التضمين السردي وامتداداته البصرية في رواية مقامة ليلية مقامة المبتدى-لعبد العزيز غرمول. The embedding of history and its visual extensions in the novel maqama laylia -maqamat almobtadha by Abdel Aziz Ghermol
XML sitemap

advanced

Archive PDF

Informations pratiques

التضمين السردي وامتداداته البصرية في رواية مقامة ليلية مقامة المبتدى-لعبد العزيز غرمول.

The embedding of history and its visual extensions in the novel maqama laylia -maqamat almobtadha by Abdel Aziz Ghermol
ص ص 177-191
تاريخ الإرسال: 2018-12-29 تاريخ القبول: 2019-12-18

ليندة خراب
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • Bibliographie

تقيم رواية مقامة ليلية - مقامة المبتدى لعبد العزيز غرمول، بنيتها على بلاغة التضمين التي أرسى دعائمها النقد البلاغي القديم، ثم تطورت مباحثها في حقل السرديات البنيوية، وتقترن بلاغة التضمين السردية بتخييل سيرة البطل " محمد البشيري"، وتقديمها في شكل قصة مُتَضَمَّنَةٍ في قصة المقامة المروية؛ففي القصة المتضمَّنة يتراىء محمد البشيري منزويا في غرفته، عاكفا على كتابة مذكرة تخرجٍ أو كتابة يوميات موازية ، ثم لا يلبث هذا الفضاء المخصّص للكتابة أن يتخذ مظهرا بصريا يشمل مختلف الملحقات الأيقونيةالموجودة تحت طائلة تبئير السارد وإدراكه الحسي، إذ تعمل هذه الأيقونات، ومثلها خزانة الكتب والمخطوطات والرسائل والبطاقات ودفتر اليوميات، عمل مثيراتٍ تمارس تأثيرها على ساردٍ مستعدٍ دائما للالتفات من قصة المقامة المروية إلى قصة الكتابة، التفاتا يقترن بتبديل جهة الوضع السردي وزمنه وموضوعه.

الكلمات المفاتيح: التضمين؛ الفضاء البصري؛ الأيقونات؛ " مقامة ليلية-مقامة المبتدى"؛ عبد العزيز غرمول.

Le roman de « Makame Laylia Maqamat Almobtadha » de Abdel Aziz Ghermol est basé sur l'éloquence de l’enchâssement qui a été établi par l'ancienne critique rhétorique puis ces recherches se sont développées dans le domaine de la narratologie. Cette rhétorique de l’enchâssement narratif est accompagnée d'une biographie du protagoniste Muhammad Al-Bachiri et présentée sous forme d'un compte inclus dans l'histoire racontée de Maqama.  Dans cette histoire incluse, Mohammed al-Bachiri apparaît isolé dans sa chambre, qui décide à écrire une thèse de graduation ou un journal intime. Ainsi l’espace, qui est consacré à l'écriture, prend un aspect visuel qui comporte les divers accessoires iconiques soumis à la focalisation du narrateur et sa Perception sensorielle. Ces icônes, telles que la bibliothèque, les manuscrits, les lettres, les cartes et le journal intime, agissent comme des stimulants qui exercent leur influence sur le narrateur qui est toujours prêt à passer du compte narré de Maqama au compte de l'écriture. Cette métalepse s’accompagne d’un changement dans le temps, le mode et le thème de récit

Mots-clés : L’enchâssement, espace visuel, des icônes, makama laylia maqama, almobtadha, d’Abdel Aziz Ghermol

Abdel Aziz Ghermol’s Makama Laylia - Maqamat Almobtadha's novel is based on the eloquence of embedding that was established by former rhetorical criticism, and then its research has been developed in the field of narratology. The rhetoric of narrative embedding is associated with the imagination of the biography of the hero "Muhammad al-Bashiri," and presenting it as an account included in the story of narrated Maqama. In the narrative of the embedding, Mohammed al-Bachiri appears isolated in his room, working on a graduation thesis or a diary that includes the narration of the narrator’s memory. This space dedicated to writing takes a visual aspect, which includes various iconic accessories that are subject to the narrator's focus and perception. These icons, such as the library, the manuscripts, the letters, the cards, and the diary, act as stimulants that exert their influence on the narrator who is always ready to pass from the narrated account of Maqama to the account of writing. This métalepse is accompanied by a change in time, mode and theme of the novel

Keywords: the embedding, visual space, icons-makama laylia maqamat almobtadha, Abdel Aziz Ghermol.

Quelques mots à propos de :  ليندة خراب

جامعة الإخوة منتوري-قسنطينة1 kharablynda@hotmail.com 

1-بلاغة التضمين السردية/مقدمة نظرية

يقوم نظم السرد في رواية "مقامة ليلية-مقامة المبتدى"، على نسق التضمين (Enchâssement)، الذي نستدل به على وجود مستويات سردية مُتَضَمِّنَة ومستويات سردية مُتضَمَّنة، وقد عرَّف جيرالد برنس (prince Gérald) التضمين السردي بأنه:«تآلف من المتواليات السردية (أو المروية بنفس الصوت أو بأصوات أخرى)، بحيث يتم إدراج إحدى المتتاليات في متتالية أخرى».1

    ولم يكن لفظ التضمين بغريبٍ عن الذائقة النقدية العربية، فهو لونبلاغي، يدل على استعارة الشاعر لأبيات أو أنصاف أبيات من الشعر فيضمّنها أبيات قصيدته، وهو عند ابن رشيق:» قصدُكإلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في آخر شعرك أو في وسطه كالمتمثل»2، ويعني به الخطيب القزويني:»أن يضمّن الشعر شيئا من شعر الغير مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورا عند البلغاء».3

وقد أورد ابن رشيق أمثلة من التضمين تقع في الشعر، فيقول:"فإمَّا احتذى كَشاجم قول ابن المعتز في أبيات له4:

ولاَ ذَنْبَ لِي إنْ ساءَ ظَنُّكَ بَعْدَمَا َ       

وَفَيْتُ لَكُمْ رَبِّي بِذَلِكَ عَالِمُ                   

وهَا أَنَا ذَا مُسْتَعتبٌ مُتَنَصِّلٌ      

كَمَا قَالَ عَبَّاسٌ وأَنْفِي رَاغِمُ:

تَحَمَّــــلْ عَظِيمَ الـذَّنْبِ مِمّـــَنْ تُحِبّــــُهُ    

وإنْ كنـــتَ مظلوماً، فقل: أنا ظالمُ

والأبيات المـُتَضَمَّنة هي للعباس بن الأحنف في قوله5:

وَصَبٍّ أَصَابَ الحُبُّ سَوْدَاءَ قَلْبِهِ         

فَأَنْحَلَهُ والحُبُّ دَاءٌ مُـــلاَزِم

فَقُلْتُ لَهُ إِذْ مَاتَ حُبًّا 

مَقَـالَةَ نُصـْحٍ جَانَبتهَا المَآثِمُ:

تَحَمَّلْ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تُحــــِبُّهُ   

وإنْ كنتَ مظلوماً، فقل: أنا ظالمُ

فَإنَّكَ إِلاَّ تَغْفِرِ الذَّنْبَ في الهَوَى     

يُقَارِقْكَ مَنْ تَهْوَى وَأَنْفُكَ رَاغِمُ

يدور لفظ التضمينالبلاغي، على معان معروفة عند القدامى، ومنها الاستشهاد بشعرِ الغير، أواقتباس آية أو حديث، غير أن التضمين السردي، وبالمعنى الذي نتوخاه في هذه الدراسة، يخرج عن هذا الضرب من الاستشهاد والعلاقات التناصية القائمة بين النصوص، ويتصل بمفهوم آخر للتضمين كان معيبا عند  بعض القدامى، وهو تضمين الإسناد ، وفيه يتبع اللاحقُ السابقَ من الكلام ويأخذ بعضُه برقاب بعض، وقد أورد ابن الأثير وصفا لتضمين الإسناد يقول فيه:»وذلك يقع في  بيتين من الشعر، أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني؛فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب، لأنه إذا   كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا».6

يجزم ابن الأثير أنّ هذا اللّون من التضمين الذي يقتضي تعلّق البيتين من الشعر أحدُها بالآخر والفقرتين من الكلام المنثور إحداهما بالأخرى ليس معيبا، بدليل ما ورد في القرآن الكريم من فقر مسجوعة يأتي بعضها مُتضَمَنٌ في بعض، مثل ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء/205-207:             âأَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥  ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦ مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧ á، فلاتفهم الآيتان الأوليان إلا بإيراد الثالثة التي فيها جواب الاستفهام الموجود في الأولى.ومثل هذا الضرب من تضمين الإسناد معروف في شعر الفحول، وقد استدل ابن الأثير على ذلكبمعلّقة امرئالقيس الشهيرة، والتي كان ترديد الخبر الأول فيها على الليل، ملتفتا إليه بضمير الغائب "هو"، ومنها قوله7:

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ         

عَلَيَ بأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِـــــه        

وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ:

أَلَّا أيُّهَا اللَّيْلُ الَطَّوِيلُ أَلَّا انْجَلِ                                                                                                                                                       بصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

 لقد قدّم ابن رشيق، ومثله ابن الأثير، فهما مختلفا للتضمين، فالتضمين سواء أكان استشهادا أو تضمينَ إسنادٍ، ليس عيبا من عيوب الكلام، فأجود التضمين طراما يخرج إلى معنى عجيب تكون فيه المزية للاحق على السابق، وهو:»أنْ يَصْرِفَ الشاعرُ المُضَمِّنُ وَجْهَ البَيْتَ المـُضَمَّنَ عَنْ مَعْنَى قَائِلِهِ إِلَى مَعْنَاه»8، أما بالنسبة إلى تضمين الإسناد فالأصل فيه زيادة المعنى، إذكلّما باعد الشاعر بين بيتي التضمين، باسطا معانيه متوسّعا فيها، كان ذلك أبعد من أن يعد عيبا.9

يتجاوز التضمين إذن معنى الاستشهاد بأقوال الآخرين، ليحتمل معنىردّ الكلام بعضه على بعض، وصرف الكلام من معنى إلى معنى آخر، والتوسّع في المعنى، وهو أقرب إلى تضمين الإسناد، وعلى هذاليس التضمين وقفا على استعارة نصوص أجنبية عن النص الأصلي، بل قد يكون النص المـُتضمَّن منبثقا من النص نفسه، وهو ما يجعل التضمين داخليا، مرتبطا بظاهرة تعلّق الكلام بعضه ببعض وتبعية اللاحق منه للسابق، وترديد النص لملفوظاته.

