الحداثة الغربية واحتضار آلهة الشرق عند داريوش شايغانWestern modernity and the agony of the eastern gods in the regards of Darysh Shayegan
XML sitemap

advanced

Archive PDF

Informations pratiques

الحداثة الغربية واحتضار آلهة الشرق عند داريوش شايغان

Western modernity and the agony of the eastern gods in the regards of Darysh Shayegan
ص ص 163-176
تاريخ الإرسال: 2019-01-29 تاريخ القبول: 2019-12-18

لطيفة عميرة
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

يعالج داريوش شايغان، الفيلسوف الإيراني المعاصر، أكثر المسائل حدة في عصرنا وحتمية الترابط بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، بين تقنية طاغية لا مفر منها وبعد روحي ضروري لمستقبل الإنسان.

فيقترح داريوش شايغان دراسة العلاقات الأساسية المؤثرة في الدائرة الجماعية لحضارة ما مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الروحي لها مبيّنا نقاط قوّة الحداثة الغربية دون استبعاد للدور الجوهري للتراث الروحي.

الكلمات المفاتيح: داريوش شايغان، الحداثة الغربية، احتضار آلهة الشرق، الأصنام الذهنية، الذاكرة الأزلية، التراث الروحي

Daryush Shayegan, le philosophe iranien contemporain, traite des questions les plus aiguës de notre époque et de la nécessaire jonction qui s’opère entre l’Orient et l’Occident, entre le Nord et le Sud, entre la technique envahissante mais inéluctable et la dimension spirituelle essentielle à l’avenir de l’homme.

Daryush Shayegan propose une étude des liens structurels qui agissent dans la sphère collective d’une certaine civilisation mais aussi à l’intérieur de l’âme en quelque sorte, il nous montre ainsi les points forts de la modernité occidentale tout en méditant sur le rôle majeur de la tradition spirituelle.

  Mots clé : Daryush Shaygan, la modernité occidentale, l’agonie des dieux orientaux, les idoles intellectuelles, la mémoire éternelle, la tradition spirituelle

Daryush Shayegan, the modern-day Iranian philosopher, treats one of the most intense questions of our age and the necessary liaison between East and West, and North and South, between an oppressive but unavoidable technique and a necessary spiritual dimension for the future of Mankind.

And so, Daryush Shayegan suggests a study of the essential relationships that influence the collective sphere of a certain civilization while considering its spiritual aspect and showing the strengths of Western Modernity without discarding the essential role of spiritual memory.

Keywords: DaryushShayegan, Western Modernity, The Agony of eastern gods, Eternal Memory, Spiritual Tradition

Quelques mots à propos de :  لطيفة عميرة

جامعة محمد لمين دباغين-سطيف2latifaamira66@yahoo.fr

مقدمة

يعدّ داريوش شايغان الحداثة الغربية من أبرز التحديات التي أحدثت وما زالت تحدث تحولات فكرية وفنية في العالم العربي الإسلامي خاصة والأمم الشرقية عامة، فأفضى ذلك إلى فقدان الهوية الذي يهدد الحضارات الشرقية التي تعيش حالة من الانفصام، حيث يتصادم مستويان من المعرفة ينتميان إلى نمطين من العيش، فنجم عن ذلك حركات عفوية وردود فعل غير متوقعة من أجل التحدي والمواجهة.

لكن ماذا نعني بالتحدي؟ ألا يعني التحدي إجمالا، قوة تواجهنا وتدعونا الى خوض المعركة والصراع؟

أليس في هذا التحدي عنصر غريب يدخل في الحساب، عنصر يحثنا بفعل غرابته على إعادة التوازن المحتمل؟

فهل ينطوي التحدي المعاصر على التعادل في القوى، وهل نعثر فيه على التجانس الجوهري؟

فإذا كان الفكر اليوناني مركزه الكون، والفكر المسيحي مركزه اللاهوت البشري، فقد غدا الفكر، مع العصر الحديث، بشري المركز، بعد ذلك حل الفكر العلمي-التقني، المنحدر من العلوم الطبيعية، محل الأشكال التأملية من المعرفة التي تأسست عليها القيم التي جعلت ممكنا قيام علاقات عميقة بين مختلف الحضارات.

  وهكذا فإنّ التوازن قد اختل في صورة نهائية: فمن جهة هناك سيطرة وقوة وعدوان واستثمار ومن جهة ثانية هناك سلبية وقصور وموقف دفاعي وشلل. لم تعد المسألة مسألة حوار بين الحضارات، بل تدمير حضارات محلية على يد حضارة غدت شاملة وكونية أفضت الى انقلاب كامل في القيم والظروف والعادات والافكار.

لماذا إذن غاب عن ساحة الحاضر توازن القوى والتجانس الجوهري اللذان شكّلا الحضارات الشرقية عوامل دفع لتفاعلات وتوليفات ناجحة ولأشكال متنوعة من التجدد؟

لماذا ترزح اليوم، الحضارات الشرقية التي أرست في تاريخ البشرية أسس أكبر الابداعات، تحت وطأة بلاهة تسبب الشلل أكثر فأكثر؟

لماذا نستبدل في أيامنا، حوار كبريات حضارات الماضي بعزلة ثقافية حيال غرب نقلد منتوجاته الدنيا ونخدع ونعزي أنفسنا بسراب تقدم موهوم؟

هذا ما سأحاول الإجابة عنه من خلال هذا المقال الذي تتجلى أهميته في تبيان أسباب الاخفاقات النهضوية في العالم العربي الإسلامي خاصة والشرقي عامة عبر عرض أهمّ آراء الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان  في مسألة الحداثة و ما انجرّ عنها من أوهام ووعي زائف وانفصام مكبوح متبعة في ذلك المنهج المقارن من خلال عرض مقومات الحضارات الشرقية والحضارة الغربية، إضافة الى المنهج التحليلي والنقدي لتبيان المطبات التي وقع فيها العالم العربي الإسلامي لابتعاده عن التأصيل وانتهاجه سبيل فلسفة الاستساغة على حد تعبير داريوش شايغان لفك العقدة بين الأصالة و المعاصرة.

اهم ما كتب داريوش شايغان في هذا المجال:

أوهام الهوية les illusions de l’identité 

الأصنام الذهنية والذاكرة الازلية idoles et mémoire originelle

النفس المبتورة (هاجس الغرب في مجتمعاتنا) le regard mutilé

بالإضافة إلى حوارات أجراها معه كل من رمين جاهانبغلو جمعها في كتاب بعنوان: داريوش شايغان في ظل سماوات العالم، ورضا خجسته رحيمي في مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" بالإضافة إلى مقال كتبه عبد الجبار الرفاعي في مجلة الكوفة بعنوان "الفيلسوف المغمور داريوش شايغان".

 مقومات الحداثة الغربية والحضارات الشرقية

1-التفاوت الوجودي بين الحضارتين

يرى داريوش شايغان أنّ تاريخ الإنسانية يشهد لأول مرة انقلاباً تاماً نکّسها رأساً على عقب، ومثل تغییراً عميقا ما فتئت رياحه تهب علينا من جهة الغرب. في القرنين السادس عشر والسابع عشر انطلق عصر الصناعة، وفي هذا العصر تم الاعتراف بالعلم كقوة (بایکون) وأضحى الإنسان سيّدا ومالکا للعالم (دیکارت). وکما کانت "محورية الكون " سمة التفكير اليوناني، و"محورية الله -الإنسان " سمة التفکیر المسيحي، فقد أضحت محورية الإنسان، هي السمة الغالبة على الممارسة الفكرية في العصر الحديث، حيث تختزل الفلسفة إلى معرفة الإنسان. من ذلك الحين فصاعداً شغل التفكير العلمي -التقني المنبثق عن العلوم الطبيعية، مكان المعرفة التأويلية والعرفانية، التي حافظت على القيم شامخة حتى ذلك الحين وأهلتها لتسهيل التواصل العميق بين شتى الحضارات وهكذا يختل التوازن بأفظع صورة.

 والعوامل التي أدّت إلى هذه التحولات الجذرية في نظر الفيلسوف الإيراني، هي عوامل متعددة، ولا يمكن تحليل حيثيات هذه العوامل ومفاصلها كما تستحقه، يكفي القول بأن الفكر الغربي   تلقى موروثين كبيرين: الفلسفة اليونانية والثقافة الدينية اليهودية والمسيحية. ورغم كل المساعي المتعاقبة خلال القرون الوسطى، إلاّ أنّ هذين الموروثين لم یستطیعا أن یتلاقحا ويندمجا، وبقیت الترکیبة التي حاولت التوحيد بين التفکیر اليوناني القائم على أساس "محورية الكون" وبين الديانة المسيحية المرتكزة على "محورية الإنسان – الله"، والتي سعت أيضا إلى الجمع بين الدين والفلسفة في وحدة لا تتجزأ، بقيت هذه التركيبة مهزوزة هشة، ولم تستطع الصمود حيال المعارضين المطالبين بالانفصال، وبالتالي فقد انهارت نهائيا عقب آخر المساعي التي أبداها "توما الأكويني"1.

