النظام القانوني لحرية التعبير للأستاذ الباحث في ظل القانون التوجيهي للتعليم العالي The freedom of expression of the researcher teacher in the law of orientation on higher education
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


Issue 03 volume 17-2020


Issue 01 volumes 18-2021


Issue 02 volumes 18-2021


Issue 01 volumes 19-2022


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 19-2022

النظام القانوني لحرية التعبير للأستاذ الباحث في ظل القانون التوجيهي للتعليم العالي

The freedom of expression of the researcher teacher in the law of orientation on higher education
ص ص 166-175
تاريخ الإرسال: 2020-04-13 تاريخ القبول: 2021-10-04

بشير الشريف شمس الدين / سميحة لعقابي
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

يتمتع الأساتذة الباحثون بنظام قانوني أكثر حماية مقارنة ببقية أسلاك الموظفين العموميين، يظهر خاصة على صعيد اتساع حرية التعبير المكفولة لهم عند ممارسة نشاطاتهم التعليمية أو البحثية، حيث يكون لهذه الحرية الأفضلية على واجبي الحياد والتحفظ. تتناول الدراسة النظام القانوني لحرية التعبير المقررة لهذه الفئة المهمة من موظفي الدولة، وذلك وفق مقاربة قانونية تتخذ من التساؤل حول مدى موازنة التنظيم القانوني لهذه الحرية بين متطلبي منح الأستاذ الباحث قدرا واسعا من حرية التعبير، وعدم تعسفه في استعمال هذه الحرية إشكالية لها. وقد خلصت الدراسة إلى تقرير كفاية هذا التنظيم القانوني إلى حد كبير في تحقيق المصالحة بين هذين المتطلبين الأساسيين.

الكلمات المفاتيح

 حرية التعبير، الأستاذ الباحث، البحث العلمي، واجب التحفظ، الموضوعية

Lesenseignants chercheurs bénéficient d'un régime juridique plus protecteur que les autres corps de la fonction publique, notamment en ce qui concerne l'étendue de la liberté d'expression qui leur est garantie lorsqu'ils exercent leurs activités d'enseignement ou de recherche. Cette liberté a la préférence sur les devoirs de neutralité et de réserve.La présente étude traite le régime juridique de la liberté d'expression établi pour cette catégorie de fonctionnaires publics, selon une approche juridique qui prend la question de savoir dans quelle mesure la réglementation juridique de cette liberté parvient à un équilibre entre les exigences d'octroi à l’enseignant chercheur d'une large liberté d'expression et l’usage non abusif de cette liberté de sa part, comme problématique. L'étude a conclu que cette réglementation juridique est suffisante pour parvenir à la conciliation entre ces deux exigences fondamentales.

Mots-clés :Liberté d'expression, enseignant chercheur, recherche scientifique, devoir de réserve, l’objectivité

Researcher teachers benefit from a more protective legal regime than other public service bodies, in particular with regard to the extent of the freedom of expression guaranteed to them when they exercise their activities : teaching or research. This freedom has preference over the duties of neutrality and reserve.This study focuses on the legal regime of freedom of expression established for this category of public officials, according to a legal approach which raises the question of to what extent the legal regulation of this freedom strikes a balance between the requirements of granting to the researcher of a broad freedom of expression and the non-abusive use of this freedom as problematic. The study concluded that this legal regulation is sufficient to achieve reconciliation between these two fundamental requirements.

Keywords:Freedom of expression, researcher teacher, scientific research, duty of reserve, objectivity

Quelques mots à propos de :  بشير الشريف شمس الدين

[1]، جامعة محمد لمين دباغين سطيف 2، chemseddine58@yahoo.com،
[1] المؤلف المراسل

Quelques mots à propos de :  سميحة لعقابي

 جامعة محمد لمين دباغين سطيف 2، slakabi@yahoo.fr

مقدمة

يعتبر مرفق التعليم العالي أحد أهم المرافق العمومية الإستراتيجية في الدولة الحديثة، وذلك بالنظر إلى المهام التي ينهض بها والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها، وهي المساهمة في تنمية البحث العلمي والتكنولوجي، ترقية المستوى العلمي والثقافي للمواطن، تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمة وتكوين مجتمع المعرفة، من خلال النشر الحر، المبدع والنقدي للمعارف. دفعت هذه الأهداف السامية المشرع إلى الاعتراف لمؤسسات التعليم العالي بالاستقلال المالي والتسييري في مواجهة الجهة الإدارية المركزية، من خلال منحها شخصية قانونية منفصلة أو مستقلة.

