التعاون الدولي في مجال حماية الحق في البيئة -نحو تصور حديث لمقاربة الإنصاف الجيلي والاستدامة البيئية-International Cooperation in The Protection of Environmental Law -to Wards Modern Perception of The approach of Generational Equity and Environmental Sustainability-
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


Issue 03 volume 17-2020


Issue 01 volumes 18-2021


Issue 02 volumes 18-2021


Issue 01 volumes 19-2022


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 19-2022

التعاون الدولي في مجال حماية الحق في البيئة -نحو تصور حديث لمقاربة الإنصاف الجيلي والاستدامة البيئية-

International Cooperation in The Protection of Environmental Law -to Wards Modern Perception of The approach of Generational Equity and Environmental Sustainability-
ص ص 176-193

وردة مهني
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

إن الطابع العالمي للبيئة ومشكلاتها، دفع جانبا من الفقه إلى القول بوجود طابع دولي لقانون حماية البيئة ولجينية الحق في البيئة، اعتقادًا منه بأن أكثريه المصادر التشريعية لهذا القانون والاساس القانوني لهذا الحق هي اتفاقيات دولية الأصل، وأن المصادر الموضوعية لهذا القانون هي قرارات صدرت عن المؤتمرات والمنظمات الدولية، فضلا عن بعض المبادئ الدولية التي ترسخ لهذا الحق، وأن أغلبية أنشطة الاعتداء على البيئة تتجاوز بطبيعتها حدود الدول، وأخطر هذه الأنشطة هي أنشطة الدول نفسها، وأن قواعد قانون البيئة تحصي بالدرجة الأولى مصلحة مشتركة تتعلق بالتراث المشترك للإنسانية، حيث تمتد آثار الملوثات المدمرة إلى العديد من الدول، وعليه فأية جهود رامية لحماية الحق في البيئة على المستوى الوطني بمعزل عن الجهود الدولية تبقى محدودة الفاعلية، خاصة اذا اعتبرنا أن محل هذا الحق ( البيئة) يمثل تراثا انسانيا مشتركا للجيل الحالي والجيل المقبل على حد السواء.

الكلمات المفاتيح: حماية الحق في البيئة، والقانون البيئي الدولي، والاستدامة البيئية، والمساواة بين الأجيال، والتراث الإنساني المشترك.

La nature globale de l'environnement et ses problèmes ont poussé une partie de la jurisprudence à dire qu'il y a un caractèreune loi internationale pour la protection de l'environnement et le droit génétique à l'environnement, dans la conviction que la majorité des sources législatives de cette loi et la base juridique de ce droit sont des conventions internationales d'origine, et que les sources substantielles de cette loi sont des décisions émises par des conférences et organisations internationales, ainsi que certains principes internationaux qui consacrent ce droit Et que la majorité des activités d'agression sur l'environnement par nature dépassent les frontières des États, et que les activités les plus dangereuses sont les activités des pays eux-mêmes, et que les règles du droit de l'environnement atteignent principalement un intérêt commun lié au patrimoine commun de l'humanité, car les effets des polluants nuisibles s'étendent à de nombreux pays, et donc Ses efforts visant à protéger le droit à l'environnement au niveau nationalEn dehors des efforts internationaux, l'efficacité est limitée, surtout si l'on considère que la place de ce droit (l'environnement) représente un patrimoine humain commun pour la génération actuelle et la génération suivante.

Mots clés:protection du droit à l'environnement, droit international de l'environnement, durabilité environnementale, équité intergénérationnelle, patrimoine humain commun

The global nature of the environment and its problems have led part of the case law to say that there is a character of an international law for the protection of the environment and the genetic right to the environment, in the conviction that the majority of the legislative sources of this law and the legal basis of this right are international conventions of origin, and that the sources substantive of this law are decisions issued by international conferences and organizations, as well as certain international principles which enshrine this right and that the majority of the activities of aggression on the environment by nature exceed the borders of the States, and that the activities the activities of the countries themselves are more dangerous, and that the rules of environmental law reach mainly a common interest linked to the common heritage of humanity, since the effects of harmful pollutants extend to many countries, and Therefore Its efforts to protect the right to the environment at the national level Apart from international efforts, the efficiency is limited, especially considering that the place of this right (the environment) represents a common human heritage for the current generation and the next generation.

Keywords:protection of the right to the environment, international environmental law, environmental sustainability, intergenerational equity, common human heritage

Quelques mots à propos de :  وردة مهني

جامعة محمد لمين دباغين سطيف2، rosa_droit1@yahoo.com

مقدمة

لقد ظهرت الحاجة إلى الاعتراف بالحق في البيئة وحمايته على الصعيدين الدولي والداخلي على إثر تنامي الوعي بالضرورات البيئية وحجم المشكلات البيئية ذات الطابع العالمي، ويندرج الاعتراف بهذا الحق وحمايته بداية ضمن ديناميكية دولية، تتجاوز الحدود الوطنية،  فنجد أول المقترحات للتعريف بحق الإنسان في البيئة والاعتراف به واقرار حمايته ضمن مصادر دولية وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة منذ انعقاد مؤتمر استوكهولم للتنمية البشرية عام 1972، لينتقل بعدها هذا الاعتراف إلى المستوى الداخلي، وتزداد المقترحات بين الدول قصد تكريس وتفعيل حمايته من خلال تعزيز التعاون الدولي في المجال البيئي.

يأتي التعاون الدولي في مجال حماية البيئة ضمن اهتمامات وأولويات المجتمع الدولي بالتوازي مع الاهتمام الوطني بذلك، خاصة بعد أن شهد العالم كوارث بيئية ذات الاثر الخطير على الانسان ليس في الحاضر فقط وانما في المستقبل، مما يهدد حياة الأجيال القادمة التي لم تولد بعد، وكانت نتيجة هذا الاهتمام نشوء القانون الدولي للبيئة كفرع حديث ضمن فروع القانون الدولي العام، حيث تستهدف قواعده ومبادؤه تنظيم وترشيد نشاطات المجتمع الدولي في مجال استخدام الموارد الطبيعية، من أجل ضمان التنمية المستدامة للبيئة ومحاولة تحقيق العدالة البيئية وسبل الانصاف بين الجيل الحالي وحق الاجيال القادمة في الاستفادة من خدمات النظام البيئي باعتباره يمثل ارثا انسانيا مشتركا.

1-أهمية الدراسة

تتجلى اهمية هذه الدراسة في أن موضوع التعاون الدولي في مجال الحماية الدولية للبيئة يعتبر من بين الموضوعات التي حظيت ولا تزال تحظى باهتمام كبير في المجتمع الدولي المعاصر، خاصة مع تزايد نوع ووتيرة المشكلات البيئية العابرة للحدود الدولية، ولا يمكن لأي دولة مهما كانت قدراتها وامكانياتها أن تنفرد لوحدها لمواجهة التحديات البيئية، الأمر الذي يجعل التعاون الدولي أمرا لا مفر منه، مع تحملها كامل المسؤولية الى جانب الفواعل الاخرى في المجتمع الدولي في حال الاخلال بالتزاماتها البيئية.

2-نطاق الدراسة

تحاول هذه الورقة البحثية تقييم أهم المصادر الدولية المتضمنة الاعتراف الدولي بحق الانسان في البيئة والمتضمنة التزامات الدول في مجال حماية البيئة ومقتضيات هذا الالتزام، مع التركيز على ما يجب أن يكون بناء على الثغرات المفهوماتية والقانونية والواقعية التي سجلت في مجال حماية البيئة، واستشرافا لمقاربة جديدة مؤطرة لاستراتيجية دولية تأخذ في الاعتبار مفهوم الاستدامة البيئية والعدالة ليس بين فئات وافراد الجيل الواحد فقط وانما بين الجيل الحالي والجيل المقبل.

3-اشكالية البحث

تتمحور اشكالية البحث حول التساؤل التالي:

إلى أي مدى ساهم القانون الدولي للبيئة في تكريس حماية فعلية وفعالة للحق في البيئة وتحقيق استدامة بيئية للأجيال الحاضرة والمقبلة؟

وتندرج تحت هذه الاشكالية سؤالين فرعيين:

أ -  ما مدى معيارية المصادر الدولية المكرسة لحق جديد من حقوق الانسان وهو الحق في البيئة، وماهي أهم الأسباب الموجبة للتعاون الدولي لحماية البيئة؟

ب‌-ماهي أهم المبادىء الأساسية المؤطرة لمقاربة جديدة واستراتيجية دولية متكاملة لحماية البيئة؟

3-منهج الدراسة

تقتضي منا طبيعة الموضوع اعتماد المنهجين الوصفي والتحليلي لأجل التعرف على أهم المصادر المكرسة للحماية الدولية للبيئة وتقييمها من الناحية المعيارية، وتحليل أهم المبادىء والعناصر الجوهرية المؤطرة لرؤية متكاملة للحماية الدولية للبيئة وتعزيز قواعد القانون الدولي البيئي بما يحقق استدامة بيئية للجيل الحالي والأجيال القادمة على السواء.

سنحاول دراسة الموضوع من خلال جزئيتين رئيسيتين:

المطلب الأول: دراسة تقييمية للمصادر القانونية الدولية لحق الإنسان في البيئة

المطلب الثاني: المبادئ الأساسية المؤطرة لمقاربة جديدة في مجال الحماية الدولية للحق في البيئة

المطلب الأول

 دراسة تقييمية للمصادر القانونية الدولية لحق الإنسان في البيئة

لقد سجلت حماية البيئة ظهورًا لافتا منذ انعقاد مؤتمر ستوكهولم للتنمية البشرية لعام 1972الذي شكل الانطلاقة الفعلية لـ «عولمة التفكير البيئي» (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013)، وبداية الوعي الجماعي بحتمية حماية البيئة وصيانتها، والتي اعتبرت بداية لظهور حق جماعي أساسي ضمن منظومة حقوق الإنسان الا وهو «الحق في البيئة».

الفرع الأول

 المحطات البيئية العالمية

يلعب القانون الدولي دورا أساسيا في مسألة إقرار الحق في البيئة، حيث يقول الفقيه M.PRIEUR:" تقوض الكونية البيئية السيادة الوطنية (M, 2003)ذلك أن القضايا البيئية تتجاوز الحدود الوطنية، ففي كثير من الأحيان تأخذ المسائل البيئية اهتمام الكوكب بأكمله، ولا يمكن أن تستجيب لحلول وطنية بحتة حيث يؤكد الفاعلون بالإجماع على أن البيئة هي مسألة تهمّ جميع الناس، الذين يتوجب عليهم التعاون معا لحمايتها من خلال الدول (صلاح الدين ، 1989).

