اللسانيات العربية: الواقع والآفاق قراءة في تصور "مصطفى غلفان" The reality and perspective of the arabe linguistic, in the investigation of Mustapha Ghalfen
XML sitemap





































































advanced

Archive PDF

Informations pratiques

اللسانيات العربية: الواقع والآفاق قراءة في تصور "مصطفى غلفان"

The reality and perspective of the arabe linguistic, in the investigation of Mustapha Ghalfen
ص ص 186-201
تاريخ الإرسال: 2018-09-15 تاريخ القبول: 2019-09-24

غنية طيبي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

تحاولُ هذه الدراسة استقراءَ واقع اللّسانيات في الثّقافة العربية من خلال ممارسات عمليّة شكّلت ما يُسمّى باتجاهات البحث اللّساني العربي حديثا وفق منظور الباحث اللّساني: "مصطفى غلفان" الذي شخّص من خلال مقارباته العديدة هذا الواقع على مستوى: المنهج والموضوع والغاية.

وانطلاقا من هذه المستويات والاهتمامات نحاولُ رسمَ صورة لمستقبل اللّسانيات العربية وآفاقها

الكلمات المفاتيح: اللّغةُ العربيّة، اللّسانيات، المنهج، الواقع، الآفاق.

Cette étude essaye de faire apparaitre la réalité de la linguistique dans la culture arabe à travers des pratiques qui ont formé ce qu’on appelle  « les directions de la recherche linguistique arabe récente » selon le chercheur linguiste « Mustapha Ghalfen ». Ce dernier  a diagnostiqué à travers plusieurs de ses approches cette réalité au niveau de la méthode, du sujet et de l’objectif.  C’est à partir de ces niveaux et ses intérêts que nous essayons de dessiner l’image de l’avenir de la linguistique arabe et ses horizons

Mots clés : La langue arabe, La linguistique, La méthode, La réalité, L’horizon.

This study highlights the linguistic state in the Arabian culture through practices that form the recent approaches of research of the Arabian linguistic; the linguist researcher « Mustapha Ghalfen » has diagnosed via different approaches that reality in terms of method, topic, and purpose.

 Throughout these levels and interests, the researcher tries to draw the future of the Arabian linguistics and its perspectives.

Key words: The Arabian language, Linguistic, Method, State, Perspective.

Quelques mots à propos de :  غنية طيبي

جامعة محمد لمين دباغين سطيف2 ghanitaibi@yahoo.com

تشكّل اللّغة مركز اهتمام مختلف العلوم التي تسعى إلى مقاربة الواقع واكتشاف حقائقه من أجل إنتاج معرفة علمية تفسّر طبيعته، ولا يكون لها ذلك إلّا بنظرةٍ واعيةٍ لواقع اللّغة واستعمالاتها ومُصطلحاتها ورُموزها، كونَها الوعاء المادي والفكري الذي يُعطي حُدُوداً ملموسةً لهذا العلمِ، وتسمحُ له القيامَ بمقارباته وتحليلاته ودراساته لمختلفِ الظواهرِ الطبيعيّة، كما تضمنُ له اشتغال آلياتهِ بصفة علمية ثابتة إذْ تقيّدُ له قوانينَه ونتائجَ اختباراته وتجارُبه.

مقامٌ جعلَ من هذه الظاهرة كنزاً معرفيًا في ذاته وفي وظيفته أهّلَها لأنْ تستحقَ النَّظَر إليها بإحدى تلك العلوم، نظرةٌ ثاقبةٌ تكشفُ عن خبايا هذا الكنزِ لِتُعْرَفَ حقائقُها وأبعادُها ومكوّناتُها وغاياتُها، نظرة كان عنوانها التأمّل اللّغوي قديمًا ومضمونها البحث اللّساني حديثًا، ونتيجة كلّ ذلك علم اللّسان أو اللّسانيات والتي أضحت تضاهي مختلف العلوم الطبيعية منها والإنسانية، منهجا وموضوعا، خاصة منذ انتشار فكر "دوسوسير" عن اللغة خلال القرن العشرين.

    ولا تزال حركية التفكير اللساني مستمرة وهي تسعى نحو تصوّرات جديدة واكتشافات راهنة موازية لخط تطوّر اللغة في المجتمعات خاصة المتقدّمة منها، أين تشهد اللغة والدّراسات عنها-على السواء-تطورا ملحوظا في سبيل إيجاد أدقّ التفاصيل عن أسرار اللغات على مستوى اشتغالها العصبي /الدّماغي من جهة، وعلى مستوى اشتغالها الوظيفي الآلي/التكنولوجي من جهة ثانية.

فإذا كان هذا واقع اللسانيات عند الغرب، فما هو حالها عند العرب؟

-                       وما هو واقع الممارسة اللسانية في الثقافة العربية؟

-                       فيم تتمثل اهتمامات اللسانيين العرب حديثا؟

-                       وفي ظل ضرورة المسايرة والمواكبة: ماهي آفاق الدرس اللساني عند العرب؟

-                       وكيف قارب "مصطفى غلفان" هذه الإشكالات كلّها؟

وقبل أن نعالج هذه الموضوعات نودّ الحديث عن موضوع العلاقة بين اللغة العربية وعلم اللسان بمفهومه الحديث –خاصة-وهذا من منطلق تأييد البعض لهذه العلاقة بين اللغة العربية -موضوعا-واللسانيات – منهجا علميا-ومن منطلق رفض ونكران البعض الآخر لها بحجة أنّنا لدينا من الدّرس اللغوي القديم ما يُغنينا عن هذا الفكر الحديث وكذلك بحجة تميّز اللغة العربية بخصائص فريدة لا يمكن النّظر فيها بالآليات اللسانية العامة الحديثة.

1-اللغة العربية واللسانيات

تمثل ظاهرة اللغة على اختلاف أشكالها ومستوياها المادة الخام للمقاربة اللسانية التي تعمل من أجل وضع الشروط العلمية والموضوعية لتحويل هذه المادة إلى موضوع علميّ قابل للوصف والتفسير والتقنين، وذلك كلّه بغية كشف طبيعتها الداخلية أولا، وأبعادها المعرفية الخارجية ثانيا ، من خلال تفسير وجه العلاقة الخفية التي تربط بين أنماط المكوّن اللغوي ، وبين أشكال المكوّن العقلي والفكري لدى الإنسان المتكلم/ المستمع والمفكر فيما يشكّل صور علاقاته بينه وبين لغته من ناحية، وبين لغته وواقعه الخارجي من ناحية أخرى فـ «عندما نرى كم هو طبيعي ومفيد للإنسان أن يحدّد بين لغته والواقع، نكتشف مدى الجهد العقلي الذي وجب بذله للفصل بينهما، وجعل كلّ واحد منهما موضوع دراسة ».1

وإذا وجّهنا النّظر إلى اللغة العربية وحدّدناها موضوعا للدّراسةِ بمعزلٍ عن ناطقيها وواقعها، يستقر اليقين عند مادتها اللغوية وأدلتها اللسانية ووعائها الفكري، وعلامتها الوظيفية، وقيمتها التواصلية، كلغة، طبيعية مثلها مثل بقية اللغات، تتضمن في بنيتها الداخلية نموذجا صوريا قابلا لأنْ يكون موضوعا علميا يوصف ويحلّل ويفسّر لسانيا لتحديد طبيعتها وكشف حقائقها باستقراء عناصرها واستنباط علاقتها والاستدلال على قوانينها العامة والخاصة في إطار البحث أو الممارسة اللسانية.

وهذا يعني أنّها ظاهرة كلّية تحتاج باستمرار لوصف خارجيّ عبر تحديدٍ فكريٍّ أداتُه المنهج اللساني، وأمام هذا الوضع لا يمكن مطلقا نكران العلاقة بين اللغة العربية والبحث اللساني العام الذي يرمي في مداه الأقصى وصف الألسن البشرية بهدف كشف طبيعتها وبحث علاقتها بالفكر، وبالتالي بالإنسان عبر استقصاء كلّيات النماذج اللسانية المختلفة.

في هذا الشأن يذكر "مصطفى غلفان" نفي البعض للعلاقة القائمة بين اللسانيات كعلم عام يبحث في المبادئ العامة والمشتركة بين الألسن الطبيعية وبين اللغة العربية، وحجتهم في ذلك أنّ لكل لغة نمطها الخاص، وعدم مُلاءمة النماذج اللّسانية الفرنسية والانجليزية مثلا-للبنية اللغوية للعربية-فهم يرون أنّ «تطبيق النظريات اللسانية المعاصرة على اللغة العربية ليس أكثر من إسقاط نحو الانجليزية على نحو اللغة العربية».2

وبالنظر إلى كنه هذه الحجة وطبيعة المعرفة اللسانية التي تتميز بالشمولية والمشتركة ندرك الطابع الذاتي في هذا الموقف طالما أنّ اللسانيات تدرس القوانين العامّة المستنبطة من خلال دراسة ألسنة مختلفة ، واللسانيات المكتوبة باللغة الفرنسية أو الانجليزية أو العربية لا يعني بالضرورة أنهّا تقنين لتلك اللغات ، فقد تختلف لغة الوصف عن لغة المادة المدروسة، فلا يوجد مُسوّغ علميّ لثبوت هذه الحجة وتأكيد هذا النكران ،ذلك أنّ اللسانيات كما يقول "مازن الوعر" :«عبارة عن مبادئ وقوانين ومعايير مستنبطة من دراسة اللغات البشرية المتساوية ، وهذه المبادئ والقوانين إنمّا هي أكثر دقة وشمولية وعلمية من تلك القوانين التي تخص كلّ لغة من لغات العالم، ولا يمكن للعربية أن تكون طفرة خارجة عن هذا القانون العلمي للفهم إلاّ إذا أراد المرء تقديسها وعزلها عن حركة الحضارة الإنسانية».3

وفي حقيقة الأمر يطرح هذا الوضع إشكالا جوهريّا ثقافيّا وعلميّا على السواء في الثقافة العربية ونظرتها للعلوم ككلّ، فأنْ ينظر العقل العربي نظرة ريبٍ ورفضٍ للفكر اللساني من منطلق أسباب غير علمية فهذا بحدّ ذاته يُعدّ مأزقا فكريّا يُعيقُ قيامَ الصّرح اللساني العام والموضوعي؛ فكيف يعُقل وضع فجوة بين لغة بشرية وبين دراستها دراسة علمية تسعى لمقاربتها وفق مبادئ تشترك فيها مع عدد من اللغات؟ واللغة العربية «بصفتها عربية لا يعني أنّها تنفرد بخصائص لا توجد في لغات أخرى، بل لا نكاد نجد ظاهرة في اللغة العربية إلاّ ووجدنا مثيلا لها في لغة أو لغات أخرى».4

فهي (اللغة العربية) لغة طبيعية نسقية تواصلية تُوظّف صوتيا ودلاليا وفق نظامٍ قواعديّ تضمن شرط تبادل الأفكار في إطار ما يسمّى بدارة التخاطب /الكلام، أي أنهّا تستعمل علاماتيا للتّدليل على المخزون الفكري للناطقين بها ولا يمكن أن تتنافى مع مقولة اللسانيات التي تؤكد على أنّ اللغة نظام من العلامات تستعمل لنقل الأفكار يشترك في استعمالها مجموع الأفراد الذين تواضعوا سابقا –اعتباطيا – على رموزها ونظامها في إطار البيئة اللسانية المشتركة.