يشكل الأستاذ الباحث، كونه الجهة المنوطة بنقل العلم وتطويره ونشر المعارف، أحد الفواعل الرئيسية في الجامعة، لذلك لا يمكن للاستقلال الممنوح لهذه المؤسسة تحقيق أهدافه إلاّ إذا تمتع هذا الفاعل بدوره بالاستقلالية عند أدائه لمهامه. تترجم هذه الاستقلالية أساسا في تمتع أساتذة التعليم العالي بنظام قانوني أكثر حمائية لوضعيته الوظيفية، يظهر خاصة على صعيد تمتعه بحرية واسعة في التعبير عن آرائه عند أدائه لمهامه التعليمية أو البحثية، بوصفها أحد المقومات الأساسية لحوكمة الجامعة وانخراطها في بناء مجتمع المعرفة.

تندرج حرية التعبير المعترف بها لأستاذ التعليم العالي ضمن مفهوم الحرية الأكاديمية التي أعطاها المؤسس الدستوري قيمة دستورية تمنحها الحصانة في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء. كرس المشرع الجزائري بدوره هذه الحرية بمقتضى القانون رقم 99-05المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي المعدل والمتمم بمقتضى القانون رقم 08-06، ووضع لها نظاما قانونيا يحدد شروط ممارستها، حيث كفل للأستاذ الباحث حرية واسعة في التعبير عن آرائه تتجاوز واجبي الحياد والتحفظ المفروضين على أعضاء الوظيفة العمومية، كما وضع لها حدودا تهدف إلى

عدم التعسف في استعمالها، وضمانات ترمي إلى حمايتها في حال الاعتداء عليها.  

تتحرى الدراسة تحقيق هدف عام، يتمثل في بحث الضوابط التي أحاطها المشرع بحرية التعبير لأساتذة التعليم العالي بغية تحديد ما إذا كانت تسمح بالمصالحة بين مقتضيات التوسع في ممارستها من الأستاذ الباحث، من جهة، وعدم إساءة استعمالها، من جهة ثانية. وتندرج ضمن هذا الهدف العام، أهداف فرعية يسعى البحث إلى بلوغها، هي:

-  إبراز محتوى حرية التعبير لأساتذة التعليم العالي ومرتبتها ضمن هرم تدرج القواعد المعيارية؛

-  بحث القيود المفروضة على ممارسة الأستاذ الباحث لهذه الحرية؛

- تقدير الآليات الحمائية التي أقرها المشرع لهذه الحرية.

     على ضوء هذه الأهداف، تتمثل إشكالية البحث في التساؤل الآتي: إلى أي مدى يوازن التنظيم القانوني لحرية التعبير بين متطلبي منح الأستاذ الباحث قدرا واسعا من الحرية في التعبير عن أفكاره، وعدم تعسفه في استعمال هذه الحرية؟

للوصول إلى أهداف الدراسة والإجابة عن إشكاليتها، تم استعمال مقاربة ترتكز على الجمع بين المنهج الوصفي، الذي وقع توظيفه عند عرض بعض المفاهيم المضمنة في الدراسة والتي لا تتطلب تحليلا، والمنهج التحليلي عند تحليل النصوص القانونية المرتبطة بالموضوع. هذا بالإضافة إلى أسلوب المقارنة في بعض عناصر الموضوع، للاستئناس بما أقره المشرع والقضاء الفرنسيين.

