صلاحية جميع المناهج التي أقرها تاريخ العلوم، باعتبارها النموذج الوحيد الذي على العلم اتباعه، فهي دعوة منه إلى العلماء بعدم الوقوع أسرى لتلك المناهج، "لأن الإجماع يمكن أن يناسب كنيسة، أن يناسب ضحايا مرهبين وطامحين إلى تبني خرافة (قديمة أو حديثة) أو أتباعًا ضعافًا وخاضعين لطاغية من الطغاة، لكن تنوع الآراء هو ضروري لمعرفة موضوعية ومنهج يشجع التّنوع، و هو فقط من نستطيع القول إنه المنهج الوحيد المتوافق مع أفكار إنسانية، في نطاق حيث يفرض شروط المطابقة قيودًا على التّنوع، إنّه يحوي عنصرًا لاهوتيًا، يكمن بالطبع في الولع بالوقائع المميزة جدًا تقريبًا لكل نزعة إمبريقية"42، لأن الإجماع قد يكون في قضايا ميتافيزيقية ليست لأحد السلطة في الحكم على صحتها أو خطئها أما تلك القضايا الامبريقية فالتجربة وحدها من تحكم على استمراريتها أو تأذن لنا باستبدالها.

إن الإبداع يأتي عندما ينتهك العالم القواعد المتوفرة، من خلال تخليه عن بعض المبادئ، التي تشكل منطلقات ذلك البحث أو يعمل في بعض الأحيان حتى على معاكستها، حيث يقول "فيرابند" "إن أكثر الصور أهمية في المناقشة الحالية الدائرة في تاريخ وفلسفة العلوم إنما هي إدراك حوادث مثل اختراع المذهب الذري في العصر اليوناني والثورة الكوبرنيقية ونشأة المذهب الذري الحديث (دالتون ،النظرية الحركية، ونظرية التحلل، والكيمياء المجسمة، ونظرية الكم) والبزوغ التدريجي لنظرية الضوء، حدثت فقط لأن بعض المفكرين إما قرروا ألاّ يلتزموا بقواعد محددة واضحة أو لأنهم انتهكوها بلا قصد أو العكس من ذلك"43، فهذه المغامرة التي يقوم بها الباحث تجعله يكتشف طرقًا جديدة للبحث، وربما تكون معاكسة للمناهج السابقة، لذلك يطرح "فيرابند" مفهوم "الاستقراء المعاكس" الذي عمل على تطويره من خلال اعتبار كل شيء مقبولا ما دام يقدم نظرة استشرافية للعلم من خلال الفرضيات التي يصيغها، لذا يقبل هذا النوع من الاستقراء حتى تلك الفرضيات التي ليس لها أصل تجريبي، والاستقراء المعاكس هو وضع كل ما سبق في دائرة الشك ،وهذا لا يعني قبول كل ما يمكن أن يقدم في العلم من تفسيرات وتخمينات ليصبح العلم مجموعة من الآراء التي لا يمكن حصرها ولا التحقق من صدقها، وإنما تقبل من الباحثين الجديرين بالاحترام، لأنه ليس صعبًا التمييز بين النظرية ذات المستقبل أمام النظرية التي سيطويها النسيان44.

    هذا يعني عند "فيرابند" أن البحث العلمي ليس تعسفيًا، وإنما هناك معايير، تحتاج إلى براعة، وعلى حصافة، وإلى معرفة تفاصيل للتوصل إلى حكم منظم للمعايير الموجودة، وإلى ابتداع معايير أخرى جديدة45، والاستخدام الصحيح لهذه القواعد هو من يكون معيارا نفرز به بين الباحثين الجّادين والباحثين المخالفين للصواب، أما التمسك بالمضمون الأصلي للنظرية أو حتى الفرضية فلا يقدم للعلم أي فائدة، كما لا ننتظر نتائج باهرة دومًا من وراء تلك التجارب غير المحسوبة النتائج "لأن البحث لا يكون دائمًا ناجحًا بل غالبًا ما يخلف وراءه أهوالا، فربما تصحح الأخطاء البسيطة، بما في ذلك المجالات المحدودة من الدّاخل، ويمكن بل غالبًا ما تم الكشف عن الأخطاء الجسيمة، بما في ذلك الإيديولوجية الأساسية للمجال التخصصي عن طريق علماء لهم تاريخ شخصي غير عادي"46، وهذه الآراء التي تبدو شاذة يمكن أن تحقق الاكتشاف، كما أنها تحقق الوفرة أمام التجارب التي ستقام انطلاقًا من المخططات التي رسمتها هذه التخمينات، التي تقدم خدمات جليلة للعلم إذا لم يسأ استخدامها.