يلتقي مفهوم تضمين الإسناد، من ناحية تتابع أجزاء الخطاب وترابطها، بالتضمين السردي، حيث لا تتوقف آلة السرد عن توليد المحكيات، فالتضمين نسيجٌ سردي مركب، ينشأ عن إدخال قصة داخل قصة، تغدو معها القصة المـُـتَضمَّنة تابعة للقصة المـُتضمِّنة، لكنّها مع ذلك ليست ذات طبيعة حشوية، ولا هي فضلة سردية يمكن الاستغناء عنها، بل إنّها جزء من النص، وترد مندمجة فيه اندماجا كليا، فتعمل على إضاءة القصة الأولى، أو تفسيرها أو تُتخذ ذريعة لتعطيل مسار الحدثية، وزبدة القول إنّ التقاطع بين البنيتين النصيتين المـُتَضَمِّنة والمـُتَضَمَّنة، لا يخلو من أبعاد دلالية يجب أن تُستكشف وتُقرأ بحسب سياقات التضمين السردية.

شكّل التضمين واحدا منأهم شواغل السرديات البنيوية، فقد عدّه تودوروف أداة إجرائية تعكس منطقا معيّنا فيتأليف القصة، فهو إلى جانب التسلسل (Enchaînementوالتناوب(L'alternance)، يشي بتصرف الكاتب في منطق الأحداث؛ يمثل التسلسل قاعدة تأليف زمنية للأحداث، لأنّه يفضي إلى الارتباك الحدثي والتداخل، وهو يدل على مجاورة قصصٍ مختلفةٍ، حالما تنتهي القصة الأولى تبدأ القصةُ الثانية، ويتولى التناوبُ حكي حكايتين في وقت واحد، فتُقْطع الأولى لتبدأ الثانية، ثم تُقطع الثانية وتستأنف الحكاية الأولى، وهذه تقنية  تستخدم في المسرودات التي فقدت كلّ صلة لها بالأدب الشفاهي الذي لا يمكنه استخدام التناوب10. أما التضمين فهو وضعُ حكاية داخل حكاية أخرى، ويتم ذلك كلما ظهر ساردٌ جديد يتولى حكي حكاية جديدة، يقول تودوروف موضحا ذلك:»إنّ ظهور شخصية جديدة لا بد من أن يؤدي إلى القصة السابقة، لكي تروي لنا قصة جديدة ، تفسر "أنا هنا الآن" للشخصية الجديدة .لا بد من قصة ثانية تكون متضمنة في القصة الأولى .هذه الطريقة تسمى التضمين.»11.

لاحظ تودوروف أن نصّا سرديا عربيا على شاكلة ألف ليلة وليلة، يقدّم أنموذجا جيّدا للتضمين، وهو القائل:»وتحتوي ألف ليلة وليلة أمثلة من التضمين لا تقل إدهاشا، والرقم القياسي تفوز به الحكاية التي تقدمها لنا قصة الصندوق الدامي...(حكاية حمال بغداد) في الواقع هنا: شهرزاد روت أنّ جعفر روى أنّ الحلاق روى أنّ أخاه(وله ستة)روى أنّ ...»12، هكذا تتتابعُ القصصُ تترى، وتترابط حتّى ليتعذر فهم القصة بمعزل عن بقية القصص، واللافت للانتباه أنّ التضمين في حكاية حمال بغداد بلغ الدرجة الخامسة، وفيه اندغمت كل قصة مُتضمَّنة بسابقتها، بواسطة حركة إسناد رشيقة تعلن عن ظهور راو جديد، ومن ثمة حكاية جديدة، وقد انتهى تودوروف في دراسته للتضمين السردي إلى تحديد نوع من التضمين ينعته بالتضمين الذاتي                           (EnchâssementAuto) وهو نوع من التضمين يتم، دون تبديل جهات الحكي، وبمعزل عن ظهور شخصيات جديدة، حيث الشخصيات نفسها توقّع انتقالات ممكنة وسريعة بين القصة المـُتضَمِّنة والقصة المـُتَضَمَّنة، يشرح تودوروف حجم هذه الانتقالات فيقول:»إنّ طرق التضمين تصل إلى القمة في التضمين الذاتي، أي عندما توجد القصة في الدرجة الخامسة أو السادسة مضمَّنةً بنفسها.»13إنّ التضمين الذاتي هو مستوى من التضمين يشمل مجموع القصص المـُتَضَمَّنة التي تنتمي إلى السارد نفسه، وفيه تنغلق دائرة الإسناد السردية، فتبدو الحكايات أشبه باستطرادات طويلة، مندمجة مع القصة الأولى المـُتَضَمِّنة.

اهتم جيرار جينيت ببلاغة التضمين السردية، وقدّم نظرية المستويات السردية على أنّها مجرد "تنسيق لمفهوم "التضمين" التقليدي، الذي تقاصر عن تعيين العتبة بين قصة  وقصة أخرى، حيث العتبة تمثلها واقعة أن القصة الثانية تتولاها حكاية تُحكى في القصة الأولى.14كما أنّ التضمين التقليدي، لم يتوصل، بزعم جينيت دائما، إلى التمييز بين المحكي الابتدائي(Récit Primaire)، والحكاية التالية(Métarécit)، وتأمّل طرائق تضمين حكاية تالية داخل حكاية ابتدائية، ورصد مختلف الانتقالات الممكنة بينهما، فقد أكد جينيت أنّ التضمين التقليدي، حين أهمل تحديد العتبة بين قصة و أخرى، لم يستطع أن يثبت بأنّ  كلّ قصة من هذه القصص التاليات، هي قصص أعلى من القصة التي تسبقها، لأنّ ساردها شخصية في القصة السابقة، فهذه إذن قصص مُتضمَّنة تنتمي إلى مستويات سردية متباينة، وقد يقع التضمين في مستوى سردي واحد حينما يلجأ السارد نفسه إلى الاستطراد ، فتنشأ حكايات تاليات دون إقحام سارد جديد، 15وبذلك يقع حافر جينيت على حافر تودوروف الذي اقترح مفهوم التضمين الذاتي، ويدرجه ضمن بلاغة التضمين السردية .

يشير جيرار جينيت، من جهة ثانية، إلى أنّ بلاغة التضمين، تتصل في حقل السرديات بمقولة الصوت في علاقتها بالذات التي تنتج فعلا سرديا أو يقع عليها فتتلقاه أو تنقله أو تسهم فيه، إنّ هذا المقام السردي، ليس ثابتا، بل يتسم بالتنوع والتعقيد، ولا أدل على ذلك من تأمّل بلاغة التضمين في ألف ليلة وليلة، وهنا نلفي جيرار جينيت، تارة أخرى، ناسجا على منوال تزيفيتان تودوروف، مكتفيا بالإحالة إلى ما أورده هذا الأخير من ملاحظات بصدد حكاية حمال بغداد السالفة الذكر.16

استوفى جيرار جينيت دراسته للتضمين السردي من خلال شرح طبيعة التعالق بين المحكي الابتدائي، وهو القصة المـُتَضمِّنة، والحكاية التالية بوصفها القصة المـُتَضمَّنة، واقترح تعريفا لكليهما:»ففي المستوى الابتدائي، يخاطب ساردٌ خارج القصة، كما ينبغي دون أي لبس ممكن، مسرودا له خارج القصة أيضا»17ومثل ذلك أن تخاطب شهرزاد شهريارا بوصفه متلقيها في الليالي، وهما يشكلان محكيا ابتدائيا أو محكيا إطاريا يمكن التعرف عليه بسهولة، لأنه وحسب جينيت دائما:»قلّما يمكن حكايةٌ أن "تتضمن" حكاية أخرى دون أن تشير إلى عملية التضمن هذه، وبالتالي دون أن تسمّي نفسها حكاية ابتدائية»18، أما الحكاية التالية، فهي حكاية مُتضمَّنة تابعة سرديا للحكاية الابتدائية، تبعية تراتبية، ثمّ يذهب جينيت إلى التمييز بين عمل السابقة métaفي المصطلح السردي، وعمل السابقة نفسها في الاستعمال المنطقي واللّساني؛ففي لفظ (Métalangage) تدل Métaعلى كل لغة واصفة للغة أخرى. لكنمصطلح (Métarécit)، بالنسبة إلى جينيت له علاقة بالتضمين، وهو يقول مؤكدا ذلك:»أما في معجمي فإنّ Métarécit(الحكاية التالية):حكاية تُروى ضمن حكاية».19

ومع ذلك لا نرى انتفاء وجود اللغة الواصفة وإيحاءاتها المختلفة في مصطلح جينيت "الحكاية التالية" (Métarécit)، بل نُرجّح أن يخرج التضمين السردي  إلى معنى آخر، فيكون متصلا بعملية التلفظ ذاتها واصطناع حيلة الكتابة داخل الكتابة، كأن تتضمّن رواية ما قصة كتابة رواية  أو البحث عن مخطوط  ضائع أو مسروق، أو إنتاج فيلم أو إنتاج عرض مسرحي، مما له صلة بتخييل فعل الكتابة ذاته ومسرحته داخل النص الروائي، وهذا الضرب من التضمين السردي، هو ما يُعرف في السرديات الغربيةبـ (Mise en abyme)، الذي نحسب أنه يوفّر واحدا من أهم المداخل  الملائمة لقراءة رواية مقامة ليلية- مقامة المبتدى.            