    وهذا ما يؤكده "مصطفى غلفان" حينما يرد ّعلى الناكرين للسانيات كفكر غربي متعارض مع خصوصية العربية حيث يقول: «لا تختلف اللغة العربية في شيء عن اللغات الإنسانية الأخرى، فاللغة العربية لغة طبيعية مثل باقي اللغات البشرية قد يختلف التاريخ والمجتمع والحضارة لكن اللغة العربية من حيث هي أنساق تنتمي إلى مجموعة اللغات الطبيعية وتشترك معها في عدد من الخصائص الصوتية والتركيبية والدلالية وتضبطها قيود ومبادئ تضبط غيرها من اللغات»5.

ﻓ "مصطفى غلفان " من أنصار اللسانيات والمدافعين عنها ، وفي مواقف عدّة من كتبه المشهورة عن اللسانيات العربية نجده لا يتوانى عن تمجيد الفكر اللساني العلمي مُعدّدا مبادئه وشروطه وغاياته ومناهجه ،كما لا يتوانى عن ذكر شموليتها وعمومية نتائجها على كافة اللغات بما فيها العربية وهو إذ يستنكر الموقف القائل بأن ّاللسانيات الغربية لا تُنتج إلاّ تحليلا «أنجلو عربية ، الحديث يبتعد عن روح النظام اللغوي العربي، ولا يشير إلاّ إلى ماله مرادف في الانجليزية »6 نجده يدافع عن تلك الكتابات التي حاولت تطبيق النظريات العامة على العربية والتي يذكر منها أعمال "عبد القادر الفاسي الفهري" في محاولته الجادّة تطبيق نحو التوليدية التحويلية على قواعد اللغة العربية، وكذا تجربة "أحمد المتوكل" في دراسته الوظيفية التداولية للغة العربية، وهو يؤكد أنّ مثل هذه المحاولات تثبتُ جدوى التطبيقات اللسانية على اللغة العربية والتي من شأنها «إغناء لسانيات العربية في وصفها الجديد للغة العربية وبالتالي تزويد الثقافة العربية بمعين نظريّ ومنهجيّ جديد بعيدا عن أيّ إسقاط أو تقليد أعمى»7 ، يشير هذا الموقف من "مصطفى غلفان" إلى عدم التناقض بين المعرفة اللسانية العامة واللّغة العربية كنموذج تطبيقي يُوصف ويُدرس لسانيا بل بالعكس قد يفيدها (اللغة العربية) هذا الوصف نظريا ومنهجيا حين يمدّها بتصوّرات نظرية عن طبيعتها وحقائقها و بآليات منهجية  لتحليلها ورصد عناصرها وعلاقاتها النسقية ممّا يعينُ –كما يقول – على إغناء الدراسات اللسانية للّغة العربية بالمنهج العلمي والذي يسمح لاحقا بتطويرها بعد تكوّن معرفة لسانية خالصة عنها، ولم لا يكون في العربية النموذج اللساني الذي تبحث عنه اللسانيات من أجل دراسته وتحليله وتعميم النتائج بعد ذلك ؟ فاللسانيات –كما يقول "عبد السلام المسدي": علم «يقف اليوم في منعطف حاسم إذْ يمرّ بلحظة معرفية حرجة ذلك أنّه يبحث عن أنموذج من الألسنة الطبيعية يمدّه بما لا تستطيع اللغات العالمية السائدة الآن أن تمدّه به على الوجه الأكمل، وإنّنا لعلى يقين جازم بأنّ اللغة العربية مُؤهلة تمام التأهيل للاضطلاع بهذه المهمّة العلمية الدقيقة».8

لكن هذه المهمّة العلمية الدقيقة لن تتأتّي إلاّ بنظرة موضوعية للّغة العربية تتجاوز كلّ ما هو ذاتي من شأنه التحيّز لهذه اللّغة أو التعصّب لها من منطلق أنّها تتميّز بخصائص فريدة تجعل منها لغة غير عادية ممّا يعني النظر إليها ودراستها بأسلوب خاص ومنهج خاص وهو ما يتنافى تماما مع متطلبات اللّسانيات التي تمتنع عن أيّ تقديس غير موضوعيّ وغير علميّ لأيّ شكل من أشكال اللّغات الطبيعية كما أنّها تترفع عن أيّ حكم ذاتيّ مسبق حول اللغات وفي المقابل تدعو باستمرار إلى ضرورة تحديد الموضوع بدقّة ودراسته علميا في ذاته ومن أجل ذاته، وهو ما يعدّ من أبجديات البحث اللّساني وشروطه.

لكن رغم إرساء هذه الثقافة اللسانية حديثا عند الباحثين  اللسانيين العرب إلاّ أننّا نجد البعض يتغافل  عنها ويصرّ  على النظرة الذاتية التقليدية للعربية ، فهي كما ينقل لنا (مصطفى غلفان) على لسان الباحث "مازن المبارك "في كتابه (نحو وعي لغوي) :«...ليست اللغة العربية نسقا من الرموز والقواعد فحسب بل هي أكثر من ذلك ... إنهّا لغة عاشت حياة أمتنا ... إنّ في كلّ حرف من حروف لغتنا العربية، وفي كلّ لفظ من ألفاظها مَعينا من الذكريات ، لقد امتلأت بتاريخنا واستوعبت تراثنا وارتسمت بألفاظ حضارتنا، ونطق بها فكرُنا حتى شفت عنه فلم يعد  التفريق ممكنا  بين الرمز ودلالته أو بين اللفظ ومضمونه»9  ، والسؤال المطروح هنا:

هل هذه الخصائص الوظيفية التداولية الهامشية تمنع من مقاربتها لسانيا؟

- أم أنها تؤثر في طبيعتها الداخلية كنظام علاماتيّ تحكمه جملة من القوانين والقواعد؟

ألا توجد هذه السّمات في اللّغات الأخرى؟ أم أنّ العربية وحدها لغة إنسانية حضارية بشرية وسائر اللغات راهنة وزائلة لا تحمل حمولة دلالية خاصة بشعبها وتاريخه؟

   مثل هذه المواقف الذاتية والانفرادية للغة العربية هي التي جعلت من البعض ينفر من اللسانيات ويجعل منها تيارا مهددا لثوابت الثقافة العربية بداية باللغة العربية الفصيحة خاصة؛ لغة القرآن الكريم: وهو ما جعل أحد المفكرين يذهب إلى أنّ اللسانيات تهديد للهوية الفكرية العربية وخاصة فيما يتعلّق باللسان العربي الفصيح المقدّس «فالألسُنية مثلا هي دراسة اللهجات ومقارنتها بالفصحى، والقرآن نزل بالفصحى وبالتالي فلا فائدة للألسُنية»10.

وهذه النظرة للسانيات والموقف السلبي منها تصنيف في دائرة القومية والتعصّب للذات ورفض الآخر طالما أن اللّسانيات حسب هذا الرأي تعادي القوميات وثوابت الذات ومبادئها؟ وطالما أن اللسانيات فكر مستورد يجب النظر إليه بحذر لأنهّا خطر ثقافيّ فرض نفسه بقوة حسب البعض، وهنا نتساءل مرّة أخرى: ما مدى شرعية هذه الآراء؟ ومن أي زاوية يمكن أن ينظر العقل العلمي في الثقافة العربية لمثل هذه المواقف والسلوكات الفكرية؟ وكيف يمكن تفسيرها موضوعيا؟

يقول "نعمان بوقرة ": «إنّ مشكلة اللّسانيات الحقيقية في البلاد العربية تكمن في عدم شرعيتها من زاوية إيديولوجية بحته...إنّها عند البعض نتاج الفكر الغربي المرتبط بالاستعمار، فالذات العربية ترفض بشدّة التعلّق الفكري بالآخر في ضوء رفضها الاستعمار بشتّى صوره»11.

    إنّ هذه المشكلة -إنْ جاز لنا تسميتها بهذا المصطلح -لا ترتبط باللّسانيات ومعرفتها وبالموقف منها -حسب تصورّنا -بقدر ما ترتبط بالموقف الإيديولوجي من اللّغة نفسها، فالذهنية العربية ترفض أن تنفصل عن هذا الموضوع وتجعل منه مادة محايدة قابلة للدراسة بعيدا عن كلّ ما يحيط بها مماّ قد يؤثر أو يوجهِّ منهج الدراسة ونتائجه.

فالفرد العربي لا يؤمن بضرورة وضع حدّ فاصل بين لغته وذاته وقيمه ومعتقداته ومبادئه كإنسان قبل كلّ شيء، وكلّ محاولة تستهدف هذه الخطوة تُقابَل بالرّفض والنفور بحجج لا أساس لها من الصحة المنطقية والعلمية.