أولا: مرحلة ما قبل إعلان استوكهولم: (1900إلى غاية 1972)

اعتبرت اتفاقية الطيور المفيدة للزراعة أول اتفاقية دولية تتعلق بحماية صنف من الحياة البرية المنعقدة عام (1902) (IUCN, 1902)، حيث كان معيار الحماية هو تحقيق المنفعة قصيرة الأمد والفائدة المباشرة للصنف المحمي، ونفس المعيار اعتمد من خلال المعاهدة الأمريكية البريطانية لعام 1911المتعلقة بوقاية وحماية فقمة الفراء، وبين أولى النصوص الدولية المعنية لحماية البيئة، تلك الواردة في تحديد الحدود المائية المتضمنة احترام الحدود المائية بين و.م.أ وكندا، لعام 1909والتي تمخض عنها تشكيل لجنة مختلطة أمريكية كندية اضطلعت بدور فعال في قضايا التلوث.

ومع مطلع الثلاثينات بدأت الكثير من الاتفاقيات الإقليمية تنعقد حاملة معها مفاهيم بيئية (amel, 2009/2010)، وكانت أولاها اتفاقية لندن لعام 1933المتعلقة بالحفاظ على الحياة النباتية والحيوانية في حالتها الطبيعية، كما برزت الجهود الرامية إلى مكافحة التلوث البحري أثناء الخمسينيات فكانت اتفاقية لندن لعام 1954المنع تلوث البحار بالنفط كأول خطوة في هذا الاتجاه. (رتيب عبد الحافظ، 2008، صفحة 57)

ونتيجة لتأثير التكنولوجيا الجديدة وبالتحديد الانتفاع بالطاقة النووية خاطبت معاهدة موسكو لعام 1963الاستخدامات العسكرية وحصرها للأسلحة النووية التي يتم اختبارها في الجو والفضاء الخارجي وتحت المياه. (الخدري، 2008/2009)

في نفس الوقت أدخل التحكيم الدولي مبادئ أساسية تتعلق بجزء حيوي يتمثل في التلوث عبر الحدود، حيث أكد التحكيم في قضية (Trail Smilter) لعام 1941أنه لا يحق لأية دولة استخدام أراضيها أو السماح بذلك بشكل يؤدي إلى الإضرار ببيئة الدول المجاورة.

وفي عام ، 1949قررت محكمة العدل الدولية في قضية(corfu charmel)أنه لا يحق لأية دولة استخدام أراضيها بما يتعارض مع حقوق الدول الأخرى. (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013)

وفي عام 1968اتخذت الأمم المتحدة إجراءات ترمي إلى حماية البيئة حينما أقرت الجمعية العامة عقد مؤتمر دولي حول البيئة إلا بشرية بستوكهولم عام 1972.

ثانيا: مؤتمر ستوكهولم للبيئة الإنسانية وجينية الحق في البيئة والقانون الدولي البيئي

   بناء على اقتراح مقدم من المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة في جويلية لعام 1968، تحت رقم 1346، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديمسبر 1968، في دورتها 23قرارها رقم 2398المتضمن مؤتمر عن البيئة البشرية أو البيئة الإنسانية (الجمعية، 1968)حيث تم تشكيل لجنة تحضيرية من ممثلي 27من الدول الأعضاء لتقديم المستورة للسكرتير العام، بموجب القرار رقم 2581، حيث استغرقت أعمال هذه اللجنة 4دورات ابتداء من مارس 1970-1972، وبتاريخ 1972افتتح المؤتمر أولى جلساته المكتملة في العاصمة السويدية ستوكهولم واستمر المؤتمر حتى 16جوان 1972.

وقد أقر المؤتمر في جلسة عامة ثلاث وثائق:

1-إعلان ستوكهولم عن البيئة.

2-خطة عمل تتكون من 109وصية، تدعو الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للتعاون من أجل حماية الحياة ومواجهة مشكلات البيئة.

3-قرار عن ترتيبات مالية ومؤسسة. (Savds, 1994)

وقد بدأ الإعلان بدبياجة تفيد أن «الإنسان هو الذي يصنع ويشكل بيئته التي تعطيه القوت وتمنحه الفرصة لتحقيق النمو الفكري، والحلفي والاجتماعي والروحي... وتمكنه من خلال التقدم السريع لتعلم والتكنولوجيا قدرة على تحويل بيئته، بطرق لا حصر لها، وعلى نطاق لم يسبق له مثيل». (صلاح الدين ، 1989، الصفحات 52-54)

   كما أكد هذا الإعلان على أن كل من جانبي البيئة البشرية الطبيعي والإصطناعي، أمر أساسي لتحقيق رفاه البشر، وللتمتع بحقوق الإنسان الأساسية بما في ذلك الحق في الحياة ذاته.

   وقد ترجمت المبادئ الأساسية المفاهيم الحديثة الواردة في دبياجة إعلان ستوكهولم، ويشير المبدآن الأول والثاني على تأكيد حق الإنسان في الحرية والمساواة وفي ظروف عيش مناسبة، في بيئة تسمح نوعيتها بالحياة في ظل الكرامة وبتحقيق الرفاه، وهو يتحمل مسؤولية رسمية تتمثل في حماية البيئة، والنهوض بها من أجل الجيل الحاضر والأجيال المقبلة.

   وقد شكلت المبادئ (2-7) جوهر الإعلان، والتي تنادي بأن الموارد الط للكون لا تقتصر على النفط والمعادن، بل تشمل الهواء والماء والأرض والنبات والحيوان وأنظمت ايكولوجية أخرى التي لابد من الحفاظ عليها لمصلحة الأجيال الحالية والمستقبلة.

   وقد سجل المؤتمر نتائج رئيسية أهمها:

1-برنامج التقييم البيئي الشامل أو المسمى بمراقبة الأرض، ويشمل التقييم والمراجعة والبحث وتبادل المعلومات، ويقوم برنامج الأمم المتحدة للبيئة بتقييم تقارير دورية تتعلق بمراقبة الأرض، وتبعًا لذلك فإن البرنامج ركز على التحضير لإجراء تقيميات بيئية موضوعية منظمة، ووضع معايير وإجراءات لإصدار إشعارات مبكرة بالأخطاء الناجمة التي تهدد البيئة، وتحسين التنسيق داخل منظومة الأمم المتحدة لمراقبة وتقييم البيئة العالمية. (لجنة التنسيق, 1992)

2-أنشطة إدارة البيئة، والتي تتعلق بالمؤسسات البشرية والموارد الطبيعية وتتضمن أغلب البنود المتعلقة بالتلوث، ومنها إلقاء النفايات والمواد السامة والحضيرة، واستنباط معايير وقواعد للحد من الضوضاء والسيطرة على الملوثات، وفي هذا الصدد أعد المدير التنفيذي لمجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريراً ضخما في عن حالة البيئة خلال الأعوام 1972-1992 (UNEP)تناول القضايا البيئية الرئيسية وأثر التطورات في مختلف قطاعات الاقتصاد على البيئة، وركز التقرير على تزايد عدد الكوارث الطبيعية خلال العقدين الأخيرين:

3-إجراءات الإسناد والدعم، وهي المتعلقة بإنشاء إدارة مركزية تناط بها مسؤولية الشؤون البيئية (برنامج الأمم المتحدة للبيئة). (UNEP)

ثالثا: ما بعد مؤتمر استوكهولم

   تجسد رؤية مؤتمر استوكهولم ومضامينه التطور اللاحق لقانون البيئة سواء على صعيد التنظيم الدولي أو على صعيد التطورات القانونية المعنية بالبيئة، فعلى صعيد التنظيم الدولي اتخذت الجمعية العامة عدة قرارات في دورتها السابعة والعشرون (steph, Bille, Alexandre, & Charles, 1992, p. 824)، أنشأت بموجبها مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للبيئة وآلية عمل المجلس، والبرنامج (37) لسنة 1982وقررت الجمعية العامة إنشاء حد دون برنامج الأمم المتحدة لحماية البيئة، وتم تنسيق الأنشطة ليس على صعيد الأمم المتحدة فحسب بل على صعيد المنظمات الإقليمية.

أ‌-الميثاق العالمي للطبيعة (1982)

تم اعتماد هذا الميثاق خلال شهر أكتوبر لعام 1982بعد عشر سنوات من مؤتمر ستوكهولم، في قرار الجمعية العامة للأم المتحدة رقم 37/07، وقد أكدت مبادئ الميثاق بأن تخضع جميع مناطق الأرض لمبادئ حفظ الطبيعة وحماية البيئة، وإلا يتم إدارة النظم الإيكولوجية والكائنات الحية بطريقة تعرض للحظر سلامة ما يتعايش معها من نظم إيكولوجي) قرار الجمعية العامة 37/7المؤرخ في 28أكتوبر 1982الميثاق العالمي للطبيعة).

2-تقرير لجنة برانتلاند

   بتوصية من الجمعية العامة، بدأت لجنة (Brandtland) بصيغة تقرير مستقبلنا المشترك، وأصدرت الجمعية القرار رقم 46/187حول تشكيل اللجنة العالمية للبيئة والتنمية، ومهمتها الرئيسية هي تقديم تقرير عن البيئة والمشاكل العالمية إلى غاية عام 2000وما بعدها، وتقديم استراتيجيات للتنمية المستدامة، وقد قدمت اللجنة تقريرها النهائي إلى الجمعية العامة (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 151)حيث أكدت فيه على مفهوم الاستدامة وحقوق الأجيال المستقبلة في تلبية حاجاتها.

3-  مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة والتنمية للعام 1992(مؤتمر ريو)

   حيث شارك في مفاوضات مؤتمر الأرض من 3إلى 14جوان 1992(156) دولة والعديد من المنظمات غير الحكومية، ويعتبر كل من مؤتمر ستوكهولم من جهة ومؤتمر ريو من جهة مقابلة للجنة الانطلاقة الحقيقية للحركة البيئية والحكامة البيئية الشاملة، وأهم ما ميز هذا المؤتمر نص المادة 10المتعلقة بالمعلومات والمشاركة وحق المرافعة وهي حقوق إجرائية لتفعيل الحق في البيئة ( Joyce , 1992)علما أن اتفاقية (Aarhus) طورت هذا المفهوم، كما أكد هذا الأخير على مواضيع ذات أهمية كالحق في التنمية وإدماج حماية البيئة في مسارات التنمية والمسؤولية المشتركة، وقد قسم البعض المبادئ التي حملها إعلان ريو إلى ثلاث مجموعات، وهي: الاهتمام بالتنمية، النظام الاقتصادي العالمي، وأخيرًا حق المعلومات البيئية والحق في المشاركة في اتخاذ القدرات المتصلة بالبيئة. (صلاح الدين ، 1989)

الملاحظ في اعلان ريو غياب بعض المسائل التي كانت تمثل اولى اهتمامات الكثير من الدول في تلك المرحلة على غرار النمو الديمغرافي واستنفاذ الموارد الطبيعية واللجوء إلى التخطيط للتوفيق بين مختلف الاهداف باعتباره وسيلة مهمة في ادماج البيئة في التنمية ومسألة التراث المشترك للإنسانية وضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي. (مجدوب و هماش، جوان 2016، صفحة 607)

4-جدول أعمال القرن 21

تم اعتماد جدول أعمال القرن (21) لفائدة الفئات الضعيفة (كتعبير عن الفقر خلال مؤتمر ريو 1992، ومطالب السكان الأصليين، والطفل والمرأة والشيوخ، إلخ، كشرط مسبق للتنمية المستدامة.