أخيرا، بالنسبة لعناصر الدراسة، فقد تم هيكلتها وفق الخطة الآتية:

 الفرع الأول: مفهوم حرية التعبير للأستاذ الباحث

أولا- تعريف حرية التعبير للأستاذ الباحث وقيمتها المعيارية

ثانيا- مضمون حرية التعبير للأستاذ الباحث ومبرراتها

الفرع الثاني: حدود حرية التعبير للأستاذ الباحث

أولا- الحدود الخاصة لحرية التعبير للأستاذ الباحث

ثانيا- الحدود العامة لحرية التعبير للأستاذ الباحث

الفرع الثالث: ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث

أولا- ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث في مواجهة الغير

ثانيا- ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث في مواجهة الإدارة

 

الفرع الأول: مفهوم حرية التعبير للأستاذ الباحث

بوصفه موظفا مواطنا un fonctionnaire-citoyen، يستفيد الأستاذ الباحث من الحرية المعترف بها لبقية الموظفين العموميين في التعبير عن آرائهم بمختلف وسائل التعبير المشروعة. غير أن خصوصية الوظيفة التي يشغلها الأستاذ الباحث تبرر إعطاء هذه الحرية مكانة خاصة، تظهر على صعيد رفعة قيمتها المعيارية، من جهة، وسعة مضمونها، من جهة ثانية.

يفرض تحديد مفهوم حرية التعبير المكفولة للأساتذة الباحثين، التطرق إلى تعريف هذه الحرية وقيمتها المعيارية (أولا)، ثم إلى مضمونها ومبرراتها (ثانيا).

أولا- تعريف حرية التعبير للأستاذ الباحث وقيمتها المعيارية

ينصرف مدلول حرية التعبير بصفة عامة إلى الحرية المعترف بها للشخص في التعبير عن آرائه بأية وسيلة مشروعة كالقول أو الفعل أو الكتابة أو الرسم أو التصوير أو غيرها من وسائل التعبير. تكتسي حرية التعبير إذن مظهرا خارجيا يترجم في إظهار الشخص لأفكاره وآرائه سواء كانت ذات طبيعة سياسية أو فلسفية أو ثقافية أو غيرها.

تختلف حرية التعبير بهذا المعنى عن حرية الرأي، من حيث أن الأخيرة تعبّر في الواقع عن الحرية المكفولة للشخص في اعتناق الأفكار والآراء التي يريدها دون تعرضه للإضرار أو التمييز من جراء هذا الاعتقاد الفكري (FOMBEUR, 2001, p. 399).

بإسقاط هذا المدلول على وظيفة التعليم العالي، يمكن القول أن حرية التعبير المقررة لشاغليها، هي الحرية المكفولة للأستاذ الباحث أثناء أداء نشاطاته التعليمية أو البحثية في التعبير عن آرائه وأفكاره مهما كانت طبيعتها (سياسية، ثقافية، ...).

تشكل حرية التعبير لأستاذ التعليم العالي بهذا المعنى جزءا من الحرية الأكاديمية، هذه الأخيرة تعبر عن القدرة المعترف بها للأستاذ الباحث في البحث، التعليم والنشر الحر دون إكراه أو رقابة من الدولة أو من المؤسسة ذاتها أو من أي مصدر خارجي آخر (BENSMAINE-COEFFIER, 2016, p. 238)، بمعنى آخر، تكتسي الحرية الأكاديمية طبيعة مركبة، حيث تتكون من ثلاث حريات هي: حرية البحث، حرية التعليم وحرية التعبير.

تتمتع حرية التعبير للأساتذة الباحثين بقيمة دستورية une valeur constitutionnelle، تنبع من اعتبارها مكونا من مكونات الحرية الأكاديمية، هذه الأخيرة كرسها المؤسس الدستوريس صراحة في المادة 44/4من التعديل الدستوري لسنة 2016(القانون رقم 16-01المؤرخ في 6مارس 2016المتضمن التعديل الدستوري، ج.ر.ج.ج.د.ش، عدد 14المؤرخة في 7مارس 2016) بنصها على أن "الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة وتمارس في إطار القانون" وأعاد التأكيد عليها التعديل الدستوري لسنة 2020(المرسوم الرئاسي رقم 20-442المؤرخ في 30ديسمبر 2020المتعلق بإصدار التعديل الدستوري المصادق عليه في استفتاء أول نوفمبر سنة 2020، ج.ر.ج.ج، العدد 82المؤرخة في 30ديسمبر 2020)في المادة 75/1منه بنصها على أن "الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة".