يعطينا "فيرابند" مثال في العلوم الطبية، من خلال تتبعه لتاريخ الطب في الصين، حيث كانت الصين من البلدان القليلة التي أفلتت من سيطرة الثقافة الغربية في نهاية القرن التاسع عشر، لكن مع بداية القرن العشرين ظهر جيل جديد ضجر من تلك التّقاليد البالية، ومن القيود الموجودة فيها، وكانوا في ذلك متأثرين بالتفوق المادي للعلم الغربي المستورد، فلم يلبث أن أزاح العلم الغربي كثيرا من جوانب الطب التقليدي الذي كان معمولا به في الصين كطب الأعشاب، الوخز بالإبر، ثنائية الين يانغ، واستمر هذا الازدراء حتى حوالي عام 1954، عندئذ أدركت السلطة الحاكمة حاجتها إلى الإشراف السياسي على العلماء، وذلك من خلال غلق باب تأثره بالإيديولوجية الغربية، أين أعيد بعث الطب التقليدي في المستشفيات والجامعات، فأعاد الأمر المنافسة بين الطب التقليدي والعلم الغربي، واكتشف الصينيون بأن للطب التقليدي وسائله الخاصة في التشخيص والعلاج تفوق تلك التي لدى العلم الغربي، والدرس المستفاد من هذا المثال هو أن يمكن أن تصبح الإيديولوجية غير العلمية منافسة شديدة البأس للعلم47، وبذلك نقول بأن على المنهج أن يكون منفتحا على كل الآراء حتى وإن كانت تبدو بأنها مغرقة في إيديولوجيتها، وهي وسيلة أغناء لآلة العلم تلك وليس تفقيرًا لها.

6-                        اللاّقياسية

لقد أعجب "فيرابند" بالطرح الذي أتى به "توماس كون" في قراءته لتطور تاريخ العلم، خاصة عندما وجد فيه ميلا إلى القول بالنسبية، لكن اختلف معه في تسميتها وفي طريقة مواصلتها داخل النظرية العلمية، فالنسبية عند كون مرتبطة بتغير مفهوم النموذج الإرشادي، هذا النموذج المتغير والمتطور باستمرار هو الذي يتحكم في سيرورة المعرفة العلمية، أما "فيرابند" فيتكلم عن فكرة اللا مقايسة في تطور النّظريات العلمية، بمعنى أنه مقتنع بأن النّظريات العلمية المختلفة التي تتواجه أو تتالى أثناء سير التّاريخ، غير قابلة للمقارنة، ذلك أن لكل منها معايير صلاحية خاصة بها48، ولا يمكن إرجاعها إلى نموذج إرشادي واحد، الذي يقره كون ويجعله الأجدر لقيادة المشروع العلمي، والتحكم بمجريات البحث العلمي في حالته القياسية المقبلة، إذ يشدد كون في هذا التطور على أن الأزمة التي تنذر بقيام الثورة العلمية والتي يتم بواسطتها رفض النموذج الإرشادي السائد قبلاً من قبل نماذج إرشادية متنافسة كثيرة، لا يكون هذا الرفض مقبولاً إلا إذا كان متزامنًا مع إقرار هذه الكثرة من النّماذج الإرشادية المتنافسة على نموذج إرشادي آخر يكون هو المؤهل لقيادة البحث العلمي، لكن "فيرابند" يرفض هذه النزعة التسلطية الإرشادية التي يمارسها النموذج الذي يفرض نفسه كبديل عن باقي النماذج الأخرى، بل يجب أن نمنح هامشا من الحرية لدى العلماء في اختيار النموذج الملائم، لأن المواضيع التي يتناولها العلم ليست واحدة، ولتأكيد وجهة نظره يستقرأ "فيرابند" تاريخ تطور الفيزياء المعاصرة، فهي تعمل تحت مظلة نموذجين أو نظريتين مختلفتين ومتعارضتين في تفسير الضوء، فهناك نموذج النظرية الجسيمية ويقابله نموذج النّظرية التموجية، وكلا النموذجين صحيحين ومعترف بهما في تفسير ظاهرة الضوء وانتقاله عبر الفضاء، لذلك يفضل العلم أن يتخذ مسارات متعرجة وغير منتظمة ولا مقايسة في تفسير مواضيع بحثه.