   وقد تمثل الاهتمام الأساسي لجدول أعمال القرن 21بتلبية الحاجات الإنسانية الأساسية، وقد اعتبر هذا الأخير، أملاً لتحقيق شراكة شمولية عبر إدماج البيئة والاعتبارات التنموية، ولتفعيل برامجه، استند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948واتفاقية الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966. ( Augusto & Trindade)

ويمكن تقسيم جدول أعمال القرن 21إلى 4أقسام:

·  الأبعاد الاجتماعية – الاقتصادية التي تضم المستوطنات البشرية والتعاون الدولي لتنشط التنمية المستدامة ومكافحة الفقر وحماية وتحسن صحة الإنسان.

·   حماية وحفظ وإدارة الموارد، وتضم 14فصلاً.

·   تعزيز دور المنظمات الدولية غير الحكومية والتجمعات الأخرى.

·  أساليب التنفيذ: المشتملة على المصادر المالية وترتيبات المؤسسات الدولية.

- القواعد القانونية الدولية ووضع القرارات وتحسين فعالية ق د ودمج البيئة وسياسات التنمية في معاهدات واتفاقيات دولية.

- الإجراءات والوسائل الرامية إلى تشجيع ومراجعة تطبيق الاتفاقيات بإقامة نظام فعّال وكف لتقييم التقارير.

5-المؤتمر العالمي للتنمية المستدامة (قمة جوهانسبورغ عام 2002)

بعد 10سنوات من إعلان ريو 1992، انعقدت هذه القمة بمقتضى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 55/199الصادر في 20/12/2000 والتي سبقتها محادثات تحضيرية لهذه القمة بداء من شهر أفريل 2001حتى جوان 2002انطلاقا من محادثات نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الممتدة ما بين 30أفريل- 02ماي 2001حول الترتيبات الخاصة بمشاركة الهيئات والأطراف الدولية الحكومية وغير الحكومية، لكنها لم يأت إعلان جوهانسبورغ (من 26أوت إلى 4سبتمبر 2002) «بجديد يذكر» (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 160)، وقد ربط المؤتمر بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة.

5. مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (ريو + 20)

   عقد المؤتمر من 20إلى 22جوان 2012في ريو، وعرف باسم (ريو + 20)، وكان الهدف منه تقييم 20سنة من العمل البيئي، أي الفترة الفاصلة، من عامي 1992و2012، والحقيقة أنه تقييم 40سنة، لأنه يمكن قراءة الجهود الدولية في مجال حماية البيئة والمعوقات التي اعترضتها خلال هذا المسار انطلاقا من مؤتمر استوكهولم لعام 1972كمحطة أساسية لهذه الجهود، وتلخصت تحديات (ريو + 20) في كيفية إعداد خطة عمل للعشرين سنة المقبلة) مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة

(ريو + 20، المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، الدورة 130، البند 6-16، م ت 130/36، 19يناير 2012.)، وكأن الرهان هو كيفية إعادة تشغيل جهاز الأمم المتحدة وتوفير قوة دفع له، وتقييم السياسات البيئية في هذا المجال كخيار إستراتيجي لإدماج الأبعاد الثلاث للتنمية المستدامة في خياراتها التنموية.

تجدر الملاحظة أن هذا الإقرار مهما كان صحيحا، فإنه لم ير النور لأنه تم من خلال وسائل غير مدعّمة بأي قوة ملزمة بمعنى يفتقد للمعيارية، ذلك إن اتخاذ تدابير فعالة لحماية البيئة لا يتبع الا الخطابات "غير المعيارية" ، كما أن موقف كبار الملوثين لا يبعث أبدا على التفاؤل،  لذلك عندما قرر مؤتمر حقوق الإنسان المنعقد في عام 1989دراسة العلاقة بين حقوق الإنسان والحق في البيئة، صوتت 52دولة بالأغلبية مقابل امتناع دولة واحدة (اليابان)، وصوت واحد ضد (الولايات المتحدة) ،التي لا تزال ترفض المصادقة على بروتوكول كيوتو حول خفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

ويبدو أنه فكرة حماية البيئة كانت حقا معطلا على الصعيد الدولي، كما تبين المؤتمرات المشار اليها انفا منذ السبعينات، كما أنها تفتقر إلى الحيوية حيث غالبا ما تكتفي هذه الإعلانات بذكر النوايا في نصوصها، رغم اعتمادها بأغلبية كبيرة، إلا أنه لا يمكن إنكار أهميتها السياسية والرمزية، غير أن الحق في البيئة المنصوص عليه في تلك النصوص يظل دون ثقل حقيقي الزامي، ولا يظهر أي أثر لإمكانية التقاضي لأجل التمكين للحق في البيئة.

الفرع الثاني

 الأسباب الموجبة للتعاون الدولي في مجال حماية الحق في البيئة

     أكدت السكرتير العام للجماعة الأوروبية C.La luriere« أن الدفاع عن البيئة يمثل التحدي الأكثر أهمية في نهاية القرن العشرين»"

 "La défense de l’environnement devient le défi le plus important de la fine du XXe Siècle".

 إنه وبالنظر الى أهمية ومكانة هذا الحق الأساسي ضمن منظومة حقوق الإنسان الأخرى وأهمية البيئة كقيمة في حد ذاتها، بات من الضروري المحافظة عليها، واعتبار ذلك مسؤولية الدول كلها فرادى وجماعات لأن خرق هذا الحق وانتهاكاه يمثل خطورة تنعكس على كافة الدول وتشكل تهديدا للمجتمع الدولي بأسره. ( حسام محمود لطفي، 1992، صفحة 1و ما بعدها)

   وأبلغ تعبير عن الحاجة إلى التعاون في سبيل حماية البيئة تلك الرسالة التي وجهها 2200ما لم من علماء الطبيعة في 11ماي 1971إلى السكرتير العام للأمم المتحدة عن وحدة البيئة وضرورة التعاون بين بني البشر لإنقاذها من الدمار الذي يلحقها، حيث دقت هذه النخبة الممتازة من العلماء أجراس الخطر، وحذرت الشعوب والأفراد والدول من خطورة الأزمة التي تتعرض لها البيئة، الأمر الذي استلزم تجنيد الجهود الوطنية والدولية في هذا المجال.

   في هذا السياق، ويمكننا إجمال أهم الأسباب التي توجب اتخاذ كل الاجراءات الوطنية عبر وطنية في مجال التعاون الدولي لحماية البيئة من خلال النقاط التالية:

أولا: أسباب جغرافية وطبيعية

   معلوم أن بيئة الإنسان من الناحية الجغرافية والطبيعية تكون وحدة واحدة لا تتجزأ، حيث ترتبط عناصرها ببعضها وتتفاعل فيما بينها، فمثلا طبقات الهواء فوق إقليم دولة معينة، تصبح بعد أيام أو شهور الغلاف الجوي لدولة أخرى أو عدة دول، كذلك المياه الإقليمية والحيوانات البرية والبحرية. (رتيب عبد الحافظ، 2008، صفحة ص.33)

   وعلى ذلك فإن الأضرار التي تلحق بالبيئة لا تحصرها حدود جغرافية، حيث أكدت الدراسات البيئية أن مشاكل البيئة إضافة إلى تفاقمها فإنها أنها مشكلات لا تعرف حدود، ولا يقتصر الطابع الدولي لمشاكل البيئة أنها تتجاوز الحدود المكانية والجغرافية للدول، ولكنه يمتد ليشمل أيضا الإجراءات الرامية إلى مكافحة هذه المشاكل، فالتضامن والتعاون الدوليين من التوجهات التي تفرض نفسها في مجال مكافحة مشاكل إفساد البيئة بصفة عامة.

   ثم إن عناصر النظام البيئي تتفاعل فيما بينها، ويؤثر كل عنصر في باقي العناصر الأخرى، فتلوث الهواء يسوق إلى تلوث مياه الأمطار والتي تؤدي إلى تلوث الأنهار، الذي بدوره يؤديالى تلوث المساحات الخضراء ...إلخ (رتيب عبد الحافظ، 2008، صفحة ص.36)، بمعنى أن كوكب الأرض وحدة واحدة، فقد جاء مؤتمر استوكهولم تحت شعار: «only one earth»، وقد أكد في جلسة الإفتتاح السكرتير العام "موريس استرونج" هذا المعنى بقوله: «لقد أتينا جميعًا اليوم لتؤكد مسؤوليتنا المشتركة تجاه مشاكل البيئة الأرضية التي نتقاسمها جميعًا». (رتيب عبد الحافظ، 2008)

ثانيا: أسباب اقتصادية

   سبق وأن رأينا العلاقة التي تربط البيئة بالتنمية الاقتصادية حيث أنه من العوامل الرئيسية في تدهور البيئة هي الاستغلال غير الرشيد وغير العقلاني للموارد الطبيعية، فالتوسع في مجال الصناعة يؤدي إلى زيادة معدلات التلوث وتخلف نفايات ونواتج ضارة بالبيئة، كما أن التوسع في مجال التنمية الزراعية يؤدي حتما إلى استغلال كميات كبيرة من المياه والمسممات الحشرية والمخصبات، ويترتب على تزايد حركة النقل والمواصلات آثار بيئية خطيرة من تلوث وضوضاء، وتظهر هذه الآثار بشكل جلي في الدول النامية التي تسعى لتحقيق معدلات نمو عالية لأجل أن تلحق بركب الدول المتقدمة.

   إن أهم الأسباب الاقتصادية التي تدعو إلى التعاون الدولي في سبيل حماية البيئة تتمثل في:

1: التأثير على حركة الإستثمارات الدولية

   حيث تؤثر التشريعات القانونية الداخلية على نطاق الاستثمارات الأجنبية تأثيرًا واسعًا، فيزيد الاستثمار كلما كانت التشريعات الداخلية أقل صرامة، والعكس صحيح، حيث يقل حجم الاستثمارات كلما كانت التشريعات البيئية الوطنية متشددة وصارمة.

وقد شهدت سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية تحول بعض رؤوس الأموال إلى الدول النامية لتوظيفها في مشروعات استثمارية، وذلك لتفادي الضرائب الباهضة وتكاليف حماية البيئة في موطنها الأصلي، فإذا قررت دولة ما، "مثلا" اتخاذ إجراءات حازمة لحماية البيئة فإن الاستثمارات يمكن أن تتحول إلى الدول التي تضعف أو تنعدم فيها اعتبارات المحافظة على البيئة.