يبرز من مقاربة مضمون هذين النصين إغفال المادة 75/1من التعديل الدستوري لسنة 2020النص على أن الحرية الأكاديمية تمارس في إطار القانون، وهو إغفال لا أثر قانوني له وليس من شأنه جعل هذه الحرية ذات طبيعة مطلقة تستعصي على التقييد القانوني، وذلك تأسيسا على أن المؤسس الدستوري أورد نصا عاما في هذا التعديل استهل به الفصل المتعلق بالحقوق والحريات (المادة 34)،بمقتضاه أضفى طبيعة نسبية على جميع الحقوق والحريات المضمونة دستوريا، عندما أجاز للمشرع تقييدها شريطة أن يجد هذا التقييد مبرره في اعتبارات ترتبط إما بالحفاظ على النظام العام والأمن أو بحماية الثوابت الوطنية أو  بحماية حقوق وحريات أخرى ذات قيمة دستورية. بمعنى آخر، يغني مضمون نص المادة 34بحكم طبيعته العامة أو المبدئية المؤسس الدستوري عن النص بصدد كل حرية يضمنها على أنها تمارس في إطار القانون، بل إن إيراد مثل هذه العبارة في هذه الحالة يشكل في رأينا تكرارا لا جدوى منه، ينافي مقتضيات انضباط وجمالية الصياغة الدستورية التي تفرض الاقتصاد في المصطلحات والأفكار.    

يترتب على الاعتراف الدستوري بهذه الحرية نتيجتين أساسيتين: تتعلق أولاهما بانعقاد الاختصاص بتقييدها حصرا إلى المشرع، شريطة أن يجد هذا التقييد مبرره كما سبق القول في اعتبارات المحافظة على النظام العام أو في مصالحة ممارستها مع حقوق وحريات أخرى ذات طبيعة دستورية، وألا يؤدي إلى المساس بجوهرها، وذلك تحت طائلة الإدانة بعدم الدستورية من طرف القاضي الدستوري.

بينما تتعلق الثانية باعتبارها حرية أساسية قابلة للدفاع عنها بواسطة قضاء استعجال الحرية le référé-libertéالمنصوص علية في المادة 920من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. 

أما عن السند التشريعي لحرية التعبير للأستاذ الباحث، فقد أقرتها المادة 60/1من القانون رقم 99-05المؤرخ في 4أفريل1999المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي المعدل والمتمم بنصها على أنه: "يتمتع أساتذة التعليم العالي بحرية كاملة في التعبير والإعلام خلال ممارسة نشاطهم التعليمي والبحثي دون الإخلال بالتقاليد الجامعية في مجال التسامح والموضوعية واحترام قواعد الآداب والأخلاقيات".

أمّا بالنسبة للقضاء، فيمكن الاستئناس بما أقره القضاءين الدستوري والإداري في فرنسا نظرا لغياب قرارات قضائية متعلقة بالمسألة في الجزائر. اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي في العديد من قراراته حرية التعبير للأساتذة الباحثين واستقلاليتهم مبادئ ذات قيمة دستوريةdes principes(C., 2010, p. 5)de valeur constitutionnelle، أما فيما يتعلق بالقاضي الإداري، فقد كرس مجلس الدولة الفرنسي كذلك في العديد من قراراته مبدأي حرية التعبير والاستقلالية للأساتذة الباحثين، مرتكزا أحيانا على قضاء المجلس الدستوري الذي اعتبرها مبدأ ذو قيمة دستورية، وأحيانا أخرى على أحكام القانون الصادر في 26جانفي 1984المتعلق بالتعليم العالي.

ثانيا- مضمون حرية التعبير للأستاذ الباحث ومبرراتها

     إذا كان الأصل بالنسبة للموظف العمومي، هو التمتع بحرية تعبير محدودة ومقيدة باحترام واجبي الحياد والتحفظ، وذلك بالنظر إلى كونه مواطنا محكوما بمقتضيات المرفق العمومي الذي يعمل في خدمته، فإن الأصل بالنسبة للأستاذ الباحث هو التمتع بحرية تعبير واسعة، لها الأفضلية على الالتزامات المتعلقة بالحياد والتحفظ.