        يُفضي التضمين السردي إذن، إلىبتر مسار الحكاية الأولى وتأجيل نهايتها، فضلا عن مضاعفة التخييل بتضمين حكاية داخل حكاية، وهذا ما يجعل التضمين يتقاطع في أفق الدراسات السردية الحديثة، مع مصطلح آخر هو الإرصاد (Mise en abyme)الذي يعدّه لوسيان دالنباخ (Lucien Dällenbach)شكلا من أشكال التضمين وملمحا من ملامح الرواية الجديدة.20

يُنسب الإرصاد إلى أندريه جيد (André Gide)، فهو أول من وظف هذا النوع من  التضمين السردي، في روايته "مزيـِّفو النقود" (Les faux Monnayeurs)، وفيها يعكف إدوار- بطل الرواية- على كتابة رواية ثانية داخل الرواية الأولى؛ فتتعالق الروايتان بواسطة روابط دلالية ولسانية، وهكذا أسهمالتضمين في مضاعفة التخييل السردي، ومعهيغدو النص المـُضمَّن أشبه بمرآة تعكس النص الأكبر وترصد حركته التخييلية، وإن كنّا لا نعدم وجود محاولات سابقة تصبّ في مصبّ بلاغة التضمين ، بله الإرصاد على وجه التحديد، فقد قام "وليم شكسبير" (W.Shakespeare) بتضمين مسرحية"مصيدة الفئران" (The mouse-trap)  داخل مسرحية "هاملت"(Hamlet)، حين جعل "هاملت" يقوم بتمثيل مشهد اغتيال الأب علي يد أخيه الملك (كلوديوس) في حضرة القتلة وهما الملك والملكة؛ وبذلك شكّلت مسرحية "مصيدة الفئران" المضمَّنة جزءا من مسرحية "هاملت"، وأنيطت بها وظيفة تفسير المسرحية الإطارية و تأويل أحداثها بالارتداد إلى الصورة التي تعكسها المسرحية المضمَّنة.21

قد يغدو التضمين السردي، إذن تناظرا مرآويا، يعكس من خلاله النصُّ المضَمَّن النصَّ الأصلي، ويدخله دائرة التأويل بالتماثل أو القلب أو التضاد وغيرها من العلاقات الوظيفية المحتملة بين النص المتضمَّن والنص المتضمِّن، وإن كان هذا النوع  من التضمين السردي، أي الإرصاد، لم يثبت-في النقد العربي الحديث- على لفظ واحد، فقد أطلق عليه "لطيف زيتوني" الترجيع الأدبي:»وهو أن يتضمن النصّ نصّا يُرجّع، أي يُكّرر، مضمون الكلّ، ويشكّل نوعا من رجع الصوت بالصدى أو نوعا من صورة المرآة المحدّبة التي تختصر فضاء الرواية الواسع في إطار صغير محدود يستوعبه القارئ مباشرة. والغالب في الترجيع الأدبي أن يكون حكاية ثانوية أو مشهدا أو حلما ترويه إحدى الشخصيات ويختصر مضمون الرواية.»22فالترجيع بهذا المعنى هو تقنية روائية، تكشف عن عديد الأشكال التي يُنتج بها السردُ تمثيلا مرآويا لنفسه، غير أنّ هذا التمثيل المرآوي الذي نتقله المرآة المحدّبة، على حدّ تعبير لطيف زيتوني، لا يعكس سوى الأجسام المـُصغَّرة، فيستوي بذلك النصُّ المتضمَّن جزءا فقط من العمل، بينما قد يمتد تخييل القصة المتضمَّنة ليشمل الرواية بأكملها، وإن كنا نتحفظ قليلا على استعمال مثل هذه الاصطلاحات الخاصة بالتناظر المرآوي، بسبب إسقاطها لعلاقات دلالية أخرى قد تكون قائمة بين النصّ المتضَمَّن الجزئي والنصّ المتضَمِّن الكلي، وعلى رأسها علاقات التشاكل و التضاد والتناقض.

يقترح"محمد عناني" عبارة (الانعكاسات النصية اللانهائية في الصورة وفي الدلالة)، لوصف المصطلح الفرنسي(Mise en abyme)23، بينما ينعته (السيد إمام) بالإرصاد ويعرفه بأنّه:»صورة منقولة مصغّرة لنص متضمَّنة في ذلك النصّ؛ جزء نصي يعيد نسخ، ويعكس أو ينقل حرفيا(ملمحا أو أكثر من)الكل النصي.»24، ويستخدم "عبد المجيد بن البحري" لفظ التغوير لترجمة مصطلح(Mise en abyme)، ويعده شكلا من أشكال التضمين السردي، مستبعدا كل الاصطلاحات الشائعة في حقل الدراسات السردية العربية، ومن بينها الإرصاد25فيقول:»فالباحث يكاد لا يقف على وجه التناسب أو الملاءمة بين "الإرصاد" من حيث هو مصطلح بلاغي يدلّ على ظاهرة عروضية مخصوصة وبين "التغوير" من حيث هو مصطلح فنّي ونقدي يدلّ على ظاهرة نصيّة قائمة على نسق التضمين وآلية الانعكاس (...) وبناء على ذلك فإنّنا نرى أنّ أنسب المصطلحات وأكثرها ملاءمة لــ(Mise en abyme)هو "التغوير" لما له من قرابة دلاليّة مع المصطلح الفرنسي، فضلا عن التقارب المعجمي والصّيغي».26

لميقدّم عبد المجيد بن البحري تبريرات كافية تفسّر سبب رفضه لمصطلح الإرصاد، سوى أنّه مصطلح عروضي بزعمه، ثم يسوق تعريف ابن الأثير له وهو:»أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له ، أي أعدّها في نفسه فإذا أنشد صدرَ البيت عرف ما يأتي في قافيته، وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض.» 27نعتقد بادئ الرأي، أن إعادة توظيف المصطلح البلاغي والنقدي القديم، مسلك مشروع تماما في سبيل النهوض بنقد سردي عربي له اصطلاحاته وسياقاته النظرية والإجرائية الخاصة، أما ما يتعلق بالإرصاد، فعلى الرغم من كل التحفظات التي قدّمها  عبد المجيد بن البحري، إلا أنّه يحوز مثل بقية الاصطلاحات الأخرى على وجه معيّن من مشروعية تداوله، ويكفي أن نذكر بأن ابن الأثير نفسه  جعل الإرصاد وجها من أوجه تضمين الكلام بعضه ببعض، وفي سياق شرحه للإرصاد استشهد ابن الأثير بقول البحتري:

أحلّتْ دمي من غير جُرْمٍ وَحَرَّمَتْ  

بلا سببٍ يومَ اللّقاءِ كَلامي

فليــــس الـــــــــــــذي حلّــلتِه

وليــــس الــــــــذي حرمته بحرامِ

ثم عاد ليقول:"وليس يذهب على السامع-وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني-أن عجزه هو ما قاله البحتري "28.فالإرصاد بحسب ما سلف، أشبه بإدراج وإدخال الكلام بعضه ببعض، وهو يقع في المنظوم والمنثور من الكلام.

  أما إذا انتقلنا إلى تحري أسباب تفضيل عبد المجيد بن البحري لمصطلح التغوير، فسنكتشف أن الباحث قد سكت عن إبراز أوجه التقارب المعجمية والصيغية بين المصطلح الفرنسي (Mise en abyme)ومقابله في العربية "التغوير"، مكتفيا بربط التغوير بمعنىالهاوية (Abyss)، التي تقترن بعملية إدراج النصّ داخل النصّ، بحيث يُسلمنا كلّ نصّ إلى آخر، وهكذا كلما تضاعفت الانتقالات بين القصة المتضمَّنة والقصة المتضمِّنة، كان ذلك استدراجا للقارئ نحو متاهة سردية متشابكة، هي أشبه بهاوية أشد عمقا وغورا.

         زبدة القول إنّ التضمين لون بلاغي معروف في التراث العربي، فهو يتصّل بطريقةِ نظم أبيات الشعر وفواصل النثر سواء بسواء، وقد وجد التضمين طريقه إلى السرديات العربية التراثية، فعدّ مظهرا من أهم مظاهر الحكي في ألف ليلة وليلة ، أما اليوم فقد أضحى التضمين السردي شكلا من أشكال البلاغة السردية، التي تعتمد على توليف المحكيات داخل نسيج سردي متداخل، مع مراعاة دواعي وسياقات هذا التضمين وجمالياته المختلفة، وذلك ما سوف نتبيَّنه بعد إلمامنا بطرائق تركيب قصة الكتابة على قصة المقامة المروية في رواية مقامة ليلية مقامة المبتدى للروائي الجزائري عبد العزيز غرمول.

2-المظهر الدرامي لقصة الكتابة المـُتَضَمَّنة: 

يُعنىَ فضاء الكتابة في رواية"مقامة ليلية-مقامة المبتدى"، بالتأريخ لسيرة البطل "محمد البشيري"، الذي وصفته الرواية بأنّه طالب جامعي منتسب إلى كلية التاريخ، كلّفه أستاذه بإعداد أطروحة تخرجٍ عن تاريخ قرية المقامة، لكنّ بطل الرواية، لم يكن متحمّسا لبحثه هذا بادئ الأمر، فراح يقنع أستاذه بعدم جدواه وهو القائل:«ماذا أفعل إذا كان أستاذ التاريخ لا يصدق أن المقامة لا تاريخ لها»29، لكأنّه حدسَ قبل الأوان استحالة كتابة أطروحةٍ تُمسك بشفاهيات قرية المقامة وتحيط بتاريخها الذي لا يُؤرخ، لذلك فإنّ الأطروحة التاريخية ستتحول في النهاية إلى رواية، هي رواية "مقامة ليلية مقامة المبتدى" نفسها، وهذه حيلة ميتاروائية، أحسن عبد العزيز غرمول حبكها وعرضها بشكل مقلوب لقارئٍ سيتحمل عبء تعديل مسار القراءة لاحقا.

