صحافة الويب في الجزائر: نحو التمكين الأكاديمي والمهنيWeb journalism in Algeria: Towards academic and professional empowerment
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 17-2020

صحافة الويب في الجزائر: نحو التمكين الأكاديمي والمهني

Web journalism in Algeria: Towards academic and professional empowerment
ص ص 232-242
تاريخ الإرسال: 2019-01-29 تاريخ القبول: 12/04/2020

هشام عكوباش
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

سعت هذه الدراسة إلى التعرف على ممارسة صحافة الويب في الجزائر ومتطلباتها الأساسية، والمرتبطة أساسًا بالتحكّم الجيد في تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتطبيقاتها المختلفة من قبل مهنيي الإعلام؛ ويعد مطلب التكوين الأكاديمي وفق هذا المنحى ضرورة ملِحّة لا يمكن إغفالها في ظل نظام تعليمي جامعي استحدثته الجزائر؛ يفترض أن يستجيب لمتطلبات المجتمع وتحولاته، وهذا شأن صحافة الويب كنمط جديد للممارسة الإعلامية في الجزائر.

الكلمات المفاتيح

صحافة، الويب، التكوين، الجامعة، التمهين

Cette étude vise à identifier la pratique du webjournalisme en Algérie et ses exigences fondamentales, qui sont principalement liées à la bonne maitrise des technologies de l'information et de la communication et de ses diverses applications par les professionnels des médias. La formation académique à cet égard est une nécessité non-négligeable.Ça rentre dans le cadre d’un  système d’enseignement universitaire mis au point par l’Algérie; ce dernier est censé répondre aux demandes et aux changements de la société, comme c'est le cas pour le webjournalisme, nouveau modèle des pratiques médiatiques en Algérie.

Mots-clés :Journalisme, web, formation, l’université, Profission

This study aims to identify the practice of webjournalism in Algeria and its fundamental requirements, which are mainly related to abillity of using information and communication technologies and its various applications by media professionals. academic training in this respect is a non-negligible necessity. And that as part of a system of the university education developed by Algeria; this latter is supposed to respond to the demands and changes of society, as is the case for webjournalism, a new model of media practices in Algeria.

Keywords:Journalism, Web, Training, University, Profission

Quelques mots à propos de :  هشام عكوباش

جامعة محمد لمين دباغين سطيف2Akoubache.hichem@outlook.fr

مقدمة

عرفت الجزائر نقلة نوعية في الكثير من المجالات، ومن بينها الانتشار المتزايد للتكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، ونذكر في هذا الإطار الاستخدام الواسع للهواتف المحمولة والذكية منها، التي تعتمد على إنترنت الجيل الثالث والرابع، بالإضافة إلى إنتشار الإنترنت على نطاق كبير في المؤسسات العمومية والخاصة، وكذلك الشأن بالنسبة للإنترنت المنزلي، والولوج المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي. هذه التغيرات في البيئة الاتصالية وكذا الإعلامية أفرزت أنماطا جديدة للاتصال بين الأفراد والجماهير، ومن هذه الأنماط ظهور ما يسمى بصحافة الويب، أو الصحفي الويب التي تعتمد بشكل أساسي على الوسائط الجديدة وتطبيقاتها، وبدرجة أكبر على الإنترنت.

إن هذا النوع المخصوص والجديد يعتمد على التقنية في شكله ومضمونه، ويمزج في تركيبته بين النص المكتوب، المسموع، والمرئي، وعلى الروابط الكثيرة(النص المتشعب)، بالإضافة إلى التفاعل المستمر مع المستخدمين، من خلال الرسائل الإلكترونية والشبكات الاجتماعية وغيرها... هذه النشاطات تستلزم التحكم الجيد في التقنيات وتطبيقاتها من طرف المهنيين، وحسبنا أن يتلقّى هؤلاء تكوينا جامعيا خاصا من أجل التمكين في هذا المجال.

ولقد بات السؤال ملحّا حول التكوين الإعلامي الجامعي في الجزائر ومدى انسجامه مع التمهين الإعلامي وتحولاته.  وهذا على مستوى البرامج، والتدريب، والأساتذة المؤطرين، والتجهيزات الضرورية التي تضمن تكوينا يبني المهارات اللازمة لمزاولة نشاطات صحافة الويب، ويفترض التطلّع إلى أفق جديد  قصد الاستجابة إلى شروط ومعايير هذا الميدان الجديد بمختلف أبعاده، وفق رؤية وإستراتيجية وطنية تبني تعلّمات مبنية على المهارات والكفاءات، ولا تكتفي بالتغير المعرفي للمتكونين. ورغم التعثر الذي يواجه نظام التعليم العالي لــ ل.م.د؛ إلا أن هذا النظام يمكن أن يقدم إجابات عن بعض المسائل المرتبطة بالنشاطات والمهن الجديدة التي أعادت تشكيل ملمح الإعلام الجزائري؛ على اعتبار أنه قائم على فكرة التفاعل المستمر مع حاجات المجتمع ومتطلباته والاستجابة لها.

إن الواقع الجديد المتعلق بالممارسة الإعلامية في الجزائر وما يحمله من أبعاد، يطرح الكثير من التساؤلات، ومنها الإعلام المتصل بالإنترنت وتطبيقاته وعلاقته بالتكوين الأكاديمي. ومن المسائل التي تستلزم الوقوف عندها: ملامح صحافة الويب ومتطلبات التكوين، سمات التكوين الإعلامي في الجزائر في ظل التحولات الجديدة، ونظرة استشرافية للتكوين على صحافة الويب في الجزائر وتحدياته، وهذا ما تروم هذه الورقة العلمية الإجابة عنه.