لكن رغم ذلك لا ينكر "فيرابند" فضل كون في مساعدته من أجل صياغة هذا المفهوم، بما أن "النموذج الإرشادي paradigme بالنسبة له إنما هو تقليد يشتمل ببساطة على سمات يمكن مماثلتها جنبًا إلى جنب مع ميول وإجراءات لم تكن معروفة ،بيد أنها تقود بطريقة خفية لا يمكن اكتشافها إلا بتعارضها مع تقاليد أخرى، وبإدخال فكرة النموذج الإرشادي يكون قد طرح فوق كل شيء مشكلة"49، رغم إقرار فييرابند بأن هناك نمطا يحرك تاريخ العلم لكن هذا النمط عنده يبقى عصيا عن ضبطه ضمن نموذج واحد أو قالب منطقي محدد، لأنه لا يمكن أن نقارن بين النظريات العلمية، سواء من خلال نظرية المطابقة في مجال صدق القضايا، أو في إمكانية تطبيق المناهج المنطقية في ميادين العلوم، وهذا ما يجعل تاريخ العلوم مماثلا للتصور الماركسي لتطور التاريخ، فكما أن ماركس رأى أن تاريخ الاجتماع البشري تألف من أنماط إنتاج مختلفة منقطع بعضها عن البعض الآخر، كذلك رأى "فيرابند" أن تاريخ العلم تألف من أنماط من النّظريات المنفصلة50، ويمكن أن تشارك في تكوين نظرياته آراء كانت تبدو لنا بسيطة وساذجة أو ما ندعوه بالإيديولوجيات الخارجة عن خصوصية العلم.

7-                       العلم والإيديولوجيا

على اعتبار أن العلم تتداخل نشاطاته مع كثير من الحقول والإنتاجات الإنسانية، يجعل ذلك الكل المعرفي وانقسامه على نفسه أقسامًا متغايرة فيما بينها عملية عفوية وإنما هي كسب من مكاسب الفكر عبر مغامراته التّاريخية، وتميز العلم عما سواه من تصورات متداخلة معه، بما في ذلك تلك الإيديولوجيات التي تحاول أن ترافق أبحاثه، عملية صعبة التحقيق على غير المتخصص، وذلك لأنها في كثير من الأحيان ملتحمة به، بل إن خط الفصل بين هذا وذاك لم يكن قط خطًا واضح المعالم، بما أنه خط غير ثابت ومتنقل باستمرار تبعًا لنوعية الفوارق التي تظهر وتختفي، ووفقا للمعايير التي يخضع لها الفكر عندما ينظر ويتصور وينشئ الأنساق التفسيرية داخل وضعية فكرية محددة تاريخيًا51.