تضم قصة الكتابة المتُضَمَّنة في رواية مقامة ليلية مقامة المبتدى، تعليقات وأوصاف وتأمّلات وكدها التفكير في عملية التأليف نفسها، ومعها يغدو بطل الرواية وساردها الأول محمد البشري، مؤلفا ممسرحا، بمجرد أن تصير فكرة البحث واقعا يُمارِسُ من خلاله الساردُ مختلفَ مراحل إعداد الأطروحة ممارسةً فعليةً، وبذلك تصير قصة الكتابة المتضمَّنة، قصة كاملة لها حادثاتها و فضاءاتها واندماجاتها السردية، وقد رُكّبت قصة الكتابة على قصة المقامة من خلال نسق التضمين، الذي يقتضي:«إدخال قصة في قصة أخرى»30، فتتداخل بذلك القصتان ، المكتوبة والمروية، ضمن نسيج سردي واحد، وتتقاطعان، تبئيريا، عند منظور السارد الأول" محمد البشيري".

تُدلف قصة الكتابة إلى مسرح الأحداث، وبمقتضى ذلك، يعلن السارد عن بداية تخييل نسق الكتابة في اللحظة نفسها التي يقرر فيها أن يصير باحثا: «مهمتي لا تتجاوز إعادة كتابة تاريخ هذه القرية في إطار إعداد أطروحةِ تخرجٍ من معهد التاريخ... وهي الأطروحة التي قضيت زاحفا وراءها سنة كاملة مستمعا كقاضي تحقيق لأعجب وقائع التاريخ».31

تظهر قصة الكتابة المتضمَّنة بشكلها الممسرح داخل الرواية، كلما آوى السارد إلى غرفته الضيِّقة الغارقة في فوضى الأشياء، هنا يُرى محمد البشيري أكثر من مرة، معزولا في شرنقة بحثه، جالسا أو مستلقيا، قارئا منكبا على قراءة الكتب والملفات والخرائط، أو كاتبا منقطعا إلى تدوين الشهادات وترتيب البطاقات وجمع الأوراق وكتابة يوميات موازية، ويمتد هذا المشهد امتدادا نصيّا وبصريا، حتّى يتحوّل إلى حكاية ترددية، يعيد فيها السارد وصف عاداته الثقافية: «كنت أعيش معركتي كما يجب. أجمع أوراقي وأطويها»32، أو قوله: «كان يروح ويجيء بين الغرف...، ينظر إلي منكبا على ترتيب البطاقات الفنية للأطروحة...»33، أو قوله:«طويت أوراقي ووقفت ... كانت بي رغبة للهروب، ولكن أبي خطا باتجاه الباب »34.

لم تكن شعيرة كتابة الأطروحة إذن، مجرد اختبار علمي لكفاءة الطالب الجامعي الذي كأنه السارد محمد البشيري، كما لم تكن مجرد حدث ينضوي تحت سلسلة أحداث السيرة الروائية، بل هي حدث يطّرد وينمو ويتأزم ككلِّ الحادثات الأخرى، وإن كانت قصة الكتابة تتقدّم بإيقاع بطيء نتيجة امتداد فضائها الأيقوني؛ وما يستدعيه منانفساح الخطاب الذاتي وتراكمية الاسترجاعات، وتضخمالأوصاف، وهذا ملمح سنجلّيه، حين نستعرض فضاء الكتابة بمكوناته الأيقونية.

لقد أسفر حبكُ السرد في رواية مقامة ليلية ومقامة المبتدى، وفق نسق التضمين، عن انتقالات السارد المطّردة بين حكي الحدث في قصة المقامة، ووصف فضاء كتابة الأطروحة، وسرد وقائعه الخاصة، ففعل الكتابة هو حدثٌ ثقافي قابل للتوتر والتعقيد ثم الانفراج كأي حدث آخر، ولذلك غالبا ما كانت عملية البحث تترائ كحفر شاق في جذور شفاهيات المقامة وتحرٍ صعب لمصادر الرواية، وحربٍ حامية الوطيس مع رواة الحكاية: «أجمع أوراقي وأطويها، أفتح أفقا ثم أتخلى عنه لطيور الرواة... وبعد ذلك كله أستمع بصمت لأبي وهو يعيد نسيج الشهادات بخيال لا يُضاهى... أستمع للشيخ منصور وهو يلبس قناع المداح القديم... الرهباني وهو يدير حضرات الجن والعفاريت وكأنه ملك الميتافيزيقا... العدواني وهو يعود في كل حكاياته إلى الإجراءات المتخذة لإجراء الانتخابات البلدية التي ستغير بفضله وجه المقامة القديم.. العجوز عيشوش وهي تستغفر بعد كل حكاية: أنا ما شفت ما ريت...».35

كان السارد يعي صعوبة عمله في فضاء يتذرع بالصمت ليواري الحقيقة، ولذلك عبثا يحاول جمع شهادات الشخصيات، ومطاردة شفاهيات الرواة وحكاياتهم، فقد تُبْتَرُ الحكاية كما فعل سي البشير حين سكت عن إتمام حكاية نورا والطاوس، وقد تُحاصر الحكاية بالصمت كصمت الشيخ منصور وإعراضه عن الحكاية نفسها، وقد تُقال الحكاية ثم تُلَّقَح بالشك كاستغفار عيشوش بعد كلِّ حكاية تحكيها، أو ربما يحكي الجميعُ الحكايةَ نفسها حتّى يتفرق دَمُها على الرواة وتصير الحكاية الواحدة حكايات:« كان الكل يعرف الحكاية لكن الكل يرويها بطريقته الخاصة وكلما تعددت الطرق شعرت أن هذه الأوراق المتناثرة في غرفتي تنثرني في طرقات عديدة متصاعدة ومتشابكة، تنتشر في تراب مائتي سنة من الحياة البسيطة التي مرت على هذه الأرض دون أن تترك أثرا إلا في الحكايات المتداولة التي يرويها كل واحد بطريقته، لسبب ما، ويشحنها كل واحد بما يتيح له خياله بل وعواطفه الشخصية أحيانا...أجمع أوراقي وأطويها... ».36

هكذا تكون شعيرة الكتابة مهدّدة باستمرار، وهي تحتمل دائما مواجهة درامية بين قصة الكتابة والقصة المروية، أو بين المكتوب والشفهي، وتنتهي دائما بانفلات الحكاية من بين أصابع السارد، إذ كلّما تأجَّجت الاختلافات وتضاربت الروايات وتعذر تقييد الحقيقة، تراجعت الكتابة واعترفت بعجزها وفشل قوانينها ومنهاجياتها أمام سطوة ذاكرة شفهية سريعة العطب: «هنا ينتشرون في غرفتي بميراثهم الذي أحاول أن أقبض عليه في منهج كان يقول عنه أستاذ التاريخ بأنه المنهج الوحيد الذي يمكن أن يُقبض به على الميراث الشفوي للأمم... صوته يرتفع الآن في هذه الغرفة المغلقة حيث تدور معركة رواتُها لهم هذه المشيئة الإلهية التي تقتل وتحيي، تمجد وتنبذ تذكر وتنسى، ، ، وأكثر من ذلك تخلط العصور والأزمنة في ذاكرتهم فيتحدثون عن الأموات كأنهم يتحوجون معهم في سوق الجمعة... وأجدني بينهم عاجزا عن الوفاء لقانون المقارنة».37

قد تبلغ شعيرة الكتابة ذروة تأزمها، لتتخذ طابعا مشهديا، مصحوبا دائما بوصف حركات جسدٍ قلقٍ تتعاوره انفعالاتٌ متباينة يسقطها السارد على حيز الأوراق المبسوطة أمامه، فحين تستعصي الحكاية على القلم، يستسلم السارد لحالات منالضياع والأرق، وتُعاوده حركات النكوص عينها "أجمع أوراقي وأطويها"، أما حين يُقلّب السارد الصفحات في حركة آلية، وعيونه تتأمل الفراغ الذي يتجاوز حيز الكتاب المفتوح والصفحة معا، فإنّ ذلك يشي باستفحال مساحات الصمت والضجر في فضاء واعد بالإحباط: «أفتح كتابا جديدا، أو حلما، أو صمتا. كل شيء يعبر عن ذاته بذاته، ولا أملك إزاء ضراوة الأشياء سوى الصمت»38، وقد يُقْبِلُ السارد على الكتابة فيفتح أوراقه من جديد، فإذ بنبض الحياة يعود إلى ذهنه المتوقّد، فتتداعى الخيالات والأحلام، وتتسع دائرة المناجاة والعروض الذاتية، وتتزاحم الأفكار في رواق التفكير، وتستأنف الكتابة نشاطها بعد عيٍّ وانقطاع، هكذا يسفر فضاء الكتابة عن تباين وضعيات جسد السارد وانفعالاته حين يكون منهمكا في فعل الـتأليف، إلا أن حالةاستعصاء الكتابة هي الموقف الأكثر بروزا في النص، وهي التي تنتهي بالسارد إلى إدانة كلّ حكاية خرساء تنضح باللبس والخوف والإرجاف، بدل أن تنكتب:«لم تتغير كثيرا عادات أهل المقامة... كان الناس دائما يقولون ويسكتون... يستعيذون من زلة لسان أو إشارة يد تقول ما لا يجب.. لكنهم يقولون دائما في لحظة ما يقولون ... يخافون من ذنوب الكلمة ثم يقولون ...».39

  لم تكن شعيرة الكتابة إذن، حدثا طارئا أو عرضيا، بل إنّهاتحفر أخاديدها العميقة على جسد الواقعة السيري ذاتية، حتّى أضحى السارد رهين إحباطاتها وأزماتها، لذلك يتعذر اقتطاع قصة الكتابة عن خط سير الحكاية.كما لا يمكن أن تُتَلقى قصة المقامة المروية، بمعزل عن قصة الأطروحة التي تنكتب.