أولا: مفاهيم الدراسة

1- صحافة الويب

يصنف مفهوم صحافة الويب، أو صحفي الويب ضمن المفاهيم المستحدثة؛ حيث ظهر وتطوّر مع تنامي استخدام تكنولوجيات الاتصال والإعلام الجديدة في مجال الصحافة والنشاطات المرتبطة بها. إلا أن محاولة تحديد معالم هذا الفعل الاتصالي يواجه تباينا وتعددا في التسميات، واختلافا في رسم التصور المفهومي لهذا الفعل، ومن بين التسميات نذكر: الصحافة السيبرانية (cyberjournalisme)، صحافة الوسائط المتعددة (Journalisme multimédia)، الصحافة على الخط (Journalisme en ligne صحافة الويب (Web journalisme) وغيرها من التسميات...1، كما أن هناك عدم توافق في تحديد مفهوم هذه التسميات؛ فهناك من يرى أنه لا وجود لصحافة الويب، وأن الممارسات التي نلحظها في الوقت الراهن ماهي إلا شكل من أشكال الصحافة التقليدية أُدخلت عليها وسائل جديدة، أما الرأي الآخر فيذهب إلى أننا أمام جنس جديد من الممارسة الصحفية تبلور بفعل استخدام وسائط اتصالية جديدة.

يُعتبر Mark Deuze (2004) من الأوائل الذين تساءلوا حول مفهوم الصحفي متعدد الوسائط، وقد توالت التساؤلات حول ملامح الصحفي الويب وفق منظور سوسيولوجيا مهنة الصحافة، ومن أجل الخروج من هذا الغموض والالتباس يذهب الباحثون المهتمون بهذا الموضوع إلى تقسيم هذا الواقع انطلاقا من الضرورات البحثية، إلى التفريق بين صحفي الويب والصحفي التقليدي، رغم أنه من المستبعد أن يكون هناك صحافيون يمارسون اليوم عملهم بالطرق التقليدية دون الاستفادة من وسائط الاتصال الحديثة والإنترنت بالدرجة الأولى وهذا ما سمح بظهور صحافة الويب2.

         وبعيدا عن هذا الجدل، تعرّف صحافة الويب على أنها:" شكل من أشكال العمل الإعلامي يقوم على استخدام الإنترنت بصفة أساسية، ومن خلال الوسائل الإلكترونية والتقليدية، أو الصحف على الخط3. ويعتبر  ((Pelissier: أن صحافة الويب هي محصّلة التزاوج بين الإعلام والاتصال والثورة التكنولوجية في مجال الإعلام والاتصال (التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال)"4. وتأسيسا لذلك فإن مفهوم صحافة الويب مرتهن بالوسائط الجديدة للاتصال، وتعتمد جل نشاطات إنتاج المحتوى الإعلامي فيها على تطبيقاته المختلفة والمتعددة.

2- التمكين الجامعي

يعتبر التمكين مصطلح إداري يحمل دلالة توسيع صلاحيات العاملين من أجل اتخاذ قرارات تخدم الإدارة؛ حيث يعرّف بأنه: عملية اكتساب القوة اللازمة لاتخاذ القرارات والاسهام في وضع الخطط، خاصة تلك التي تمس وظيفة الفرد واستخدام الخبرة الموجودة لدى الأفراد من أجل تحسين أداء المؤسسة5. إلا أن استخداماته تعدّدت وانتقلت إلى مجالات كثيرة. وهو يعني في صورته المبسّطة اكتساب المهارات التي تساعد على أداء العمل، ويعني مفهوم التمكين لغويا التقوية أو التعزيز، بينما وظيفيا، فإن التمكين يشير إلــى عناصر من القوة يتم توظيفها من قبل الأفراد أو منظمات، والقــوة هنا تعني القدرة على القيام بمهمة محددة، وبدرجة عاليــة من الكفاءة والفاعلية. ونعني به في دراستنا هذه اكتساب المعارف الأساسية، والمهارات المبنية على الأسس العلمية في الفضاء الجامعي بغرض أداء النشاطات بكفاءة وفعالية في ميدان معين. أما التمكين المهني فنقصد به جملة المهارات المكتسبة من أجل أداء العمل باحترافية وفق شروطه ومتطلباته، وتمثل هذه المهارات في هذه الدراسة ،التحكم الجيد في متطلبات العمل الخاصة بصحافة الويب.

 

ثانيا: صحافة الويب وملامح التحول

شهدت الممارسة الصحفية كثيرا من التحولات بداية من الألفية الثالثة، مع ظهور الإنترنت وانتشارها على نطاق واسع، وقد كانت النقلة النوعية مع الجيل الثاني من الإنترنت (Web2.0)، الذي أفرز ما بات يعرف بصحافة الويب. وابتداء من سنة 2000 تحدّث(John Pavlik) في دراسة موسومة بــ:"The impact of technology on journalism"، عن الدور البارز الذي لعبته التكنولوجيا في إحداث تغييرات عميقة في مهنة الصحافة6. ومن أهم خصائص هذا النوع الإعلامي الجديد، الفورية المرتبطة بالتحيين المستمر لمضامينها، والتفاعلية التي تعني التواصل المستمر مع المستخدمين من خلال الرسائل الإلكترونية، بالإضافة إلى الاستفادة من الكثير من تطبيقات الوسائط الجديدة، ولعل أهمّها التوسّل بالنصوص الفائقة في التحرير الصحفي من خلال المزج بين النص السطري، المسموع، والمرئي.

ومن السمات التي تطبع صحافة الويب، إعتمادها على النصوص الفائقة (Hyper text)، وهي من أبرز مميزات شبكة الإنترنت ويعرفها أليخاندرو روست من وجهة نظر تقنية بأنها: أداة معلوماتية لوضع نصوص متعددة في اتصال تلقائي وعلى الفور، كما يقول بأنها بناء استطرادي متعدد الخطية  (Multilinear) يقوم على ترابط كتل النص الرقمي. كما يسمح بامتداد داخل النص (extension of intertextuality) ويقدم وسائل جديدة للوصول إلى محتويات متاحة، ويعزّز التفاعل؛ ويعطي القارئ مزيدا من السلطة في البناء الواقعي؛ يعدّ النص التشعبي/الفائق من أهم الأدوات في يد المحرر الإلكتروني؛ لأنه يساعد على توفير معلومات مفيدة داخل النص7. إذن فهذا التطبيق يساعد الصحفي بأن يدمج عدة نصوص إنطلاقا من المحتوى الأصلي، وهذه التقنية مكنّت من تجاوز عائق المساحة المخصّصة للكتابة بالنسبة للصحف، والزمن بالنسبة للإعلام السمعي البصري.