 أ-الأصنام الذهنية في الحضارة الغربية

ظهرت فرضية الأصنام الذهنية لأول مرّة على يد فرانسيس بایکون وهو أحد مؤسسي النهضة الغربية في بريطانيا وهو باعتقاد الكثيرين رائد الفكر الوضعي، حصر بايكون أصنام الذهن في: أصنام القبيلة، وأصنام الكهف، وأصنام السوق، وأصنام المسرح.

1 -أصنام القبيلة هي المعتقدات الموجودة في ذهن الإنسان والكامنة في قوميته. ذلك أنّ أيّ إدراك نابع من الحواس والذهن، هو إدراك منفصل عن قوالب الذهن المسبقة ولا یتطابق اکید مع واقع الأشیاء، وبالتالي سیکون ذهن الإنسان أشبه بالمرايا غیر المستوية التي تخلع خصائصها علی الأشیاء.

2-أصنام الكهف هي تلك المعتقدات الخاصة بالفرد. فالإنسان بصرف النظر عن عصبياته وأخطائه الجماعية التي تتسرب إليه عبر انشداده إلى قبيلة أو فئة معينة، له عصبياته الفردية أيضاً. إنّها عصبيا تتفسد النور الطبيعي للعقل البشري عن طريق توظيف الميول الشخصية والسنن التعليمية والمراجع التقليدية التي تلهم الإنسان.

3-أصنام السوق تنحتها معاشرة الناس لبعضهم وعلاقاتهم فيما بينهم، لاسيما العلاقات الشفوية المباشرة. فعن هذا الطريق يحل الكلام والمشافهة محل التفکیر، والکلام ینحرف بفهم الإنسان ويفضي إلی العديد من التناقضات والأخطاء الفاحشة.

4-أما أصنام المسرح فعبارة عن النظم الفلسفية الكبرى الموروثة عن الماضي، كافة المشارب الفكرية والفلسفية التي ظهرت إلی الآن، سواء کانت يونانية أو مدرسية، إنّما هي ألعاب متنوعة تتحرك على مسرح التاريخ، إنّها في زعم بيكون الفلسفة السفسطائية (الأرسطية)، والفلسفة التجريبية الخاصة بآراء السیمیائیین ومعتقداتهم، والفلسفة الخرافية التي عکفت علیها المدارس -الفيثاغورية والأفلاطونية-.

لا جرم أنّ فرضية الأصنام الذهنية لها في أفكار بایکون طابعاً سلبيا ونقديا، وكانت إثارة هذه القضية بمنزلة هجوم عنيف ضد الحكمة الشمولية .2

أصنام الذهن التي تطلع بایکون الی هدمها، تحولت في غمرة تطورات الفکر الغربي، وبسبب التفكيك الذي کرّسه بایکون نفسه بين العلم النظري والعملي فمهد الطريق لظهور التفکیر التقني، تحولت إلی إيديولوجيا جديدة. وإذا کانت أصنام الذهن تشكل في الماضي ذاكرة أزلية ومعتقدات قومية غابرة، فقد اختزلت بفضل انقلاب العلاقة بين النظرية والبراكسيس (أي المنفعة) إلى أصنام أقوى وأقدر صنعت من العلم ديناً جديداً، وشتتت المعرفة الإنسانية المتسمة بالاتصال والتماسك سابقاً في غبار هائم من المذاهب والمسالك المختلفة. ومع هذه النتيجة القائلة بانفصام الرباط الفطري بين الإنسان والطبيعة، وتقلص الانسان في کل واحدة من الإيديولوجيات المتنوعة إلی إحدى دوافعه الأصلية، یمکن أن نخلص إلى أنّ الإنسان الكامل الذي كان له يوماً ما قيمة سامية، أضحى محض فكرة متوحدة، دوافعه   الداخلية هي التي تحرك التاريخ، وعقله المتواضع هو الذي يؤسّس لكلّ معرفة وحقيقة.3

هذا الإنسان الذي يقول عنه أحد العلماء المعاصرين: "ليس الإنسان سوی آلة بیوکیمیاویة تستمد طاقتها من نظام وقود معين يكفل الطاقة للكومبيوترات أيضاً" الذي يفضح هذه الجملة هو تعبير «لیس سوی» الذي یجعل الإنسان في کلّ الحقول العلمية تابعاً لنظام شيئي يمسخه في نهاية المطاف "مخلوقاً مشوهاً" في ساحة الطبيعة.4

على أنّ الآفاق الجديدة، وفي حين تتبدى وتوسع من ماديات نظرتنا للعالم، فإنها تزلزل الأرض تحت أقدامنا أكثر ممّا هي متزلزلة في الأساس. یدل المیکانیك الکمّي أنّ المكونات الأساسية للمادة لا تتبّع قوانین الفيزياء الکلاسیکیة، ففي هذا المضمار يقول داريوش شايغان أنّنا إزاء مفاهيم قشيبة مثل مبدأ "اللاّجزم" و"النظرية النسبية". وهكذا يبقى بناء المادة أكثر غموضاً، ويتسع المجال لمزيد من المجهولات والأسرار، يغوص "فرويد" في أعماق النفس ليكتشف آلية اللاوعي الفردي و(اللوبيدو)، ويخلع یونغ الطابع الکلي على هذا اللاوعي الفردي فيسميه (اللاوعي الجماعي) المولود من رحم الصور الأزلية للبشرية، وعلماء الاجتماع   الفرنسيون يدرسون بنية الذهن لدى الشعوب البدائية وهي بنیة عرفت بشکل مغلوط فیما سبق5.

 تكتسي هذه الغرائز في آراء هرمان ياكوبيلبوس الماهية الفردية، وتنتهي بتعاليم "الناتوریالیین" les naturalistes و"الوضعیین" les positivistes إلی فرضية" الإنسان صانع الأدوات"، وهي فرضية لا ترى الفارق بين الإنسان والحيوان إلاّ في الدرجة وليس فارقاً ذاتياً. في مثل هذه الرؤية، لن تعود الروح انعكاساً لعقل أعلى، وإنّما ظاهرة متفرعة عن الطبيعة.

الدوافع التي تحدد مسار التاريخ هي إمّا المیول الجنسية (فرورید) أو إرادة القوّة (شوينهاور، نتشه، وادلر)، أو أنّها نزعات إنتاج وبالتالي عوامل إنتاج تتفرع عن غريزة التغذية بأعم معانيها (ماركس).

 في ضوء هذا المسار، يتاح القول أن الفكر الغربي شهد حركة وانتقالا من العلوي إلى السفلي، ومن العقل إلى الغرائز، ومن الغائية والمعاد إلى عبادة التاريخ، ومن الروحانية إلى التعقل، ومن استغراق ذاهل لإنسان ذائب في المطلق إلى أنانية شرهة متورمة تقف وقفة الأنداد حيال الله والطبيعة.

إن لم يعد العلم تفرجاً ومكاشفات، بل وسيلة لبلوغ هدف معين يتبلور في سد احتياجات الإنسان التي لا یمکن إشباعها بغير الاختراع، المنهج الذي نضجه بایکون في ذهنه كسياسي کبیر تحول في فلسفة دیکارت إلي خطة فلسفية دقيقة. یقول دیکارت في الفصل السادس (مقال في منهج الاكتشاف العقلي):"... بدل الفلسفة النظرية التي تُعلّم في المدارس يمكن إحلال فلسفة عملية توضح قوى وتأثيرات النار والماء والهواء والنجوم والأفلاك وكافة الأجسام الأخرى التي تحيطنا، بنفس درجة الجلاء والدقة التي تتضح بها لنا اليوم فنون الحرفيين على اختلافهم وتنوعهم. وإذن، نستطيع استخدام المعلومات المذكورة لفوائد تناسبها، فنتملك الطبيعة ونطوّعها"6.

لم تعد الطبيعة موجوداً حياً مستقلاً، وهي ليس حضوراً يمنح للإنسان مباشرة، بل هي شيء یتغیر باستمرار ويكتسي صوراً جديدة بسبب الفعل المادي للإنسان. الطبيعة بعبارة أخرى، هي حصيلة الفعل البشري، ولهذا يسميها ماركس (الطبيعة الواقعية الأنثروبولوجية).

الفاعلية التي ينبثق التاريخ العالمي بموجبها، وتكتسي الطبيعة صورة الفعل البشري، هي العمل الاجتماعي، فالحياة الاجتماعية لا تسبغ على الإنسان بالصدفة، إنّما هي في الأساس ما يكوّن وجود الإنسان. يقول ماركس:" يتشكل الجوهر الإنساني من مجموعة الظروف الاجتماعية".