وعليه ومن أجل ثبت  العلاقة بين العربية وعلم اللسان ومن أجل مدّ جسر الدارسة العلمية بين البحث اللّساني واللّسان العربي أصبح من الضروري تبني رؤية علمية موضوعية تجاه العربية وذلك بإبعاد «تدخّل الذوات أي الأفراد في ذاتها، (Sujet) المفكرة الفاعلة، الناطقة ...الخ ومن هنا فالخطر الذي يهدّد المعرفة الصحيحة ناتج عن نشاط الذوات إذْ ربّما لا تميّز بين ما هو راجع إليها، أي إلى نشاطها الخاص بها ، وبين ما هو راجع إلى موضوع نشاطها في نفسه أي الأعيان في أنفسها »12 والمفترض هو السعي نحو جعل اللّغة العربية نموذجا علميا من أجل إثبات خصائصها اللسانية  العلمية العامة بغية الدفع بها إلى مصاف اللّغات العالمية دراسة واستعمالا، وهذا يتطلب رؤية نقدية موضوعية وجرأة منهجية ترتكز أساسا على « ملاحظة الوقائع وتمتنع عن اقتراح أي ّاختيار من بينها باسم بعض المبادئ الجمالية أو الأخلاقية»13، وهو الشرط المبدئي لأيّ دراسة علمية للّغات كما ذهب إلى ذلك "أندريه مارتيني"، فبغض النّظر عن ارتباط العربية بالنص القرآني وبالتاريخ العربي الأزلي فهي لغة  كسائر اللّغات، يتحدّد فيها مستوى الملكة كمكسب ذهنيّ ، ومستوى اللسان كمكسب نسقيّ إبداعيّ جماعيّ اعتباطيّ، ومستوى الكلام كمكسب فردي إنجازيّ وفق شبكة من العلاقات يحكمها نظام من القواعد الصوتية والصرفية والتركيبية والدّلالية التداولية وهي الحقائق اللسانية المتضمنة في جميع الألسنة البشرية والقابلة للتحليل اللساني، أمّا الجوانب القيمية الأخرى والخارجية فلا مكان لها في هذا التحليل، وعليه ينبغي كما يقول : (مصطفى غلفان) «إعادة النظر بموضوعية إلى اللّغة العربية حيث يتم تجديد النظرة لها والتخلّص من النعوت التقديسية لها على أنّها سيدة لغات العالم، لغة عالية المستوى، أمثل اللغات للتعبير عن الفكر الفلسفي ، لغة كريمة عريقة ، وذات عبقرية»14.

   وبتجديد هذه النظرة تتأسس العلاقة بين العلم والموضوع، أي بين اللسانيات واللّغة العربية بمنهجية علمية هدفها كشف الحقائق الثابتة لبنية اللغة العربية ونظامها اللساني القار ، ولمباشرة هذا النشاط اللساني يخلُص" مصطفى غلفان" إلى جملة من الشروط والمبادئ، إذْ يقول : «هناك بعض القواعد العامة والمبادئ الأساسية التي يجب أن تتوافر في كلّ بحث يريد لنفسه صفة «اللّسانية» أو طابع العلمية، غير أنّ هذه المبادئ ليست قواعد منهجية بقدرها ما هي "إزالة لبعض الأوهام" أو "المعرفة الخاطئة" حول أمور تتعلّق باللّغة وطبيعتها وعلاقة المتكلّم بقواعد لغته ».15

ومن هذه القواعد المبادئ يذكرُ:

-                       ليس هناك تمييز أو مفاضلة بين لسان ولسان فجميعها متساوية أمام البحث العلمي.

-                       الموضوعية وتجنّب الذاتية أو التعصّب.

-                       تجنب الممارسة المعيارية على الألسن وتحرّي الوصف أو التفسير دون إبداء الرأي من الناحية المعيارية.16

بهذه الانطلاقة فقط -حسب م/غلفان-وغيره من الدارسين يمكن التأسيس فعلا لنشاط لغويّ يتّسم بالعلمية والموضوعية عنوانه اللسانيات العربية.

 فما المقصود بهذا المصطلح وما هو موضوعه؟

2-اللسانيات العربية: المصطلح والمفهوم

يشير هذا المصطلح من خلال مكوّناته : اللسانيات / العربية إلى الدراسة العلمية الموضوعية للّغة العربية ، واللسانيات بمفهومها الحديث - كما نعلم -  من العلوم الغربية التي تمّ  نقلها إلى الثقافة العربية عن طريق نشاط الرواد الأوائل الذين تلقّوا الدّرس اللّساني في مختلف الجامعات الغربية (كمال بشر، محمود السّعران، تمّام حسان ... وغيرهم) فبفضل هؤلاء انتشر الفكر اللّساني بالترجمة أو الممارسة العملية من خلال دراسة اللغة العربية بتطبيق المناهج  الغربية ، وهذا  النشاط اللساني  يطلق عليه عموما مصطلح اللسانيات العربية.

لكن هذا المصطلح عرف توترا ووضعا غير مستقرٍّ ، ولم يلق الإجماع عند الباحثين اللّسانيين العرب ممّا انجرّ عنه واقع مضطرب انعكس سلبا على البحث اللساني ككلّ وهو ما جعل اللسانيات عندنا «تعاني مبدئيا ما تعانيه العلوم المقترضَة من مشكلات متعدّدة».17  وأبرز هذه المشكلات مشكلة التسمية أو ما يطلق عليه أزمة المصطلح، وفي المجال اللساني تظهر هذه الإشكالية بحدّة طالما أنّ التعامل باللغة وعن اللغة من جهة بالإضافة إلى صراع المفاهيم بين هذا الدرس الوافد الجديد والدرس التراثي القديم من جهة ثانية ومن مظاهر كل ذلك « اختلاف الدارسين عندنا حول المصطلح الرئيس الدّال على هذا العلم أي اللسانيات فلقد بلغت المصطلحات المعربة أو المُترجمة لمصطلحLinguistique ثلاثة وعشرين مصطلحا وفق ما أورده عبد السلام المسدي»18.

وفي هذا الصدّد، وفي إطار فرض تسمية بدل تسمية أخرى يؤكد "مصطفى غلفان" أنّ مصطلح اللّسانيات مبدئيا نقصد به ذلك الفكر اللّساني الذي ورد إلينا من الثقافة الغربية عن طريق الترجمة أو النقل أو النشر فهو بذلك ضمنيا يرفض تسمية البحث اللغوي العربي القديم بمصطلح اللسانيات حيث يقول: «أمّا في الثقافة اللغوية العربية الحديثة فإن اللسانيات ليست استمرارا للبحث اللغوي العربي القديم بل وردت إلينا نتيجة الانفتاح المعرفي الذي عرفه العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر»19.

وفي مواضيع كثيرة يعود (مصطفى غلفان) للحديث عن أزمة حقيقية في مجال تسمية البحوث اللسانية اللغوية العربية ، وهو ما يدخل في أزمة المصطلح العامة التي تعرفها مجالات  عديدة في السّاحة العربية ، فبالإضافة إلى عدم تحديد الموضوع الحقيقي الذي يتوجّب على اللسانيّ دراسته وتحليله :(التراث اللغوي أو الفكر الغربي أو راهن اللغة العربية) انحرفت هذه الإشكالية لتمسّ مستوى التسمية لتظهر عدة تسميات منها : «الدراسات اللّغوية العربية الحديثة ، اللغويات العربية الحديثة ، الدرس اللساني العربي الحديث ، التفكير العربي اللساني ، اللسانيات العربية ، لسانيات العربية»20.

والأكيد أنّ هذا الواقع المرّ انجرّ عنه خلط على مستوى المفاهيم حيث كان من المفترض تحديده (المصطلح) بدقة علمية حتى تستقيم الإحالات الدلالية للمصطلح ليسهل بعد ذلك ممارسة العمل اللساني  نظريا وتطبيقيا، لكن يبدو أنّ هذه الإشكالية لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا فحتى بعد حصول شبه الإجماع مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين على تبنّي تسمية «اللسانيات العربية» و"لسانيات العربية"* مع هيمنة العبارة الأولى حسب (مصطفى غلفان) يبقى الإشكال مطروحا حول مفهوم كلّ مصطلح والفرق بين التسميتين، وإنْ نحن تجاوزنا هذا الإشكال مرغمين قسريا من أجل مقاربة مفهوم المصطلح الشائع " اللّسانيات العربية"  والذي يشير إلى كلّ «الكتابات العربية التي لها صلة بموضوع الدّرس اللّغوي العربي قديمه وحديثه »21.

يمكن وصف هذا التعريف بأنّه عبارة عن الغربال الذي يغطي شمس الحقيقة المعرفية والتي كان على (مصطفى غلفان) أن يحجب بتعريفه هذا ولو نسبيا الأزمة المطروحة، فهو من جهة يقول بأنّ مصطلح اللسانيات يُطلَق على الفكر اللغوي الوارد إلينا من الغرب نافيا بذلك استعماله للدلالة على البحث اللغوي القديم لكنه من خلال هذا التعريف يؤكد تأزّم الوضع حين يذهب إلى أنّ المصطلح يُطلق على الدّرس اللّساني القديم والحديث، دون أن يقدم لنا منافذ ملموسة للخروج من هذه الأزمة: كيف نحدّد المصطلح المناسب؟ وكيف نحدّد موضوعه؟ وكي نحقق الإجماع على المصطلح (مفهوما وموضوعا) وهذا ما يؤكده بنفسه في موضع آخر حيث يتهم هذا المصطلح (التسمية والمفهوم) بالتقصير المعرفي والمنهجي، فهي كما يقول: «كتابات عامة مبهمة وغامضة نظريا ومنهجيا، كتابات تأخذ من كلّ حدب وصوب، وتجمع ما هو لغوي تراثي قديم بما هو لساني حديث دون أدنى حرج نظري ّأو منهجيّ».22

وكأنّ (مصطفى غلفان) يجعل من اللسانيات العربية مجالا ضائعا أضاع سبيله بنفسه حين غفل عن جدوى تحديد المصطلح بدقة، وعن غاية الاهتمام بالتعريف العلمي للموضوع الحقيقي والوحيد للدرس اللّساني العام والخاص، ممّا جعلها كتابات غير مضبوطة: «بعضها تقليدي صرف، وبعضها لا يرقى في شيء إلى ما هو تقليدي، وبعضها الآخر لا علاقة له البتة باللسانيات »23.