وكانت الثورة الحقيقية مع ويب 2.0 ابتداء من 2003-2005 وما فتحه من إمكانية توظيف الصور والفيديوهات، وإدخال محركات البحث مثل: قوقل وفاير فوكس...، وسرعة الوصول إلى المعلومة، وكذلك الأرضيات التي تسمح بالولوج إلى الفيديوهات والموسيقى وغيرها. وهذا يعني تكيّف المهنة الصحفية مع هذه التحولات؛ ممّا أدّى إلى ميلاد الكتابة المتعددة الوسائط (écriture multimédia) وكذلك صحافة البيانات (datajournalism) وموثق الويب (webdocumentaires) و(newsgames) وكذلك المحتوى التّناسلي (user generated content) الذي يعبّر عن التعليقات والتصويت وترتيب المقالات الصحفية من طرف مستخدمي الأنترنت، ووصولا إلى التفاعل مع الصحافيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فايسبوك والتويتر بالدرجة الأولى8.

 

(1)                  مؤشر استخدام الصحافيين لمواقع التوصل الاجتماعي في إطار العمل

 

 
 

المصدر: https://www.cision.fr/ressources/livres-blancs/journalistes-et-reseaux-sociaux-2017

وفي ذات السياق وجد الصحافيون أنفسهم أمام التحدي التكنولوجي، وضرورة تطويع هذه الوسائط الجديدة من أجل القيام بعملهم، مواكبة للتحول الحاصل في مجال نقل المعلومة والتعاطي معها؛ وبالتالي أصبح الصحفي مرتبطا أكثر بالحاسوب، خاصة مع عهد التفاعلية التي قلّصت من النزول إلى الميدان وأصبح الصحفي كذلك متعدد المهام في عهد الوسائط؛ وهنا ظهر المحرر المكتبي rédacteur) desks)،صحفي البيانات datajournalisme))، webdocumentariste))، صحفي العلاقات مع المستخدمين، والصحافة الإلكترونية الخالصة وهو مصطلح جديد pure) player) والصحفي منشط الويب9.


(2) استطلاع حول استخدام صحافة البيانات


 

 
 

المصدر: https://medium.com/@Bahareh/state-of-data-journalism-globally-cb2f4696ad3d


كما فتحت الوسائط الجديدة للصحفي أفقا جديدا للإقتراب أكثر من الجمهور، فيما كانت سابقا علاقة عمودية تخضع للاتصال الذي يخلو من التغذية الراجعة؛ أما اليوم فعلاقة الصحافيين بالقراء تطّورت عن طريق التفاعلية من خلال البريد الإلكتروني، المنتديات، المحادثات، المدونات، والشبكات الاجتماعية...10.        

وقد انجر عن هذا التحول ملمحا جديدا للصحفي، بفعل ما طرأ من ممارسات ارتبطت باستخدام التكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال، وتطبيقاتها في العمل الإعلامي في جل مراحله، ابتداء من بناء الرسالة الإعلامية إلى نشرها على الخط؛ وهذا ما أكسب الممارسة الصحفية الجديدة ( صحافة الويب) خصائصا تتمثل في:11

- تعدد المهام بالنسبة لصحفي الخط؛ حيث يقوم بالتحرير، التصوير الفوتوغرافي والفيلمي، معالجة الصور، وتنشيط المحادثات النقاشية.

- التمتع بالاستقلالية في تعديل المواد التحريرية، إضافة عناصر جديدة، وحذف بعضها الآخر.

- القدرة على تقييم الأحداث ومدى مصداقيتها، إنطلاقا من الخلفية المعرفية والأبحاث المختلفة التي يقوم بها.

- السرعة في الأداء، فهي من الخصائص الأساسية للإنترنت وتطبيقاتها؛ وعليه يجب التكيف مع هذا الرهان مع الأخذ بالموانع التقنية والقانونية.

- التشاركية؛ وتعني الدخول في علاقات تبادل للمحتويات المرتبطة بالمادة الإعلامية مع مستخدمي وسائط الاتصال الجديدة.

إن الصحفي الذي ينشط عبر الخط يختلف عن الصحفي التقليدي الذي يقوم بمهام محدّدة تتمثل في جمع المادة الإعلامية الخام التحريرية، أما في زمن الوسائط فإن الإعلاميين تتداخل مهامهم كما تتداخل النصوص التي يوظّفونها، كما أن العمل في ظل التكنولوجيا الجديدة ذا إيقاع سريع؛ فكل شيء يتغير بسرعة ويخضع لإكراه التحيين المستمر، مما يجعل الصحفي أمام تحدي الوقت في كل ما ينشره على الخط، أو في مختلف الوسائط الاتصالية الإلكترونية. ورغم أن صحافة الويب مازالت لم تتشكّل ملامحها بصفة واضحة، فمهنيو الإعلام الذين كانوا ينشطون ضمن الإعلام التقليدي تحولوا إلى الممارسات اللصيقة بتكنولوجيا الاتصال، رغم أنهم غير متخصّصين ولم يتلقو تكوينا في ذلك؛  ويبقى الشباب المرقمن هم الفئة الغالبة التي ولجت بشكل سريع في صحافة الويب، وتتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة، يتميزون بقلّة الخبرة في مجال الإعلام ، لكنهم مرتبطون أكثر بالويب وتطبيقاته،كما أن  تجربتهم مع التحرير على الويب لها علاقة مباشرة بتربص نهاية المسار الجامعي، أو عقد عمل تكويني12.