الثمرة الأولى والأبرز للأنثروبولوجيا الماركسية هي أنّ أسلوب الإنتاج یشکّل جوهر الانسان، وبتعبير آخر، ثمة تناغم تام بين أسلوب الانتاج وکیفیة وجود الإنسان، وما نسميه تاريخ العالم ليس سوی إيجاد الإنسان بواسطة عمل الإنسان. لا یمکن تحرّي اتجاه روحي أو مثالي وراء تحولات التاريخ الكبرى. الحادثة التاريخية ليست حصيلة فاعلية انتزاعية لوعي ذاتي موهوم أو روح عالمية غامضة أو شبح ميتافيزيقي، وإنّما هي نتاج عملية مادية وتجريبية. الظروف الاقتصادية والاجتماعية ذات دور في صياغة الآراء والمعتقدات يوازي دور الآراء والمعتقدات في تشكيل هذه الظروف، والطبيعة أحد هذه الظروف الاساسية.7

 ويواصل الفيلسوف الإيراني حديثه عن انفصام الرباط الفطري بين الإنسان والطبيعة، وتقلص الانسان في کل واحدة من الإيديولوجيات المتنوعة إلي إحدى دوافعه الأصلية، یمکن أن نخلص إلى أنّ الإنسان الكامل الذي كان له يوماً ما قيمة سامية، أضحى محض فكرة متوحدة، دوافعه الداخلية هي التي تحرك التاريخ، وعقله المتواضع هو الذي يؤسس لكل معرفة وحقيقة.8

ب-الذاكرة الأزلية في الحضارات الشرقية

 بعد هذا العرض للأصنام الذهنية عند بيكون يتساءل داريوش شايغان عن مضمون أصنام الذهن في ضوء القيم التقليدية، ومع أيّ الحقائق تتطابق.

إنّ أطروحة شايغان لأصنام الذهن مخالفة تماما لمنهج بایکون لأنّه يحاول الإشارة إلی الأبعاد الإيجابية في هذه الأصنام، ومن البدیهی أنّ بایکون لم یکن بوسعه الاطلاع على فرضيته من هذه الزاوية، لأنه كان متمرداً على ما يسميه التقاليد أو التراث، وواثقا من سلبية وأضرار المعتقدات القديمة إلى درجة لم يخطر معها بباله إطلاقاً أن تكتنف الذاكرة القومية كل هذه الكنوز النادرة وأن تعبر عن منحى آخر من مناحي المعرفة.

وإذا كان باستطاعتنا اليوم تقديم مثل هذه الرؤية فمرد ذلك إلى أنّنا نشهد حالياً في الآفاق التاريخية للفكر الغربي حركة هابطة نازلة فتح بيكون الباب لها قبل أربعمائة سنة. تكتسب هذه الآفاق أهميتها من حيث أنّها تكشف عن الحيوية المتوثبة للفكر الغربي، وأيضاً لأنها بسبب فوارقها عن تفکیرنا، تسلط الضوء على خصائص عاداتنا الفکریة، وتفسر لماذا لم تنبثق في الشرق تلك النهضات التي عرفت باسم الرنسانس Renaissance والتنوير، كما ظهرت في الغرب ناسفة عالم القرون الوسطى القديم. من أجل انبثاق هذه النهضة کان من الضروري بالنسبة لنا أيضا أن ننهج منهج مكافحة الذاكرة، ونسلك سبيل الاستذكار لا في تحطيم الأصنام.9

يذهب شايغان أنّ ما قصده بيكون من الأصنام الذهنية يمكن تفسيره في سياق المعتقدات التي تشكل التراث، وللتراث ذاكرته وذكرياته التي لا ترتبط بفرد معين وإنّما هي ذات طابع جماعي، ولما كانت الذاكرة القومية لكل شعب، شئنا أم أبينا، علم أنساب ذلك الشعب، وهي التي تحافظ على اتصاله بالأحداث الأزلية والأساطيرية، لذا يتسنى نعت هذه الذاكرة بأنّها أزلية10

إذن ما هو المعنى الممكن للأصنام الذهنية في ضوء هذه الذاكرة القومية الأزلية عند شايغان؟

تتمثل هذه الأصنام الذهنية فيما يلي:

1- أصنام القبيلة تشمل تراث قوم معينين، أو لنقل إنّها أمانة وصلتنا عن طريق انتقال كنوز تراثية. بعبارة أخری، المراد بهذه الأصنام ذاكرة جماعية قومية معینة ينبع منها التفکیر، ویحاول الأفراد تنظيم سلوكهم الأخلاقي والمعنوي بناء على القيم الكامنة فيه، والتطابق مع نموذجها.

2- - أصنام الكهف إشارة إلی ميول الأفراد وسلوكهم الذي تتماشى في المجتمع التقليدي مع القيم الروحية والجماعية لذلك المجتمع، فالفرد في مثل هذا المجتمع تابع للجماعة، أما مفهوم الفردية والفكر الفردي الحر كما ظهر لاحقاً (في العصر الحديث) فلم يكن قد تبلور بعد.11

3- أصنام السوق ناجمة عن الأخطاء المستترة في الكلام والمشافهة لأنّ الكلام يفقد أثره السحري حينما ينقطع الفكر عن جذره الأزلي أي عندما يتحول إلى لغة محاورة يومية بعيدا عن تداعيات الذاكرة.

فاللغة لا تستطيع الحفاظ على أصالتها الروحية إلاّ إذا تمكنت من الاحتفاظ بمفاتيح رموز الأمانة في داخلها والتواصل مع الذاكرة الأزلية، فالكلام يبقى أجوفا من دون مضامينه

الأصلية، وفي هذه الحالة فقط يتحول إلى عقبات محيرة في طريق التفكير كما يعبر بيكون.

4-أصنام المسرح تشمل المنظومات الفلسفية الكبرى، بيد أنّ المنظومات الفكرية في المجتمع التقليدي ليست مقاطعات فكرية مستقلة.12

إنّ أبرز ما يميز التفكير في التصورات الشرقية عند شايغان هو قبل كل شيء المشاهدة المباشرة والکشف والشهود، وهو هدف مميّز لكافة الثقافات العرفانية في الشرق والغرب. فالتفکیر الغربي ب «مكافحته السحر» وإقصائه عن الطبيعة، وبطرده کافة أشكال العلاقة بين العالم المحسوس والعالم المعقول، وبإلغائه أية علّة غائية یمکنها التدخل من وراء مظاهر العالم، وباختزاله سلسلة مراتب الوجود الی مستوى الامتداد وبعد الجوهر الجسماني، وبالقضاء علی «الصور الجوهرية» ونقل الصفات الكيفية للطبيعة إلى تجليات الذهن البشري، وبتحويله ملکة الخيال إلى مستوى التصورات المشوشة الغامضة، إنّما يمسخ الإنسان إلى مرتبة أحادية الأبعاد ليجعله فكرة أجنبية، وبهذا يستبعد القوة الإشراقية التي لا تندرج في خانة العقل الخالص، ممهدا الأرضية للمنهج الاختزالي الذي نادت به العلوم الحديثة.13

يرى داريوش شايغان بأنّ هنالك ثنائية كامنة في البنية التأسيسية للفكر الغربي، لا تجد ما يعادلها في المعنوية الآسيوية، وحتى لو كانت ثمة ثنائية بين هذه المفاهيم في الشرق، فإن هذه الثنائية لا تسفر أبداً عن فصل حاسم بين الطرفين يمثل غرابة وأجنبية أحدهما على الآخر. بكلمة ثانية: يبقى الجسم تابعاً للروح كما يبقى العلم العملي مغلوباً من قبل العلم الشهودي، ويبقى الدين والفلسفة وجهين لحقيقة واحدة. ما یسمّیه بایکون أصنام الذهن ويشجبه، هو في الفکر الشرقي أمانة تبقى مصونة في الذاكرة القومية، ويحاول مفكرو الشرق الكبار تحري أساس الفكر في غمرة العلاقة بتلك الأمانة وفي استذكار الرسالة المضمرة فيها، ذلك أن الانقطاع عن مصدر الذاكرة القومية يمثل انقطاعاً عن الجذور، وبالتالي اغتراباً يقذف صاحبه إلی هاوية العدمية، وهذه تجربة عاشها الفکر الغربي بأقصى درجاتها، من هنا كانت أصنام الذهن في نظر بيكون الوجه السلبي لتلك الذاكرة الأزلية، والعلم بالنسبة له هو نسف تلك الأصنام واتخاذ منهج بحثي جديد.14