 3-فضاء الكتابة وامتداداته البصرية

يحاصر فضاء الكتابة منظور السارد، ويجعله أسير مثيراتٍ أيقونية تشكّل في مجموعها مظهرا حسّيا وبصريا يسم نشاط التأليف، غير أنّ هذه الأيقونات البصرية، من كتب ومخطوطات ورسائل وخرائط، لا يتم إدراكها في ذاتها، على أنّها مجرد أشياء، تعيد إنتاج الواقع البصري، فالأيقون: "لا يجمع بين أشياء مدركة حسيا، ويوجد لها معادل موضوعي في الواقع، بل من خلال الوعي باعتباره صورة ذهنية"40، ولذلك تسمح الأيقونات البصرية الموظّفة في رواية مقامة ليليةمقامة المبتدى، بتكوين بنية إدراكية للشيء الذي تمثله، وبمقتضى ذلك يغدو مخطوط الواقدي مثلا تمثيلا لنموذج ثقافي، وامتدادالزمن قديم طاغ لا يزال يربك السارد، ويضعه وجها لوجه مع حاضر غامض ملغَّم بالأسئلة ومثخن بالتمزقات.

تغدو الأيقونات البصرية، بمقتضى ما سلف ملتقى الأزمنة والأمكنة، ومنطقة تصادم وجهات النظر، كما يعد حضورهافي فضاء الكتابة وتساندها معا، تعويضا مناسبا عن تراجع الحكاية ونقص الأفعال، وذلك ما يمكن تبيّنه من خلال قراءة طرائق تشكيل الأيقونات في فضاء قصة التأليف المتضمَّنة.

 يستهدففضاء الكتابة، بأيقوناته المختلفة؛ وعلى رأسها خزانة الكتب والمخطوطات والخارطة والرسائل والبطاقات ودفتر المذكرات، تنشيط ذاكرة السارد، وعرض حكايات ابتدائية تتمخض عنهااسترجاعات داخلية وخارجية، مما يعني أنّ كلّ ارتداد نحو الماضي، لا بد أن ينطلق من الدرجة الصفر للحكي تلك التي يقع تثبيتها هنا والآن، أي في حاضر الحكي وعلى وضعية تذكر السارد الواقع تحت تأثير محفز أيقوني متواجد في فضاء الكتابة.

           تعلن خزانة الكتب عن قوة حضورها الأيقوني في الرواية، فهي تنشط ذاكرة السارد لاستحضار تجارب قاسية عاشها في مرحلة الطفولة، لذلك يقوم السارد بحكيها مرة واحدة فحسب، لأنّ استدعاءها إلى ساحة الشعور بغرض التطهير لا يخلو من ألم، فهنا في مرتع الطفولة غير الدافئ أبدا، تضاءلت شخصية السارد بين استبدادِ أبٍ قيَّد انطلاقَ مشاعره وحركته، ومزاجيةِ أمٍّ مستغرقة في هلوسات مرضها، وفي متاهة معاركهما الصاخبة انطفأ بريقُ الطفولة مبكرا، وإذ تطفو الاسترجاعات الداخلية على جسد حاضر السرد، فهذا يثبت أنّ السارد ما يزال يعيش ماضيه ويستحضر باستمرار صوره الكابوسية، بخاصة حين يصير لهذا الماضي رائحة تنبعث من جوف الأشياء المبثوثة في كلِّ ركن من البيت المعمور المعبَّق بالتاريخ والذكريات، عندئذ تصبح الذكرى مُلحة وقابلة لأن تدخل من شِقِّ الباب أو من وراء جُدُر أو من بين تقاطيع خارطة مُترهلة أو من صفحةِ في كتابٍ عتيقٍ أو من خزانة كتبٍ، فكلّ هذه الأشياء، ترسّخ جميعها الحضور الطاغي- البصري- للماضي وللأب معا، وتروح تعلن عن عمق تأثيرهما في الواقعة السيرية:« كانت كلماته شجية وعميقة تفعم جو البيت برائحة خاصة، رائحة كنت أشتمها في الكتب القديمة التي كان يصففها في خزانته معلقا على رفها ورقة مكتوبا عليها ممنوع اللمس».41

وبقدر ما كان الماضي مُحصَّنا ومهيبا وممنوعا، إلاّ أنّ الساردَ لم يكف قطُّ عن مناوشته، وهو الذي عاش طفولته متمرّدا لا يعرف معنى للزجر أبدا، هكذا يجرؤ السارد على فض أسرار الخزانة المحرّمة واكتشاف أسرارها الدفينة، إذ بمجرد أن يقع السارد في المحظور منتهكا حرمة خزانة الأب، يكون في الآن نفسه قد انتهك سلطة الأب محققا بذلك تجاوزا صوريا لسلطته، عندئذ تصير خزانة الأب عالمه الأثير الذي أيقظ فيه كلّ شهوات القراءة والكتابة والاكتشاف، ومنذ حادثة انتهاك خزانة الأب يبدأ السارد مسيرة بناء ذاته وتحقيق تمايزها واستقلالها بتثقيفها وصقل مواهبها: « كنت حينها في الصف المتوسط أقضي السنة الدراسية في مدرسة داخلية بمدينة العلمة وأقضي العطلة الصيفية في مدرسة داخلية بالبيت، لأن أبي وهو رئيس بلدية معروف بصرامته العسكرية يغلق علي الباب في القيلولات القائظة لشهر أوت...وكانت خزانة أبي هي الانتقام الأكثر جرأة لهذا الانغلاق الصارم في القيلولات الطويلة حيث يكفي مسمار معوج بدقة كي يفتح الباب على كنوز مهيبة: عطور المسك التي يضعها خصيصا لصلاة الجمعة، مجموعة من السبحات... ساعات جيب متنوعة، قمصان حريرية عربية، ملابس عسكرية، وعلب، ثم صف الكتب العتيقة التي قال لي مرة إنبعضها منسوخ بخط اليد في ورًاقات بغداد،وبعضها الآخر مطبوع على مطابع حجرية... ».42

     لقد تعلّم السارد مذ كان طفلا، كيف يكون مثقفا، بممارسة حق اللجوء إلى عالم الكتب الخصيب الرابض في خزانة الأب الغنية بالكنوز الدفينة، والتي كان يتخذ منها ذريعة للتخلص من فائض إحساسه بالغربة والوحدة والفراغ والخوف، فلم تكن خزانة الكتب مجرد حيز قابع في فراغ، بل هي حاضن لفعل تثقيفي وتطهيري في آن، وهي علامة على ماضيه الذي ما يزال يعلن عن وجوده، مشخّصا بشكل بصري في خزانة الكتب.

      وبمقتضى ما سلف، يبدو أنّ فضاء الكتابة لا يمكن أن يكون فضاء محايدا مطلقا، بل هو مقيّد بتوجيهات المنظور السردي الذي يحمله، ولذلك يتعزز فضاء الكتابةبتعليقات السارد الفكرية والعلمية المصاحبة لعمله الميداني المتصل بإعداد أطروحة التخرج، كأن يندفع السارد منافحا عن اختياراته واهتماماته كمؤرخ، متصديا لكلّ فهم خاطئ للتاريخ: « علي أن أقنع أبي مثلما أقنعت كل الذين التقيت بهم في عملي الميداني، أن التاريخ ليس مجرد حوادث قديمة ميتة نجترها للمتعة أو الاتعاظ، بل هو هذه الحياة اليومية الساخنة والفائرة التي نكابد آثارها».43

 ثم سرعان ما يتحول فضاء الكتابة بالذات إلى حلبة صراع بين الإيديولوجيات النصيّة، فقد كانت الأطروحة بالفعل أحد أهم محفزات الخلاف الدائم بين السارد ووالده:«سيقول "أبي" أن أساتذة التاريخ يعيشون على الأوراق القديمة المهملة كحشرات العثّ، وأني بمثل هذا التنقيب في سلال المهملات سأطور سلالته، هو الذي بنى أحلامه كلها ليدفعني باتجاه الطب أو المحاماة... ما فيش فايدة ... ميزيريا ... ميزيريا! سيصرخ بصوت عنيف فتركض أمي من المطبخ صارخة بدورها: يا راجل خليه يقرا ؟! وسيتحول صراخها إلى معركة كلامية...».44

يرفض سي البشير اختيارات ابنه العلمية ويسخر من فكرة أطروحة التخرج التي جاءت لتحبط أحلامه التي طرَّز بها مستقبل ابنه الوحيد، فازدادت حدة التنافر بين الأب والابن وتصاعدت درامية فعل الكتابة حتى انقلبت إلى مواجهة دامية مع محيط مُتخلِّفٍ يرفض الاعتراف بوظيفة السارد كمؤرخ في حين يقرّه ويوقره طبيبا أو محاميا أو مهندسا أو وزيرا، لكنّ فضاء الكتابة يُصَيِّرُ الأطروحة واقعا يضمر إدانةً ضمنية لسلطة الأب والمجتمع، ويبشر ببداية انفلات السارد من قبضة الرقابة الأبوية.