         وتأسيسا لما سبق، فيما يخص بعض التحوّلات التي طالت الممارسة الإعلامية في ظل التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، والتي أسّست لميلاد صحافة الويب؛ فقد ظهر جليا الاختلاف بين الممارسة الكلاسيكية للصحافة التي تعتمد على التعمق والمتابعة الطويلة للأحداث والقضايا، وبين صحافة الويب التي تعتمد على القصير والآني المحين باستمرار والتفاعلية والمزج بين النص المكتوب والصوت والصورة13. هذا التّبدل في أشكال ومضامين العمل الصحفي، وظهور أنماط جديدة للممارسة الإعلامية كما رأينا؛ يستلزم تكيف المهنيين مع هذا الوضع الجديد، أما بالنسبة للصحفيين الجدد فعليهم التّحكم الجيد في أدوات الصحافة التي تعتمد على الوسائط الجديدة.

ثالثا: صحافة الويب ومتطلبات التكوين

تمر الممارسة الإعلامية كما أظهرنا آنفا بعدة تحوّلات نظرا لإقحام المتغير التكنولوجي في قلب هذه الممارسات، وهو ما يمكن أن نلمسه بشكل واضح في النشاطات التي يقوم بها مهنيو صحافة الويب، التي تعتمد بالدرجة الأولى على التقنيات الجديدة للاتصال وتطبيقاتها؛ ممّا يجعلها تختلف عن الممارسات السابقة في الإعلام التقليدي ووسائله. يستدعي ذلك تكوينا من نوع خاص بغية التّحكم في آلياته المختلفة ومتطلبات سيره، وهو المسعى الذي يفترض أن تضطلع به مؤسسات التكوين وعلى رأسها المؤسسات الجامعية، وأن يكون هدفها بناء تعلّمات ومهارات تستجيب للبيئة الجديدة للإعلام، من خلال تكييف برامجها التعليمية مع متطلبات هذه البيئة و ما تحمله من أبعاد.

لقد امتزجت تكنولوجيا الإعلام والاتصال مع النشاط الصحفي في المؤسسات الإعلامية وقد أدركت مؤسسات التكوين خاصة الجامعية منها هذا البعد، ومن أجل كسب هذا الرهان فقد جعلت من أهدافها بناء تعلّمات مرتبطة بالنشر الإلكتروني، والتمتع بمهارات تقنية تسمح بوضع محتويات على الخط14.

ولعل أولى متطلبات التكوين الجامعي قصد التمكين المهني الجيد في مجال صحافة الويب، التقنيات والوسائط التي تستخدم في صحافة الويب؛ بأن يتلقّى الطالب  تكوينا في هذا الإطار وأن يتدرب على التعامل مع تكنولوجيات الإعلام والاتصال خاصة الجديدة منها؛ كالإبحار على صفحات الويب، الولوج إلى قواعد البيانات، إضافة فيديوهات وتسجيلات صوتية لها علاقة بالمواضيع التي يكتبها صحفي الويب، وهي تختلف بطبيعة الحال عن الكتابة للتلفزيون أو الإذاعة أو الصحف. فالكتابة على المواقع مختلفة تماما عن وسائل الإعلام التقليدية15. وهذا يعني أن على الطالب في علوم الإعلام أن يُجيد استعمال الوسائط الإلكترونية خاصة الحديثة منها بكل سهولة، بالإضافة إلى كل ما هو مرتبط بالإنترنت وتطبيقاتها المختلفة، مثل: بناء النصوص الفائقة، الروابط، التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي...، بل أبعد من ذلك القدرة على تصميم المواقع والمدونات الخاصة بالصحافيين باعتبار أنّها من فضاءات التفاعل مع المستخدمين، وفي ذات السياق تكوين صحافيين لهم القدرة على تنشيط الفضاء الإفتراضي أو ما يعرف بالصحافة التشاركية التي تساهم في بناء النقاش حول القضايا الراهنة.

ويستدعي التكوين على صحافة الويب التّدرب على ما يعرف اليوم بالمهن الجديدة، ونذكر هنا وثائقي الويب والذي تتمثل مهمته في البحث عن البيانات والمعلومات بصفة دائمة ومستمرة عبر الشبكة، ثم تنظيمها، لأجل استخدامها من قبل صحافيين آخرين كلما كانت الحاجة إليها.  وهناك أيضا ما يسمى بصحافة البيانات، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على البيانات، والإحصائيات وفيها يتعامل الصحفي أكثر مع قواعد البيانات، من أجل أن يوصل هذه البيانات ويجعلها في متناول الأفراد. أو المحرر المكتبي الذي تنحصر وظيفته في العمل على الحاسوب دون العمل الميداني. وهنا نشير إلى أن هذه الفروع تعتبر مستجدّة في الممارسة الإعلامية لذلك تتطلب تكوينا علميا وعمليا قبل الولوج إلى عالم الصحافة الرقمية في الوقت الحالي.

أما على مستوى التحرير، فإننا لن نجد صعوبة في التمييز بين التحرير الصحفي التقليدي(وسائل الإعلام التقليدية) والتحرير الإلكتروني في صحافة الويب. ومن بين القوالب التي تبني النصوص الصحفية على الويب، نذكر:

- قالب الكتل النصية، كل واحدة بحجم شاشة الكمبيوتر مع ربط هذه الكتل عن طريق الوصلات Links، ويصلح هذا القالب بالنسبة للمادة الخبرية التي تعرض أحداثا بين فاصل بمعنى أن الحدث يتطور.

- النص الطويل Scolling Stories وذلك يتطلب طبيعة المضمون و تقديمه بطريقة خطية ليسهل فهمه16.

- يجب الاختيار الجيد للكلمات 30 أو 40 الأولى فهي التي تظهر بشكل آلي على قوقل نيوز.

- يمكن للصحفي الاعتماد على النص الفائق لكن دون أن يربك القارئ ويخرجه من النص الأصلي17.