وسبب هذا الاختلال عند شايغان هو أنّ «الصور الجوهرية» تركت مكانها تدریجیا للعلاقات الرياضية والقيم الكمية، وبالتالي تغلبت المعرفة من حيث هي قوة على الرؤية الأساطيرية والتأويلية للإنسان. لماذا كانت غاية المعرفة في (الطاوية) الصينية اللاعمل ذاته، ولماذا أوصت الديانتان الهندوسية والإسلامية على الترتيب بالعمل اللاّهادف والقناعة؟

 السبب هو أنّ ثمّة قوّة كامنة في الممارسة العملية، أي في الفعل المختزل إلی معاییر الشیئیة والعملانية (الپراکسیس) إذا انقطعت عن قیم المعرفة العليا، أوجدت تياراً عارماً لتحول لا رجعة فيه، ومثل ردة الفعل هذه تخلق سلسلة تتمثل ذروتها في سقوط الأوجه الأخرى للشعور والإدراك. هذا الخطر الضمني المضمر في طبيعة كل معرفة تركز على الفعل الصرف وتکون غايتها استثمار الطبيعة والهبوط بها إلي مصادر طاقة ممكنة التبديل إلی بضائع استهلاكية، كان محسوساً منذ البداية في طبيعة الحضارات الشرقية.15

إنّ أصنام «فرانسيس بایکون» في نظر شايغان لها معادلاتها في التراث بمعنى الأمانة الإسلامية، أي في الذاكرة الأزلية للكنوز التي يرثها الإنسان عن أسلافه ويبقى وفياً لها كعهد مقدس، لا "تأهيل العلوم وتطويرها "16.

 المدارس الفلسفية في المجتمعات التقليدية (في الدارشانات الهندوسية أو المسالك الأربعة الكبرى في البوذية) على الرغم من اختلافاتها الهائلة، إلاّ أنّها تنهل من ينبوع واحد، ولها تصورات متقاربة للإنسان والروح ومآلها، وهذا المآل يتعلق في قليل أو كثير بهدف أوحد كان في المعنوية الشرقية القديمة نوعا من التکامل الروحي یحصل عن طريق الإشراق.

غير أنّ بایکون یطالب باجتثاث الذاكرة الإنسانية، والمراد بها مخزن الصور الأساطيرية التي تشكل الحكمة الفياضة والخالدة للإنسان، الأسلوب الذي يتخذه بايكون لهذا الهدف یمکن أن نطلق عليه هاهنا اسم «مكافحة الذاكرة»، وهو أسلوب يتحالف مع تیارین آخرین موازيين ومتناظرين هما (علمنة التفکیر الأساطيري) و(مكافحة السحر عن العالم)، ليؤدي تالياً ضمن حركة نزولية الى التفكير التقني وهيمنته الحاسمة.17

حينما لا یکون ثمة مناخ لازدهار التفکیر الشهودي والأساطيري تمنی الحرية الداخلية للإنسان بأزمة، ليست الحرية مجرد شعار   يرفعه الثوريون للاعتراض على النظام السائد وغياب العدالة الاجتماعية أو الانتصار في الصراع الطبقي، فالحرية مضافا إلى كل هذا رؤية محايدة وغير متحيزة في اللعبة العالمية. إنّها نظرة یمکن رصد عمقها في المثالية الواعية الحكيمة كما تبدت في أفكار الشرق الكبرى. «إرهات» البوذية، والإنسان الكامل في الإسلام، والحي الحر في الهندوسية كلها مظاهر هذه النظرة المحايدة التي تتفتح في ساحة اللعبة العالمية.

أن يكون في أعماق الأشياء انفراج يشبه تفتح الوردة السحرية في فجر الخلق الأساطيري (الهند) أو تجليات الفيض الرحماني في مرايا العالم الملونة (الإسلام) أو الارتعاشات الأولى للذكرى الكونية (الفلسفة البوذية) وتكون مضمرة في محيطات الأزل، إنّما هو أمر كررته الثقافات الشرقية دائماً بفضل سحر الرؤية الأساطيرية – الشاعرية، وأن لا يعود الإنسان منشداً إلى التفاصيل والأشياء في اللقاء البصري المباشر، بل يرى نفسه متوحداً مع اللعبة التي تتلاعب به في داخل حريته، هي أيضا حالة تتجلى في الثقافة الشرقية.

   الذاكرة الأزلية عند شايغان هي مخزن الوعي في مدرسة المهايانا البوذية، وهي بيضة ذهبية تتفتح كوردة نينوفار في الأساطير الهندوسية وهي أمّ الملائكة الملهمة في الأساطير اليونانية.18

فهي لا تعرف الزمن لأنها متعالية على أجزاء الزمن، وهي مخزن للكينونات، لذا كانت لها رسالتها ورغبتها في أن تحافظ على هذه الرسالة حيّة في قلب الإنسان وذهنه، من منظور إسلامي تجلى مفهوم الأمانة بأفضل وأبلغ الصور، وهذه الأمانة هي تلك الرسالة التي تلقاها الإنسان في يوم «ألست». يوم «ألست» هو یوم الميثاق والعهد، والميثاق دعوة الی الوفاء للرسالة الكامنة في الأمانة، الوفي لنفسه هو فقط ذلك الصائن للأمانة والحافظ لعهده، وأي عهد أخطر من الأمانة التي ألقيت على عاتق الإنسان في يوم «ألست». الأمانة تمثل أساس وجود الإنسان والغاية القصوى لحياته. ما يبلور إنسانية الإنسان ليس الثقافة والاعمار الذي يسميه هاردر (فن النوع البشري)، وإنسانية الإنسان لا تحددها الحركة الديالكتيكية للروح المطلقة، أو وسائل العمل والإنتاج، أو تطور الصناعات وتقدم المجتمعات، ذلك أنّ الإنسان ليس في الأساس ثمرة حرکة التاريخ.19

فالأمانة إذن عند شايغان هي في الحقيقة وفاء تام للذاكرة الأزليّة، مستشهدا بقوله تعالى:

   "إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢ "20. يقول الشيخ محمد اللاهيجي21 في تفسير هذه الآية أنّ المراد بالأمانة أمانة جامعة تشمل كافة الأسماء والصفات، فالإنسان نسخة ومرآة لجميع الأسماء والصفات، والمراد بالسماء عالم الأرواح أي عالم الجبروت، والأرض إشارة إلى عالم الملك والشهادة، بينما الجبال مظهر لعالم المثال الكائن بين عالم الأرواح والأجسام، عرض الله هذه الأمانة الجامعة على ثلاثة عوالم فرفضت حملها لأن قابلياتها الذاتية كانت قاصرة على حمل الأمانة، غير أن الإنسان استجاب للعرض لأنه ظلوم جهول.22

  ويستطرد المفسر الإيراني ببيان أنّ "ظلوماً جهولاً" هما «غاية المدح تبدت ظاهرياً على شكل ذم» لأنّ الإنسان ظلماني من جهة وجاهل بما سوى الحق من جهة ثانية، ولذا کان جامعا للأضداد، ومن هنا کان أشبه بالمجنون، وهذا هو في الواقع التناقض الكبير للإنسان المختار الذي خرجت القرعة باسمه والذي استطاع تحقيق جنونه، ولكن، حيث أنّ الإنسان حامل للأمانة وصائن لها، وقد سلّمت له هذه الأمانة في یوم «ألست» أي في یوم «ألست بربكم»، لذلك کانت رسالة الإنسان الأساسية استذكار العهد المضمر في الأمانة.23

النتيجة التي يتوصل إليها بعد هذا العرض أنّ الوفاء للأمانة وتذكر العهد هو الغرض الوحيد من الخلقة، وهو الدور الأسمى الذي يمكن أن يمارسه التفكير، وعلى ذلك، لن يكون العلم مجرد تطابق بين الشيء ونفس العالم كما يقال بالنسبة للعلم الحصولي، إنّما هو استذكار قبل كل شيء. الجوهر الاصلي للتفكير هو ما قاله الحق في قرآنه الکریم: "فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢ "24 أو "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١ ".25

إذا کان البعض یوصي بآيات التذكر والذكر في القرآن فلأن الإنسان نساء، واستذكار الذكرى الأزلية هو بمثابة الدواء المعجز الذي یعالج مرض الفؤاد" وفي قلوبهم مرض" وما ذلك المرض إلا النسيان وفقدان الذاكرة، فالذكر هو القادر علی رفع أکدار الفؤاد، والعارف علی حد تعبير نجم الدین الرازي 26(ينفي بـ (لا إله) ما سوى الحق، ويثبت بـ (إلا الله) حضرة العزة).27

يتابع شايغان تأكيده على الوفاء بالأمانة مستشهدا بأبيات لأحد أبرز الشعراء الإيرانيين الملقب ب "حافظ" 28الذي يقول في أشهر أبياته

لم   تستطع   السماء حمل أعباء الأمانة      وخرجت القرعة باسمي أنا المجنون.