2: التأثير على توطن الصناعات الملوثة

   يلاحظ أن المشاكل البيئية برزت مع مفهوم النمو الاقتصادي  وعصر الصناعة، التي أخلت بالكثير من الأنظمة البيئية السائدة، وامتدت آثارها الى مختلف مجالات الحياة البشرية مادية وصحية ونفسية واجتماعية، وتجدر الاشارة إلى أنه قد اشتد الصراع بين قضايا البيئة والتنمية حيث يرى جانب من الاقتصاديين التعارض الواضح بين واجبات حماية البيئة ومقتضيات تحقيق التنمية ويرحبون بمزيد من التلوث البيئي طالما كان مصاحبا للنمو الصناعي والاقتصادي عموما، حيث ان الاتفاق على حماية البيئة من شانه أن يؤدي الى التضحية ببعض الأهداف الاقتصادية ويزيد من معدلات البطالة وارتفاع تكاليف انتاج السلع والخدمات بسبب ادماج تكاليف حماية البيئة، ثم ان بعض الدول النامية لا زالت لديها طاقة استيعاب تمكنها من تحمل الاثار السلبية مثل استيعاب الملوثات الصناعية والبيولوجية، أما الفريق الثاني فيرى أن التكلفة القومية لحماية البيئة تؤدي الى تلافي تكاليف اكثر خطورة مثل ضياع الموارد الأولية وموارد الطاقة من ملوثات غازية أو سائلة أو صلبة أو حرارية ومثل ارتفاع تكاليف استخدام عناصر البيئة الطبيعية او انخفاض انتاجية الانظمة والموارد الطبيعية كالزراعة  ( التنمية و البيئة، 1992، صفحة ص.4)، والخطأ ليس في التصنيع والتقدم التكنولوجي وإنما في سياسة التصنيع، فبعض الدول المتقدمة صناعيا مثل دول أوروبا الغربية تفرض العديد من القواعد والمستويات البيئية على الصناعات الخطرة لحماية صحة العمال، والجمهور والبيئة مما يؤثر سلبا على عائدات هذه الصناعات مقارنة مع تلك الصناعات التي تمارس نشاطها في دول لا تلتزم بنفس القواعد الصارمة، فتضطر هذه الأخيرة إلى هجرة موظفها الأصلي والاستقرار والتوطن في دول أخرى لا تفرض مثل هذه المعايير البيئية. (رتيب عبد الحافظ، 2008، صفحة 38)

   والأكثر من ذلك، بعض الشركات متعددة الجنسيات تطبق معايير مزدوجة في ممارستها لأنشطتها الصناعية، فهي عندما تمارس نشاطا في الدول المتقدمة تطبق معايير حازمة، بينما في الدول النامية لا تطبق قواعد الأمان على فروعها الموجودة بهذه الدول، اعتمادًا على قلة الوعي العام بمخاطر تلك الصناعات، ونتيجة لذلك حدثت كوارث أبرزها حادث مصنع "بهوبال" بالهند عام 1984، نتيجة تسرب غاز الهيثيل ايزد سياتيت من مصنع تتخذ كيمياويات تابع لشركة "يونيون كاربيد" الأمريكية، التي تتخذ في ذلك المصنع نفس إجراءات الحماية والأمان التي تطبقها على فروع الشركة في الو.م.أ مما أدى إلى وفاة حوالي 3000شخص وإصابة 200.000آخرين.

3: التأثير على حركة التبادل التجاري

إن وضع مجموعة من التدابير والإجراءات والمعايير البيئية من قبل الدول المتقدمة، قد يؤثر بشكل سلبي وعلى نحو بالغ التعقيد والدقة على اقتصاديات الدول النامية مثل خطر أو تقييد استيراد بعض المواد الأولية من الدول النامية لاعتبارات بيئية، وبعضها مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا تفرض قيودًا على استيراد بعض المواد والسلع إلا إذا كانت متفقة مع تشريعاتها الداخلية المتعلقة بحماية البيئة. (مخيمر عبد الهادي، 1986، صفحة 43)

ثالثا: أسباب خاصة بالحفاظ على التراث المشترك للإنسانية

   ظهرت دعوة مؤداها خضوع مناطق معينة مثل أعالي البحار والمناطق القطبية وغيرها من المناطق الدولية لرقابة الأمم المتحدة، حيث تصبح تحت ولايتها وتخضع لاختصاصها بوصفها تراثا إنسانيًا مشتركًا. (العنابي، 1973، صفحة 143)

1- مضمون فكرة التراث المشترك للإنسانية وأصلها التاريخي

   يرى الأستاذ «Ch. Kiss» أن فكرة التراث المشترك للجنس البشري ظهرت في نهاية 1960، حيث تم الاعتراف بأن هناك مصالح للجنس البشري يمكن أن تكون محققه في مجالات محددة مثل الموارد المعدنية لقاع البحار العميقة، والقمر والأجرام السماوية والتراث الطبيعي والثقافي العالمي (kiss, 1983, p. 183).

وينحصر مضمون هذه الفكرة في أن موارد الطبيعة ذات الطابع العام أو المشترك هي ملك مشترك لكافة الشعوب دون تفرقة، لهذه الأخيرة كل الحقوق على تلك الموارد والثروات على قدم المساواة وفي حدود إمكانياتها الفنية والمادية، بحيث لا يجوز لوحدة أو جماعة اقليمية او دولة ان تدعي السيادة على جزء منها وتحرم غيرها من الانتفاع بها.

   ومفهوم الحماية لا ينسحب فقط على حماية العناصر الطبيعية لهذه المناطق بل يشمل أيضا الكائنات الحية التي تعيش في هذه المناطق سواء كانت برية أو بحرية (رتيب عبد الحافظ، 2008، صفحة 48).

   وقد بدأت هذه الفكرة في التوسع، فمثلا تحدثت اليونسكو عن الممتلكات الثقافية والطبيعية التي تمثل بالنسبة لكل الشعوب أهمية خاصة نظرًا لكونها أصلية ووحيدة، باعتبارها تراثا مشتركا للإنسانية، وقد تكون هذه واقعة تحت سيادة دولة أو دول مختلفة، أو خاصة (مملوكة للأفراد) ومع ذلك تعد محاطة بنوع من النظام الدولي باعتبارها تتعلق في مجموعها بالإنسانية وتعتمد على فكرة مصالح الإنسانية جمعاء والمشاركة العادلة في الفوائد والإدارة المشتركة الدولية.

2- الطبيعة القانونية لفكرة التراث المشترك للإنسانية

   تعد هذه الفكرة غير واضحة نوعًا ما ومبهمة، وقد وردت بشأن طبيعتها عدة آراء فقهية نستعرض أهمها:

أ- بالنسبة للفقه الغربي

   ذهب الفقيه « Kent » إلى اعتبار سلامة البيئة من عناصر التراث المشترك للإنسانية حيث تمثل تراصا للأجيال القادمة، إضافة إلى الأجيال الحاضرة مما يستلزم حمايتها من الاستنفاذ والتلوث، وانتهى إلى اعتبارها من حقوق الملكية القديمة الفوضوية (عابدين، 1986)، لكن هذا المفهوم ضيق اقتصر على الموارد الطبيعية الشائعة الملكية.

                   أما « Christol » فقد توسع في مفهوم هذا الأخير وفي تطبيقاته المختلفة، (أعماق البحار، الفضاء الخارجي، القطب الجنوبي، القمر) وأقر مصطلح المال المشترك ورفض فكرة المال المباح والسيادة العامة بل وعارض فكرة الملكية الخاصة.

ب- بالنسبة للفقه العربي

   يرى د/ طلعت الغنيمي أن هذا المفهوم لا يسعى إلى تقسيم الثروات بين الدول وإنما في تنمية هذه الثروات أولا، الأمر الذي يتطلب إدارة اقتصادية رشيدة تهتم بمستوى الدول النامية، مما يفيد أن هذه الفكرة تعني حق الأجيال القادمة أيضا في المحافظة على هذا التراث، وهناك اتجاه آخر يرى أن مفهوم التراث المشترك للإنسانية جاء تعبيرا عن المصلحة الجماعية للدول في تلك المرحلة من مراحل تطور المجتمع الدولي، إلا أنها لا تزال محدودة التطبيق بالنسبة للدول ككل، إن هذا المفهوم الضيق لم يعد قاصرًا على المناطق التي تعتبر مالاً شائعًا أو على استثمار الموارد والثروات الطبيعية وبذلك مصلحة للدول فقط بل انتقل من مصلحة الدول إلى حق الأجيال الحالية والمستقبلة، وبذلك برز مبدأ مراعاة حقوق الأجيال في استخدام الموارد والثروات.

   ويقول في هذا الشأن «ليديث براون وايس» مشيرا إلى بيان الالتزامات الأخلاقية والقانونية للجيل الحالي الأجيال المقبلة، «تبدأ بافتراض أن أفراد الجنس البشري يملكون البيئة الطبيعية والثقافية للأرض بالإشتراك مع غيرهم من أعضاء الجيل الحالي والأجيال الأخرى السابقة واللاحقة» وكل جيل يعدُّ أمينا على كوكب الأرض للأجيال المقبلة ومستفيدًا من وكالة الأجيال السابقة له».

   وقد عرف هذا المبدأ تأكيدًا في عدة اتفاقيات دولية، واعتبره الفقه الدولي مما يرى إلى مرتبه القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، فمن أول الاتفاقيات التي عبرت عنه اتفاقية الفضاء الخارجي لعام 1966، الخاصة بالمبادئ التي تحكم وتضبط ممارسات الدول في استخدام الفضاء الخارجي، اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، واتفاقية اليونسكو حول حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي لعام 1972، واتفاقية بازل سنة 1979الخاصة بالنفايات الخطرة. (رتيب عبد الحافظ، 2008، الصفحات 46-48)

المطلب الثاني

المبادئ الأساسية المؤطرة لمقاربة جديدة في مجال الحماية الدولية للحق في البيئة

يرى بعض الفقهاء أنه توجد ثلاث مفاهيم أساسية لبناء عالم أكثر إنصافا بيئيا يسعى الى تفعيل حماية الحق في البيئة يبلورها التعاون الدولي في مجال البيئة ، وهي (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 161):

-المصلحة الجماعية البشرية

-الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة (الاستدامة البيئية والانصاف بين الأجيال أو ما يسمى بالعدالة البيئية الجيلية)

-تعزيز القانون الدولي البيئي

الفرع الأول

المصلحة الجماعية للبشرية

   لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية طبقا للنظرية الواقعية، حيث أصبح التنظيم الدولي خلال العقود الماضية القريبة يضم دولا ومنظمات ما بين الحكومة وتنظيمات غير منتمية إلى الدولة، وبذلك أصبح للأفراد والشعوب مركز ومحور رئيسي في مجال حقوق الإنسان، مما أدى ذلك إلى الابتعاد شيئا فشيئا عن مصالح الدول إلى مفهوم المصالح المشتركة.