     لواجب الحياد في نطاق الوظيفة العمومية مظهرين: أولهما إيجابي، ينصرف إلى التزام الموظف أثناء ممارسة مهامه بمعاملة مستعملي المرفق العمومي الذي يعمل فيه دون تمييز مرده إلى الجنس أو العرق أو قناعاتهم السياسية، أي على أساس مبدأ المساواة وعدم التحيزl’égalité et l’impartialitéفي تقديم الخدمة (SALAH, 2003, p. 190). وثانيهما سلبي، ينصرف إلى امتناع الموظف أثناء الخدمة عن إظهار آرائه، إلاّ إذا كان ذلك مما تقتضيه ممارسته لمهامه (CHAPUS, 1995, p. 260)، بمعنى آخر، يشكل الحياد في مظهره السلبي قيدا على حرية التعبير للموظف العمومي.    

     يكتسي الالتزام بالحياد في بعده السلبي شكلا خاصا بالنسبة للأساتذة الباحثين، يضعهم في وضعية استثنائية، تجعل حرية التعبير الممنوحة لهم على قدر كبير من الاتساع، حيث يكون لهم مكنة التعبير عن آرائهم أو أفكارهم بحرية دون إمكانية الاحتجاج في مواجهتهم بهذا الواجب.

     تتعلق هذه الحرية في التعبير من حيث موضوعها بأنشطة التعليم والبحث les activités d’enseignement et de recherche، وهو ما يستشف من نص المادة 60من القانون رقم 99-05، وعليه تجد هذه الحرية حدها الطبيعي عند هذين الموضوعين، فلا يمكن للأستاذ الباحث استغلال حرية التعبير المكفولة له لتحقيق أغراض أخرى كالدعاية السياسية أو الإيديولوجية، حيث حظرت المادة 59/2من القانون ذاته صراحة تحويل التعليم والبحث إلى وسيلة للدعاية، كما فرضت تحييده عن كل هيمنة سياسية أو إيديولوجية.

أما من حيث أدواتها، فتشمل كل أشكال المنشورات التي قد تصدر عن الأستاذ الباحث (كتب، مقالات، مذكرات، ...). يرى الفقيه Vedelفي هذا الإطار، أن المتابعات التأديبية المسجلة في فرنسا كنتيجة لممارسة هذه الحرية قليلة جدا، ما يكشف عن وجود تقليد حقيقي لتسامح جامعي une véritable tradition de tolérance universitaireإزاء هذه الحرية (SAKR, 2008, p. 476).

وبخصوص الالتزام بالتحفظ، فينبغي التمييز بصدده بين الحالة التي يتم فيها التعبير عن الرأي من الأستاذ الباحث داخل الخدمة، أي في إطار ممارسة مهامه التعليمية والبحثية، والحالة التي يقع فيها التعبير خارج هذه المهام. بالنسبة للحالة الأولى، تتقلص دائرة الالتزام بالتحفظ إلى أقصى حدودها، ومن ثم يكون للأستاذ الباحث الحرية الكاملة في التعبير عن آرائه، ولا يحدها إلاّ القيد المتعلق بعدم وقوع هذا التعبير تحت طائلة قانون العقوبات (SAKR, 2008, p. 477).

أما بالنسبة للحالة الثانية، أي عندما يقوم الأستاذ الباحث بالتعبير عن آرائه خارج ممارسة مهامه التعليمية أو البحثية، فيعود للالتزام بالتحفظ كامل قوته التقييدية، وهو ما يستشف من نص المادة 60من القانون رقم 99-05المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي، حيث ربطت تمتع أساتذة التعليم العالي بالحرية الكاملة في التعبير بممارسة نشاطهم التعليمي والبحثي، "يتمتع أساتذة التعليم العالي بحرية كاملة في التعبير والإعلام خلال ممارسة نشاطهم التعليمي والبحثي....".