يواصل (مصطفى غلفان) مناقشة هذا المصطلح ليميّز بين اللّسانيات العربية ولسانيات العربية:

أ-لسانيات العربية: هي التي «تهدف إلى الاشتغال باللّغة العربية ووصفها في نسقها القديم أو نسقها الحديث أو نسقها الوسيط، وكذلك على الفكر المتّصل بهذه اللّغة، ولسانيات العربية لا تتحدّد باللّغة المكتوب بها، إذْ يمكن أن تكون لغة غير العربية، بقدر ما تحدّد باللّغة موضوع الوصف»24. أي أنّها لسانيات تدرس اللّغة في بنيتها ونظامها حيث تتخذ من اللّغة العربية «موضوعا وهدفا في مختلف مستوياتها»25.

ب/ اللّسانيات العربية: هي «ذات مجال مختلف وأوسع إذْ يمكن أن تشمل ما هو مكتوب من اللّسانيات الأجنبية، وقد نقصد باللّسانيات العربية ما هو موجود من تصوّر عربي للظاهرة اللغوية»26، أي أنّها لسانيات تهتم بوصف النشاط اللّساني حول لغة من اللّغات بمعنى تشتغل تقريبا بالتنظير العام عن اللغات وتشمل «كلّ ما يُكتب في اللسانيات باللغة العربية سواء تعلّق الأمر باللسانيات العامة أو لسانيات العربية أو لسانيات أية لغة من اللغات الطبيعية».27.

    بعد تحديد مفهوم مصطلح اللسانيات العربية -على اختلاف التسمية -سنحاول الوقوف عند أبرز الاهتمامات التي شغلت الباحثين اللسانين العرب والتي شكّلت ما يسمّى باتجاهات البحث اللساني العربي معتمدين في ذلك تصنيف "مصطفى غلفان" الذي وصف لنا هذا النشاط وفق الموضوع والمنهج والهدف واصفا بذلك واقع الدراسات اللسانية في الثقافة العربية.

3-اهتمامات اللسانيات العربية

تدقيقا لأوجه النشاط اللساني من حيث الموضوع والمنهج -خاصة -نجد " مصطفى غلفان " يسمّي هذه اللسانيات العربية بالكتابة اللسانية تارة وبالخطاب اللساني العربي تارة أخرى ويصنّف هذه الكتابات إلى ثلاثة أصناف وهي كالآتي:28

 

صنفها

موضوعها

منهجها

غايتها

الكتابة اللسانية التمهيدية

النظريات اللسانية (اتجاهاتها، أعلامها مبادؤها، مناهجها)

تعليمي (التعريف بها توضيح، بيان، تبسيط)

تبسيط المعرفة اللسانية

لسانيات التراث

التراث اللغوي العربي

القراءة وإعادة القراءة

المقاربة بين التراث اللغوي العربي والفكر اللغوي الحديث

لسانيات العربية

ظواهر من اللغة العربية

لساني حديث (تاريخي مقارن، وصفي، تقابلي)

وصف اللغة العربية

يشرح لنا "مصطفى غلفان " هذه الاتجاهات بتقديم تعريف لها مع وصف موضوع دراستها والمنهج المعتمد:

أ-اللسانيات التمهيدية: تتناول ما «تُقدّمه النظريات اللّسانية الحديثة من مبادئ جديدة في دراسة اللّغة البشرية بصفة عامة ومناهج تحليل اللّغات الخاصة ... قصد تيسير المعرفة اللسانية للقارئ العربي وتقريبها منه ... وتعتمد المنهج التعليمي القائم على الوضوح والتبيان والشرح وما يتطلبه كلّ ذلك من وسائل مساعدة من أمثلة ورسوم بيانية»29. وكأنّ هذا الصنف يعمل على نقل الفكر اللّساني الغربي إلى البيئة العربية، وشرح النظريات اللّسانية الغربية التي تناولت كليّات المفاهيم اللّغوية العامة، كتبسيط مفاهيم البنيوية والوظيفية والتوليدية التحويلية والتداولية، وتقديمها موضحة إلى القارئ العربي المبتدئ خاصة في مجال الدرس اللساني، وهنا نتساءل كيف سيكون منهج النقل؟ ومنهج الممارسة؟ ثم ألا يعنى هذا أنّ القارئ العربي -حسب هذا التعريف الضمني –خالٍ من المعرفة اللّسانية ينتظر فقط من يعلّمه الدرس اللساني؟ ثم ماذا عن المعرفة اللغوية المكتسبة لديه من ثقافته الأصلية (التراث)؟

ب/ لسانيات التراث: هي الأعمال التي «تتخذ التراث اللغوي العربي القديم في شموليته موضوعا لدراستها المتنوعة، ويعتمد أصحاب هذه الكتابة ما يعرف بمنهج إعادة القراءة»30، وتسعى مثل هذه الكتابات اللسانية إلى «تأويل التصورات اللّغوية العربية القديمة من منظور البحث اللّساني الحديث والتوفيق بين التصورات اللّغوية القديمة والنظريات اللّسانية الحديثة ومن ثمة إخراج التراث في حلّة جديدة تبيّن قيمته التاريخية والحضارية بالتأكيد على احتوائه للمضامين اللّسانية الجديدة»31.

يذكر الدارسون أن هذا الاتجاه في الخطاب اللساني العربي هو الأكثر بروزا إذْ يمثّل الشغل الشاغل لمعظم اللسانين العرب بمحاولاتهم إبراز قيمة هذا التراث المعرفية خاصة من أجل الحفاظ عليه وعدم الذوبان في فكر الآخر الذي يرونه تهديدا لتراثهم وإقصاء لثقافتهم حتى تحول ذلك إلى «هاجس معرفيّ خلق نوعا من الصراع الخفيّ بين الفكر اللغوي القديم واللسانيات بكيفية غير مبررة، ولأسباب غير بريئة»32.

تتمثل تلك الأسباب في دوافع ذاتية غير علمية وهي أسباب إيديولوجية غير بريئة ترتبط بذهنية الذات العربية بصفة عامة، و"مصطفى غلفان" يوجِّه انتقادا لمثل هذه الممارسات اللسانية، فهو في كلّ مرّة يتساءل تساؤل كلّ الدارسين الموضوعيين عن جدوى قراءة هذا التراث وإعادة قراءته في ضوء النظريات اللّسانية الحديثة وكأن هذا «الفكر اللّغوي القديم لا قيمة له ولا يمكن تقويمه أو إدراكه وفهمه إلاّ في إطار الجديد وبالقياس على هذا الجديد الذي هو اللّسانيات»33.

- ألا يمكن قراءة هذا التراث في ذاته؟ في حمولته المعرفية؟ في خصوصيته المنهجية؟ أم أنّه وجود فكريّ يحتاج إلى عقل آخر لفهمه واستثماره؟

هذا الإشكال يطرح إشكالا منهجيا آخرا وهو ما طبيعة المعرفة اللّسانية التي تنتجها هذه اللّسانيات وهي تُدمج المفاهيم القديمة وتقاربها بالتصوّرات الحديثة؟

     يصف " مصطفى غلفان " هذا العمل بأنّه يقع على هامش اللّسانيات لأنّه من الناحية المبدئية لا يندرج مباشرة ضمن مهام اللسانيات: فهو «يسمح بانتقال بسيط وساذج من تصورات لغوية قديمة إلى تصورات جديدة ويلغي المسافات النظرية والمنهجية القائمة بين الفكرين اللّغويين القديم والحديث»34.

ونتيجة لهذه الأسباب التي تعيق قيام نشاط لساني فعليّ وتأسيسه على أسس علمية موضوعية تُوجَّهُ الكثير من الانتقادات لهذا الصنف من الكتابة اللّسانية ممّا أفرز واقعا مضطربا ساهم في عرقلة تطوّر البحث اللّساني وهو ما عرقل بدوره سبل تطوير اللّغة العربية لأنّها كتابة تتناول «الظاهرة اللّغوية بعيون تراثية مندمجة في السياق الحداثي بمفاهيمه وبمصطلحاته»35. فهي حين تتناول ظاهرة اللّغة العربية بهذه المنهجية فإنها تغفل عن غاية اللّسانيات التي تدرس اللّغة في ذاتها ومن أجل ذاتها أي أنّها (اللّسانيات التراث) تسعى لدراسة «جوانب خارجة عن بنية اللّغة العربية»36. 

وهذا ما جعل البعض يدعو صراحة إلى تجاوز هذا التراث الذي وصل في اعتقاد "مصطفى غلفان " إلى "الطريق المسدود" حيث يستحيل مراقبة هذه الأعمال بآليات منهجية علمية ومضمونة بدقة لذلك اتجه الكثير إلى الاهتمام بدراسة اللّغة العربية ومقاربة ظواهرها المختلفة في إطار ما يسمّى بلسانيات العربية.

ج-لسانيات العربية: يتخذ هذا الصنف من اللسانيات من «بنيات اللغة العربية في مستوياتها المختلفة موضوعا تشتغل وتتمحور حوله كلّ اهتماماتها النظرية والمنهجية والتطبيقية»37. يحاول هذا الاتجاه ممارسة اللسانيات في حقيقتها من خلال التركيز على الموضوع الفعلي للدرس اللساني: نظام اللغة وبنيتها، للوقوف عند عناصرها وعلاقاتها بمناهج لسانية بحتة وهي تلك «المناهج العلمية المتداولة في البحث اللساني الحديث كالمنهج التاريخي والمقارن والوصفي والتقابلي».38

أما عن غاية هذه الكتابات اللسانية العربية فهي تهدف إلى «تقديم وصف بنيات اللغة العربية وصفا جديدا على نهج غير مسبوق في الثقافة اللغوية العربية وفق ما وصل إليه البحث اللساني الحديث»39.