ويرى شايغان أنّ مفتاح هذا البيت الشعري في ثلاثة مفاهيم: الأمانة، القرعة، المجنون، تقبل الإنسان الأمانة لأنّه كان مجنونا ولديه الشجاعة على قبول أمانة جامعة قصرت عن قبولها ثلاثة عوالم، من جانب آخر يرتبط مفهوم الجنون بكلمتي "ظلوماً جهولاً" في الآية القرآنية، تقبل الإنسان الأمانة لأنه كان مرآة كاملة لجميع الأسماء والصفات الإلهية، وتقبل الإنسان حمل الأمانة لأنه كان ظلوما جهولا وبعبارة أخرى كان قدر الإنسان تحقيق هذه الشجاعة الجنونية على أرض الواقع.

 ولكن ما هو المراد من الظلوم والجهول؟ كلمة ظلوم علی ما یری ابن عربي منتزعة من الظلمات لا من الظلم، وطالما کان الإنسان آخر مرتبة من مراتب الظهورات والنزولات، فإن أحد طرفيه مظلم عدمي، لکن   الإنسان في الوقت ذاته جهول، والمقصود بالجهول، الجهل بما سوى الحق.29

هذه الأواصر البنيوية والترابطات الشكلية المعمقة في شتى جوانب الحضارة في نظر شايغان هي التي تحدد رؤية الإنسان، والمقولات الموضعية (الزمانية – المكانية)، هذه الاحتکاکات والصدامات والحوارات والنهضات التي تتفتح وتزدهر داخل إحدى الحضارات، هي بالنسبة لصانعيها والمتأثرين بها ومستلهميها والمستفيدين منها، كانت يقيناً في حكم «التحدي»، وكانت إلى ذلك سبباً في حريتهم وازدهارهم وتفعيل طاقاتهم الخلاقة. إذا کان «شانکارا» 30يحارب الدين البوذي من ناحية، ويستلهمه من ناحية ثانية، فمرد ذلك إلى أن الافتقار إلى الجوهر أو الی أنّ «کارما» هي الآصرة المتينة لكلا الرؤيتين.

 وإذا أراد دارا شاكوه 31التوحيد بين العرفان الهندوسي والتصوف الإسلامي ضمن إطار تشببه جد متسرع (وملفت في الوقت ذاته وبنفس الدرجة، من حيث العلاقات المترتبة عليه) فالسبب يعود الی أنّ الديانتين الهندوسية والإسلامية لهما في تجربتهما الميتافيزيقية بنى متجانسة، مضافاً إلى أن مثاليات الإنسان، ومصيره، وواقعه في العالم ونظامه الوجودي أمور متكافئة في كلا الرؤيتين الهندوسية والإسلامية. إذا کانت أفكار ابن سينا وابن رشد قد حضت المفکرین الغربیین على اتخاذ مواقف حيال هذا التحدي الشرقي، وإذا كان «الخلق من العدم»" الناجم عن الإرادة الحرة في المسيحية، يقف على الجهة المقابلة للجبر اليوناني -الإسلامي، وإذا کان فيض" الوجود والخلق من العدم يلتقيان في التجاذبات المؤثرة والمثمرة لتوالد الأفكار وتخصيبها، فالسبب هو أن الإسلام والمسيحية المصطبغة بالتلاوين اليونانية، ورغم الفوارق الخطيرة بينهما، يعتقد أنّ كلاهما بالمرجعية الإلهية والروحية العليا، وأن التجارب العرفانية لإضراب ابن عربي و ما يستر اكهارت متكافئة في أصلها رغم تفاوت المناخات الثقافية التي احتضنت التجربتين.

2-من الذاكرة الأزليّة إلى الهويّة بأربعين وجها:

بعد هذا التفصيل في مقومات الحضارات الشرقية والفوارق الأساسية بين مقولات الرؤية الأساطيرية التي تمثل العنصر السائد في التفكير الشرقي، وبين التفكير الفلسفي في العلم الغربي، يتساءل شايغان عن إمكانية إقامة تناغم أو مصالحة بين التحدي المعاصر وأسلوب نظرنا وتصورنا، وهل بالإمكان المصالحة بين التقنية والتراث وإنقاذ الذاكرة القومية، وفي الوقت ذاته تحمل آلام (مكافحة الذاكرة)؟ ينطلق شايغان في مناقشة هذه التساؤلات من طبيعة علاقة الدول العربية الإسلامية خاصة والدول الآسيوية عامة بالحداثة الغربية وكيفية التعاطي معها، فالنخب المسيطرة في البلدان الإسلامية رأت في الحداثة الغربية مجمل التقنيات الحديثة فنقلتها إلى مجتمعاتها وأجرت تحديثا وليس حداثة ورفضت هذه النخب أن تأخذ مع التقنية الغربية مجمل الأفكار والمفاهيم التي كانت وراء إنتاج هذه التقنية وهذا ما انتقده شايغان بقوله :"غالباً ما نحاول عدّ التقانة ظاهرة غير ضارة تستخدم بأشكال متنوعة، وننسى أو أنّنا نجهل أساسا أنّ التقانة ليست هي ماهية التقانة، إذ من السذاجة أن نعتقد بإمكانية فصل التقانة عن القيم التي تخالطها، إنّنا في الغالب ننسى أو لا نعلم أنّ العلم، والتقانة في الفكر الغربي لم تكن أبداً ظواهر مجزأة عن بعضها، بل علی العکس هي النهاية الحتمية للفکر الغربي، وأنّ تیار العلمنة القديم کان سارياً في هذه الانتصارات المذهلة.33

إنّ الازدواجية المرضية التي أضحت ساحة لسجالات الوجهين المتناقضين في وجودنا، تشلّ مساعينا وتصدانا عن التحرك وتسدّ الطريق أمام ازدهارنا الفكري، والفكر لا يبدو مبدعاً منتجاً إلاّ إذا استعاد ذاكرته، أي إذا استمد الفيض من «مشكاة أنوار النبوّة» کما يعبّر الحكماء المسلمون، أو إذا كان مستقلاً تماماً، أي إذا تخلى عن أرضية الاستذكار القومي وخاض في کل الغمار العاتية من أجل ترسيخ مرتكزات جديدة.34

في الوقت الحاضر لا نبدو قادرين على الاتصال بـ (مشكاة أنوار النبوة) ولا نحن في درجة من التحرر والانعتاق من دون أن نكل أو نهار، طردنا من هناك ولم نلتحق بهنا، لقد وقعنا نحن الشرقيين في برزخ من التضعضع و اللّا قرار جعلنا عرضة للآفات إلى هذه الدرجة وترك ردود أفعالنا عصية على التخمين إلى هذا الحد، وبقينا نترنح بين هذين القطبين: بين «لا وتسو» و«ماركس»، ببن سلول السامورائیین النبيل والعنف الاقتصادي، حيثما تنفعل الطاقات الخلاقة، تغدو كل الأحوال حتى أكثرها غرابة، ممكنة الانبثاق والظهور35.

 في هذا العالم الذي وصفه شايغان بأنّه مرقّع بأربعين رقعة ما زال يحتمل حدوث "فصام ثقافي " الذي يترجم نفسه بعدم تجاوز الماضي والعجز عن استيعاب الحاضر، فيحضر الفرد في فضائيين وجودیین، غیر أنه لا یستطیع التفكيك بينهما، یصبح كالتلفاز الذي یستقبل قناتين، کلاهما تظهر من خلال شاشة واحدة، وفي نفس اللحظة، ماذا يحدث؟ حينما تأتي أفكار حديثة ولا نعلم من أين أتت، أو حينما یصاب الإنسان بتغريب لا واع، یکون عرضة لفصام ثقافي، حينما تتداخل هاتان الحالتان يصاب الفرد بالشلل الذهني، فيضطر للتغليف والطلاء، يسحب هذه على تلك، وتلك على هذه، يخلع   غطاء حديثاً على التراث، أو غطاء تراثياً على الحداثة. 36

 فتتولد ظواهر حديثة من قلب التراث، بينما هي ليست نتاجه الطبيعي، بل بسبب مواجهته مع الغرب عندئذ يهيمن الفكر الانتقائي، الذي قد يتولد منه أي   شيء، من قبيل العمليات الانتحارية المنبثقة من تراث يحرم الانتحار، فينبثق عن ذلك دعاة الهوية الأصوليون والغربيون والمجانين، وجميعهم يريد ان يبني جنّة لكن في النهاية يبنون جهنما ويحرقون المدينة.37