إجمالا، يمكن القول أن حرية التعبير المكفولة لأستاذ التعليم العالي تمتاز بالاتساع مقارنة بغيره من موظفي الدولة، حيث يكون لها الأولوية على واجبي الحياد والتحفظ، شريطة أن ترتبط هذه الحرية بنشاطاته التعليمية أو البحثية، أما خارج هذه النشاطات فتعود لواجبي الحياد والتحفظ كامل حجيتهما التقييدية.

لا تشكل حرية التعبير الواسعة المعترف بها للأساتذة الباحثين امتيازا لهذه الفئة من موظفي الدولة، حيث لم تتقرر لمصلحتهم الخاصة، بل لمصلحة جودة وحسن سير مرفق التعليم العالي في حد ذاته، ذلك أن وظائف التعليم والبحث لا تسمح فقط، على حد تعبير القاضي الدستوري الفرنسي، بل "تتطلب لمصلحة المرفق، أن تكون حرية التعبير واستقلالية المستخدمين مضمونة" (C., 2010, p. 5).

يجد منح هذا القدر من حرية التعبير لأساتذة التعليم العالي مبرره في اعتبارين أساسيين هما:

- الطبيعة الخاصة لمرفق التعليم العالي، والتي تظهر على صعيد خصوصية موضوعه وأهدافه، حيث يرمي إلى تنمية البحث العلمي والتكنولوجي، اكتساب العلم وتطويره ونشره ونقل المعارف، رفع المستوى العلمي والثقافي والمهني للمواطن (المادة 3من القانون رقم 99/05)، وضمان شروط التطور العلمي الحر والمبدع والنقدي (المادة 4/1من القانون رقم 99/05).  لا شك أن تحقيق هذه الأهداف بكفاءة، يفرض تمتع أستاذ التعليم العالي بحرية واسعة في التعبير عن آرائه المرتبطة بممارسة مهامه التعليمية والبحثية؛

- تضعف أهمية متطلبي الحياد والتحفظ في مرفق التعليم العالي، لأن أعمار الطلبة تسمح لهم في هذا المستوى بامتلاك القدرة على الحكم والنقد، مما يعطي للأستاذ الاستقلالية والحرية في التعبير عن آرائه وأفكاره (SAKR, 2008, p. 475)، طبعا في حدود مراعاة التحفظ المرتبط بضرورة تعلق هذه الآراء بنشاطه التعليمي أو البحثي.

الفرع الثاني: حدود حرية التعبير للأستاذ الباحث

لا يعني اتساع نطاق حرية التعبير المكفولة للأساتذة الباحثين أنها حرية مطلقة، بل تحدها قيود خاصة نصت عليها المادة 60/1من القانون رقم 99-05،هي التسامح والموضوعية، واحترام قواعد الآداب والأخلاقيات (أولا)، وقيود عامة تتعلق بالالتزام بحد أدنى من التحفظ، وبمراعاة واجب الإخلاص للأمة (ثانيا).

أولا- الحدود الخاصة لحرية التعبير للأستاذ الباحث

نصت على هذه الحدود المادة 60/1من القانون رقم 99-05المعدل والمتمم، وهي: التسامح، الموضوعية واحترام قواعد الآداب والأخلاقيات.

1- الالتزام بالتسامح والموضوعية

ينصرف مدلول التسامح la toléranceحسب المعجم الفرنسي La rousseإلى "الموقف الذي يقبل من خلاله شخص ما أنماط تفكير وعيش لدى الآخرين مختلفة عن أنماطه الخاصة"، أو إلى "القدرة على احترام أفكار، عواطف وأنماط تصرف مختلفة عن أنماطنا الخاصة" حسب معجم La Toupie. يرتكز مفهوم التسامح إذن على قبول الآخر، ومن ثم فهو يشكل قيمة أو فضيلة أخلاقية لازمة لقيام المجتمعات الديمقراطية، لأنه يضمن متطلبات التعددية والتعايش في هذه المجتمعات.