(3) نموذج للتحرير الصحفي على الويب

 

 
 

المصدر: Yellowdolphins.com



وفي ذات المنحى ومن أجل بناء نصوص إعلامية على الخط، يجد الصحفي نفسه أمام كم هائل من المعلومات على شبكة الإنترنت، وهذا ما يضعه أمام تحدي اختيار المعلومة ومصدرها، وبين ما هو جيد ورديء؛ وهذا ما يتطلب تدريب الصحفيين على استخدام معلومات الإنترنت؛ لأنها قد تصبح بديلا عن مصادر معلومات أخرى، ويستلزم تعلم مهارة البحث الذاتي عن المعلومات والبيانات والإحصائيات، والتّحقق من مصداقيتها وتقويمها مقارنة بالمعلومات الأخرى وكذلك ضرورة الاهتمام بتحليل المعلومات والوثائق، والاستفادة من الأدوات المتعددة المتوفرة على الإنترنت، للقيام بتغطية فورية وسريعة18. وهذا تحديدا ما أشرنا إليه في السابق، والمتعلق بإجادة التعامل مع المعلومات على الخط وترشيحها، وكذا الاستخدام الأمثل للبيانات وقواعدها من قبل صحفيي الويب.

ويدخل كذلك في إطار التكوين على صحافة الويب وبناء التعلّمات المتعلقة بها، تهيئة المؤطرين الذين يشرفون على عملية التكوين؛ بأن يمتلكوا الكفاءات الضرورية لتأطير الطلبة من أجل الاستخدام الأمثل لتكنولوجيات الإعلام والاتصال في مجال الإعلام بصفة عامة، وأن تكون لهم القدرة على تسيير الأعمال المخبرية الخاصة بالتدريب على الوسائط من أجل إجادة العمل الصحفي الإلكتروني19.

        من خلال عرض بعض أبعاد عملية التكوين على صحافة الويب تحت مظلّة الـتأطير الأكاديمي العلمي، كمستلزمات لغرض التمكين المهني لهكذا نشاط إعلامي جديد؛ فعلى المؤسسات الجامعية أن تتكيف مع البيئة الإعلامية الجديدة وتستجيب لحاجاتها ومتطلباتها من أجل إحترافية أكبر في هذا الميدان.

رابعا: واقع التكوين الإعلامي الجامعي في الجزائر في ظل التحولات الجديدة

يطرح التكوين الإعلامي الجامعي في الجزائر اليوم عديد الإشكالات، وقد أضحت بعض الإجابات ملحّة خاصة في ظل البيئة الإعلامية الجديدة، حيث سارت الجزائر إلى عملية تحديث كبيرة في المجال الإعلامي، من خلال استجلاب آخر تقنيات الرقمنة، بالإضافة إلى التّوسع والانتشار المستمر لوسائط التكنولوجية الحديثة التي إنخرطت في مسار الصناعة الإعلامية، وتعدّ صحافة الويب إحدى حلقاتها. إلا أن التكوين الجامعي لم يواكب هذا المناخ الجديد؛ رغم استحداث نظام ل.م.د الذي يحمل رؤية الاستجابة إلى حاجات المجتمع، ويتفاعل معها باستمرار.

وعندما نتأمل في نظام التكوين الجامعي في الجزائر عموما، وفي الإعلام خصوصا نجد بأنه مازال قائما على الأطر التقليدية القديمة التي تعتمد على تلقين نماذج معرفية جاهزة، والتي في كثير من الأحيان تآكلت بفعل التّغير في المعرفة، أو في البيئة التي غرست فيها؛ وفي مثل هذه الوضعية يجد المتكون نفسه أمام معادلة التّذكر والتّحصيل لاغير بفعل التراكيمة والطابع اليقيني للمواد المدرّسة التي لا تحتمل التعديل أو التغيير20. هذا الجمود في التكوين الذي لا يسمح بتحيين المقرّرات البيداغوجية وطرق تدريسها يبقى بعيدا عن الاستجابة للتغير الاجتماعي في مختلف الميادين، وفي الإعلام تحديدا، ولا يواكب ديناميكية التّحول، وهذا ما يحدث في الجزائر منذ سنوات خاصة في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمعروف بالحركية السريعة والتبدّل المستمر.

وبالعودة إلى محتويات البرامج البيداغوجية في تخصص علوم الإعلام والاتصال وعلاقتها بالتحّول في مهنة الصحافة وممارساتها، نلحظ أنها لا تساير الموجة الجديدة في الإعلام بالشكل اللازم والكافي؛ حيث تغلب عليها المضامين النظرية اللصيقة أكثر بالوسائل التقليدية للإعلام. ويكفي أن نقوم بمسح لبرنامج الليسانس في علوم الإعلام لنقف على هذه الوضعية، فما هو مقرّر للطالب فيما يخص الإعلام الجديد وتطبيقاته، أو صحافة الوسائط الجديدة لا يتعدّى مقياسا واحدا في السنة الثانية الموسوم بـتكنولجيات الإعلام والاتصال، وهو مقياس نظري يحمل معارف حول تكنولوجيات الإعلام والاتصال (كما هو مبين في جدول المقرر الدراسي للسداسي 3 و4). وينهي الطالب مسار الليسانس بدون خلفية نظرية وتطبيقية حول الوسائط الإعلامية الجديدة، وليس لديه المهارات الكافية التي تؤهله للتعامل معها في مساره المهني مستقبلا. أما المحظوظون منهم فإنهم يتوسعون أكثر في الوسائط الجديدة من خلال بعض المقاييس التي تصب في هذا الموضوع؛ إلا أنها ذات بعد معرفي ومرتبطة أكثر بقضايا المجتمع21.

 

 

(4) جدول المقرر الدراسي لتخصص الإعلام والاتصال السداسي3و4

المواد

وحدات التعليم

مدخل إلى علوم الإعلام والاتصال 2

وحدة تعليم أساسية

 

تكنولجيا الإعلام والاتصال1

تكنولوجيا الإعلام والاتصال2

فنيات التحرير الإعلامي والتلفزي

وحدة تعليم أساسية

 

تشريعات إعلامية

مناهج وتقنيات البحث  في علوم الإعلام والاتصال 2

وحدات تعليم منهجية

 

برمجيات تحليل البيانات الصحفية

القضايا االدولية المعاصرة

وحدات تعليم استكشافية

 

1- علم النفس الاجتماعي

2- مدخل للعلوم القانونية

3- الفكر الخلدوني

تُختار مادة 1 غير مختارة في س3

لغة أجنبية 2

وحدة تعليم أفقية

المصدر: https://www.mesrs.dz/ar/

وعلى هذا الأساس فإن المقرّر الدراسي الذي يفترض أن يبنى على فلسفة التكوين المتخصّص الذي يحتوي على مواد علمية مطابقة في العدد والحجم الساعي، والمحتوى للدور الفعلي لهذه المقاييس في إعداد خريج المستقبل لمنصبه22، لا يسير في طريق بناء تعلّمات ولا مهارات في مجال الممارسة الإعلامية عموما وفي صحافة الوسائط( الويب) خصوصا، والتي أصبحت أحدى متطلبات التكوين راهنا.