أولا: من المصلحة القومية إلى المصلحة المشتركة (عولمة التفكير البيئي)

   يرى (Hey) أن معيار المصلحة المشتركة معيار يبحث عن تنظيم هؤلاء الفاعلين جميعًا أو مصالح الجماعة الدولية ككل (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة نفسها)، واعتمادًا على هذه الفكرة، يمكن القول أن الحكومة التمثيلية تظل دون جدوى إذا كانت المشكلات البيئية ذات الطابع الدولي وغير القابل للحصر في مجال أو إقليم معين، وما يترتب عن ذلك من عدم إمكانية تجزئة المشاكل الإيكولوجية وعدم القدرة على توقعها وصعوبة تصنيفها، فالأمر يحتم عدم حصر هذه المشاكل في التلوث فقط، وإنما تمتد لأبعد من ذلك من تغير مناخي وفقدان التنوع البيولوجي واستنزاف الموارد الطبيعية....الخ (Bourg & Kerry, 2010, pp. 10-18)

   من الناحية النظرية، تتحدث اتفاقيات دولية بيئية متعددة عن المصلحة العامة المشتركة، منها مثلا: الاتفاقية الإفريقية لصيانة الطبيعة والموارد الطبيعية (1968)، واتفاقية واشنطن حول التجارة الدولية في الأصناف المهددة بالانقراض (1973)، واتفاقية بون (1979) حول الطيور المهاجرة، واتفاقية اليونسكو (1972)، إلاّ أن هذه الاتفاقيات حملت صبغة أخلاقية أكثر منها قانونية، فهي لا تعدو أن تؤكد أن تمثيل المصلحة العامة الإنسانية الحالية والمستقبلية يقتضي حماية المواقع المهمة والأنواع المهددة بالانقراض، وعلى الدول واجب ضمان ذلك.

كما تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة لأجل  جعل هذه الهيئة منظمة ريادية في مجال البيئة العالمية من أجل تثمين وتنسيق النشاطات البيئية في إطار منظمة الأمم المتحدة، والذي جاء ليؤكد فكرة المصلحة المشتركة، ولتحقيق هذا الهدف يقوم برنامج الأمم المتحدة بالوظائف والمسؤوليات التالية: (عبد الرحمن الحديثي، 2010، الصفحات 111-112)

-النهوض بالتعاون الدولي في ميدان البيئة والتوصية بالسياسات التي تتبع لهذا الغرض، بحسب الاقتضاء.

-توفير إرشادات السياسات العامة من أجل توجيه وتنسيق البرامج البيئية داخل منظومة الأمم المتحدة.

-تلقي واستعراض التقارير الدورية للمدير التنفيذي بشأن تنفيذ البرامج البيئية داخل منظومة الأمم المتحدة.

-تلقي واستعراض التقارير الدورية للمدير التنفيذي بشأن تنفيذ البرامج البيئية داخل منظومة الأمم المتحدة.

-إبقاء حالة البيئة العالمية قيد الاستعراض من أجل كفالة أن تحظى المشاكل البيئية البازغة ذات الأهمية الدولية الواسعة بالاهتمام الملائم والوافي من الحكومات.

- مساعدة الدول النامية في إعداد سياسات بيئية وطنية: وذلك من خلال توفير المعلومات الضرورية لفهم الظواهر الايكولوجية، وتقويم مخاطر التلوث، وسبل مكافحتها، وفي هذا الصدد تمكن البرنامج من مساعدة أكثر من 100دولة نامية ودول الخليج في اعداد تشريعات وإنشاء هياكل مؤسساتية تعمل على إدماج العوامل البيئية في الأنظمة والأنشطة القطاعية.

كما أدمجت فكرة المصلحة المشتركة في إعلان ريو لعام 1992، واتفاقية باريس حول مكافحة التصحر لعام (1994). إذن يمكن القول أن هذه الفكرة من شأنها أن تؤثر في السياسات البيئية الدولية ذات الطابع والمضمون الكوني، مما قد يحدّ من سيطرة أعمال الشركات متعددة الجنسيات على الاقتصاد العالمي، والتي بات يشكل تحالفها الموضوعي مع الدول الكبرى تهديدًا حقيقيا للبيئة خاصة مع انطلاق مسار مناطق التبادل الحر (FTZ) والذي يسعى إلى تجاوز الأزمات المالية من دون اعتبار لتأثيراتها في الإنسان والطبيعة (شكراني، نحو حوكمة بيئية عالمية، 2014، صفحة 35).

ثانيا: التنظيمات الدولية والمصلحة الجماعية

   لقد ساهمت تنظيمات دولية متعددة على رأسها منظمة الأمم المتحدة، خاصة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والبنوك الإقليمية كالبنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الإفريقي للتنمية، والبنك الأسيوي للتنمية، والبنك ما بين الأمريكيين للتنمية في دعم جهود الحكامة البيئية الدولية (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 162)، إلاّ أنه في غياب الاستقلال الذاتي لهذه التنظيمات التي باتت تخدم النظام الليبرالي العالمي ومؤسساته المالية والنقدية، حتى الأمم المتحدة التي لم تستطيع بناء مقاربة لفرض الأجندة الأممية، لا يمكن لهذه المؤسسات أن تنجح مقاربات الدفاع عن المصلحة الجماعية، مما يتطلب تجاوز ازدواجية المعايير البيئية بهدف حماية الإنسان والطبيعة.

   إذن يتعين تعزيز مشاركة المجتمع المدني الوطني إلى جانب المجتمع المدني العالمي مع الحكومات لتعزيز حماية فعالة للبيئة والارتقاء بالحق الأساسي البيئي، ليس هذا فقط بل من أجل تجاوز مخاطر السياسات البيئية العالمية التي تهدف أساسًا إلى مزيد من الانفتاح الاقتصادي واقصاء الجنوب من المشاركة في مسار اتخاذ القرار البيئي العالمي، والأكثر من ذلك تمكين هذه التنظيمات من لعب أدوار جديدة، ومساءلة حكوماتها عن فشل السياسات البيئية وتقييم جداولها ومدى نجاعتها مع اقتراح البدائل والفرص المتاحة في ظل السياقات المختلفة.

الفرع الثاني

حقوق الأجيال القادمة (الاستدامة والانصاف)

تظهر قيمة هذا العنصر في الفرعين التاليين:

أولا: خلفيات ظهور مفهومي الانصاف والاستدامة في مجال البيئة

1-مفهوم الانصاف بين الأجيال

اعتبرت براون أن مفهوم الانصاف بين الاجيال يستدعي النظر الى الجماعة الانسانية كشريك لكل الأجيال المتعاقبة، أما نظرية الانصاف بين الأجيال تجد مصدرها في القانون الدولي، وديباجة الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1945، حيث تم الاعتراف بتوريث أو انتقال الكرامة والحق في المساواة والحق في الاسرة الانسانية كدعامة اساسية لارساء العدالة والسلم في العالم (شكراني، مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية، صفحة 119).

    وقد وردت أولى الإشارات لمفهوم الانصاف وحقوق الاجيال القادمة في مؤتمر استوكهولم لعام 1972، والذي يقضي بواجب حماية وتحسين البيئة للأجيال الحالية والمقبلة، وواجب الحفاظ عليها لصالح الجيل الحاضر والأجيال المقبلة، وضرورة استخدام الثروات الطبيعية والمتجددة بشكل يمنع نفاذها وتدهورها، أو يؤدي إلى قلتها  بالنسبة للأجيال القادمة، مع الحفاظ على رصيد ثابت بطريقة فعالة أو غير متناقص من الموارد الطبيعية، وبالتحديد الموارد المتجددة مثل التربة والكتلة الحيوية وغيرها، وفي نفس الوقت ينبغي للسياسات البيئية لجميع الدول أن تعزز القدرة الإنمائية في الحاضر والمستقبل للبلدان النامية (أحمد ابراهيم، السنة الثامنة، صفحة 352).

   أما عن إعلان ريو لعام (1992) فقد طور مفهوم الأجيال القادمة إذْ ربطه بمجال التنمية بقوله: «يجب إنجاز الحق في التنمية بطريقة تضمن الإنصاف للأجيال الحالية والمقبلة في قضايا الحاجات التنموية والبيئية».

   إن تمكين الأجيال القادمة من التمتع بحقوقها البيئية ليس أمرًا هينًا، فالخلافات تبرز بين الجيل نفسه، أو ما بين الأجيال، وقد تكون المصالح متناقصة باستمرار، ولكن يتعين الأخذ في الاعتبار أهم مبادئ الانصاف والاستدامة التي يمكن اجمالها حسب الباحثة "براون" فيما يلي:

أ‌-خيارات الحفاظ: يعني مفهوم خيارات الحفاظصيانة قاعدة تنوّع الموارد الطبيعية والثقافية، ولكلّ جيل الحقّ في التّنوع مقارنة بما أتيح للأجيالالماضية. وهذا لا يعني الحفاظ على الوضع القائم للموارد الطبيعية والثقافية؛ بل يمكنُ أن تُصاحبعملية الحفاظ على قاعدة تنوّع الموارد عملية تطوير التكنولوجيات الجديدة التي تخلقُ البدائل من أجل ضمان استدامة الموارد الموجودة، أو أن يتمّ استغلالها بنجاعة أكبر (شكراني، مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية، صفحة 121).

ب‌-الحفاظ على نوعية الكون: أي على كل جيل أن يصُون نوعية الكون بحيث يسلّمه بصورة ليست أسوأ من الحالة التي تسلّمها من الأجيال الماضية، وأن يمنح نوعية ذات طابع كوني مقارنة بما تمتعت به الأجيال الماضية،  وهذا لا يعني أنه لا يمكنُ إحداث تغييرات في البيئة  الطبيعية، فحماية البيئة تتطلّبُ مساراً متوازناً ووضع قيود على الاستعمال من أجل ضمان هذا التّوازن (Brown Weiss, April 1987, p. 130).

ت‌-الحفاظ على حرية ولوج الميراث: بمعنى يتعين علىالجيل الحالي أن يُوفّر لأفراده حقوقاً مُتساوية منأجل وُلوج الميراث الذي تمتّعت به الأجيال السّابقة،وصيانة حقّ الولوج للأجيال المقبلة ، بعبارة أخرى، لهؤلاء حقّ ولوج واستغلال الموارد من أجل تنمية الرّفاه السوسيو اقتصادي شريطة احترامواجباتهم الانصافية تُجاه الأجيال المقبلة، ولا يجوزوضع مُعوّقات أمام الآخرين بشأن حقّ الولوج (شكراني، مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية، صفحة 121).

وقد حَدّدت الباحثة براون أهم الضوابط المؤطّرة لمفهوم الإنصاف ما بين الأجيال، وهي:

- أن تشجّعَ المبادئ على المُسَاواة بين الأمم، وصيانة الموارد للأجيال المقبلة.

- لا يمكنُ لهذه المبادئ أن تطلُب من جيل معيّن الارتهان لقيم الأجيال المقبلة.

- أن تكونَ المبادئ واضحة ومعقولة عندما تتناول أوضاعاً في المستقبل.