بإسقاط هذا المفهوم على حرية التعبير المكفولة لأساتذة التعليم العالي، يمكن القول أن مبدأ التسامح المقيد لها، ينصرف إلى التزام الأستاذ الباحث عند التعبير عن آرائه باحترام مبدأ تعددية الآراء، أي احترام آراء الآخرين حتى لو كانت مختلفة تماما عن آرائه أو قناعاته الخاصة.

تجد حرية التعبير المكفولة للأستاذ الباحث إذن رغم سعتها حدها الطبيعي في مراعاة المتطلب الأخلاقي المتعلق باحترام وتقبل آراء وقناعات الآخرين.

أما الموضوعية l’objectivité، فيقصد بها حسب المعجم القانوني للسيد cornu:" التمثيل الدقيق للواقع المادي أو القانوني، والقدرة على أن تعكس بصدق وفي إدراك ونزاهة، ودون حكم مسبق وتحيز ولا تعسف، الخاصية الأساسية للحكم" (PARIS, p. 4). أما حسب معجم تاريخ وفلسفة العلوم، فيعتبر موضوعيا:

- كل ما هو موجود بصفة مستقلة عن كل معرفة أو فكرة؛

- كل ما هو صحيح لكل العقول وليس فقط لفرد محدد؛

- ما هو مستقل عن الإرادة؛

- عقل من يرى الأشياء كما هي دون السماح لنفسه بالتأثير عليها بواسطة تفضيلاته أو عاداته (PARIS, p. 4).

ترتكز الموضوعية إذن على القدرة على رؤية الأشياء بعين متجردة من كل ذاتية أو تحيز، وعلى تحييد الإرادة والأحكام المسبقة عند الحكم على هذه الأشياء.

وإذا أردنا إسقاط هذا المفهوم على وظيفة التعليم العالي، يمكن القول أن الالتزام بالموضوعية المفروض على الأستاذ الباحث، يقتضي منه أن يتجرد من ذاتيته عند عرضه للآراء المتعلقة بمسألة ما، فلا يتعصب لأحدها كونه يوافق عقيدته الفكرية ويهمل الآراء الأخرى كونها تجانب هذه العقيدة. بمعنى آخر، يفرض هذا المتطلب على الأستاذ الباحث أن يحترم تعدد الآراء عند أدائه لمهامه في التعليم أو البحث، فلا يقبل منها أو يطرح إلاّ ما يراه صحيحا أو خاطئا استنادا إلى حكم موضوعي بعيد عن الذاتية أو التحيز. 

2- الالتزام باحترام قواعد الآداب والأخلاقيات

يعتبر قيدا بديهيا، بموجبه يتعين على الأستاذ الباحث عند أدائه لنشاطاتهه التعليمية أو البحثية أن يحترم الآداب والأخلاق التي استقر المجتمع على قبولها والركون إليها، فيمتنع عليه الإدلاء بآراء ذات طابع تمييزي أو عنصري، أو آراء من شأنها الإخلال بالحياء العام في المجتمع أو إشاعة الكراهية أو التحريض على ارتكاب الجرائم، وغيرها من صور المساس بالنظام العام الأدبي في المجتمع.

أناط المشرع بمقتضى المادة 62من القانون رقم 99-05مهمة حفظ النظام العام داخل الحرم الجامعي برئيس مؤسسة التعليم العالي، هذا الأخير يمكنه بمقتضى صلاحياته الضبطية أن يمنع مثلا نشر بحث أو إلقاء محاضرة على مستوى  المؤسسة إذا كان من شأنها المساس بخطورة بالنظام العام (PLANTEY, 2012, p. 226).

يترتب على خروج الأستاذ الباحث عند التعبير عن آرائه عن هذه المقتضيات الأخلاقية ارتكابه لخطأ تأديبي يضعه تحت طائلة المساءلة التأديبية.

 

 

ثانيا- الحدود العامة لحرية التعبير للأستاذ الباحث

تتقيد ممارسة حرية التعبير لأستاذة التعليم العالي، زيادة على القيود الخاصة التي أقرها المشرع، ببعض المتطلبات العامة ممثلة في الالتزام بحد أدنى من التحفظ ومراعاة واجب الولاء للأمة.