     من خلال هذين القولين الأخيرين يشعر القارئ بنوع من الخلل المفاهيمي والمنهجي في هذا التصنيف من "مصطفى غلفان" فكما نلاحظ رغم اهتمام هذا النشاط باللّغة العربية ذاتها لكنه في وصفه لها لا يخرج عن نطاق نتائج البحث اللّساني الحديث عند الغرب ممّا يعني تأكيد غموض الموضوع والأسس والمنطلق والمنهج في الخطاب اللّساني العربي الحديث، وهو على غرار لسانيات التراث لا يكاد فيها العقل العربي ينفلت من النظريات اللسانية الغربية الحديثة ومن مبادئها وتصوراتها المنهجية التي يظل الفكر العربي يبحث عن ضالة لها في فكرٍ مُوغل في القِدم.

وهو واقع يُرسِّخ صفة الأزمة الفكرية التي تتمظهر أساسا في صعوبة التصنيف وتعقّد الاشتغال اللّساني وغياب المنهج سواء في النقل أو القراءة وإعادة القراءة أو في التطبيق والتحليل.

وهذا ما يشير إليه (مصطفى  غلفان) مستدركا مواقفه حيث يقول « لا نجد في خطابات اللسانيات العربية  بأنواعها المتباينة مفهوما منهجيا وتصورا مضبوطا وواضح المعالم للّغة العربية»40، فرغم تجاوز هؤلاء للتراث ، ورغم محاولتهم تجاوز الفكر اللّساني الغربي أيضا نحو دراسة اللّغة العربية وتحليلها تحليلا مستقلا عن هذا وذاك إلاّ أنّهم لم يستطيعوا تأسيس فكرٍ لسانيٍّ عربيٍّ قائمَ الذات بموضوع مستقلّ ومنهجٍ مضبوطٍ ، أي أنّهم « لم يقدّموا أيَّ بديلٍ لسانيٍّ حديث للانتقادات التي وجهوها للفكر اللّغوي القديم ، فضلا عن أنّهم لم يتقيدوا كلّيا ببعض مبادئ الدّرس اللّساني الحديث، ولم يتجاوزوا في تعاملهم مع اللّغة العربية حدود معطيات النحو العربي القديم نفسها»41.

وعلى هذا التعدّد في الاهتمامات واختلافها موضوعا ومنهجيا جاءت الكتابات اللّسانية العربية التي حاولت استثمار المعطيات اللّسانية متنوعة بين: «-الاكتفاء بالدعوة إلى الاطّلاع على اللسانيات من حيث أنّها مبادئ عامة وأصول نظرية ومنهجية جديدة قد تساهم في معالجة العديد من قضايا اللغة العربية.

- الاستعانة باللسانيات إمّا لفهم التراث اللغوي العربي عامة واللغوي منه على وجه الخصوص أو لتجديد التعامل مع قضايا نحو اللغة العربية.

-التطبيق الحرفي للسانيات بالسعي إلى وضع أنحاء بديلة للمنظومة النحوية القديمة»42.

ومن جهة أخرى هناك من يُجمِل هذه المهام للسانيات العربية الحديثة في تيارين متمايزين يمثلان حسب الباحث اللساني "نهاد الموسى" في:

«1/ درس قضايا من قضايا اللغة العربية خلال بدايات القرن العشرين من أجل حماية اللغة العربية من الدعوات المُغرية من مثل ما تداوله أهل العربية من وجوه الاحتجاج والاستدلال في مواجهة الدعوة إلى العامية وكتابة العربية بالحرف اللاتيني.

2/ إتباع النظريات اللسانية الغربية في سياقها الخاص وقد قام على المزاوجة بين المنهج المستعار والموضوع العربي، واتجه إلى إعادة وصف العربية فكان تيارا تطبيقيا خالصا إلى حدّ بعيد ... لتشكيل وعي علمي بالعربية، وتشكيل وعي لسانيّ وإقامة جدل بين الموضوع والمنهج تطرحُ فيه العربية أسئلتها الخاصة في ضوء الوعي اللساني العام».43

      الملاحظ من خلال هذين التصنيفين الأخيرين لأبرز اتجاهات البحث اللّساني العربي الحديث أنّه لا يزال بحثا في طور التأسيس يعاني من أزمة نظرية وتطبيقية، ومن مظاهرها غياب الموضوعية وطغيان الجانب الذاتي بالدّرجة الأولى بالإضافة إلى خلل منهجيّ صعَّب من مأمورية الدّرس اللساني وأبعده عن الدقة والعلمية والضبط المفاهيمي والمصطلحي، وهي أبرز ما يميز واقع اللسانيات في الثقافة العربية.

ولعلّ أهمّ ما يُعرقل هذا التأسيس العلمي للسانيات العربية هو قضية غياب أو تغييب المنهج.

4/ قضية المنهج في الخطاب اللّساني العربي

كما أشرنا سابقا، يُمثّل المنهج الشّرط المبدئيّ العام الذي يفترضه كلّ علم وينطلق منه لوصف الظواهر المدروسة فهو يحدّد خطوات الوصف وآلياته ومسالكه، منذ الملاحظة إلى القوانين مرورا بالتجارب والتحليل، وهو الذي يضمن بذلك سلامة النتائج وثبوتها، وبالتالي تعميمها بكلّ دقة وموضوعية، لتندرج تحت هذه المنهجية والنتائج مختلف العلوم التي تشتغل حول مختلف الظواهر على اختلاف الأهداف والغايات.

     ويبدو أنّ هذا الشرط بكلّ هذه الضوابط هو ما ينقص البحث اللساني عند العرب الذي أصبح يهرب من هذا المأزق المنهجي نحو حلول واهية لا تزيد إلاّ في تأزّم الوضع،  فتارة نجده يهرب نحو الفكر اللساني الغربي لينقله ويترجمه شارحا إيّاه، وتارة نجده يختبئ وراء الفكر اللّغوي العربي القديم بالقراءة أو إعادة القراءة، فما نجده اليوم في اللّسانيات العربية: « كتب في أغلب الأحيان تكرر بعضها أو تقدّم  ما جاء في اللسانيات الغربية من أفكار جاهزة يغلب عليها سوء الفهم وعدم دقة الترجمة ، وبذلك بقيت الدراسات اللّسانية في الوطن العربي ضعيفة لا تُلبي حاجة اللّسان العربي إليها في معالجة قضاياه الدّاخلية  وتطبيقها على المجالات الإبداعية والاجتماعية الأخرى، ولهذه الأسباب يبقى اللّسان العربي يعاني من  مشكلات رئيسية عطّلت تطوّره و دراسته دراسة علمية موضوعية»44.

يبين لنا هذا القول أنّ اللسانيات العربية تعاني خللا منهجيا على المستوى النظريّ والتطبيقيّ معا، وسبب ذلك غياب التفكير العلمي الجاد في مقاربة اللّسان العربي مقاربة لسانية جادة أدخلت البحث اللغوي العربي في ديمومة التأخر وجعلته يقبع في مكانه يستهلك أفكار وتصورات غيره بالإسقاط السلبي أحيانا على الثقافة العربية، وأحيانا أخرى بالاحتكار الفكري الذي يعيد نفسه في كل ّمرة دون تأسيس لمعرفة لسانية عربية خالصة.

وربّما هذا ما جعل "عبد السلام المسدي" يصف الخطاب اللّساني العربي بالتأخّر بل بالتخلّف إذْ يقول: «يلاحظ باستغراب وحيرة تخلّف ركب الفكر العربي في حلبة علوم اللسان»45، ولا جدال في أن السبب الرئيسي في تأزُّم هذا الوضع يتمثل أساسا في إشكالية المنهج الذي يُؤطر غالبا الأعمال الفكرية في أي مجال ويجعلها تنحو منحى العلمية بعيدا عن الأهواء والتخمينات والتأويلات الذاتية للظواهر.

عالج " مصطفى غلفان" هذه الإشكالية مطوّلا في ثنايا مؤلفاته العديدة، وفي كلّ موقف يصف فيه الخطاب اللّساني العربي يشير إلى واقعه المتوتر مُرجِعا ذلك إلى أزمةٍ في الأسس والمنطلقات والقواعد المنهجية حيث يقول: «إنّ المشكل الذي تُعاني منه العديد من الدراسات اللغوية العربية هو افتقادها الأساس المنهجي الذي يُفترض أن يُستمَد ّمن النظرية اللسانية العامة»46.

فالعمل الذي يستند إلى منهج واضح ومضبوط على المستوى المفاهيم والمصطلحات والآليات يستحيل معه الانحراف الفكري والوقوع في متاهة الضّياع في إشكالات معرفية تُفقد هذا العمل الأساس الواقعي والمنطقي، واللّسانيات العربية في غياب تبنيّها للمنهج المؤسَس علميّا بقيت تعاني بين الأخذ والرّد دون التوجه المباشر نحو تحديد مسارها اللغوي وموضوعها المفترض دراسته. ومن أزمات كلّ ذلك «ادّعاء العلمية أو المنهجية وهذه الظاهرة تأخذ أشكالا متعدّدة من متصوّر خاطئ للفرضيات العلمية إلى تصوّر خاطئ لما يُعتبر تطبيقا ما »47.