وثمة مسألة أخرى متعلّقة بالتمرّس على صحافة الويب في الجزائر والمتعلقة بالتمرين والتدريب في الفضاء الجامعي؛ فنجد أنها تكاد تكون غائبة في مسار الطالب، حيث لا يتدرب على التّحكم في تكنولوجيات الإعلام والاتصال المختلفة،  التي تساعده على ممارسة صحافة الويب ومختلف نشاطاتها كما ذكرنا سابقا. وفي البرامج القديمة قبل التحيين والمواءمة كان الطالب يأخد مقياس الإعلام الآلي، إلا أن هذا المقياس واجه معوقات منها: نقص التأطير والإمكانات المادية المتمثلة في الحواسيب التي تستخدم في التكوين، وهذا ما أدّى إلى إلغاءه لاحقا؛ ومنه فإن المتكون لن تكون له فرصة التآلف مع الوسائط الجديدة تطبيقا، ولن يقوم بتدريبات حول النشر على الخط، وتصميم المواقع، أو بناء المدونات...، فتبقى مجرد معارف نظرية لا تكفي لإعداده من أجل المهن الجديدة في الإعلام بكل أبعادها؛ وقد ذهبت بعض الدّراسات في هذا السياق حول سؤال مدى مساهمة التكوين الجامعي في اكتساب مهارات من أجل العمل في مجال صحافة الويب، حيث أجمع أغلب المستجوبين أن إطلاعهم على التقنيات كان في شكل معلومات نظرية دون أن يكون هناك مجال للتطبيق فيها، مثل: تحرير الأخبار على الخط، إضافة الصور والفديوهات على الإنترنت، الإرسال الإلكتروني، التحكم في برامج الغرافيك، وغيرها...23. وفي نظرنا أن التدريب على البيئة الجديدة للإعلام في الفضاء الجامعي يستدعي وضع برامج تعليمية مبنية على التطبيقات، وتوفير وسائل هذه التطبيقات، كالمخابر، والاستديوهات، وقاعة التحرير الإلكتروني المجهزة بالحواسيب والموصولة بشبكة الإنترنت، حتى يستطيع الطالب أن يتمرّن على الفعل الاتصالي الذي يعتمد على الوسائط.

إن طبيعة التكوين الجامعي المبني على نظام ل.م.د؛ هو الرصد الدائم للطلب الاجتماعي، حاجياته المتجددة، وحركيته، إنه نظام تكويني متمحور حول هذه الأهداف؛ حيث ينص صراحة حسب الجهة الوصية في جزء منه، والذي له علاقة بهذا الموضوع إلى تحقيق الآتي:24

- ضمان تكوين نوعي من خلال الاستجابة إلى للطلب الاجتماعي المشروع على التعليم العالي.

- تحقيق تناغم حقيقي بين المحيط السوسيو اقتصادي، عبر تطوير كل التفاعلات الممكنة بين الجامعة وسوق العمل

- تطوير أليات التكيف المستمر مع  تطورات المهن.

- التفتح أكثر على التطورات العالمية خاصة تلك المتعلقة بعلوم والتكنولجيا.

         وعلى هذا الأساس يكون نموذجه التكويني قائما على التدريس بالأهداف(نموذج تايلور-وبلوم)، وتتلخص فلسفة التكوين وفق هذا النموذج بحصول تغيّر  على المستوى المعرفي، الوجداني والسلوكي للطالب، واكتساب تعلّمات ومهارات تستجيب للبيئة التي يعيش فيها. وهذا ما ينطبق على التكوين الإعلامي الجامعي، بأن تكون أهدافه مبنية وفق البيئة الإعلامية ومتطلباتها، وسوق العمل في مجال الإعلام، وحسبنا أن صحافة الويب جزء من هذه السوق التي أصبحت تفرض تكوينا ومهارات محددة من أجل الانخراط فيها وإجادتها؛ ولعل من بين احتياجات التكوين الإعلامي الجامعي وفق هذه الفلسفة:25

- استجابة مجالات وفروع التخصصات لمتطلبات التنمية الداخلية للبلد( المحلية والجهوية).

- الاستثمار الأمثل للموارد البشرية.

- تغيير أساليب التدريس وجعلها أكثر مرونة.

- إعادة النظر في البرامج ونظم التعلم القديمة وتكييفها وفق متطلبات سوق العمل واحتياجاته.

وهذا بالذات ما توصلت إليه بعض الدراسات من أن الجامعة لا تركز على سوق العمل في التكوين، فتبقى الموازنة بين التكوين والعمل تخضع لمبادرات بعض الطلبة الذين هم على وعي بهذه الفكرة، فيمزجون بين التكوين الجامعي وما أتيحت لهم من فرص للتطبيق خارج الجامعة26.

وتأسيسا لذلك فإن الرهان أمام التكوين الإعلامي الجامعي بفلسفته الجديدة، هو تجاوز الأطر التقليدية في بناء التعلّمات، والذهاب نحو تكوين قائم على بناء المهارات والكفاءات في ميادين محددة وفق حاجياتها ونشاطاتها المختلفة مثل ما هو الحال مع صحافة الويب كشكل وممارسة جديدة في مجال الإعلام في الجزائر.