  في الغرفة الضيِّقة إذن، تكبر مساحة توحد السارد وانقطاعه عن الآخرين، وبذلك تستوي الغرفة فضاء لتعزيز الذات وترسيخ اختلافها ثقافيا، لأنّها المكان الوحيد الذي يمارس فيه السارد حريته وسلطته كاملتين، لذلك نادرا ما تُستباح الغرفة التي تظل ممتنعة على الآخرين، وهو ما نلمسه بوضوح في هذا المقطع الذي يُرى فيه سي البشير مقبلا على اقتحام غرفة ابنه وقد تعاوره قلقٌ وأربكه ترددٌ، ومع ذلك يقتحم سي البشير صومعة الابن، ويتم الاقتحام بحركة جسدية تنم عن استهانة واضحة بالآخر، إذ يزيح سي البشير الكتب بقدمه ليملأ فضاء الغرفة بحضوره الطاغي غير المرغوب فيه: «كان يروح ويجيء بين الغرف، يفتح أبوابا وأدراجا وأوراقا، ينظر إلي منكبا على ترتيب البطاقات الفنية للأطروحة وهو يعبر الرواق الطويل المعتم...أسمع تنهيداته تلفح المكان.. قلقله المبثوث في الهواء... يفكر ويفكر ثم تخفت خطواته وهو يعبر أمام غرفتي، محاولا ربما – أن لا يزعج هذه البطاقات – الشهادات التي كان يرى أنها لا تقدم لي أكثر من الأرق والتعب... أحاول بدوري إيهامه أني مشغول تماما ولا وقت لي لتجاذب أطراف الحديث معه... يدخل مزيحا بقدمه بعض الكتب المنثورة على أرضية الغرفة ويهمس: وماذا تريدني أن أعمل ... كيف أنام مطمئنا وينام آخرون بين الأشباح ؟!.».45

لم تكن خزانة الكتب تستنفر التاريخ الشخصي للسارد وحده، بل إنّها تستنهض من أروقة التاريخ حادثات بعيدة، ومثل ذلكهذا الاسترجاع الخارجي المفرد وفيه يقول السارد: «كان كل شيء في هذه الخزانة له حكاية في ذاكرة أبي لكن أعظم حكاياته هي تلك التي اكتشفتها وأنا أقلب الأوراق السميكة الرثة لفتوحات الواقدي حيث تدور أعنف الحروب ضراوة تدمي السيوف بفصاحة عجيبة تأسر القلب وتدفع القارئ إلى خوض أكثر المعارك عنفا وهو يجلس على بعد ألف ومائتي سنة متعاطفا مع خولة بنت الأزور وهي تتنكر بملابس الرجال لتحرير أخيها ضرارا من الأسر وخالد بن الوليد وهو يسلم قيادة معركة اليرموك إلى أحد جنوده معاذ بن جبل ثم يحارب في جيشه برتبة جندي وبسالة قائد(...) صف طويل من الحروب أعيش عليه طيلة الصيف مأخوذا بالتفاصيل الدقيقة لمؤرخين يعملون على أسر قارئهم في حرب من البلاغة والوصف...».46

يعلن هذا المقطع عن الحكاية الابتدائية التي تقترن بحاضر الحكي وقد تمخض عن حكايات لها صلة بتاريخ الفتوحات الإسلامية، وإن كانت هذه الحكايات التاريخية تتناظر بشكل واضح مع حكاية السارد الشخصية، وتتداخل معها تداخلا لفظيا ودلاليا، أما الحكاية الابتدائية فتشير إليها عبارة السارد: «كان كل شيء في هذه الخزانة له حكاية في ذاكرة أبي، غير أنّ أعظم حكاياته هي تلك التي اكتشفتها وأنا أقلب الأوراق السميكة الرثة لفتوحات الواقدي »، هكذا يعلن السارد دونما مواربة عن مصدر حكاياته التاريخية، إذ بمجرد أن يفتح دفتي كتاب فتوح الشام للواقدي، حتىّ تنبثق نتف من الحكايات القديمة تباعا لتغدو هذه الوصلة الانتقالية التي تفصل دائما بين زمنين؛حاضر وماض، تردّدية بدورها، فالسارد محاصر دائما بفضاء أيقوني يعبق برائحة الماضي، وهو دائم الانجذاب إليه واقع تحت طائلة سحره، بل إن نشاطه الذاكراتي يتوقف على الحضور المفاجئ أو المقصود لمثير ما توفره بالتأكيد خزانة الأب الغنية بالكتب والملفات والرسائل والخرائط والشهادات، وبذلك تغدو خزانة الأب دليلا على الامتداد البصري الكثيف للماضي في الحاضر وتتحوّل إلى عالم أيقوني طافح الحضور، وبها يصير التذكر متاحا في كلّ لحظة، إذ يكفي السارد أن يُرجع بصره في أنحاء الغرفة أو يمد يده ليتناول شيئا من خزانة الأب حتى يستيقظ الماضي وتعود الذكريات الشخصية أو حادثات التاريخ الأكثر واقعية أو الأكثر عجبا.

يتناول هذا الاسترجاع حكاية خولة بنت الأزور وحكاية خالد بن الوليد47، وقد حدثا قبل ألف ومائتي سنة وهو زمن بعيد جدا، مما يعني أنه استرجاع خارجي يقع خارج حدود زمن القصة المروية المحصور افتراضا بين أكتوبر 1962إلى مارس 1981، هذا وإن كانت الحكايات المسترجعة تستغرق وقتا معلوما قد يكون طويلا نسبيا، إذ لا يعقل أن تقع الحرب أو الإنقاذ من الأسر في مدد قصيرة، إلاّ أنّ السارد يختزل الحادثات المسترجعة اختزالا أقل من مدة زمنيتها الخاصة، مما يثبت أنّ زمن الذاكرة يتقدم طاغيا وهو الذي يتصرف في مدة وشكل حضور الوقائع الماضية، وإذ لا يتكرر حكي هذا الاسترجاع الخارجي، ولا يقطع حكيه ليستكمل لاحقا وإنما يتم تسريده دفعة واحدة، لينتهي مباشرة إلى حاضر الحكي الذي يستأنف بدوره حكاية السارد وهي تعلن مرة أخرى عن عودة فضاء الكتابة، وهو ما تشير إليه عبارة السارد: «صف طويل من الحروب أعيش عليه طيلة الصيف مأخوذا بالتفاصيل الدقيقة لمؤرخين يعملون على أسر قارئهم في حرب من البلاغة والوصف...»، وعليه يتأتى الاسترجاع الخارجي هنا أيضا مفردا وكلِّيا، وهو ينحت أخباره من نصوص سيرية وتاريخية سابقة، فيأخذ سمتا تناصيا، غنيا بالإشارات المتضمَّنة .

تستويالخارطةعلامة أيقونية تملأ فضاء الكتابة كما خزانة الكتب، وهي تمارس إغراءها على السارد الذي لا يستطيع مقاومة الانجذاب إلى حيزها الساحر الملغَّم بالأسرار والحكايات القديمة المنسربة من بين الخطوط والأشكال:«يحتفظ أبي بخريطة غريبة منسوخة بخط اليد وبالصمغ وقلم القصب.كانت الخريطة تبدو في ظاهرها مجرد خطوط منكسرة، متقاطعة، تحدد بلدية المقامة بتفاصيلها... كانت أيضا إذا ما دققنا النظر في تفاصيل خطوطها الزعفرانية الدقيقة تشكل في نسيجها وتوالدها اللانهائي تصميما هندسيا دقيقا للكرة الأرضية ببلدانها وأنهارها وبحارها وتضاريس جبالها... تلك الخريطة التحتية كانت أشبه بمنطقة ممغنطة كلما حاولت الهروب منها إلى خريطة المقامة كلما جذبتني إلى أعماقها وأفصحت عن مكنونات تزيدني لهفة على تتبع تفاصيلها».48

تختصر الخارطة الأزمنة في لحظة تأمّل قد تطول أو تقصر، وتتراكب على جسدها المترهّل القديم سلسلة من الاسترجاعات الداخلية والخارجية، إذ كلّما شوهد السارد الأول منكبا على قراءة خارطة المقامة، فإنّ ذلك بمثابة إنذار مسبق بالرحيل إلى ذكريات سابقة:«أفكر، وأنا أتقصى الشرايين الزعفرانية الدقيقة لشواطئ أوربا حيث يصدح صوت أستاذ تاريخ العصر الوسيط:هنا بلنسية عاصمة من عواصم الحضارة الإسلامية لثلاثمائة وواحد وسبعين سنة تترادف فيها قصور ملوك قشتالة والمآذن المرصعة للمساجد... لكن صوته لا يزال عالقا بذاكرتي وأنا أتسلق الآن هذه الخطوط الشاحبة صاعدا بين مدن أحدس وجودها أكثر مما هي موجودة بالفعل، وأقرؤها تاريخيا أكثر مما أستطلعها جغرافيا... لكن صوت أمي يوقظني من غفوة الحلم: يا ولد نوض الشيخ منصور يطرق باب الإسطبل منذ الخامسة مساء!!»49.

يسفر تأمّل السارد في الخارطة عن استرجاع خارجي تنثال صوره على ذهن السارد في شكل ذكريات خاطفة عن مدن أندلسية منسية، جاء تركيبها ضمن نسيج استرجاعات داخلية تتقدّم هي الأخرى مبتورة ومتقطّعة ومحمولة بصوت أستاذ التاريخ الذي ظل صداه يتردد في فضاء تخييل السارد واستيهاماته الهادرة التي غالبا ما يتم إيقافها بواقعة صوت أو حركة تأتي من الخارج، لتعلن عن نهاية عمل الذاكرة وعودة السارد إلى حاضر الحكي:"يا ولد نوض... الشيخ منصور يطرق الباب منذ الخامسة"، هكذا ما إن يطوي السارد خارطته كما فعل مع كتاب الواقدي من قبل، حتى يتراجع الماضي ويطغى الواقع، وبذلك تصير الخارطة كأنّها حد فاصل بين زمنين يتجاذبان حركة السارد الذهنية و الحدثية، ويتقاسمان تردّده الدائم بينهما، مما يسم الواقعة الزمنية بالانشطار والتداخل.