لذلك قد يبدو العلم قد اكتسب في مرحلة ما من مراحل تطور تاريخ البشرية نوعا من القوة، ليتبوأ صدارة باقي النشاطات التي يقوم بها الإنسان، ليس لأنه توصل إلى الحقيقة، ولا بفضل إتباعه لمنهج صحيح، ولكن يعود الفضل الريادي أو التراجع  المطرد للعلم في مرحلة ما من تاريخ تطوره إلى تأثير وهيمنة الإيديولوجيات السائدة في ذلك العصر، ويعود بنا "فيرابند" إلى استقراء تطور تاريخ العلم من أجل تأكيد ما يقول، بما أن هذا التاريخ يضمر في طياته إعادة لأراء سابقة كانت تعد من الأساطير الخرافية أو الميتافيزيقا البالية "ليس هناك فكرة، مهما كانت قديمة سخيفة غير قادرة على تطوير معرفتنا، ولقد تم امتصاص تاريخ الفكر كله في العلم ويتم استخدامه لتطوير كل نظرية منفردة، وقد تكون هناك حاجة إليه للتغلب على الغلو في الوطنية العلمية التي تقاوم البدائل لحالة التعايش"52، لذلك فإن حضور الماضي في منظومتنا الفكرية حتى وإن كانت تدعي الموضوعية والدقة تشكل الدّافع الداخلي للمضي قدمًا نحو فهم أفضل للمواضيع التي نتعامل معها، والعالم الذي ينحصر اهتمامه فقط في المجال التجريبي الأقصى، من خلال رغبته في فهم العديد من جوانب نظريته بقدر الإمكان، سوف يطبق منهجًا تجميعيًا، من خلال الاستفادة من كل ما توفره له بيئته من آراء حتى وإن كان يبدو بعضها بالنسبة إليه ساذجًا، لأن التاريخ الكلي يتم استخدامه في محاولة تطوير وفهم مرحلة تأتي بعد مرحلة سبقتها في المحاولة من أجل التقرب من حقيقة ذلك الموضوع، بل إن الفصل بين تاريخ العلم هنا وفلسفته الكلية عند "فيرابند" يتحول إلى هواء خفيف، كما هو الشأن بالنسبة إلى الفصل بين العلم واللاعلم53.

من الإيديولوجيات التي مارست حضورًا لافتًا وضاغطًا في تاريخ العلم حسب "فيرابند" الإيديولوجيات الدينية، التي منعت العلم من أن يتصف بالحرية المطلوبة في تحقيق الإبداع، بما أن نمها تتطلب الرتابة والخضوع للقيم والآراء السائدة، فتظهر لها الفوضوية تهديد لها "لأن العلم هو أساسًا مشروعًا فوضويًا، إن الفوضوية النّظرية هي أكثر إنسانية وأكثر أصالة في تشجيع التّقدم من العقائد المؤسسة على القانون والنّظام"54، ونجد تجسيد ذلك خاصة في العصور الوسطى التي كان فيها العلم مضطهدًا من طرف الكنيسة، فلم تكن التجارب العلمية الهادفة لإيجاد نماذج تفكير بديلة مسموح بها، لذلك تعرض العلماء باسم هذه الإيديولوجية إلى القتل والسجن والنفي، كما أحرقت كتبهم ورسائلهم التي لا تتوافق أبحاثها مع ما يراه رجال الدين صحيحا، لأن تقييد العلم بمنهج واحد ووحيد واعتباره هو المنهج الأمثل الذي لا يمكن الاستغناء عنه، إجراء تعسفي، لا يمكن لتاريخ العلم أن يسمح به، كما أنه يعمل على معاكسة مجرى الإبداع ويزهق روح العلم الضرورية في الإبداع55.

هذه السيطرة التي مارستها الإيديولوجيات الدينية في مرحلة ما من مراحل تاريخ العلم، جعلت العلم ينتقل إلى مرحلة ما وراء العلم التي بموجبها أصبح العلم مادة للإيمان والاعتقاد الإيديولوجي بالنسبة لكل فرد تقريبًا، وتخلى عن دوره التحرري ليتحول إلى عقيدة جامدة لم تجد أمامها أية معارضة، وهنا يبدي "فيرابند" شجاعة ابستيمولوجية فذة تقول لا لسيطرة هذه الميثولوجيات المتحجرة على تاريخ العلم56، وعلى العلماء أن يحملوا شعار "لا" لسيطرة الأفكار غير العلمية على العلم، "لا" لتخطي الإيديولوجيات الدينية مجالات علمية تتجاوزها.