إذا افترضنا مسبقا بأنّ علم اللّسان العام قد تأسّس على أسس علمية بصفة مطلقة فالنتيجة أن البحث اللساني الخاص بلغة من اللغات عليه الانقياد بهذه الأسس حتى وإن كان ذلك قسريا ليحاول تطبيق هذه الفرضيات العلمية العامة بتكييفها حسب ما يقتضيه  واقع اللسان الخاص ، وهذا يعدّ من الشروط المنهجية لقيام ما يُسمّى باللسانيات العربية مع ما يتطلب ذلك من  العقلنة في التعامل مع علم اللسان العام من جهة ومع الموروث اللغوي من جهة أخرى، فالمفترض علميا هو أن يكون « الاختيار الفكري والمنهجي الذي يناسب وضعنا اللّغوي الراهن ويجب أن يؤخذ بعد التمحيص أيّا كان المصدر والمنطلق».48

والتمحيص هنا يتطلب التوفّر على قدر معيّن من أدوات منهجية وعلمية تسمح بإجراء نقد علميّ لأسس الفكر في مرجعيته ومبادئه العامّة، فاللسانيات منهج وعمل في الوقت نفسه أي أنّها منهج نظري يستفيد من النماذج اللغوية المختلفة ثم عملي يحاول اختبار جدواها وإمكاناتها النظرية والمنهجية بالنسبة للغة العربية حسب ما يؤّكد عليه "مصطفى غلفان".

واللسانيات العربية إذْ تعاني من غموض الممارسة فذلك يُعزى إلى غموض المنهج، ممّا خلق أزمة حقيقية مظهرها المباشر هو التبعية الفكرية وعدم الاستقلالية فلا يزال الخطاب اللساني العربي حسب "مصطفى غلفان "يبحث عن نفسه ويسعى لتحديد نفسه بتجاوز الخطاب المزدوج  والخطوة الأولى في هذا المسار هو ضرورة تحديد الموضوع الفعلي للدرس اللساني العربي بمعنى أن «شرط إمكان وجود لسانيات العربية مرتبط نظريا ومنهجيا بمدى قدرتها على اكتشاف الموضوع الخاص بها وهو اللغة العربية أو إحدى لهجاتها ورصدها باعتبارها معطى قابلا للتحليل والبحث فيها»49.

      عندما يتعلّق الأمر بالموضوع وتحديده وضبطه علميا فهذه إشكالية أخرى وأزمة داخل أزمة، أزمة الموضوع داخل أزمة المنهج (العلم)، ففي اللسانيات العربية بالإضافة إلى عائق المنهج تحضرُ إشكالية من نوع آخر: ماذا ندرس؟ اللغة الفصيحة؟ أم العامية؟ الفصيحة التقليدية الجزلة؟ أو الفصيحة الراهنة؟ العامية المولّدة من الفصيحة؟ عن أية عامية نتحدث؟ هذه الإشكالية الجوهرية التي أزّمت قضية المنهج أكثر، ففي اللسانيات -حسب دوسوسير-وجهة النظر هي التي تخلق الموضوع " وفي ظل غموض هذين القطبين في الثقافة العربية يبقى البحث اللساني يعاني منهجيا ومعرفيا.

    وبالعودة إلى حتمية اللّسانيات حديثا وضرورة المواكبة والمسايرة تظل اللسانيات العربية تدرس اللغة العربية الرسمية، لغة الدين والإدارة والسياسة في ضوء الافتقار إلى «المنهج العربي القادر على وصف العربية صوتيا وصرفيا ونحويا ودلاليا...فليس بين أيدينا في الثقافة العربية نظرية صوتية عربية يمكنها أن تراعي اللغة العربية ككل أو كجسم متكامل ... ولا يتوفر على النظرية النحوية المتكاملة التي تستطيع أن تراعي كل القضايا التركيبية للغة العربية »50 حسبما نقله "مصطفى غلفان "عن الباحث اللساني (مازن الوعر).

يجُمع الباحثون على أنّ هذا الوضع مردّه أساسا إلى تداخل الجوانب الذاتية مع الموضوعية في الممارسات اللسانية عند الباحثين العرب الذين لم يستطيعوا التملّص من الدوافع الذاتية والنوازع الشخصية والأذواق الخاصة في اختيار المناهج أو تطبيقها. ليتحوّل العمل بعد ذلك إلى «موقف شخصي وذاتي (اعتباري بمعنى آخر) مع ما يترتب على هذه المسألة من تداخل بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي لتتحوّل القضية المنهجية وكل نقاش يرتبط بها إلى مسألة ذاتية بهذا الباحث أو ذاك»51.

لا يمكن رغم هذا الوضع الحكم على البحث اللساني العربي بانسداد في الأفق، وطالما أن العقل يشتغل باستمرار فلا وجود لإشكالية معرفية وضعية يعجز أمامها هذا العقل الذي يظل يحاول ويقارب بمنهج أو بآخر مختلف الظواهر ويسعى بشكل أو بآخر معالجة كلّ ما يعرقل نشاطه واشتغاله خاصة إذا تعلّق الأمر بالجانب الفكري بذاته وما يرتبط به  من آلية اللغة، ما يتطلبه الأمر هنا فقط فعل الحضور واثبات الذات الفاعلة والمفكرة، ففي مختلف المجالات العلمية والثقافية «تكمن نقطة الانطلاق في العلم إرادة الإنسان أن يستخدم عقله لفهم الطبيعة وضبطها ... والمشكلة الأولى التي يطرحها العلم هي معرفة كيف يكون ذلك ممكنا ؟ كيف يتلاءم الواقع مع بحثنا؟ كيف تعثر الذات على الموضوع؟ وكيف تعرفه؟ »52. وبهذا الحضور والإرادة والعمل، وبهذه المنهجية في طرح الإشكالات المبدئية يمكن للّسانيات في الثقافة العربية إن تقيّدت بها أن تخرج من مأزقها المنهجي والمعرفي وتفتح لنفسها أفقا جديدة لترتقي بذلك إلى منزلة الفكر اللّساني العالمي المعاصر.

5/ آفاق الخطاب اللّساني العربي

عندما يتعلق الأمر بالحديث عن موضوع الآفاق في مجال ما يكون الطرح متعلقا أساسا بمدى جاهزية المناخ الراهن فكريا ومنهجيا وحتى ماديا لتجاوز الواقع وفتح صفحة جديدة بإيجاد حلول ملموسة تسمح بتجسيد تلك الآفاق.

      وبالنسبة للّسانيات في الثقافة العربية ومن أجل تحقيق النهضة اللّسانية ينبغي السّعي أولا نحو بناء منهجيّ ونظريّ فعّال وعملي يقارب وصفيا واقع اللغة العربية بما يطرحه لنا من إشكالات تستدعي إعادة النظر في المنظور اللساني السائد حاليا والذي يتراوح بين فكين حادين يقبضان على الوعي اللساني العربي الحديث ويعرقلان مسيرة تحرّكه وتطوّره ويتعلّق الأمر هنا بالنظرة التمجيدية وتبنيه للتراث دونما مساءلة نقدية فكرية عن مرجعتيه وحيثيات انوجاده، ومن جهة أخرى يتعلّق الأمر بالاندهاش  من الفكر اللّغوي الغربي والسّعي نحو استيراده ونقله –حرفيا- ومحاولة إسقاطه بإذعان على اللغة العربية، أو محاولة البحث عن نظائر فكرية له في التراث عن طريق المقارنة والموازنة.

ومن أجل هذه النهضة المرجوة على العقل العربي أولا أنْ يؤمن بإمكاناته وأن يتقيّد بأبجديات العمل اللساني بداية بتحديد المنهج والموضوع، ولعلّ هذا ما يسمح في الأخير بخلق جوّ فكري «يدفع بالبحث اللساني العربي نحو آفاق جديدة بدل أن تنحصر مباحث اللسانيات العربية في إعادة إنتاج الموضوعات اللغوية القديمة أو الاكتفاء بالسرد النظري أو التاريخي (لمختلف النظريات اللسانية) دون النفاذ إلى عمق المشاكل الراهنة التي يطرحها واقعنا اللغوي».53

     وفي حالة تحديد المنهج وضبط الموضوع يتأسس العلم بالفعل، وتكون له مفاهيم نظرية وأخرى تطبيقية ومصطلحات خاصة به تُعبّر عنه وتُعرفّه وتُعطي له مكانة بين العلوم ليُصبح علما قائم الذات، يسعى في كلّ الحالات إلى تطوير نفسه ومناهجه وتصوّراته دون النّظر إلى الماضي الذي قد يكون سببا في ظهوره وإيجاده لكنّه ليس شرطا وحتمية لتأسيسه و تطويره ، وهو حال اللسانيات في الثقافة العربية التي عليها أن تسعى من أجل نهضتها وتأسيسها إلى أن تكوِّن ذاتها كعلم قائم بنفسه «فالخطاب اللّغوي العربي الحديث مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالبحث عن استقلاليته إزاء هيمنة التراث قديمه وحديثه ».54

فبواّبة المستقبل نحو أفق جديدة للّسانيات العربية تنطلق من شرط الاستقلالية وبعدها ستتحدّد لها المنهجية العلمية الخاصة بها، لتجد لنفسها في هذا الإطار مقاربات جديدة للغة العربية «لا تكرّر القديم بأسلوب حديث ولا تنسخ الفكر اللساني الحديث بطريقة حرفية عمياء»55 بل سيكون لها المجال المعرفي الخاص بها في التحليل اللّساني للكشف عن طبيعة اللغة العربية ولتبني نموذجا لسانيا خاصا بهذه اللغة.

فالمهمّ حاليا حسب "مصطفى غلفان" هو أن تسعى إلى خلق ثقافة لسانية عربية جديدة تعمل على نشر الوعي اللساني العام معرفيا ومنهجيا على مستوى البحث الخاص أو البحث الأكاديمي في المعاهد والجامعات فما نحن بحاجة إليه فعلا هو «تفعيل أساسيات العمل اللّساني المتمثل في اللغة كموضوع وليس في شيء آخر... اللسانيات العربية يجب أن تكون عربية، بمعنى تنصب على اللغة العربية في مستوياتها المختلفة لا عربية في أشياء أخرى ... من هنا يمكن أنْ يبدأ قطار اللسانيات العربية ويسير على سكة البحث اللساني الحقيقي»56، المقصود هنا هو أن تكون اللسانيات عربية لأنها تدرس اللغة العربية ولا تكون عربية لأنها تنتمي إلى القطر العربي أو من إنتاج الذات العربية أو أشياء أخرى.