   يرى شيغان أنّ مشكلتنا   مع العالم من حولنا، هي أنّنالم نساهم في تكوين الحضارة الغربية، فنبحث عن طريق لاختزالها والالتفاف عليها، في   بعض   الحقب   كانت   الشيوعية تمثّل أفضل طريق للالتفاف، دول تشبهنا، ممن لم يحضروا وليمة الحداثة الغربية، والنهضة الإيطالية في القرن الخامس عشر، والإصلاحات الدينية في القرن السادس عشر، وحركة التنوير في القرن الثامن عشر، والثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كانوا في سبات عميق، ولم يصحوا من رقادهم إلا بعد أن رست بواخر أوروبا في شواطئهم.  في   مثل   هذه   الدول يبدو أن الالتفاف واختزال الطريق، هو الحل الوحيد لإخفاء الغياب عن التاريخ، لم   نلتفت   لحالنا وللمصير الذي وصلنا إليه إلا في   نهاية    القرن   التاسع عشر.38

ولعل احتلال اوروبا لمعظم الدول العربية والإسلامية بعد انكفاء الرجل المريض كان بمثابة الإرهاصات الأولى لهذا الاستعمار المنظم الذي أخضعها لسيطرة تقنية، فبات من المقطوع به أنّ هذا السياق التاريخي مما لا رجعة فيه، وأنّ الحوافز التي تدفعه الى الأمام تتبع نظام المنفعة والربح وليس التعاطي الروحي بين الحضارات39

ويزداد الأمر سوءا في العالم العربي الإسلامي عند تهربه من مناقشة أزماته البنيوية وأسباب تخلفه، فمنذ مطلع عصر الكلونياليزم (أي الاستعمار)، سيغدو مثل هذا التاريخ العالمي ملكنا نحن ايضا، ولكن لا من حيث أنّنا ساهمنا في إيجاده، بل لأنّنا لا نملك متاريس تحمينا حيال اعتداءاته40

لم تتوقف النخب الإسلامية من دق أبواب الحداثة والإصرار على وجوب الدخول إلى مقتبساتها واتخاذها سبيلا لنهضة موعودة دون أن تتابع أسفارها عبر التاريخ، فتراها في صراع مع تجسداتها الأكثر تطرفا والأكثر اختزالية بحيث أنّه من دون الانتباه إلى حدّة التغيرات النوعية التي تصيبنا، نرى أنفسنا فجأة ماركسيين، ووضعيين، ووجوديين رغم بقائنا غرباء عن السلالة الفلسفية التي انبثقت منها هذه الايديولوجيات41

لقد قاد الجهل بهذه السلالة الفلسفية، وهذه الأواصر البنيوية، والترابطات الشكلية المعمقة في شتى جوانب الحضارة ومجمل اورغانيكية الثقافة في نظر شايغان" إلى استعارة نظام القيم والايديولوجيات الغربية وظهر وباء الغرب بصورة مبتذلة في تفسير الصلاة بالرياضة، والوضوء بالنظافة، والصوم بالنظام الغذائي، والديمقراطية بالشورى"42.

 إلّا أنّ الديمقراطية عند شايغان هي "ابنة الأنوار، والأنوار هي ذروة نتاج العصر الانتقادي، أي النقد الجدي للحقائق المعتقدية"43

  فمبدأ الحياة الاجتماعية والقانون والمدنية وحقوق الإنسان والديمقراطية   وأشباهها   في الحياة الحديثة، جميعها غربية، إنها ثمرة   أربعة قرون من تاريخهم.

لكن أخطر ما يراه شايغان في المجتمعات الإسلامية عملية الكولاج collage (أي اللصق) التي تمارسها النخب المثقفة إذ يتم لصق الإسلام فوق مفاهيم معلمنة مثل الديمقراطية فيؤدي ذلك الى أخلاط هجينة، كوكتالات متفجرة ستزرع الالتباس في عقولنا بدلا من التوصل الى حل مشاكلنا.44

فانجر عن عملية اللصق هذه الوهم المزدوج الذي يتجسد في تغريب مكثف وفي استيلاب تدريجي إلاّ أنّ التغريب ليس وعيا للفكر الغربي، إنّه على العكس من ذلك سلوك سلبي يشل الحركة حيال انتصاراته العجيبة وافتتان مبهر وإعاقة شبه نفسية، دون الدخول في العقل الذي يحرك ديناميكيته45

بين ما نخال أننا نؤمن به، وبين ما نشعره، تنامى بون شاسع لا يعجز عن تحفيزنا على تركيبة جديدة أو إنتاج قوى جديدة خلاّقة وحسب، وإنّما يبعث فینا سياقا «اسکیزوفرنیاً» یتمظهر في منجزنا الفني والأدبي، لیدل دلالة أكيدة على مرحلة فتور نتخطاها في الوقت الحاضر، مثل هذا السياق يكدر أنفسنا ويشل قوانا الإبداعية لأننا غير مسلحين حيال التحدي المعاصر بأي سلاح یذکر، بل إنّنا لا نتمتّع إزاءه حتّى بحرية الاختيار، لأنّه السبيل الوحيد المتاح وليس ثمة سواه. إذن، لا مناص من السير في هذا الطريق ولا یمکننا العودة عنه لأننا نخشى التخلف عن الآخرين والخروج الكلي عن تيار الحركة التاريخية. التحدي المعاصر خطاب يوجهه التاريخ لنا کتقدیر أوحد ليس ثمة غيره… تقدير أوحد يجب ان نبلغ به تخوم النهاية.46

تبعاً لهذا القسر والإكراه، طفقت النخب المثقفة تفكّر في المفاهيم التاريخية، لذلك بدأت تتحدث عن تقدم وتخلف البلدان النامية، وعن الناتج القومي، وراحت تخطط وتهتم للكومبيوترات، وتنبهر بتقنية العالم المتقدم المدهشة، مضافاً إلى أنّها أصبحت تطلّب القوّة وتبحث عن أسواق. وباختصار، تقوم بأعمال معاكسة تماماً   لقيمنا الّتي ورثناها عن آلاف السنين.

وهنا يكمن في نظر شايغان فشل النهضة مثلما يكمن فشل الثورات ذلك أنّ أهل النهضة المنسحرين بالغرب، لم يدركوا أنّ وراء هذه القوّة، كان هنالك تبدل في رؤية العالم، وأنّ بين الإسلام والحداثة يوجد فراغ، لا يمكن أن يسده الرجوع إلى القيم السلفية ولا إصلاح الشريعة.47

إنّنا بطبيعة الحال لم نأنس بعد بالتقنية كما ينبغي، ولا يوجد تطابق وتلائم جیّد بین شیئیة الشيء والمقولات التي تمثل ميزان أعمالنا، وقد تکون في أفكارنا وتصوراتنا نسبة من التفکیر الأساطيري -الشاعري یغیر شکل الأشياء ويظهرها لنا كـألعوبة أكثر من كونها شيئاً مفيداً، وربما لهذا السبب ترانا نحن الشرقیین (باستثناء الیابانیین) متراخين في فاعليتنا التقنية إلی هذه الدرجة.

ولكن من جهة ثانية، ترانا نحن الذين أيقظتنا أجراس خطر قرعها مفكرون غربيون حذروا من مغبة الحداثة والنزعة الصناعية، واستخفّتنا الاحتجاجات التي زلزلت المجتمعات في كل أنحاء العالم محذرة من القيم العلمية -التقنية، بدأنا شيئاً فشيئاً نسأل عن الهوية الثقافية والقيم التراثية الخالدة، ورحنا نقتنع الی حد ما بأن الأمور كان يمكن أن تنحو منحى آخر وتكون على شاكلة مختلفة.48

فمشكلة العالم الإسلامي عند شايغان تكمن في جاذبياته القديمة، في انعكاساته وتأثراته الدفاعية، في تحجّراته الفكرية وبالأخص في هذا الزعم الوهمي الذي يعتقد أنّه يمتلك ردودا جاهزة على كل مسائل العالم.49

يتساءل شايغان حول دور النخب الإسلامية وحجم مسؤولياتها عن الإخفاق في قراءة عناصر الفشل التي منيت بها هذه المجتمعات في بناء تنمية حقيقية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، كما يتساءل عمّا اجترحناه لمعالجة الموقف؟ لا شيء! إنّما نكرر الأخطاء السابقة، ربما لو تعلمنا من تجارب الناس الذین نقلدهم، أو إذا کنا أوفياء لذکری أسلافنا، لبقينا بعيداً عن تجرع سموم الإخفاقات. ولکن  کلا ، نحن متسرعون في أن نسبق حتى أولئك الذين يستعجلون بلوغ مقصد لا أحد يعرف عنه أي شي،.فالقول إذن بأنّنا هكذا كنا في الماضي، وهكذا كان فكرنا الإشراقي، وأنّ الغرب مهد الشيطان، والتكنولوجيا بلاء سماوي، كل ذلك لا يحيي الحكمة الشرقية، ولا يحررنا من سطوة التكنولوجيا.50