انطلاقًا من هذا التعسف في استعمال الإيديولوجيا في تاريخ العلم، فإنه من التعسف المنهجي مثلا أن ننظر في تاريخ علم الفلك وما فيه من قوانين تتصل بحركة الكواكب أو من تقنيات رصد وقيس زوايا أو مؤسسات تعليمية، دون اعتبار الهيكل الفكري العام ،الذي نزلت في إطاره تلك القوانين، واستعملت تلك التّقنيات، أو بصرف النّظر عن الحاجات الاجتماعية، التي دعت إلى إنشائها وحددت طرق استخدامها ورسمت حدودها وفرضت عليها ألا تتجاوزها57.

    رغم أن العلم وإلى وقت ليس بالبعيد تخلص فعليًا من سيطرة الإيديولوجيا الدينية، على الأقل من خلال الفتوحات العلمية والكشوفات المبهرة التي تتالت بداية من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إلاّ أن الإيديولوجيا لم تترك العلم إلى اليوم، لكنها هذه المرة اتخذت مظهرًا آخر، وهي سيطرة الدولة على دواليب ومجريات البحث العلمي58، لذلك يدعو "فيرابند" إلى تجاوز سيطرة الدولة وحلول الفوضوية مكانها، والفوضوية ليس هدمًا للمعرفة أو دعوة إلى تشتتها، بل على العكس من ذلك فهي تشكل دافعًا قويًا نحو اعتناق الحرية في البحث، وتكسير تلك الطابوهات التي شوهت كل مسارات البحث العلمي الجاد، إن "الفوضوية تساهم في التقدم مهما يكن المعنى الذي نفهمه منها، لأن أي علم مؤسس على المبادئ والقوانين يكون مآله التقهقر والفشل، وقد تنقذه الفوضوية ولو بالمصادفة، لأن التصور الثابت للمنهج الذي سوقته العقلانية، إنما يرتكز على تصور ساذج للإنسان ولمحيطه الاجتماعي"59.

هذه الفوضوية التي تتخلص من كل سلطة فوقية أو إيديولوجيا متخفية، لتصل حسب "فيرابند" إلى مجتمع تتمتع فيه كل التقاليد بحقوق متساوية وحرية متساوية في الوصول إلى مركز القوة60، ويعود "فيرابند" دائما في تحليل أفكاره إلى استقراء تاريخ المجتمعات الغربية، فهي اليوم تظهر التفوق العلمي ليس نتيجة تطوير واهتمام بالبحث لأجل البحث أو من أجل الوصول إلى حجة قاطعة تجعلها راضية على ذاتها في هذا المجال، وإنّما هو نتيجة ضغوط سياسية ومؤسساتية، بل وحتى عسكرية، ترصد لها الدولة مبالغ ضخمة من أجل خدمة إيديولوجيتها، وتوجيه الأبحاث إلى ما يحقق سيطرتها وتفوقها على باقي الشعوب، وليس أدل من ذلك أنه لو تلاشت هذه الضغوط أو تم توظيفها ضد العلم لأفضى بنا البحث إلى نتائج عكسية61.