وعلى هذا يُلخّص لنا "مصطفى غلفان " الشروط الواجب توفرها من أجل تصحيح المسار المنهجي للسانيات العربية نحو أفق جديدة وذلك يقتضي الاهتمام بثلاث قضايا جوهرية وهي:

-                       العودة إلى جوهر العمل اللّساني بتحليل اللغة العربية من حيث هي بنيات صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية ومعجمية.

-                       ضبط المصطلح اللّساني العربي وتوحيد استعماله.

-                       إعادة النظر في تدريس اللسانيات في الجامعات والمعاهد العليا في الأقطار العربية.57

وعن هذه الآفاق ومستقبل اللّسانيات يتحدث "مازن الوعر" عن الحلول الآتية :58

أولا: الاهتمام بعلم اللسانيات كعلم قائم برأسه في جامعات العالم العربي ومحاولة توسيعه وتطويره ووضع المبادئ الأكاديمية له وجعله مادة مستقلة بنفسها.

ثانيا: إنشاء كلّيات قائمة برأسها في جامعات العالم العربي تُدعى كلّيات اللغات والعلوم اللسانية الحديثة يكون فيها فرع اللسانيات قسما بذاته وهذه الكلية ينبغي أن تتألف من الأقسام التالية:

-                       قسم اللسانيات الحديثة.       -  قسم دراسة اللغة العربية الحديثة.      -  أقسام اللغات الأجنبية العالمية.

حسب " مازن الوعر " تكمن الحلول الناجعة من أجل تطوّر الفكر اللّساني في الجانب الأكاديمي الذي يسمح بتكوين المعرفة اللّسانية، وممارستها علميا وعمليا من خلال تدريس الدرس اللساني نظريا ومن خلال البحوث العلمية الأكاديمية التي تطرح الإشكالات الراهنة وتعالَج في إطار منسق ومنظم ومؤطر مؤسساتيا، وفي موضع آخر يؤكد على أنّ الدرس اللساني «يحتاج إلى تأطير ابستيمولوجيّ -ربما أكثر من غيره-هذا هو الأمر الذي بإمكانه أن يعيد النظام والأمن الداخليين لمنظومة اللّسانيات العربية».59

وكأنّ اللّسانيات - حسب رأيه – تتخبّط في حالة اللا أمن الناتج عن الصراع الفكري والهيمنة المنهجية والتبعية المعرفية والحلّ يكمن في إعادة الطرح الابستيمولوجي لها من أجل توضيح الرؤى وتأصيل المعرفة ونقد الأسس وتحديد المسار الحقيقي لعلم اللسان العربي وهي المهام التي دعا "الفاسي الفهري" الباحثين العرب وخاصة الشباب منهم إلى السعي لتجسيدها في ضوء الدعوة الموضوعية للنهضة بشكل عام، حيث يقول : «لابد للسانين الشباب أن يتشبثوا بالمنهج العلمي والبحث العلمي وأن لا يخالجهم شكّ في أنّ هذه الثورة المعرفية والثورة العلمية هي المخرج الوحيد من التخلف والتدهور، وأنّ لهم مكانا في هذه الثورة .... ويمكن لشبابنا وعلمائنا أن يلعبوا دورا هاما في هذه القاطرة التي يمكن أن تحوّل المجتمع من مجتمع جهل وتخلف وفقدان للقيم إلى مجتمع متشبث بهذه القيم».60

يتبيّن لنا أنّ آفاق اللسانيات اتسعت دائرتها عند "الفاسي الفهري" إذْ يربطها بآفاق تطوير المجتمع ككلّ وتخليصه من أزمة الجهل والتخلّف وإعادة  بعث روح المبادئ والقيم التي تبني  المجتمعات عن طريق الوعاء اللغوي لتلك المجتمعات، وربما  الرأي نفسه يذهب إليه الباحث "أحمد العلوي" الذي يربط تطوير البحث اللساني بضرورة العودة إلى الجوانب اللّغوية المجتمعية بقوله « إنّ التقدم بالدراسات اللّغوية لن يتمّ إلاّ بالتوجّه نحو اكتشاف التفاعلات المجتمعية القائمة في حضن الممارسة اللّغوية، إنّ هذا يمكّن أيضا من الانتقال من دراسة اللّغة المتصوَّرة نظريا إلى الممارسة بالفعل»61.

يبدو من خلال هذه المقاربات والتصوّرات السابقة لأُفق البحث اللساني العربي أنّ الوعي اللّساني موجود عند الكثير من الباحثين اللّسانيين العرب الذين يشعرون بحلول الأوان لإعادة النظر في الممارسة اللّسانية الراهنة وضرورة تجديدها وفق ما يفرضه المنطق العلمي الحديث الذي يتجه أكثر نحو تحرير الأعمال الفكرية وربطها بالمحيط العام من أجل مجابهة مختلف التحدّيات، واللّسانيات ليست بمنأى عن هذا المنطق العام للعلوم، وعليه لا مناصَ من إعادة تفعيل النشاط اللّساني وفق ما يتطلبه واقع اللغة العربية الحديثة من جهة ووفق ما يتطلبه المحيط العام الذي يحتضنها.

وهذا المخرج هو الوحيد لإخراج الثقافة العربية الحديثة وضمنها اللّسانيات من وضعيتها بتوفير مجموعة من الشروط كما يعدّدها الباحث اللّساني " محمد الأوراغي " :62

-                       الشروع في إنتاج المعرفة وفق الشروط المنهجية المتبناة في هذا العصر وبذلك نتخلص من آفة التقليد.

-                       ربط إنتاج المعرفة بتطوير قطاعات وطنية في شتّى الميادين الاقتصادية والصناعية والثقافية والاجتماعية والسياسية وغير ذلك.

-                       ربط البعثة العلمية إلى الخارج بجلب المعرفة العملية والخبرة اللازمة لتطوير قطاع من القطاعات الوطنية الحيوية.

-                       إدماج الجامعة في وسطها لتكون قاطرة للتنمية الجهوية حتى تكون الجامعة فضاء أكاديميا للتفكير في مشاكل واقعية واقتراح بدائل مستقبلية.

-                       الإقلاع عن الاهتمام بالشكليات والأرقام والإحصائيات والتركيز بجدّ على المضامين والمحتويات.

يضيف الباحث اللّساني" عبد الرحمن الحاج صالح" إلى هذه الشروط حُلولا عملية أكثر فعالية ونجاعة، من أجل أفق  أقرب إلى التصوّر العلمي للدرس اللّساني العربي من خلال ربطه إيّاه بالجانب التطبيقي الذي يعتمد على الاختبار باستثمار الوسائل العلمية المتطورة كاستعمال الحاسوب أو ما يسمّى بحوسبة اللغة ، وهو المشروع الذي نظّر له من أجل النهوض بالدراسات اللغوية التي تسعى في مجملها إلى ترقية اللغة العربية ، حيث يقول واصفا مشروعه :" فيما يخص نظريتنا الخليلية فنريد أن يكون نقدا بناءً لكلّ ما ظهر إلى الآن من النظريات ومشروعا أساسه الاختبار بكلّ الوسائل العلمية والاختبار عندنا هو أكثره تطبيقا"63. 

ومن أجل هذه النهضة أيضا يدعو "عبد الرحمن الحاج صالح" إلى ضرورة التمسّك بمسألة تحديد هويّة اللّسانيات العربية من خلال دعوته إلى إعطاء البحث اللّساني حقّه في إلقاء خطابات علمية بنفسها دونما إسقاطات فكرية أو إملاءات منهجية وهو ما يسمّيه بالتقليد حيث نجده يرفض فكرة الاستلاب بفكر الآخر، إذ يقول:" والتقليد مهما كان هو أبغض ما يتّخذه الباحث كسلوك سواءً كان تقليدا للقدماء أو المحدثين"64. 

وفي سبيل تجاوز هذا الوضع نحو رؤية جديدة لواقع اللّسانيات العربية يدعو وبنظرة موضوعية إلى مبدإ التفاعل في النشاط الفكري، ذلك أنّ الإنسان -كما يقول-:" يستحيل أن يعيش بالاعتماد على ما يصنعه وحده أو يرقى به العلم بدون أن يراعي ما ابتكره الآخرون، والعلم بهذا الاعتبار هو أحوج الأشياء إلى التفاعل والتداخل والأخذ بما يأتيه الآخرون"65.

       يمكن لهذه الحلول العملية فعلا أن تسمح للباحثين اللّسانيين العرب العمل بجدّ بتأطيرٍ من الجهات الوصيّة التي تموّل فكريا وماديا بحوثهم ودراساتهم وتهيئ لهم المناخ المناسب على مستوى مختلف المؤسسات من أجل انطلاقة حقيقية للّسانيات العربية، وهذا ما يطمح إليه البحث اللّساني مستقبلا، فالعلم «يلتفت وبكلّيته نحو المستقبل وممارسته تعني  تنمية قدرة الحسم لأدوات المراقبة والقياس والعثور لها على تطبيقات غير متوقعة، وابتكار الجديد منها لمراقبة وقياس ما يفلت من الأدوات المتاحة من قبل، إنّه أيضا العمل على منح اللغة المستخدمة  دقة وصرامة يزدادان باستمرار ، إّنه إذن بكلمات أخرى الإكثار من عدد الموضوعات القابلة للمراقبة  مع ابتكاره في الوقت نفسه مفردات وتراكيب تسمح بوصفها».66

 أهم النتائج المتوصّل إليها

   سجّل    البحث من خلال مقاربة "مصطفى غلفان "لواقع اللّسانيات العربية وآفاقها جملة من النتائج أبرزها:

-                       تأزّم الدرس اللّساني العربي وتدنّي مستواه، ومن مظاهر ذلك تعدّد الكتابات اللّسانية العربية واختلافها من حيث مسألة الموضوع الحقيقي للّسانيات العربية ممّا أفرز واقعا مؤسفًا سببه سوء فهم طبيعة المعرفة اللّسانية  من جهة وكذا سوء تطبيق المنهج العلمي والدليل على هذا غياب الإجماع في قضايا: الموضوع، المنهج، المصطلح اللّساني، غياب الأعمال التطبيقية، التجاذب الدائم نحو فكر الآخر ممّا يكرّس فكرة الصراع بين القديم والحديث، والعامل الجوهري في كلّ هذا هو غياب سياسة واضحة من الجهات المعنية من أجل فرض إرادة التغيير.