- أن تكونَ هذه المبادئ مقبولة من مختلف الثقافات، ومن الأنظمة الاقتصادية والسياسية.

2-مفهوم الاستدامة البيئية

إن مفهوم الانصاف لا ينفك عن مفهوم الاستدامة البيئية والتي تعني تحقيق نوعية حياة الانسان واستغلال الموارد الطبيعية بطريقة عقلانية ومحاولة ابقائها لمدة زمنية بعيدة، والحفاظ عليها لأجل ضمان متطلبات الأجيال القادمة تطبيقا لمبدأ العدالة والانصاف بين الاجيال،  ولأجل تحقيق ذلك من الضروري رفع مستوى الوعي العالمي وترشيد الادارة السياسية على أعلى مستوى بضرورة التعاون ودراسة قضايا التنمية دون اغفال الاطار البيئي ( ذياب عساف و خالد شهاب، 2016، صفحة 12).

و من بين العناصر التي أضافها (بول دي باكر ) Paul de Backer (وزميله تريي فانسان) Vincent   Thierryإلى مفهوم الاستدامة، بحث وتطبيق وتمويل الاستجابة للمشكلات التي طُرحت في الماضي، على أساس ألا تؤدي الإجراءات الحالية إلى مشكلات يستعصي حلها في المستقبل، وقد دمج الباحثان الأبعاد الأربعة التي أغفلها تقرير "برانتلاند"، أي: البعد الزمني والمالي والتكنولوجي والأيديولوجي في التحليل. (De Backer, 2005)

إن ضرورة الاهتمام بمفهوم الاستدامة البيئية يظهر من خلال حجم النتائج المتحصل عليها في بعض الإحصائيات والتقارير للأضرار المترتبة على الموارد الطبيعية خلال الفترات الماضية، والأضرار المتوقع التوصل إليها مع استمرار الظروف الموضوعية الحالية، ومن أبرز الأمثلة تقرير التنمية البشرية لسنة 2011حول توقعات حجم الأضرار البيئية وآثارها بالنسبة لتقرير التنمية لسنة 2050إن شاء الله، إذ يفترض أن تتسبب بضياع معظم المكاسب التي حققها العالم خلال القرن المنصرم، ويسوق في ذلك مقارنة بين سنتي (1980-1985) حيث كان عدد الكوارث الطبيعية 134حالة، بينما بلغ عددها خلال سنتي (2004-2009) 357حالة، ورغم أنه لا يقر بأن السبب في هذه الزيادة راجع للإضرار بالبيئة بمعناه الواسع، فإنه يتوقع أن يكون السبب هو ظاهرة الاحتباس الحراري التي تحدث نتيجة التلوث الصناعي بالدرجة الأولى (التنمية البشرية، 2011، صفحة 32و مابعدها).

ثانيا: مقتضيات تحقيق الانصاف بين الأجيال والاستدامة البيئية والصعوبات المطروحة

تطرح فكرة العدالة البيئية بين الاجيال أو فكرة الانصاف والاستدامة البيئية مجموعة من التطبيقات، نجاول فيما يلي الاشارة اليها مع توضيح أهم العراقيل التي تقف في وجه هذا التجسيد.

1- مقتضيات الانصاف والاستدامة البيئية

تظهر فكرة الانصاف البيئي بين الاجيال في:

أ-مشكلات التغير المناخي

تعتبر التغيرات المناخية حسب الباحثة الأمريكية براون احدى المقتضيات العملية لتجسيد مفهوم الانصاف الجيلني، حيث انها بطبيعتها تطرح اشكالات عدة تستوجب  اتخاذ اجراءات للتخفيف من تأثيرات التغيرات المناخية والتقليص من أضرارها المباشرة الى الحد الأدنى وذلك بتوفير الوسائل والمواد الأساسية للاجيال المقبلة من أجل التكيف مع التغيرات المناخية (شكراني، مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية، صفحة 128)ومواجهة أثارها المباشرة وغير المباشرة، صحيح أن البعض سيستفيدُ من التّغيرات المُناخية في مناطق معينة، لكن سيعاني الجميع من عدم القُدرة على التّكيف السّريع مع تغير المُناخ. ومن أجل تطبيق استراتيجية تدبير التّغيرات المناخية الشّمولية، يتوجّب تطوير معايير واجبة التّطبيق على الصعيد الدولي والوطني والمحلي.

ب-نفعية اسس الانصاف بين الاجيال:

يذكر بعض الباحثين نفعية بعض الاتفاقيات الدولية  المجسدة جزئيا لمفهوم الانصاف الجيلني في سياق حماية البيئة، كاتفاقية فيينا حول حماية ثقب الاورزون لسنة 1985، والاتفاقية الاطارية للتنوع البيولوجي 1992، واعلان ريو لعام 1992، وبروتوكول كيوتو لعام 1997، واعلان اليونيسكو في شأن مسؤوليات الاجيال الحضارة اتجاه الاجيال المقبلة لسنة 1997، وتقرير مجلس الامن للامم المتحدة رقم 7/23، في شأن حقوق الانسان والاحتباس الحراري لعام 2008. (شكراني، مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيلية).

و لكن من الناحية العلمية، ، وفي نطاق الحاجة إلى ضرورة اعمال توازن أفضل بين العلم والسياسة يرى لورانس سسكند (Lawrence E, 1994, pp. 63-64)،  أن مراجعة أغلب الاتفاقيات الدولية – التي تمّ التفاوض بشأنها منذ مؤتمر استوكهولم بشأن البيئة البشرية في 1972تُبين أن البراهين العلمية قامت بدور محدود في تحديد الموضوع والبحث عن الحقائق وتعزيز النظام بل ثمة أسباب عدة لضعف تأثير نتائج الأبحاث العلمية عما يؤمن به الناس، منها أن التفاوض بشأن المعاهدات البيئية يتناول قضايا تعقيدية وتكون متداخلة أحياناً ولها تفسيرات محدودة.

وتوجد فئات من أصحاب المصالح الخاصة مستعدة دائماً للتّشكيك في الأدلّة العلمية غير اليقينية، وعندما يعترفُ العلماء بوجود هذه الشّكوك يسيطرُ الفاعلون السياسيون على صنع القرار؛ ويوجد في الجماعة العلمية خبراء يفضّلون المواجهة (خاصة النقاشات التي ترفعهم إلى دائرة الاهتمامات) وما يُؤسف له أن الإعلام والرأي العام عندما يفشلان في فهم الخلافات الداخلية بين الخبراء "لا يرغبان" في التّقدم حتى تتضح "الحقيقة كاملة"، لذلك يتم التخلي عن الحقائق المتوافرة والمُتاحة لنا.

ج-نحو إعلان عالمي للحقوق البيئية الكونية

بمعنى يتعين البحث في امكانية وضع اعلان عالمي للحقوق الكونية للأجيال الحاضرة والمقبلة بقصد وضع مبادئ الانصاف والعدالة بين الأجيال، وارساء مفاهيم جدية في سياق هذا الموضوع، مثل العمل على استدامة انظمة تعزيز حياة الكوكب، والعمل على استدامة المسارات البيئية الضرورية لبقاء الجنس البشري، والعمل على استدامة الصحة والبيئة السليمة من خلال تهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وارساء اسس المسؤولية والامانة دوليا ووطنيا.

و لكن يُحتّم وضع  الميثاق أو الاعلان  البيئي العالمي المقترح على القادة السياسيين الاعتماد على الخرباء لإنجاز التقارير اللازمة والتّوصل إلى ميثاق يجمعُ بين أفكار كل الأطراف المتحاورة في المفاوضات الكونية، لأن المسألة ترتبط أساساً بحياة البشرية أو موتها،  أما فئة السياسيين فهي تُعبرّ أساساً عن مطالب ومصالح فئات محدودة ولمُدَد محدودة، لذلك تفتقدُ بُعد النّظر في أحيان كثيرة (شكراني، نحو حوكمة بيئية عالمية، 2014، صفحة 46).

2- صعوبات تتعلق بمفهوم الأجيال القادمة

يثير مفهوم الأجيال القادمة صعوبات قانونية متعددة، تظهر في النقاط التالية:

·  إن أغلب التعاريف التي تشير إلى الأجيال المقبلة وضرورة توفير الحاجيات الضرورية، انطلاقا من عنصر الاستدامة ليس فقط على مستوى الدولة منفردة ولكن على مستوى الكرة الأرضية بمجملها يثير صعوبة تتعلق بانعدام إجماع بين الدول حول كيفية تحقيق ذلك، لأن التعاريف لم تتطرق إلى الإطار الاستراتيجي الذي يسمح لدول العالم بالقيام بتحقيق الاستدامة. (العايب، 2011، صفحة 3)

·   أن مفهوم الأجيال القادمة غير محدّدا حيث لا توجد أجيال متمايزة. (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 164)

·   من يمثل الأجيال القادمة، وهل هي شخص من أشخاص القانون الدولي كالدول والمؤسسات الدولية؟

·   أن مضمون الحقوق الإنسانية والحقوق الكونية غير محددة بدقة.

·   أن مسألة حماية ونقل الموارد الحالية إلى الاجيال القادمة تستلزم احداث مؤسسات وإجراءات وهيئات لضمان هذه الحماية.

و تجدر الإشارة والتأكيد على أن هذه الحقوق تسمى بحقوق التضامن والتي تتميز في مجموعها بالاعتماد المتبادل إضافة إلى اعتبار الحق في البيئة حق زمني مستديم والاستدامة عبارة عن نسيج يجب أن يلف جميع أوجه الحياة، ويرتب علينا تحديات لتطبيق المصفوفات الجديدة والحلول المناسبة في قراراتنا اليومية، وتترجم الاستدامة إلى خيارات وكل خيار له "تكلفة حقيقية" وهي عبارة عن مجموع التكاليف  البيئية والاجتماعية والاقتصادية مقابل المنافع العائدة من كل خيار (العايب، 2011، صفحة 29)، ما يفيد أن التفريط في حقوق الأجيال القادمة هو إعاقة للتنمية المستدامة وأضرار بالسياسات البيئية العالمية المتوازنة والمتكافئة.

   من جهة أخرى، ولمدة تزيد على عقد من الزمن، أيد «أناند وامارتياس» العمل الموجه نحو تحقيق الاستدامة دون إهمال مفهوم "الانصاف" بقولهما إن الاشتغال بالاستدامة دون النظر في حجم المشكل الناتج عن عدم الانصاف بين أفراد الجيل الواحد، هو انتهاك فظيع لمنظومة الحقوق الأساسية العالمية.

   وبالرجوع إلى تقرير "برانتلاند"، وفي جملة من الإعلانات المتتالية من استوكهولم، إلى جوهانسبورغ، نجد أنه لا زال هناك إهمال واضح حول الحديث عن الإنصاف إلى جانب الاستدامة، حيث يعالج كموضوع مستقل عن الاستدامة، وهو ما يتنافى مع أهمية اهتمام السياسات البيئية العالمية بعلاقات متوازنة بين الأمم والشعوب معًا.