خامسا: إستشراف التكوين على صحافة الويب في الجزائر

يعد التكوين الإعلامي إحدى الرهانات التي يفترض أن تسعى الدولة الجزائرية لكسبها، لأجل مواجهة الحركية التي يشهدها هذا المجال ابتداء من الألفية الثالثة، ويظهر هذا جليا  ضمن  مفهوم الإعلام العابر للحدود من خلال السموات المفتوحة، والتشبيك العالمي للمعلومات؛ ومنه فإن النجاح انطلاقا من هذا المشهد مرتبط بمدى الوعي بخصوصية التكوين في هذا الحقل، وبالتقييم الشامل لمخرجات التكوين وتصحيح الأخطاء التي ميّزت هذه التجربة وإعادة بعث هذا الميدان ضمن الأهداف السامية للدولة وفي إطار الحفاظ على الهوية والوطنية والتفتح على العالم27.

إن القراءة المتبصرة للتّحول الحاصل في العمل الإعلامي في الجزائر بعد امتزاج تكنولوجيات الإعلام والاتصال بهذا المجال، بل أصبحت جزءا مهما منه، لكفيل بأن يغيّر نظرتنا للتكوين الإعلامي في المؤسسات الجامعية التي تحمّلت إلى وقت طويل مهمّة القيام بذلك. فاستخدام الوسائط الجديدة التي انتشرت بشكل ملفت للانتباه في الجزائر في الميدان الصحفي أدّى إلى نشوء صحافة الويب بكل تفريعاتها؛ وهذا ما يستوجب استحداث تخصّصات إعلامية جامعية تتوافق مع هذا النوع الإعلامي الجديد يتلقّى فيه الطلبة المعارف النظرية اللازمة حول الوسائط الجديدة وإسهامها في بناء ملمح صحفي الويب بشيء من التّخصص والتّفرد عن بقية النشاطات الإعلامية الأخرى التقليدية أو الجديدة منها. على اعتبار أن هذا التّخصص هو بمثابة استجابة لمطلب مهني جديد في السوق الإعلامية الجزائرية، يحتاج إلى تأطير علمي وأكاديمي يحقق الكفاءة والاحترافية في الأداء داخل المؤسسات الإعلامية التي تنشط في هذا المجال.

وفي مستوى آخر، أن يرافق التكوين المعرفي تكوينا تطبيقيا مبنيا على التدريبات في مجال تكنولوجيا المعلومات والإنترنت بصفة خاصة، في كيفية التحرير والنشر الإلكتروني، تصميم المواقع، التحكم في بعض التطبيقات التي لها علاقة بصحافة الويب، وتعلم مهارات البحث في محركات البحث، والتعامل مع قواعد البيانات، والتحرير الصحفي على الخط، تآلف شبكات التواصل الاجتماعي... وغيرها، وقد أشارت نتائج بعض الدراسات إلى هذه النقطة، فعلى الرغم من الإمكانات التكنولوجية في الميدان الإعلامي، فهناك نقص كبير في التكوين على هذه الوسائل والاستغلال الأمثل لها في مواد ذات نوعية وجودة28؛ ولأجل هذا يجب توفير التأطير اللازم لهذا الغرض، وعندما نتحدث عن التأطير فإننا نقصد المكوّنين القادرين على تمكين طلاب هذا الميدان الجديد من اكتساب المهارات التي تسمح لهم بالتعامل مع صحافة الويب؛ حيث نرى في هذا الإطار أن التكوين على امتهان صحافة الويب يتطلب تدخل متخصّصين في هذا المجال معرفيا وتقنيا، وهنا تحتاج المؤسسة المكوّنة لهذا الغرض إلى تخصّصات أخرى غير الإعلام والاتصال، متحكّمين في التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال وتطبيقاتها، وقادرين على نقل خبراتهم للمتكوّنين حسب احتياجاتهم، وتتطلّبه هذه المهنة الجديد في مجال الإعلام.

بالإضافة إلى تجهيز الهياكل بالمستلزمات والأدوات التكنولوجية التي تستجيب إلى هذا النوع الخاص من التدريب، فتتحول الجامعة بذلك إلى مؤسسة إعلامية تتكفّل بالتدريب اللازم على صحافة الويب، حسبنا في ذلك نذكر تجربة جديدة ورائدة في هذا المجال، أين بادر قسم الإعلام والاتصال جامعة مسيلة بفتح مركز للصحافة المكتوبة والإلكترونية، يعنى بتدريب طلبة الإعلام  وتجهيزهم في مجالات الصحافة المطبوعة والإلكترونية، وتطوير معارفهم العلمية ومهاراتهم في مختلف أنواع الصحافة، وسيسمح للطلاب بتطوير مهاراتهم الإعلامية وصقل مواهبهم، وهو ما سيسهل عليهم الاندماج في سوق الشغل29. وهذا ما يؤهل ويمكن المتكون من الإندماج في المؤسسة الإعلامية الفعلية، وممارسة عمله بكفاءة عالية وإحترافية وفق المعايير المطلوبة، فتصبح بذلك الجامعة منتجة لنماذج وفق الطلب الاجتماعي وسوق العمل الإعلامية.  

خاتمة وتوصيات

إن الجامعة الجزائرية اليوم تحتاج إلى تثوير في مجال التكوين في كل الميادين والتخصصات، والإعلام إحداها. فعلى التكوين الإعلامي الجامعي أن يساير تحوّلات الإعلام داخل المجتمع الجزائري في الوقت الراهن، ومن هذه التحوّلات بروز ملمح صحفي الويب الذي يعتمد على الوسائط الجديدة والتحكم الجيد فيها معرفة وتطبيقا، وبأن يستجيب لمتطلباته وشروطه، من خلال التدريب والتمرن على الأنشطة المنجزة لهذا الفعل الإعلامي المخصوص، واكتساب التعلّمات والمهارات اللاّزمة لذلك. ولا يتأتّى ذللك إلا من خلال التفكير العلمي في هذه المسألة وما يتفرّع عنها من إشكالات لأجل بناء رؤية متبصرة تقدم إجابات علمية لهذا الموضوع  الحيوي، وإعادة النظر في البرامج البيداغوجية التي تنسجم مع سوق العمل الإعلامية، وتوفير الإمكانات التأطيرية والمادية من أجل إنجاز أهداف التكوين وفق هذه الرؤية الجديدة؛ لذلك نوصي بـــــ:

- إنشاء تخصّص تحت مسمّى صحافة الويب وتطبيقاته المختلفة.