إن النزعة العقلانية والرؤى المصاحبة لها في مظاهر مجتمعات الحداثة، من خلال تبرير سلوكياتها انطلاقًا من احترامها لقوانين ودساتير وضعتها لنفسها، لا يجعلها محصنة من النقد والانهيار، لأنها مجتمعات فشلت في استيعاب المواقف الشاذة، وأرادت فقط تنميط السلوك والتفكير والإنتاج العلمي، لأن الاختلاف والتعدد في الآراء والنظريات هو الذي يغني الفكر ويجعله خصبًا وحرًا، لذلك علينا اليوم أن ندع جميع التّقاليد والنّشاطات المعرفية الإنسانية تتطور بحرية، لأن الدرس الذي نستخلصه اليوم واضح ، إذ لا وجود لحجة فردية يمكن استعمالها لدعم الدور الاستثنائي الذي يؤديه العلم اليوم داخل المجتمع62.

لذلك على السلطة حسب "فيرابند" أن تضع نفسها على مسافة مساوية من جميع الآراء، وبذلك نستطيع أن نشهد ثورة علمية حقيقية في جميع المجالات، ثورة ضد كل تلك الآراء والمناهج والنتائج التي لم يعد هناك أي داع لبقائها، لأنه ليس هناك قواعد يمكن التشبث بها إلى الأبد تحت أي ظرف من الظروف، فلا وجود لمنهج علمي يمكن استخدامه لإبعاد العلم عن نهايته المحتومة، فالعلم أحد الإيديولوجيات التي تدفع بالمجتمع إلى الأمام، لذلك ينبغي أن نعامله على هذا النّحو، ومثلما يحق لأي فرد أن يقبل أو يرفض إيديولوجية من الإيديولوجيات، ينطبق الأمر نفسه بالنسبة إلى مبادئ العلم.

من هنا فإن "فيرابند" يرى بأن انفصال الدولة على الكنيسة لم يستكمل بعد إلا من خلال انفصال الدولة عن العلم، وهو مشروع يحلم العلماء بتحقيقه يومًا ما، لأن الدولة أكثر حداثة وأكثر عدوانية وأكثر دوغمائية من المؤسسات الدينية، إن هكذا انفصال هو بلا شك حظ الإنسانية الوحيد من أجل بلوغ درجة من الرقي الإنساني التي نحن جديرون بها63.

ومع هذا ليس غريبًا أن يناقض "فيرابند" بعض الوقائع أو حتى نفسه في قوله بهذا المنهج أو بالأحرى اللاّمنهج، ويقر هذا بنفسه خاصة في كتاباته المبكرة، التي تعدّ الأكثر رصانة وموضوعية، حين أشار فيها إلى أن اللامقايسة ليست أطروحة فلسفية بقدر ما هي تخليص لإجراء علمي واسع الانتشار كثيرًا، والهجوم عليه ليس هجومًا على موقف فلسفي معين، بل هو هجوم على العلم ذاته، لهذا بقى هذا الموقف تعتريه كثير من الثغرات، ولعلنا نكتفي هنا في هذا المقام بالنقد الذي وجهه له صديقه "إيمري لاكاتوش" حينما تساءل في سخرية:  أين هو الفوضوي الابستيمولوجي الذي يخرج من العمارة عبر النّافذة في الطّابق 50 عوض استعمال المصعد، لمجرد روح المناقضة لديه؟64

     كما أنه مهما حاولنا التملص من المنهج في العلم، فإننا سنجد أنفسنا قد سلكنا منهجًا آخر، وكل انتهاك للمنهج القديم هو تأسيس لمنهج جديد، كما أن العلم لا يمكن اقتصاره على تلك اللّحظات التي تحدث فيها ثورات من أجل التّغيير، بل تاريخ العلم يضم كذلك تلك اللّحظات التي سار فيها العلم بخط مستقيم ثابت وهي الفترات الأطول في تاريخه، بما أن الثورة تمثل اللاّعقلانية والثبات يمثل العقلانية، كما أن اللحظات اللاعقلانية في تاريخ العلم لم تكن هدفًا بذاتها ولا محركًا يشتغل من ذاته، بل تقف وراءها خلفية تبشر بانبعاث عقلانية جديدة يراها العلماء أكثر رقيًا من سابقتها، وستتكفل بقيادة مجريات البحث العلمي الجديد.


1. رونيه ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، ترجمة سفيان سعد الله، دار سراس للنشر، تونس، 2001، ص 39.