   إلا أنه لأجل بلورة المبادئ التي توجه التفاعل الإنساني نحو الاستدامة والإنصاف بين الأجيال، ركزت «اديث براون»

 (E. Brown) على ثلاثة اعتبارات (Lawrence E, 1994, p. 54):

- يجب تشجيع الإنصاف بين الأجيال، فلا تسمح للجيل الحالي باستغلال الموارد وحرمان الأجيال المقبلة منها، ولا نفرض قيودًا غير معقولة على الجيل الحالي لمجابهة الحاجات المستقبلية غير المحدّدة.

- يجب عدم مطالبة الأجيال التنبؤ بأفضليات الأجيال المقبلة، بل أن نمنح مرونة للأجيال المقبلة لتحقيق غاياتها انسجاماً مع قيمتها.

- يجب الاعتراف باختلاف التقاليد الثقافية وضرورة وجود المبادئ التي تجتذب الجميع.

وتجدر الإشارة إلى أن أبعاد الإنصاف بين الأجيال متعددة منها حماية التراث المشترك للإنسانية، لأنه –كما سبق الإشارة- مفهوم الإنسانية يتعدى الزمان والمكان، فهو لا يتميز بين النشر بسبب أوطانهم أو جنسياتهم ولا ينظر لجيل دون آخر، فكما ينظر إلى الأجيال الحاضرة فهو يتطلع إلى المستقبل، حيث يجب أن تصان وتدار الثروات الموجودة في المنطقة لمصلحة هؤلاء جميعًا.

الفرع الثالث

تعزيز القانون الدولي البيئي لأجل حماية دولية فعالة للحق في البيئة

   يعتبر القانون الدولي للبيئة بمثابة القواعد والمبادئ القانونية الدولية التي تحكم نشاط الدول في مجال المنع والتقليل من المخاطر التي تلحق بالنظام البيئي، كما يتولى تنظيم ومعالجة التغييرات البيئية الحاصلة.

و قد عرف بأنه " مجموعة القواعد القانونية الدولية العرفية والاتفاقية المتفق عليها بين الدول للمحافظة على البيئة من التلوث وهدفه هو منع أو تقليل أو السيطرة على التلوث البيئي عبر الحدود الوطنية مع ايجاد نظام قانوني فعال لاصلاح الأضرار الناجمة عن هذا التلوث" (محمد عبد العال، 2015، صفحة 27).

لقد بدأ القانون الدولي البيئي بالتطور بصعوبة، إلا أن ازدياد الوعي بأهمية الحق في البيئة وحماية البيئة كقيمة في حد ذاتها وموضوعا لحق انساني تضامني كوني ، وحجم المشكلات البيئية بصفة عامة، حيث أخذ طريقه في الجامعات والمعاهد المتخصصة والمراكز الدبلوماسية. (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 166)

إن تعزيز القانون الدولي للبيئة يتطلب منا البحث فيما يلي:

أولا: ضرورة تجاوز المقاربات التقليدية

لقد أرسى إعلان ريو مبادئ بيئية عالمية، ساهمت بشكل واضح في تعزيز القانون الدولي البيئي، كمبدأ الحيطة والمشاركة في اتخاذ القرارات البيئية، والمسؤولية المشتركة والمتباينة والتي يقصد بها مشاركة كل الدول على اختلافها متقدمة كانت أو متخلفة، في التصدي لمشاكل البيئة العالمية، وهذا على حسب ما يتاح لها من امكانيات، بمعنى أن تكون المسؤولية مشتركة لكن بنسب متفاوتة ومتباينة وفقا لإمكانيات كل دولة (شكراني، تسوية المنازعات البيئية وفق القانون الدولي، نوفمبر 2013، صفحة 136)، وعدم جواز الإضرار بالإقليم المتجاور للحدود الوطنية والحق في التنمية، وقد استحدثت مجموعة من الدول لجانا وطنية استشارية للبيئة والتنمية المستدامة.

إلاّ أن بعض الفقهاء يرى بضرورة تجاوز المقاربات التقليدية للقانون الدولي البيئي من أجل فهم الطابع التعقيدي للقضايا البيئية التي تتميز بتأثيراتها وانعكاساتها غير المحدودة مكانًا وزمانًا فهي في الأساس تتميز ب بالتعقيد والعلمية على اساس أن القضايا البيئية قضايا تحمل حقائق علمية معقدة، الامر الذي يحتم الاستعانة بالخبرات والمتخصصين وذوي الكفاءة في مختلف العلوم التي ترتبط ارتباطا وثيقا بعناصر البيئة كالكيمياء والطب وعلو الأرض والأحياء ويتم ذلك من خلال عمليات الرصد وو تحديد المستويات على ضوء القواعد العلمية (زياد هياجنة، صفحة 33)، كما تتميز بالشمولية حيث أن المشاكل البيئية تتميز بالشمولية عابر للأقاليم الوطنية، كما أن أغلب النزاعات البيئية تمتد الى أكثر من دولة، ثم أنها تتميزكذلك بالحركية والديناميكة الأمر الذي يصعب من عملية الرقابة، كماإن الأضرار التي تلحق بالبيئة تأتي من شركات متعددة الجنسيات أكثر من الدول نفسها، الأمر الذي يحتم علينا إعادة النظر في المسؤولية الدولية للدول (شكراني، من مؤتمر استوكهولم الى مؤتمر ريو+20لعام 2012، مدخل الى تقييم السياسات البيئية العالمية، 2013، صفحة 166).

اذن لتجاوز المقاربات التقليدية ولفهم تعقيد القضايا البيئية وشموليتها يتعين الأمر التوجه نحو تبني مقاربات وبراديغمات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المخاطر الشمولية التي تحدق بالدول والحكومات والبشرية جمعاء.

ثانيا: البعد المعياري للقواعد الآمرة

   لم تعد قواعد القانون الدولي تتسم بالمرونة التي كانت عليها في مرحة التكوين (المرحلة الجينية)، بل اكتسبت بعضها صفة القواعد الآمرة، حيث انتقل القانون الدولي البيئي من مرحلة الدراسات إلى مرحلة المعيارية والالزام، بفصل مجموعة من المفاهيم والمبادئ المرساة، مثل مفهوم التنمية المستدامة وواجب الإخطار والتعاون، ومسؤولية الملوث الدافع، ومبدأ الحيطة...إلخ. وذلك في سبيل المحافظة على البيئة و تنميتها المستدامة ، وانطلاقا من أن المصلحة التي يحميها هذا القانون هي مصلحة مشتركة يتعين على مختلف فواعل المجتمع الدولي أن تعمل على حمايتها لصالح الأجيال الحاضرة والمقبلة (مصطفى قاسم، 2012، صفحة 255)، ويتجسد الطابع الالزامي في الجزاء الذي تقره مختلف الاتفاقيات والمعاهدات الدولية البيئية تحت مسمى" المسؤولية الدولية"، والتي تنوعت بفعل تعدد الفاعلين في صياغة القانون البيئي من الدول والمؤسسات الدولية والأفراد والشركات والخبراء والمنظمات غير الحكومية والعلماء...إلخ، لأجل التو صل إلى قانون دولي منصف وتصورات لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ومقاربات هذه الفئات وغيرها في مجالات اليقظة البيئية.

ورغم التطور السريع للقانون الدولي البيئي، إلا أنه بقي في بعض الأحيان نظريا، لذلك فالمطروح هو إحداث هيئات عملية قادرة على فرض نظام عالمي، ويجب أن تتو فر هذه الهيئات على الكفاءات الكافية لمنع أو توقيع الجزاء على الأنشطة المضرة بالبيئة.

ثالثا: انشاء منظمة بيئية عالمية

تأتي فكرة انشاء منظمة بيئية عالمية من منطق تكامل وشمولية القضايا البيئية، تهدف الى تشكيل الجوهر المؤسسي لما يسمى "بالحوكمة البيئية العالمية" ( Voglar, July 2005, p. 835)وسياق تعزيز التعاون الدولي لأجل حماية البيئة، فيتعين تزويدها بجملة من الأنظمة البيئية الدولية مثل أنظمة تغيرات المناخ وأنظمة المحافظة على التنوع البيولوجي.

و قد اقترح بعض المهتمين تحويل برنامج الأمم المتحدة للبيئة ) (UNEP)اليونيب( إلى منظمة عالمية للبيئة، أو تحويل اليونيب، ومؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية  (CNUED)معاً، ٍوقد تعددت الاقتراحات من الفقه المختص كالدعوة إلى إنشاء وكالة بيئية دولية مندمجة في نظام الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن الاقتصادي ESC))، أو منظمة دولية شمولية GEO)) تهتم بالتلوث العابر للحدود وفضّ المنازعات البيئية وتطوير معايير القانون الدولي البيئي، وقد اقترحت النرويج وهولندا إنشاء هيئة تشريعية بيئية عالمية لها سلطة تقرير التّشريعات البيئية الدولية، وفرض العقوبات القانونية على الدول  ( Aggarwal-Khan , 2011, p. 15).

و تجدر الاشارة أن إنشاء المنظمة المُرتقبة ليس هدفاً في حدّ ذاته، بل هو جزء من منظومة قانونية وحقوقية تسعى إلى حماية حقوق الإنسان البيئية للجيلين الحالي والمقبل، وتعزيز العدالة  والانصاف بين الأجيال، فالهدف من التنظيم العالمي هو إعطاء بنية قوية للرهان الإيكولوجي بغية وضع البيئة في موقع من الاهتمام مساوٍ، على الأقل، للقضايا الاقتصادية والمالية الاخرى (Nicolas & Hulot , 2006, pp. 255-257)،. وسيكون هذا التنظيم الدولي هو المُؤهّل الوحيد لما ستتمتعُ به من سلطة ووسائل لتطبيق الاتفاقيات والبروتوكولات، ومن المرجّح أن توازي المنظمة المقترحة المنظمات المتعددة الأطراف التي يهيمن عليها العامل الاقتصادي.

ويجب عدم إغفال دور المنظمات غير الحكومية الدولية في تعزيز آليات المنظمة المقترحة ودعم الشفافية بطرح مبادرات ترومُ تفعيل وتطوير مفهوم استدامة البيئة، وضمان حقوق الأجيال المقبلة والعدالة الجيلية. فاذا عجزت الدو عن اداء عملها من الداخل سيبرز دور المنظمات غير الحكومية ل "ملء الفراغ البيئي"، وستنجحُ حتمًا في تأدية مهامها شريطة التخلص من عدوى البيروقراطية والفساد.

إن حماية البيئة تحتاج الى جهود تعاونية على المسارين الدولي والوطني (الكلي والجزئي)، فنجاح الأنشطة المشتركة يحتاج الى مقاربات قانونية مؤسساتية مفاهيمية لبحث العلاقات البشرية بالنظام الايكولوجي من الأعلى إلى الاسفل (من الدولي الى الوطني)، ومن الأسفل إلى الأعلى (من الوطني الى الدولي)، دون وجود تفاضل بين الاتجاهين. 