 يواصل شيغان تساؤلاته حول قدرة التراث على إصلاح مجرى  الأحداث وتوفير ملاذ آمن لحياتنا الروحية  وكانت الاجابة  ربما، ولكن بطريقة لا واعية يقينا، فتدفق الدماء، والنفوذ الثقافي العميق، والعودة الی الأصول، کل هذه عوامل مؤثرة ولکن في المیادین اللاعقلانية، أي في ميادين العواطف والغرائز،إلاّ أنّ هذه العوامل تزعزع تخميناتنا المتفائلة جدا، وتربك برامجنا الطموحة وتعرقل فاعليتنا الجريئة، والخلاصة أنها تنسف بقسوة جزءاً من وجودنا يطالب بالجزء الآخر، وتستمر هذه الحال وتتفاقم إلى أن تذوب فاعليتنا التقنية وانجازاتنا التنويرية.51

  وإذن، ما هو الحل في نظر داريوش شايغان؟  بالنسبة له ينبغي القيام بکل شيء من جديد، علینا تعلم عملية التفكير من جديد، وأن نبعث أنفسنا للحياة من جديد، من دون المعرفة بـ «القدر التاريخي»، لن تتمکن هذه الحضارات الأسیویة الکبری لا من قفزات کبری ، ولا من إنقاذ روحها، أو الإسهام في العملية الإبداعية داخل إطار العالم الحديث، ولأجل حصول هذه المعرفة أو الاطلاع، علینا إعادة تشخيص کافة المفاهيم الوافدة علينا طيلة القرن الأخير، بعبارة ثانية علينا تعلم التفكير من جديد، وأن نتعرف على أنفسنا كما هي لا كما نظنها، ونكون ما نحن عليه فعلاً.52

ففي الشرق لم يظهر العلم بمعناه الغربي الحديث على الإطلاق، ذلك أنّ العلم لم يصبح دنيويا أبدا، ولم تنفصل الطبيعة عن الروح التي تسيطر عليها، ولم تنحسر تجليات الفيض الإلهي عن مسرح الحياة.53

يقول أتباع مذهب (الفيدآنتا): "المعرفة التجريبية تبقى ذات قيمة واعتبار ما لم يتم إثبات نقيضها". وبهذا المعنى يمكن القول أنّه طالما كان الوجود محتجباً، كانت الحقيقة مجرد اختبارنا للعالم التجريبي.

أفلا يمكن أن نضيف إلى هذا أنّه: متى ما بلغ الإنسان مرتبة المشاهدة المحضة، تكتسي قيمة الحقيقة العلمية -التقنية مزيداً من النسبية؟ على  أن هذا ما لا نستطيع القيام به لأنه يستلزم قفزة وشجاعة هائلة، المعارف العصرية المبعثرة والتي تشمل حقولاً مختلفة، تضع کل واحد منا في حدود علم معين، ولهذا نرانا مغتبطين بالأمن الدافئ الذي وفره لنا حقل تخصصي يصوننا من إغراءات البحار اللاّ متناهية، إلاّ أنّ أيّة تجربة معنوية هي قفزة في ورطة الوجود، وخطر لا تبادر إليه سوى إنسانية تستطيع في وجد لحظة حافلة أن تنسف كل نواقصها وتتخطى كل حدودها وقيودها، بيد أنّ إنسان اليوم كلما أضاف إلى علومه كلما زاد من ضيق أفقه ونظرته، وعلى حد تعبير الشاعر: (حالت أجنحته الهائلة دون تحليقه في السماء).54

يستهجن شايغان وصف الشرق بأنّه ساكن متحجر يقدس الماضي، لأنّ ذلك يعني أنّ لديه وفاء الشرق للذاكرة الأزلية مستشهدا بنواليس الذي يعدّ عالم الغيب -والشعر تجليه الأصيل -أكثر واقعية من عالم المحسوسات، ويقول: "الأكثر شاعرية هو الأكثر حقيقة". العالم رؤيا، والرؤيا عالم، وإدراك هذا العالم الخيالي غیر ممکن بواسطة العقل، وإنّما إدراکه عبارة عن حالة باطنية، وهذه الحالة هي

«اکوستیك الروح» أو (صدى الروح)، ومقرّها في القلب أي في اللطيف المعنوي. حينما يقطع القلب صلته بالعالم الخارجي، ويملأ أركانه بالفيض المعنوي، إذ ذاك يولد الدين والنزعة الروحية المعنوية، ويتحقق الشعر، فالمعنوية وکمال الشعر بالنسبة لنواليس هما دين انتقل إلى حیّز الفعل.

 شيلنغ وهو من الفلاسفة المثالیین الکبار في ألمانيا، أسبغ علی المبادیء الرومانتيكية نظاماً فلسفياً، يعتقد شيلنغ في فلسفته الطبيعية" أن الطبيعة هي أوديسة الروح والوجود بمثابة عمل   فني" .55

إنّ اعتماد الحضارات الشرقية علی الحضور الناجم علی الإشراق والإدراك الوجداني، هو فی الواقع نمط من أنماط الوجود، لکل إنسان شرقه وغربه، لیس الهدف المنشود أن نقدم المواعظ لجانب على حساب الجانب الآخر، ولا أن يعلو جانب على جانب، إنّما الهدف أن ينال كل جانب سهمه المناسب. صحيح أنّنا لا نتوفر دائماً على قناعات وتصورات متشابهة ولكن إذا عرض أفضل ما يوجد لدى الشرق والغرب، فربما أمكن إعادة بناء هذا الكل المبضع، ونقصد به الإنسان الحديث.56

وعليه، لن يكون الإنسان (فكرة) بمعزل عن الأمور التي تتخبّط داخل ورطة العدم، ويتوكأ وجوده على حريته فحسب، وإنما الإنسان "عالم صغير" زاخر بالأبعاد له صلاته السحرية والباطنية بكل مراتب الوجود. بهذا المعنى، لن يعود العالم قبساً من العقل الجزئي ولا شبكة من القوانين الفيزيائية والرياضية، العالم حضور في "کلّ" یکشف النقاب عن وجهه لا في موضوعية الأشیاء بل في الكشف والشهود. في إطار هذا المنحى، لن يكون الله تكليفاً لا مشروطاً يمليه العقل العملي (کانط) ولا إشعاعاً من الروح الإنسانية (فويرباخ) ولا هو ثمرة الاغتراب الديني (ماركس)، وإنّما هو تجلّي قدسي وبداهة مباشرة بلا أية وسائط، إن هذه البداهة هي في الواقع أصالة تبني الحقيقة قبل عملية التنوير.57

وفي الختام يوجه شايغان السؤال نفسه: ما هو معنى التحدي المعاصر؟

معناه أنّنا عرضة لخطر تغير علاقة الإنسان بالعالم والطبيعة، ولهذا، فلن يساعد هذا التحدي على حوار الحضارات، وليس هذا فحسب بل إنّه بمثابة نسف للحضارات وإذابتها في حضارات أمست عالمية شاملة، ولكن بمعنى من المعاني، نتخبط نحن أيضاً في دوامة من العدمية أشار إلیها نتشه بوصفه - علی الأرجح - المتنبئ الوحيد في القرن التاسع عشر. في مثل هذه الدوامة لن يكون أفقنا الحياتي سوى غروب الآلهة، وانحطاط القيم الميتافيزيقية، الشيء الذي بات محتوماً في الحضارات الشرقية.58

الخاتمة

إن تأثير الغرب والحداثة التي تقف وراءه يثيران في أيامنا ويحركان في العالم الإسلامي مدارات مقاومة عديدة، فيولدان تارة تراجعاً إلى أسطورية الأصول، ظنّا بأنها تحلّ بأعجوبة كل التعاسات الأخلاقية والتفاوتات الاجتماعية التي تشكو منها هذه المجتمعات، وتارة يسببّان هرباً إلى الأمام نحو مغامرات متزايدة المخاطر، وتارة أخرى يحرّكان رفضاً قاطعاً لمواجهة تحديات الأزمنة الجديدة. إن كل هذه المهارب والمخارج المنحرفة إلى هذا الحد أو ذاك، تعبّر عن وجوه شتى لظاهرة واحدة، وتترجم أعراض قلق عميق، بصرف النظر عن أشكال ردود الفعل المنظورة، وفي رأيي، هذا القلق صادر عن عدم فهم أو، إذا شئتم، عن عدم تمثل واستيعاب ظاهرة تاريخية كبرى -الحداثة في معناها الواسع جدا -لم تؤخذ كما هي في الحسبان، أي موضوعيا في دلالتها الفلسفية الخاصة، بل كانت تؤخذ دائماً وفقاً للتحولات الأليمة التي ألحقتها بتقاليدنا وموروثاتنا، في طرق معيشتنا وتفکیرنا. والحال كذلك، فإنّ کل حکم لها أو عليها ارتدی، منذ بداية الاحتکاکات والاتصالات، رداء التقويم الأخلاقي؛ فکان تقويما امتداحيا في بداية التلاقي مع القوة المادية للغرب، عندما اكتشف العالم الإسلامي، بدهشة كبرى، تأخره والهوّة السحيقة التي كانت تفصله عن أوروبا؛ وكان تقويماً لعيناً عندما انغلق هذا العالم، لاحقاً، أمام تأثير أوروبا، وراح یستثیر هاماته الأكثر هذيانا، ولئن كانت ردة الفعل الأولى شديدة الحماس، فإن ردة الفعل الثانية تقوقعت حول نفسها.