-                        يمكن عدّ موقف " مصطفى غلفان" وتصوّره لواقع اللّسانيات العربية مقاربة نسبية بالنظر إلى الاكتفاء في وصفه على بعض الباحثين فقط، دون التطرق لأبرز الجهود الراهنة والأعمال المهمّة لاسيما إقصاؤه أو تجاوزه لجهود "عبد الرحمن الحاج صالح" إذْ لم يشر مطلقا في كتبه إلى أبرز أعماله بالرغم من قيمتها العلمية.

-                        استكمالا للحديث عن موضوع واقع اللّسانيات العربية وآفاقها سجّل البحث إصرار أهل الاختصاص على ضرورة الدفع السريع لمسيرة الدرس اللّساني العربي وحمله على تبنّي – بجدّية – واقع اللّغة العربية لمجابهة تحدّيات العصر وذلك بمواكبة نتائج تطور العلوم أوّلا تمّ التوجه نحو البحوث التطبيقية ثانيا، وكلّ هذا يتحقّق بشرط تفعيل الدرس الجامعي والبحث الأكاديمي الذي يربط الفكر اللّساني بالعالم الخارجي بما ينعكس إيجابا على اللّغة العربية وعلى مجالات البحث فيها نظريا وتطبيقيا.

الخلاصة

تحتاج اللغة العربية بوضعها الرّاهن إلى مقاربة علمية جديدة تأخذ بعين الاعتبار تحدّيات العصر لتنهض بمستواها إلى مستوى أرقى وأكثر حضورا في مختلف المحافل العلمية والثقافية العالمية منها خاصة.

ولن يتحقق ذلك إلاّ إذا توفّر المناخ العلمي المناسب الذي يؤطر العمل معرفيا ومنهجيا، نظريا وتطبيقيا في إطار ما يصطلح عليه بالبحث اللّساني أو اللسانيات العربية التي تشهد اليوم بدورها تحديات جديدة انطلاقا من الأزمة التي تعيشها نتيجة غياب الشروط الإبستيمولوجية والمنهجية، والتي تسعى رغم ذلك إلى إيجاد حلول ناجعة لمعالجة وضعها المتردّي على مستوى المنهج والموضوع نحو آفاق علمية وعملية ملموسة تُمكّنها من إحقاق نفسها وحجز مكانة لها في فضاء البحث اللّساني العالمي الأكثر تحديدا وضبطا وتقدّما

1-  أندريه مارتيني(1990)، مبادئ ألسنية عامة، تر: ريمون رزق الله، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، ص 5.

2-  مصطفى غلفان (2013)، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، ط1، ص 33.

3- حافظ إسماعيلي علوي، وليد أحمد العناتي (2009)، أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، حصيلة نصف قرن من اللسانيات في الثقافة العربية، دار الأمان، الرباط، ط1، ص 131.

4-    نعمان عبد الحميد بوقرة (2011)، الدراسات اللسانية في المملكة العربية السعودية، دراسة وصفية تأصيلية في ضوء التلقي العربي للمناهج اللسانية الحديثة، عالم الكتب الحديث، إربد، لبنان، ط1، ص 20.

5-  مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص111.

6-  المرجع نفسه، ص 33.

7-  المرجع نفسه، ص 37

8-    عبد السلام المسدي (2003)، العربية والإعراب، مركز النشر الجامعي، تونس، ص 63.

9-    مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 14.

10-  ينظر، النعمان عبد الحميد بوقرة: الدراسات اللسانية، ص26.

11- المرجع نفسه، ص 26.

12-   الطيب دبة (2011)، مبادئ اللسانيات البنوية، دراسة تحليلية ابستيمولوجية، دار القصبة للنشر، الجزائر، دط، ص 28.

13-  أندريه مارتيني: مبادئ ألسنة عامة، تر: ريمون رزق الله، ص 10.

14-  ينظر، مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية، جامعة الحسن الثاني، عين الشّق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ص 23.

15- مصطفى غلفان (2001)، في اللسانيات العامة، تاريخها، طبيعتها، موضوعها، مفاهيمها، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1، ص 199.

16-  المرجع نفسه، ص199.

17-  أحمد محمد قدور (2001)، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي، دار الفكر، دمشق، سورية، ص 13.

18- المرجع نفسه، ص13.

19-  مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 16.

20-  المرجع نفسه، ص 41.

·    حصل الإجماع على مصطلح اللسانيات منذ انعقاد ندوة اللسانيات بتونس عام 1978، ينظر: أحمد محمد قدور اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي، ص14.

21-  مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 43.

22-  المرجع نفسه، ص44.

23-    المرجع نفسه، ص45.

24-   المرجع نفسه، ص46.

25-     مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، ص 34.

26-  المرجع نفسه، ص34. واللسانيات العربية أسئلة المنهج، ص 46.

27-   المرجع نفسه، ص47.

28-   مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، ص 91-95.

29-  مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص62.

30-   المرجع نفسه، ص62.

31-   المرجع نفسه، ص62.

32-    حافظ إسماعيلي علوي، أحمد العناتي، أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، ص 255.

33-    مصطفى غلفان: في اللسانيات العامة، ص105.

34-   مصطفى غلفان: اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 45.

35-  نعمان بوقرة، الدراسات اللسانية، ص 23.

36-   مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 163.

37-  المرجع نفسه، ص62.

38-  المرجع نفسه، ص63.

39-   المرجع نفسه، ص63.

40- المرجع نفسه، ص64.

41-   مصطفى غلفان، في اللسانيات العامة، ص105.

42-    مصطفى غلفان، اللسانيات العربية الحديثة، أسئلة المنهج، ص 105.

43-  حافظ إسماعيلي علوي، وليد أحمد العناتي أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، ص 269-270.

44-  خليفة الميساوي (2013)، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، دار الآمان، الرباط المغرب، ط1، ص 26.

45-   عبد السلام المسدي (1997)، مباحث تأسيسية في اللسانيات، مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، تونس، ص 213.

46-مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 07.

47-    المرجع نفسه، ص13.

48-  المرجع نفسه، ص53.

49-    المرجع نفسه، ص66.

50-   المرجع نفسه، ص96.

51-   حافظ إسماعيلي علوي، وليد أحمد العناتي، أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، ص256.

52-  مادلين غراويتر (1993)، مناهج العلوم الاجتماعية، تر: سام عمّار، المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، دمشق، ص 18.

53-   مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 53.

54-   المرجع نفسه، ص50.

55-   المرجع نفسه، ص50.

56-   حافظ إسماعيلي علوي وليد أحمد العناتي، أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، ص265.

57-   مصطفى غلفان، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، ص 266.

58-  المرجع نفسه، ص 103.

59- حافظ إسماعيلي علوي، وليد أحمد العناتي، أسئلة اللغة، أسئلة اللسانيات، ص154.

60-   المرجع نفسه، ص 108.

61- المرجع نفسه، ص 31.

62-   المرجع نفسه، ص 182.

63-  المرجع نفسه، ص95.

64-  المرجع نفسه، ص93.

65- عبد الرحمن الحاج صالح(2007)، بحوث ودراسات في اللّسانيات العربية، موفم للنشر، الجزائر، ج1، ص11.

66-  كريستوف بوميان (2009)، نظام الزّمان، تر: بدر الدين عرودكي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط 1، ص 430.

قائمة المصادر والمراجع

01 – أحمد محمد قدّور (2001)، اللسانيات وآفاق الدرس اللغوي، دار الفكر، دمشق، سورية.

02 – أندريه مارتيتي(1990)، مبادئ ألسنية عامة، تر: ريمون رزق الله، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1.

03 – حافظ إسماعيلي علوي، وليد أحمد العناتي (2001)، أسئلة اللغة-أسئلة اللسانيات، حصيلة نصف قرن من اللسانيات في الثقافة العربية، دارالآمان، الرباط، ط1.

04 – خليفة الميساوي (2013)، المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، دارالآمان، الرباط، المغرب، ط1.

05 – الطيّب الدبّة (2001)، مبادئ اللسانيات البنوية، دراسة تحليلية إبستيمولوجية، دار القصبة للنشر، الجزائر.

06 – عبد السلام المسدي (2003)، العربية والإعراب، مركز النشر الجامعي، تونس.

07 -عبد السلام المسدي (1997)، مباحث تأسيسية في اللسانيات، مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، تونس.

08-عبد الرحمن الحاج صالح(2007)، بحوث ودراسات في اللّسانيات العربية، موفم للنشر، الجزائر، ج1.

09 – كريستوف بوميان(2009)، نظام الزمان، تر: بدر الدين عرودكي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1.

10– مادلين غراويتز، مناهج العلوم الاجتماعية، تر: سام عمّار، المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر والتوزيع، دمشق، 1993.

11 – مصطفى غلفان(2013)، اللسانيات العربية، أسئلة المنهج، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، ط1.

12 اللسانيات العربية الحديثة، دراسة في المصادر والأسس النظرية والمنهجية، جامعة الحسن الثاني، عين الشّق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.

13 مصطفى غلفان (2001)، في اللسانيات العامة، تاريخها، طبيعتها، موضوعها، مفاهيمها، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1 .

14 – نعمان عبد الحميد بوقرة(2011)، الدراسات اللسانية في المملكة العربية السعودية، دراسة وصفية تأصيلية في ضوء التلقي العربي للمناهج اللسانية الحديثة، عالم الكتب الحديث، إربد، لبنان، ط1.


 

غنية طيبي, «اللسانيات العربية: الواقع والآفاق قراءة في تصور "مصطفى غلفان" »

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 03 مجلد 16-2019N°03 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 186-201,
Date Publication Sur Papier : 2019-10-07,
Date Pulication Electronique : 2019-10-07,
mis a jour le : 10/10/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6097.