2. المرجع نفسه، ص 43-44.

3. J.L.Marion, Sur l’ontologie gris de Descartes, Vrin, Paris, 1975, p 25.

4. رونيه ديكارت، حديث الطّريقة، ترجمة عمر الشارني، دار المعرفة للنشر، ج1، 1987، ص 27.

5. رونيه ديكارت، قواعد لتوجيه الفكر، ترجمة سفيان سعد الله، مرجع سابق، ص 45.

6. حمادي بن جاء بالله، العلم في الفلسفة، سراس للنشر، تونس، 1999، ص 53.

7. دونالد جيليز، فلسفة العلم في القرن العشرين، ترجمة ودراسة حسين علي، التنوير للطباعة والنشر، لبنان، ط1، 2009، ص 93.

8. رودلف كارناب، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة وتقديم السيد نفادي، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، لبنان، 1993، ص 36.

9. كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، دار الفارابي، لبنان، 2012، ط1، ص 166.

10.ولد فيرابند سنة 1924م في النمسا، أين أتم دراسته الابتدائية والثانوية بمسقط رأسه، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية 1945م التحق بالجيش، الذي أصيب فيه بالشلل جراء رصاصة اخترقت عموده الفقري، لكن هذا لم يُثنه عن مواصلة حياته، حيث استأنف بعدها دراسة الفنون المختلفة من مسرح وسينما وغناء، ثم جلبت انتباهه مواضيع الفيزياء وعلم الفلك والتاريخ، أين أخذ نصيبًا وافرا منها في جامعة فينا التيانظم إليها بين سنتي 1946م إلى غاية 1951م[1]. عمل فيرابند على إحياء الفعل الثقافي والفلسفي، خاصة بعد النكسة التي تعرض إليها من جراء انعكاسات الحرب العالمية، أين اشترك مع أستاذه فيكتور كرافت )V .Krafte1880-1975م) في تأسيس نادي الفلسفة، وكانت الفرقة تطلق على نفسها "حلقة كرافت"cercle de Kraft، التي التقى فيها الكثير من الفلاسفة، ومن بينهم فلكس هيرنهافت F.Ehernhft(1879-1952م) وفجنشتاين Wittgenstein(1889-1951م) الذي زار "حلقة كرافت" عام 1949م لإلقاء محاضرة هناك، أين تقابل معه فييرابند وأعجب بأفكاره، خاصة بعد تعرفه على الفيلسوفة الانجليزية إليزابيث انسكومب E.Ansombe (1919-2001م) التي تعرف معها أكثر على أهم أعمال فيجنشتاين[1].

11.                       في سنة 1951م تحصل على درجة الدكتوراه، ليبدأ مسيرته في التدريس بعد ذلك في عدة بلدان أوربية كستوكهولم وكوبنهاقن وأوسلو وإنجلترا... ثم سافر إلى الولايات المتحدة سنة 1980م لينهي مسيرته في التدريس بجامعة بركلي سنة 1990م، توفي بعد ذلك بأربع سنوات.

12.أهم مؤلفاته:

13. ضد المنهج 1979.

14. العلم في المجتمع الحر 1981.

15. أوراق فلسفية 1981.

16. العلم من حيث هو فن 1984.

17.وداعا أيها العقل 1987.

18. ثلاث محاورات في المعرفة 1991.

19. قتل الوقت 1995.

20.طغيان العلم 1996.

21.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 349.

22.P.Feyerabend,Contre la méthode, Esquisse d’une théorie anarchiste de la connaissance،
traduit de l’anglais par Baudouin Jurdant et Agnès Schlumberger
، Editions du Seuil,1979, p 348.

23.كارل بوبر، منطق البحث العلمي، ترجمة محمد البغدادي، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، ط1،2006، ص ص 83-84.

24.محمد السيد، التمييز بين العلم واللاّعلم، دراسة في مشكلات المنهج العلمي، مرجع سابق، ص 143.