- توفير التأطير الكفيل بتحقيق مخرجات تستجيب للبيئة الإعلامية الجديدة ومتطلباتها.

- إعادة النظر في البرامج البيداغوجية وتحيينها باستمرار من أجل أن تساير التغيّر الحاصل في المجتمع.

- ربط تعلُّمات الطالب بما يحتاجه في مساره المهني، حتى يقوم بعمله بكفاءة واحترافية.

- تكثيف التدريبات والتمرينات، من أجل اكتساب المهارات التي تسمح بالتمهين في صحافة الويب.

- العمل على توفير كل التجهيزات الضرورية من أجل التكوين الجيد للتحكم في الوسائط الجديدة وتطبيقاتها أثناء المسار الأكاديمي للطالب.

- ربط التكوين الإعلامي الجامعي بالمؤسسات الإعلامية لتدعيم التكوين في النشاطات والمهن الجديدة التي تتوفر عليها هذه  المؤسسات

1.  Amandine Degand, Benoȋt Grevisse, Journalisme en ligne, 1éd, Edition De Boek, Bruxelles, 2012, p14.

2. .Ibid; pp 13-14.

3.  . https://fr.wikipedia.org/wiki/Journalisme_en_ligne

4.  . Godefroy Macaire Chabi; Le journaliste dans le processus de recherche d’information sur le Web, Mémoire en vue de l’obtention du grade de Maître ès sciences, Département communication, Université Montréal, Aout 2014, p44.

5. . عماد علي مهيرات، أثر التمكين على فاعلية المنظمة، ط1، دار جليس الزمان، عمان، 2009، ص 22. 

6. . Nicolas Pélissier et Mamadou Diouma Diallo, Le journalisme à l’épreuve des dispositifs socionumériques d’information et de communication, Revue française des sciences de l’information et de la communication [En ligne], 6, 2015.

7. . وسام كمال، الإعلام الإلكتروني والمحمول بين المهنية وتحديات التطور التكنولجي، ط1، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2014، ص 30. 

8.  . Amandine Degand, Benoȋt Grevisse; Op.cit, p29. 

9.  . Ibid; p33.

10.                                            . Nicolas Pélissier et Mamadou Diouma Diallo; Op.cit.

11.                                             . Jean-blaise Held; Introduction au journalisme, Université de Fribourg, Autome, 2011, p9.

12.                                            . Nathalie Pignard-Cheynel, Brigitte Sebbah; L’identité des Journalistes du Web dans des récits de soi, Communication, Vol.32/2, 2013, p4, communication.revues.org/5045, [En ligne]. 

13.                                             . Amandine Degand, Benoȋt Grevisse; Op.cit, p30, http://www.microplume.ch/site/wp-content/uploads/2018/04/cours_intro_journalisme_Automne_2011.pdf,  [En ligne].

14.                                             .  Florence Le Cam, Olivier Trédan, Journalisme et web quel outils de formation, Médiamorphoses, N°24, 2008, Université de Rennes1, pp 109-110.

15.                                             . Ibid ;  p106.

16.                     . وسام كمال، مرجع سابق ، ص33.

17.                                             . Jean-Blaise Held; Introduction au journalisme, Université de Fribourg, 2011, p7.

18.                     . وسام كمال، مرجع سابق، ص35.

19.                     . Florence Le Cam et Olivier Trédan; Op.cit, p 109.

20.                     . مراد ميلود، إشكالية التكوين الأكاديمي للإعلام في الجزائر، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة أم البواقي، العدد 9، جوان 2018، ص 309. 

21.                     . أنظر في  هذا: البرامج البيداغوجية لتخصص علوم الإعلام والاتصال: مسار الليسانس والماستر تخصص وسائل الاتصال الجماهيري والوسائط الجديدة.

22.                     . شريفة يعقوبي، التكوين الجامعي المتخصص وأداء العمل الصحفي الإذاعي: دراسة ميدانية بالإذاعات الجهوية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة قسنطينة، 2007-2008، ص49. 

23.                     . مالية مكيري، الصحفي الإلكتروني بين متطلبات الإحترافية والتكوين الأكاديمي والمهني: تجربة الجزائر نموذجا، مجلة الدراسات الإعلامية، المركز العربي الديموقراطي، برلين، العدد 4، أوت 2018، ص301. 

24.                     . راجع في هذا اصلاح التعليم العالي، وزارة التعليم العالي، جوان 2007، على الرابط:  www.mesrs.dz

25.                     . مراد ميلود، مرجع سابق، ص 311.

26.                     . محمد شطاح، التدريس الإعلامي في المرحلة الجامعية في مؤسسات التعليم العالي بالجزائر: دراسة في فلسفة التدريس ومنظومة الإصلاحات، المجلة العربية للإعلام والاتصال، العدد 8، ماي، 2012، ص 156.  

27.                      عمر يوسفي، سوق العمل الصحفي وحتمية التوجه للتكوين التطبيقي في الإعلام والتصويرالصحفي في الجامعات الجزائرية، مجلة الصورة والاتصال، المجلد5 ، العدد 19، 2016، ص8

28.                     . قطشة عبد القادر، اسهام تكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال في تطوير الرسالة التلفزيونية الجديدة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الجزائر، 2005 -2006.

29.                   https://www.alaraby.co.uk/medianews/b0147258-aa55-4761-b600-314d6d177f55.

هشام عكوباش, «صحافة الويب في الجزائر: نحو التمكين الأكاديمي والمهني»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences SocialesJournal of Arts and Social Sciences العدد 01 مجلد 17-2020Issue 01 volumes 17-2020N°01 VOL 17-2020
Papier : ص ص 232-242,
Date Publication Sur Papier : 2020-04-23,
Date Pulication Electronique : 2020-04-23,
mis a jour le : 23/04/2020,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6862.