 هذا، وغالبا ما يكون انتقال السارد من حاضر الحكي إلى ماضيه، ومن ماضيه إلى حاضره في حركة مُطَّردة بواسطة صيغ أداء تتردّد بعينها لتدلّ على استئناف الحكاية الابتدائية أهمها:"أفكر وأنا أتقصى الشرايين الزعفرانية الدقيقة"، "وأنا أتسلق الآن هذه الخطوط"، "لكن صوت أمي يوقظني"...، فكلّ هذه الجمل الاستئنافية، ومثلها القفلات السردية، ترسّخ وعي السارد بحقيقة وضعه التبئيري وتقدّم منظوره السردي وهو يوشك أن يترك الذكرى ليعود إلى الواقع، أو بالأحريليعود إلى حقيقة كونه مجرد باحث منهمك في تدوين ملاحظاته أو تأمّلكتاب أو خارطة  أو التفكير فيما توحي به إليه هذه المصادر البحثية، إلاّ أنّ هذا الانشغال الثقافي قد يتوقف في أي لحظة حين يكون السارد مدعوا إلى استعادة وعيه بالواقع والانخراط في حياته الاجتماعية.

يسفر حضورالرسالة، بوصفها ملحقا أيقونيا في فضاء الكتابة، عن اقتحام جنس أدبي دخيل لرواية مقامة ليلية مقامة المبتدى، فيجعل منها رواية رسائلية، 50لا تستنكف عن  نقض  عمود السرد التقليدي، واستحداث أنساق سردية جديدة، من هنا راح السارد، يمسرح حدث العثور على رسائل نادرة، ليذيع سرّها، وتلك، لعمري، حيلة من حيلالرواية الرسائلية، وقد أضحى معلوما أن:"تتفوّق الرواية الرسائلية في تسجيل النفس، وأحلام اليقظة ودفق العاطفة، لكنها أيضا فعلٌ، إنّها تثير ردود فعل، وتتيح الفرصة لمحاورات حادة ولمجادلات ، ولقرارات مفاجئة، ولكوراث.ولأن الرسالة ذات طابع شخصي، وهي صلة بين أفراد، فإن إفشاء سرها عنوة أو عن غير قصد، يكون مُحَرّكا أساسيا للفعل."51

 
 

لم يكن توظيف تقنية التراسل، مجانيا في الرواية، بل هو ذريعة إضافية لكتابةٍ سردية عوّضت القصة بالرسالة، وهذا ما جعل رواية المقامة تلجأ إلى تطريز السرد بالرسالة عندما أعوزتها حكاية العدواني، أو لم تجد القناة المناسبة لالتقاط حكايته، فإذ بالسارد يعلن:«أستخرج ملف العدواني من بين أوراقي.. أوراق كثيرة كثيفة... بطاقات بريدية مؤرخة من العلمة، وبوسعادة، وهران في سنة ما، الصحراء الكبرى، رسائل حب إلى الطاوس تحكي بطولاته أثناء ثورة التحرير... لم أكن قد لاحظت بعد أن تاريخ الرسائل مهمل وأحيانا ممحو عنوة، حتى رسائل حبه للطاوس كانت أشبه بمذكرات شخصية:(اليوم تجولت قرب دار الطاوس، كانت بي رغبة للدخول... مع من تراها الآن؟ لقد عرفت أخيرا أن لها ابنة جميلة، قيل إنها القمر... العلمة تاريخ. كذا...) لكنه وهو يتحدث إلي يذكر الوقائع مؤرخة...».52

يتقدم نص الرسالة غفلا من علاماته التجنيسية المعروفة مثل تعيين المخاطَب الغائب هنا، والذي يفترض أنّها الطاوس، واستعمال ضمير المخاطِب الذي ينزاح عنه مرسِل الرسالة وهو العدواني باستخدام ضمير المتكلِّم مما يعزز فرضية كون هذه الرسالة وصنوها من الرسائل هي أقرب ما تكون إلى كتابة اليوميات أو هي مذكرات شخصية لا أكثر، كما تغيب الإشارة الزمكانية للرسالة والتوقيع الخاص بمرسلها. وهذا ما يدعونا إل القول بأنّ الرسائل المتخيّلة والمتبادلة بين الشخصيات في رواية مقامة ليلة مقامة المبتدى، قد انزاحت عن عمود الرواية الرسائلية، حينما تعاورها المحو والحذف والتعمية على المتخاطبين بها، مما جعلها تؤدي وظيفة عكسية تماما، وهي التشويش على كلّ معطى واقعي، بدل الإيهام به.

يتداخل النوعان: القصة والرسالة تداخلا عضويا فيجعلكلّ واحد منهما فاقدا لبعض علاماته، فكان القفز فوق العتبات لتكون البنيات الخطابية الطارئة على السرد أكثر اندماجا، وعليه يمكننا أن نعد هذه الرسالة رسالة مُخْتَلَقة، تُغَيِّب هوية المرسل وتطمس عليها حتى كان بالإمكان إنكار نسبتها إليه إن اقتضى الأمر.

يتدعّم الخطاب السيري ذاتي في رواية"مقامة ليلية-مقامة المبتدى"، فضلا عن الرسائل، بأنواع سردية أخرى، قريبة منها، وعلى رأسها اليوميات الحميمية، التي نعدّها منبرا آخر للاعتراف، تحافظ من خلاله النفس على توازناتها الداخلية، ولذلك يظهر دفتر اليوميات، ضمن الفضاء الأيقوني للكتابة، وهو يعلن عن انبثاقه داخل نسيج الرواية، وتداخله معها، واليوميات: "عبارة عن محكي حميمي وشخصي، يُكتب من يوم لآخر.ليس محكيا استعاديا إذ لا يتيح للمؤلف إمكان اتخاذ مسافة مع الأحداث المروية. وهو يكون متقطعا ومتشذرا على نحو لا يسمح بتطور الحدث"53، يبدو أنّ اليوميات تتناول عادة التاريخ الفردي و تعرض تجارب شخصية، وهي لا تتقيّد بالتتابع الزمني، ولا بفترة محدّدة. وذلك ما كان من أمر السارد محمد البشيري، الذي غالبا ما كان يعمد إلى إعادة سرد بعض ما تضمنه دفتر اليوميات القديم، لأنّ الذكرى تستيقظ دائما على وقع ما يحدث هنا والآن.

لقد كان لدفتر اليوميات وضعه الأيقوني الخاص، لأنّه لا ينتمي إلى خزانة الأب، ومن ثمة لا يفترض  خضوعه لسلطته، بل إنّ كتاب اليوميات، تثبيت لكيان السارد، وتعزيز لخصوصيته واستقلاله وتحرره من كلّ التقييدات الاجتماعية والمؤسساتية، وهو تشخيص بصري لماضيه وتاريخه الخاص، فضلا عن كونه قناة  للإفضاء والتطهير من رواسب الماضي والوقائع الأكثر إيلاما ورسوخا في ذاكرة "محمد البشيري"، وذلك ما نلمسه في هذه الحكاية التي يتولى السارد حكيها بنفسه: «كان زملائي يسخرون مني: صباح الخير فأر الكتب... مساء الخير فأر الكتب... وكان لا أحد يراني إلا وأنا غارق بين صفحات كتاب... ورغم ذلك رأيت... زميلي في آخر المدرج يرمي يده في معطف الأستاذ المعلق على المشجب وراءنا... كان ذلك التاريخ يدب أمامي وأنا أستمتع به يوميا وأكتبه يوميا في دفتر مدرسي أخبئه تحت الوسادة وأعود إليه كلما واتاني الحنين لأقاصيصي التي أبدعها من عدم. ذات يوم رأيت ذلك الدفتر فجأة يخفق كراية زرقاء في يد الأستاذ وهو يقف على المنصة صارخا: محمد البشيري انهض! حاولت أن أنهض ولكن الأرض مادت تحت قدمي... قوًمت قامتي فشعرت كأنني أتأرجح في حبل مشنقة. كان الضجيج في المدرج عاليا، آليات ضخمة تحفر الأرض، محركات تنهب المسافات، دوي، دوي... لم أفق إلا وأنا في الشارع الكبير بعيدا عن الجامعة بآلاف الأمتار، كنت أركض في كل الاتجاهات محاولا أن أتخلص من فضيحتي، وحين أعياني الركض استندت إلى حافة حائط صغير، وبكيت، بكيت ليالي طويلة، وأنا عائد إلى قرية المقامة مكسور الجناح كزرزور أخطأ الفخ قليلا. قلت لأبي أنني عدت لأكتب تاريخ المقامة ... فضحك مقهقها: وهل المقامة لها تاريخ يا رجل».54

    هو الألم يصَّاعَد دائما إلى بؤرة الوعي كلّما أُشْرعت بواباتُ الذكرى، وعند عتبته يستوي الماضي، كأنّه ينبعث من جديد، ولكن حين يختار السارد قفل حكايته الاسترجاعية، بتسجيل تحوّلٍ طال شكل الكتابة ووظيفتها، فإنّه يكون بذلك قد أنجز لعبةً استبدالية مُضاعفة، تراءت من خلالها تجربةُ الكتابةِ الأولى؛أي كتابة المذكراتِ شخصية جدا وفضائحية، وقد آن لهذا الكتاب، أي دفتر اليوميات ذي الحضور الأيقوني المثير، أن يتحوّل إلى كتابة مختلفةٍ تتسربل بالعلمية التاريخية وتتوسم كتابة تاريخ آخر للمقامة، وها هي قصة الأطروحة التاريخية التي كانت تُعرض مشهديا بكل امتداداتها البصرية، توشك، هي الأخرى، أن تلفظ أنفاسها في اللحظة التي قرر فيها الكاتب كشف أسرار لعبته السردية مُتخلّيا بذلك عن مسرحة فعل الكتابة لصالح كتابة رواية حقيقية              :«ولكنني سكت مستحليا هذه اللعبة التي أشاهد فيها رواية تبنى، لأول مرة في أرض الواقع بدلامن أرض الكتابة. ويتحرك أبطالها أمامي من لحم ودم بدل أولئك الأشباح الذين أستخرجهم بصعوبة من الذاكرة السحيقة لرواة قليلي الوفاء. إنها متعة خاصة تلك التي نشعر بها ونحن نصنع التاريخ بدل أن نرويه... ».55

    يتراجع صوتُ السارد محمد البشيري مفسحا المجال للمؤلف عساه يُوقِّع بهذا الخطاب الميتاروائي روايته الأولى، التي هي بالتأكيد رواية "مقامة ليلية–مقامة المبتدى"؛ ففي هذه اللحظة تولد الرواية الوحيدة التي يمكن أن تكتبوتُقرأ، إنّها روايةٌ تسائل واقعا اندس بين تلافيف السيرة المتخيَّلة لمحمد البشيري وحكاية قريته، وعلى هذا لم تكن قصة كتابة الأطروحة المتضمَّنة سوى ذريعة تخييلية اصطنعها المؤلف ليواري خطاب إدانته للواقع، مفضلا البقاء في خلفية المشهد، والاحتماء بأصوات أبطاله المتخيلين.