فالحداثة هي الابن الشرعي لمسار فكري فريد من نوعه، فدون أربعة عصور من العلمنة ونفي الترميز، كان يستحيل بلوغ مفهوم الديمقراطية، ودون توضيع الطبيعة وفك سحرها، وبدون الصدمة الكوسمولوجية التي أحدثتها ثورة كوبرنيك وترييض غاليلي للعالم، لم يكن ممكنا ظهور علوم الطبيعة، ومن دون الصدمة البيولوجية، لم يكن ممكنا إدراك مغامرة علم الأنسال والتطور العضوي للأجناس، ومن دون الصدمة السيكولوجية كان من غير الممكن إعادة اكتشاف إوّالات اللاوعي الغامضة.

هذه الصدمات الارتجاجية الثلاث هي التي كوّنت وعي الإنسان الغربي، فعندما يتعيّن على الحضارات اللاغربية أن تجابه، في منتصف القرن 19، هذا الغول الجديد للأزمنة الحديثة، كان هذا الغول قد بلغ ذروة توسعه ونموه وعانى معظم طفراته وتحولاته المعرفية. فإذا سارت الأمور على غير ما يرام وإذا كانت المجتمعات الإسلامية مجرورة نحو الحداثة فلأنّ النّاس أغفلوا التعاليم الأخلاقية، وارتكبوا خيانة بحق الروح وتاهوا عن رسالتها الأصلية وذاكرتها الأزلية.

واستناداً إلى عبقرية اللغة العربية، قال جاك بيرك بحق " إنّ اللغة العربية التي تقود كل كلمة فيها إلى الله، قد جرى تصوّرها لتخفي الواقع، وليس لاكتناهه"، ولقد تعين، بالضرورة، على التوترات ما بين إخفاء مناطق جديدة من الواقع وبين المقاومات التراثية التي تستبعدها أو تكبتها وتطردها من حقل المعرفة، أن تولد انكسارات وثغرات في الوعي، فبينما كانت الأمور تتبدّل خارجياً، كانت الإسقاطات الذهنية لا تزال تدور حول طرق التمثل القدیمة.

 کیف يمكن ان نعيش تلك التمزّقات في داخل الوعي؟ شئنا أم أبينا، لا يزال هذا الأمر هو المسألة غير القابلة للحل، مسألة جميع الاختلالات الذهنية -وما أكثرها -التي تجتاح عالمنا، ولا يمكن إبراز هذه المسألة إلاً على أيدي القيمين على هذه الحضارات بالذات، فكما لا یستطیع أحد أن ينوب عن أي كان في عملية الموت كذلك لا يستطيع شخص منحدر من حضارة مختلفة عن الحضارة التي عشنا فيها، أن يختبر وجوديّا هذا التمزّق داخل نفسه، وبكلام آخر، إنه قدرنا الخاص وغير القابل للتنازل.     



قائمة المصادر والراجع

1-داريوش شايغان، الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية، ترجمة حيدر نجف، لبنان، دار الهادي،2007، الطبعة1.

2-داريوش شايغان، أوهام الهوية، ترجمة محمد علي مقلد، لبنان، دار الساقي، 1993، الطبعة1.

3-داريوش شايغان، النفس المبتورة (هاجس الغرب في مجتمعاتنا)، لندن، دار الساقي، 1991، الطبعة1.

4-رضا خجسته رحيمي، غربة زائر في الغرب، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 51/52، 2012.

5-عبد الجبار الرفاعي، الفيلسوف المغمور داريوش شايغان، مجلة الكوفة، العدد2، 2013.

6-Daryush Shayegan,Sous les ciels du monde, entretiens avec Ramin Jahanbegloo,Paris,edition du felin,1992

الهوامش

1. داريوش شيغان، الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية، بيروت، دار الساقي،1993، ط1، ص 37.

2.                        داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، المصدر نفسه، ص33.

3. المصدر نفسه، ص46.

4.                        داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص16

5. داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص21

6.                        داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص41

7. داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص44

8.                        داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص46

9. داريوش شايغان، الاصنام الذهنية، مصدر سابق، ص34

10.                     المصدر نفسه، ص36

11.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص51

12.                     المصدر نفسه، ص35.

13.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص51

14.                     المصدر نفسه، ص32

15.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص25

16.                      المصدر نفسه، ص25

17.                      المصدر   نفسه، ص36

18.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص36

19.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية مصدر سابق، ض47.

20.                     سورة الاحزاب، الآية 72.

21.                     . الشيخ محمد بن علي اللا هيجي، المعروف بقطب الدين الاشكوري، صاحب كتاب "محبوب القلوب"، توفي سنة1095ه.

22.                     . داريوش شايغان، الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية، مصدر سابق، ص48.

23.                     . المصدر نفسه، ص49.

24.                     سورة البقرة، الآية 152

25.                     سورة الاحزاب، الآية 41

26.                     هو عبد الله بن محمد نجم الدين الرازي، ولد قرب طهران وتوفي عام 1247م، كان من أقطاب المتصوفة الإيرانيين من إقليم خوارزم وعاصر شيخ المتصوفة جلال الدين الرومي.

27.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية، مصدر سابق، ص50

28.                     هو محمد حافظ الشيرازي(725ه/792ه) الملقب بخواجة حافظ الشيرازي والشهير ب «لسان الغيب"، من أشهر الشعراء الإيرانيين.

29.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية، مصدر سابق، ص48

30.                     ادي شانكارا  (788م/820م) ، فيلسوف هندي، يعزى إليه توطيد مذهب مدرسة ادفياتا  فيدانتا  للفلسفة الهندوسية.

31.                      دارا شاكوه (1024ه/1069ه)، الابن الرابع للسلطان شاه جيهان ملك الهند، كان متصوفا وأديبا، من آثاره "سر الأسرار" و"مجمع البحرين"، وديوان شعر.

32.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص9.

33.                      المصدر نفسه، ص24.

34.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سلبق، ص28.

35.                      داريوش شايغان، أوهام الهوية، بيروت، لبنان، دار الساقي، 1993، ط. الاولى، ص

36.                     المصدر نفسه، ص53

37.                      رضاخجسته رحيمي، غربة زائر في الغرب، قضايا إسلامية معاصرة، العدد 51/52، 2012، ص72.

38.                     داريوش شايغان، أوهام الهوية، مصدر سابق، ص54

39.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص14

40.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص15

41.                     داريوش شايغان، أوهام الهوية، مصدر سابق، ص50.

42.                     عبد الجبار الرفاعي، ا لفيلسوف المغمور داريوش شايغان، مجلة الكوفة، العدد 2، ص46.

43.                     داريوش شايغان، النفس المبتورة (هاجس الغرب في مجتمعاتنا)، لندن، دار الساقي، 1991، ط1، ص40.

44.                     داريوش شايغان، النفس المبتورة، مصدر سابق، ص40.

45.                     داريوش شايغان، أوهام الهوية، مصدر سابق، ص50.

46.                                         Daryush Shaygan, Sous les ciels du monde, PARIS, Edition du Felin, 1992, p.114.

47.                     داريوش شايغان، النفس المبتورة، مصدر سابق، ص40.

48.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص20.

49.                     داريوش شايغان، النفس المبتورة، مصدر سابق، ص39.

50.                     عبد الجبار الرفاعي، الفيلسوف المغمور داريوش شايغان، مجلة الكوفة، العدد 2،2013، ص49.

51.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص

52.                                          Daryush  Shayegan, Sous les ciels du monde, Ibid , p171.

53.                      عبد الجبار الرفاعي، الفيلسوف المغمور داريوش شايغان، مرجع سابق، ص45.

54.                     داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص27

55.                      المصدر نفسه، ص96.

56.                     المصدر نفسه، ص89.

57.                      داريوش شايغان، الأصنام الذهنية، مصدر سابق، ص17.

58.                     المصدر نفسه، ص27.

 

لطيفة عميرة, «الحداثة الغربية واحتضار آلهة الشرق عند داريوش شايغان»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 04 مجلد 16-2019N°04 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 163-176,
Date Publication Sur Papier : 2019-12-26,
Date Pulication Electronique : 2019-12-26,
mis a jour le : 26/12/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6374.