25.يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، سلسلة عالم المعرفة، العدد 264، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2000، ص 441.

26.بول فييرابند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مراجعة سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، 2000، ص 21.

27.أنظر يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، مرجع سابق، ص 367.

28.P. Feyerabend,contre la méthode,op. cit, P 13.

29.السيد نفادي، اتجاهات جديدة في فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 109.

30.يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، مرجع سابق، ص 243.

31.P. Feyerabend,contre la méthode,op. cit, P 03.

32.Ibid, p04-05.

33.بول فيرابند، العلم في مجتمع حر، مصدر سابق، ص 112.

34.بول فيرابند، ثلاث محاورات في المعرفة، ترجمة محمد أحمد السيد مع دراسة حول المعرفة العلمية عند فيرابند، مكتبة الإسكندرية، د.ت، د.ط، ص 11-12.

.35.P. Feyerabend,contre la méthode,op. cit, P 344.

36.Ibid, 344.

37.Ibid, 12.

38.يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، عالم المعرفة، الكويت، 2000، ص 423.

39.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2000، ص 25.

40.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 351.

41.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص ص 60-61.

42.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 353.

.43.يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، مرجع سابق، ص 426.

44.السيد نفادي، اتجاهات جديدة في فلسفة العلم، مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس والعشرون العدد الثاني، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أكتوبر/ديسمبر، 1996، ص 256.

45.باول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص 67.

46.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 354.

47.المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

48.دونالد جيليز، فلسفة العلم في القرن العشرين، ترجمة حسين علي، دار التنوير للطباعة والنشر، لبنان، ط 1، 2009، ص 101.

49.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص 112.

50.المصدر السابق، الصفحة نفسها.

51.المصدر نفسه، ص 21.

52.P. Feyerabend,contre la méthode,op. cit, P 46.

53.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص 113.

54.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 367.

55.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص 114

56.المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

57.المصدر السابق، ص 117.

58.جان فرانسوا دورتيي، فلسفات عصرنا تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة إبراهيم صحراوي، الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، ط1، 2009، ص 324.

59.بأول فيرآبند، العلم في مجتمع حر، ترجمة السيد نفادي، مصدر سابق، ص 81.

.60.حيدر حاج حمد، مقدمة لترجمة كتاب توماس كون، بنية الثورات العلمية، تر حيدر حاج إسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2007، ص 34.

61.حمادي بن جاء الله، العلم في الفلسفة، مرجع سابق، ص 60.

62.بول فيير ابند، ضد المنهج، ترجمة ماهر عبد القادر محمد علي، مصدر سابق، ص 79.

63.المصدر نفسه، ص 80.

64.P. Feyerabend, contre la méthode, op. cit, P7.

65.يمنى طريف الخولي، فلسفة العلم في القرن العشرين، مرجع سابق، ص 439.

66.P. Feyerabend, contre la méthode, op. cit, P30.

 67.حمادي بن جاء الله، العلم في الفلسفة، مرجع سابق، ص ص 60-61.

68.بول فيرابند، العلم في مجتمع حر، مصدر سابق، ص 124.

69.P. Feyerabend, contre la méthode, op. cit, P30.

70.كريم موسى، فلسفة العلم من العقلانية إلى اللاعقلانية، مرجع سابق، ص 413.

71.P. Feyerabend, contre la méthode, op. cit, P345.

72.Ibid, p12.

73.جان فرانسوا دورتيي، فلسفات عصرنا تياراتها، مذاهبها، أعلامها، وقضاياها، ترجمة إبراهيم صحراوي، مرجع سابق، ص 327.

توفيق بن ولهة, «مقالة في اللاّ منهج مقاربة بول فيرابند »

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 02 مجلد 16-2019N°02 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 123-136,
Date Publication Sur Papier : 2019-06-24,
Date Pulication Electronique : 2019-06-24,
mis a jour le : 24/06/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=5760.