خاتمة

توشى السردُ في رواية "مقامة ليلية مقامة المبتدى" للروائي الجزائري عبد العزيز غرمول ببلاغة التضمين، بإدراج سيرة محمد البشيري-وهي تُكتبمباشرة على ركح المغامرة الروائية-في قصة المقامة المروية، فبدت قصة الكتابة المتضَمَّنةتابعة لقصة المقامة المتضَمِّنة، ومندمجة فيها اندماجا كليا، وقد أسهمت القصةُ الثانية في توسيع مدار القصة الأولى، وتفسيرها أو تعطيلها، ، ، وإذا كان التضمين السردي، يعتمد غالبا على تعدد منظورات السرد، إلا أنّ التضمين في رواية "مقامة ليلية" لا يخرج عن نطاق التضمين الذاتي الذي تتكفل به جهة واحدة للحكي، هي جهة السارد محمد البشيري.

       هيَّأ عنصر تخييل السيرة الذاتية للسارد ، إمكانية تجاوز أعراف السيرة الذاتية التقليدية، وعمود الرواية في آن واحد، فأفضى ذلك إلى رواية سيري ذاتية، تستأنس بخطاب الاعتراف وكتابة اليوميات وعروض التراسل، وكلّها أنواع تستحث سردا بضمير المتكلم، وتعتمده لفتح مسامات الكتابة السردية على تأمّلات ذاتحاضرة ومشاركة في محكيها، منشغلة بحكي تاريخها الشخصي ملتبسا بتاريخ قرية المقامة،وذاكرة أهلها وشهاداتهم ومروياتهم، ثمّ إنّ هذه الذات القلقة المنكفئة على نفسها، غالبا ما تكون منجذبة إلى أمكنتها الحميمية، إلى فضاء وحدتها الخلاّق، حيث الكتابة، تستنطق أيقونية الأشياء من حولها، فإذ بالمخطوطات والكتب والخرائط والرسائل ودفتر اليوميات، علامات على ماض صلد جاثم على صدر حاضر يوشك أن يتداعى.




الهوامش

1.         جيرالد برنس، قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، ط1، ميرات للنشر والمعلومات، القاهرة، 2003، ص56. 

2.         أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج2، ط5، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، لبنان، 1981، ص 84.

3.         جلال الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة سعد الدين أبي محمد عبد الرحمن القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع، د.ط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د.ت، ص430.

4.         ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، المرجع السابق، ص 85.

5.         العباس بن الأحنف، ديوان العباس بن الأحنف، شرح وتحقيق عاتكة الخزرجي، ط1، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1954، ص243.

6.         أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج2، د.ط، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، 1937، ص 342.             

7.         امرؤ القيس: ديوان امرئ القيس، ضبطه وصححه مصطفى عبد الشافي، ط5، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 2004، ص117.

8.         ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج2، المرجع السابق، ص 85.

9.         ابن رشيق، لعمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ج 1، المرجع السابق، ص 172.

10.                                          -  Tzvetan Todorov: les catégories du récit littéraire, communications 8, 1966, Éditions du Seuil, Paris. p128.

11.       تزفيتان تودوروف، الناس -الحكايات: "ألف ليلة وليلة" كما ينظر إليها التحليل البنيوي، ترجمة موريس أبو ناضر. مجلة مواقف العدد 16، يوليو، 1971، ص 142.

12.      المرجع نفسه، ص ص143-144.

13.       المرجع نفسه، ص144.

14.      جيرار جينيت، عودة إلى خطاب الحكاية، ترجمة محمد معتصم، ط1، المركز الثقافي العربي، 2000 ص111.

15.       المرجع نفسه، ص 270.

16.      جيرار جينيت، خطاب الحكاية-بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر الحلي، ط3، منشورات الاختلاف، 2003، ص 270.

17.       جيرار جينيت، عودة إلى خطاب الحكاية، المرجع السابق، ص115.

18.      المرجع نفسه، ص 115.

19.       المرجع نفسه، ص 118.

20.           -Mieke bal: Mise en abyme et iconicité، in: littérature، n°29، 1978.pp.117.       

21.      لطيف زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرواية، (عربي-إنكليزي فرنسي)، ط1، مكتبة لبنان ناشرون، دار النّهار للنشر، 2002، ص51-52.    

22.      المرجع نفسه، ص 51.

23.      محمد عناني، المصطلحات الأدبية الحديثة (دراسة ومعجم إنجليزي-عربي)، ط3، الشركة المصرية العالمية للنشر، 2003، ص54.

24.      جيرالد برنس، قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، المرجع السابق، ص 113.

25.      عبد المجيد بن البحري، مرايا القَصص-بحث في السرد النّرجسي، ط1، قرطاج للنشر والتوزيع، صفاقس، تونس، 2007، ص51.

26.                     ابن الأثير ضياء الدين: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ج2، المرجع السابق، ص348.

 

27.      المرجع نفسه، ص.ص206-207.

28.      عبد العزيز غرمول، مقامة ليلية-مقامة المبتدى، ط1، الجمعية الوطنية للمبدعين، سلسلة المعنى، 1993، ص55.

29.      تزيفيتان تودوروف، مقولات السرد الأدبي، ترجمة الحسين سحبان وفؤاد صفا، ضمن كتاب: طرائق تحليل السرد الأدبي(دون ذكر المنسق العام) ، ط1، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، 1992، ص56 .

30.      عبد العزيز غرمول، مقامة ليلية مقامة المبتدى، المصدر السابق، ص 21.

31.       المصدر نفسه، ص101.

32.      المصدر نفسه، ص135.

33.       المصدر نفسه، ص144.

34.      المصدر نفسه، ص101.

35.       المصدر نفسه، ص 101.

36.      المصدر نفسه، ص102.

37.       المصدر نفسه، ص 161.

38.      المصدر نفسه، ص95.

39.       عبد المجيد العابد، السيميائيات البصرية-قضايا العلامة والرسالة البصرية، ط1، الشركة الجزائرية السورية للنشر     والتوزيع، الجزائر، دمشق، 2013، ص23.

40.      عبد العزيز غرمول: مقامة ليلية-مقامة المبتدى، ص 44.

41.      المصدر نفسه، ص.ص 44-45.

42.      المصدر نفسه، ص62.

43.      المصدر السابق، ص 43.

44.      المصدر نفسه، ص.ص 135-136.

45.      المصدر نفسه، ص. ص 45 -46.

46.      أبو عبيد الله محمد بن عمر بن واقِد الوَاقِدي، فتوح الشّام، تحقيق عبد اللّطيف عبد الرّحمن، ج1، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1997، ص40.

47.      عبد العزيز غرمول: مقامة ليلية-مقامة المبتدى، المصدر السابق، ص39. 

48.      المصدر نفسه، الصفحات: 39-40 -42 41-42.  

49.                     ظهرت الرواية الرسائلية Roman épistolaire)) في أدبيات القرن الثامن عشر، وهي تقوم على تبادل مجموعة من الرسائل بين شخصيات الرواية، وأنموذجها في إنجلترا، رواية كلاريسا هارلو (Clarisse Harlowe) لصامويل ريتشاردسون (Samuel Richardson)، كما انبثق هذا النوع في كتابات جان جاك روسو (Jean-jacques Rousseau) في هيليويز الجديدة ((La nouvelle Héloïseوبيير كوديرلو دي لاكلو (Pierre Choderlos de Laclos) في رواية العلاقات الخطرة (Les Liaisons dangereuses).

50.      ينظر: شارتيه: مدخل إلى نظريات الرواية، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، ط1، دار توبقال للنشر، 2001، ص95.

51.       المرجع نفسه، ص.ص95-96.

52.      عبد العزيز غرمول، مقامة ليلية-مقامة المبتدى، المصدر السابق، ص.ص 102 -10.

53.       محمد الداهي، الحقيقة الملتبسة-قراءة في أشكال الكتابة عن الذات، ط1، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، 2007، ص13.

54.       عبد العزيز غرمول، مقامة ليلية-مقامة المبتدى، المصدر السابق، ص.ص 55-56.

55.       المصدر نفسه، ص107.

 

ليندة خراب, «التضمين السردي وامتداداته البصرية في رواية مقامة ليلية مقامة المبتدى-لعبد العزيز غرمول. »

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences Sociales العدد 04 مجلد 16-2019N°04 Vol 16- 2019
Papier : ص ص 177-191,
Date Publication Sur Papier : 2019-12-26,
Date Pulication Electronique : 2019-12-26,
mis a jour le : 26/12/2019,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6392.