الــــخـاتـــمــة

إن التعاون الدولي لحماية الحق افي البيئة نابع من الاهتمام الدولي بحجم المشكلات البيئية ذات الطابع العابر للحدود الاقليمية، والتي أصبح الجميع عرضة لها سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو دولا أو منظمات، ولا تكتمل هذه الحماية ولن تبلغ مقام الفعالية الا إذا تظافرت الجهود الدولية بين كل فواعل المجتمع الدولي من أجل تحديد المخاطر وتقييم الاثار البيئية واتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجتها.

إن المبادئ والاعلانات والتوصيات الصادرة عن المؤتمرات والمنظمات الدولية على اختلاف انواعها هي أعمال لا تتمتع في حد ذاتها بأية قيمة معيارية الزامية من الناحية القانونية فالدول غير ملزمة بها خاصة اذا تعارضت مع مصالحها الخاصة، فإن أي حماية فعالة لحماية البيئة على المستوى الدولي ينبغي أن تأخذ في الاعتبار أولا حقوق الأجيال الحاضرة في الانتفاع من الموارد البيئية دون المساس بحق الأجيال القادمة في الانتفاع من خدمات النظام البيئي كما هي عليه، وذلك في اطار ما يسمى بالتنمية البيئية التي تعتمد على مبدأ الاستدامة البيئية، ومبدأ العدالة والانصاف بين الأجيال، مع ضرورة تعزيز القيمة المعيارية لقواعد القانون الدولي البيئي وتوسيع الفهم الشمولي لقواعده الآمرة بما يرفع من معيارية الحق في البيئة في مواجهة الأنظمة الوطنية، وكذلك في مواجهة  الفواعل الدولاتية  على مستوى المجتمع الدولي وبما يقيم المسؤولية الدولية عن الاضرار بالبيئة في الوقت الحالي وعلى المدى الطويل.

المقترحات

من خلال ما تقدم، وأطار مقاربة جديدة للتعاون الدولي لحماية البيئة كقيمة وكمحل للحق الانساني الجديد يتعين:

·  وجوب وضع وتفعيل اليات التنسيق بين مختلف فواعل المجتمع الدولي بقصد تفعيل التعاون الدولي لمواجهة المخاطر البيئية التي تهدد الارث الانساني المشترك.

·  ضرورة انشاء منظمة بيئية عالمية لمتابعة سياسة حماية البيئة تؤسس لفكرة الاستدامة البيئية.

·  تعزيز نظام المسؤولية الدولية عن الاضرار البيئية بأنواعها وتعدد الفاعلين، مع ضرورة انشاء محكمة دولية ناظرة في القضايا البيئية على أن تحظى بالتأطير والرعاية اللازمة لمواجهة كل متسبب في المساس بالنظام البيئي أفرادا أو جماعات أو منظمات أو شركات أو دولا.  

وضع قوانين وطنية لحماية البيئة بما يتناسق مع الآليات الدولية لحماية البيئة في إطار التعاون الوطني عبر وطني في التفعيل للتمكين من الحق في البيئة

قائمة المصادر والمراجع المعتمدة

أولا: قائمة المصادر المعتمدة

1-القرار (XXXIII) 2398 الصادر عن الجمعية العامة والمتضمن مؤتمر عن البيئة البشرية أو البيئة الإنسانية

2-تقرير التنمية البشرية لعام 2011، البرنامج الإنساني للأمم المتحدة، الفصل الثاني

3-تقرير عن التنمية في العالم " التنمية والبيئة" ، مركز الأهرام للترجمة، القاهرة، 1992

4-تقرير لجنة التنسيق الإدارية لعام 1992 إلى مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP/GC.17/1230 Now, p.14.

5-مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (ريو + 20)، المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، الدورة 130، البند 6-16، م ت 130/36، 19 يناير 2012.

6-قرار الجمعية العامة للأم المتحدة رقم 37/07، قرار الجمعية العامة 37/7 المؤرخ في 28 أكتوبر 1982 (الميثاق العالمي للطبيعة).

7-« The world en vironment 1972-1992, Two decades of challenges » UNEP/GC. 17/ 9P7.

8-Convention for the Protection of Birds Useful to Agriculture, IUCN (ID: TRE-000067), Mar 19, 1902.

ثانيا: قائمة المراجع المعتمدة

باللغة العربية

·الكتب

1-رتيب عبد الحافظ معمر، 2008، القانون الدولي للبيئة وظاهرة التلوث، الكتب القانوني، مصر.

2- زياد هياجنة عبد الناصر، القانون البيئي- النظرية العامة للقانون البيئي مع شرح التشريعات البيئية -، الطبعة الثانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الاردن.

3-عامر صلاح الدين، 1989، القانون الدولي الجديد للبحار، دار النهضة العربية، القاهرة.

4-عبد الرحمان عبد الحديثي صلاح ،2010، النظام القانوني الدولي لحماية البيئة، ط 1، بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية.

5-محمد عبد العال سامي، 2015، البيئة من منظور القانون الدولي الجنائي، د.ط، دار الجامعة الجديدة، الاسكندرية، مصر.

6-مخيمر عبد الهادي عبد العزيز، 1986، دور المنظمات الدولية في حماية البيئة، دار النهضة العربية، القاهرة.

·المقالات العلمية

1-إبراهيم مجيد أحمد، «الطاقات المتجددة ودورها في حماية البيئة لأجل التنمية المستدامة»، مجلة جامعة تكريت للحقوق، السنة (8)، المجلد الرابع، العدد 29.

2- شكراني الحسين، "مقاربة اديث براون ويس في شأن العدالة الجيليةّ"، مجلة دراسات، المستقبل العربي.

3-شكراني الحسين، 2013، "من مؤتمر إستكهولم 1972 إلى مؤتمر ريو+ 20 لعام 2012، مدخل إلى السياسيات البيئية العالمية، مدخل إلى تقييم السياسات البيئية العالمية"، بحوث اقتصادية عربية، العددان 69-64، المغرب.

4-شكراني الحسين، 2013، (تسوية المنازعات البيئية وفق القانون الدولي)، مجلة سياسات عربية، العدد الخامس، نوفمبر.

5-شكراني الحسين، اكتوبر 2014، " نحو حوكمة بيئية عالمية"، مجلة رؤى استراتيجية.

6-العناني ابراهيم، 1973، "النظام القانوني لقاع البحر فيما وراء حدود الولاية الاقليمية"، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 29.

7-مجدوب عبد المؤمن، الامين هماش، جوان ،2016، "مكانة السياسات البيئية ضمن أجندة الأمم المتحدة"، دفاتر الساسة والقانون، العدد 15.

·الرسائل الجامعية

1-أحمد عابدين سامي، 1986، "مبدأ التراث المشترك للإنسانية، (رسالة دكتوراه)، كلية الحقوق، الإسكندرية.

2-الخدري منصف، 2008/2009، "التكنولوجيا وحماية البيئة في تونس"، (مذكرة لنيل شهادة الماجستير في قانون البيئة والتعمير)، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة المنار، تونس.

3-عبد الرحمن العايب، 2010/2011، التحكم في الأداء الشامل للمؤسسة الاقتصادية في الجزائر في ظل تحديات التنمية المستدامة، (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية)، كلية العلوم الاقتصادية والعلوم التجارية وعلوم التسيير، جامعة فرحات عباس، سطيف.

·المؤتمرات العلمية:

1-حسام محمود لطفي محمد، 1992، "المفهوم القانوني للبيئة في مصر"، (بحث مقدم للمؤتمر العلمي الأول للقانونيين المصريين 25-26 فيفري 1992) الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، القاهرة.

·مواقع الانترنت:

1-ذياب عساف نزار، خالد شهاب مهى، واقع التنمية المستدامة ومتطلبات تحقيقها في العراق، جامعة الفلوجة، 2016.

https://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=162025تاريخ الاطلاع، 12/1/2020

-قائمة المراجع المعتمدة باللغة الأجنبية

* les ouvrages

1-Augusto Antonio, Trindade Cançado, 1998, «The Protection of Recent World Conferences of the United Nations to the Relations between Sustainable Development and Economic, Social and Cultural Rights,» dans: Les Hommes et l’Environnement (Paris: Editions Frison-Roche,.

2-Bourg Dominique and Kerry Whiteside, , 2010 ,.vers une démocratie écologique: le citoyen le savant et le politique (Fdition la République des idées and le seuil, Paris.

3-Kiss (A. CH), 1983, the international protection of the environment in the structure and process of international law, Marttinus Nijchoff publisheres, Hague, Boston.

4-Nicolas, Hulot,2006, Pour un pacte écologique, France, Editions Calmann Levy.

5-Paul de Backer, 2005, Les Indicateurs Financiers du Développement Durable, Paris,Editions d’Organisation,

6-PRIEUR M., 2003, Ver un droit de l’environnement renouvelé, Cahiers du conseil constitutionnel,

7-Savds. Ph, 1994,international law in the field of sustainable development, B.Y.I.LXV;

8-Shela Aggarwal-Khan, 2011, The Policy Process in International Environmental Governance, New York, Palgrave Macmillan,.

·Les articles :

1-Edith Brown Weiss, Boisson Laurence de Chazournes, and Nathalie Bernasconi-Osterwalder, 2005, "Fresh Water and international Economics Law" ;Oxford: Oxford University Press,.

2-Quarrie,Joyce, 1992, "The united nations conference of environment", The regency press corporation , Rio de janeiro, London.

3-Lawrence E, Susskind, 1994," Environmental Diplomacy. Negotiating More Effective .Global Agreements", Oxford University Press,.

4-Doumbe - Bille Steph et Alexandre – charles Kiss, 1992, " conference des nations uniec sur l’environnement et le developpement (Rio de janeiro juin 1992", Annuaire Français de drcit international, paris Editions du CNRS ? vol.

5-Weiss Edith Brown, April 1987," Intergenerational Equity in International Law",American Society of International Law, vol. 81.

6-John Voglar, July 2005,"The European Contribution to Global Environmental Governance", International Affairs.

·Les thèses :

1-Aouij Amel Mourad, 2009/2010," Le droit a un environnement sain en Tunisie", (Mémoire pour l'obtention du diplôme en droit de l'environnement et l’urbanisme (, Faculté de droit et des science politiques de Tunis, Université EL MANAR, tunis.


@pour_citer_ce_document

وردة مهني, « التعاون الدولي في مجال حماية الحق في البيئة -نحو تصور حديث لمقاربة الإنصاف الجيلي والاستدامة البيئية-»

[En ligne] ,[#G_TITLE:#langue] ,[#G_TITLE:#langue]
Papier : ص ص 176-193,
Date Publication Sur Papier : 2022-04-29,
Date Pulication Electronique : 2022-04-29,
mis a jour le : 29/04/2022,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=8653.