1- الالتزام بحد أدنى من التحفظ

يقصد بواجب التحفظ المفروض على الموظف العمومي، التزام هذا الأخير بالاعتدال والانضباط عند التعبير العلني عن آرائه (SALAH, 2003, p. 219)، حيث يتعين عليه في هذا الإطار أن يسلك سلوك اللياقة والحذر وأن يبتعد عن التجاوز. يهدف هذا الواجب إذن إلى وضع قيود أخلاقية على حرية التعبير المكفولة للموظفين (AUBIN, 2010, p. 379)، حتى لا يساء ممارستها بشكل يمس  بمصداقية الإدارة أو بصورتها لدى جمهور المرتفقين.

ينتج الإخلال بواجب التحفظ سواء من مضمون الآراء المعبر عنها أو من طريقة التعبير عنها من جانب الموظف، بمعنى آخر، لا يعتبر التحفظ مسألة شكلية فقط، بل كذلك موضوعية، حيث يقول السيّد Vincentفي هذا المعنى أن التمييز بين شكل وموضوع التعبير في نطاق هذا الواجب يبدو اصطناعيا تماما (VINCENT, 2001, p. 1153).

تتمتع حرية التعبير المضمونة لأستاذ التعليم العالي بالأفضلية في مواجهة واجب التحفظ، حيث يكون له كامل الحرية في التعبير عن آرائه السياسية أو الفلسفية أو الثقافية عند قيامه بنشاطاته التعليمية أو البحثية. غير أن هذه الأفضلية ليست مطلقة، بل تجد حدها عند عدم وقوع هذا التعبير تحت طائلة قانون العقوبات، كما لو تضمن سبا أو قذفا أو إهانة لجهة ما. بمعنى آخر، تتقلص دائرة واجب التحفظ إذا تعلق الأمر بحرية التعبير لأساتذة التعليم العالي، غير أنها لا تختفي تماما، بل يظل لها حدا أدنى يظهر في عدم ارتكابه لجريمة جزائية من جراء التعبير عن رأيه (SAKR, 2008, p. 477).

2- مراعاة واجب الإخلاص للأمة

يقصد بواجب الإخلاص للأمةla loyauté à l’égard de la nation، التزام الموظف بالامتناع عن إتيان أية أقوال أو أفعال منافية لما هو منتظر منه كعاطفة طبيعية نحو الأمة التي ينتمي إليها (SALAH, 2003, p. 222). يتميز هذا الواجب، من جهة، بكونه التزاما ذا طبيعة أخلاقية بالدرجة الأولى، حيث يترجم فضائل أخلاقية محضة ترتكز على الإخلاص للأمة التي ينتمي إليها الموظف، كما يتميز، من جهة ثانية، بكونه قيدا يرد على حرية التعبير المعترف بها للموظف العمومي.

يشكل واجب الإخلاص للأمة متطلبا عاما، يلتزم بالامتثال إليه كل الموظفين مهما كان موقعهم في السلم الإداري ومهما كانت طبيعة وظائفهم. يجد هذا الواجب مبرره في كون الموظفين يعملون في خدمة الأمة، ومن ثم ينتظر منهم الإخلاص للوطن ولثوابته الدستورية.

يتمتع واجب الإخلاص للأمة بسند دستوري عام، ينتج من إلزام المادة 76/1من التعديل الدستوري لسنة 2016لكل مواطن أن يؤدي واجباته تجاه المجموعة الوطنية بإخلاص، وبديهي أن ينسحب هذا الالتزام على الموظفين كونهم جزء من المواطنين، بل ويقع التشدد إزاءهم في هذا الإطار كونهم يعتبرون بفعل تمثيلهم للدولة والتزامهم بخدمة المصلحة العامة مواطنين من نوع خاص.

أمّا عن أساسه التشريعي، فقد تضمنته المادة 41من الأمر رقم 06-03المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية بنصها على أنه: "يجب على الموظف أن يمارس مهامه بكل أمانة وبدون تحيز". استعملت المادة 41في صياغتها العربية مصطلح "الأمانة"، في حين تضمنت الصياغة الفرنسية للمادة نفسها مصطلح "الإخلاص"la loyauté، أي الوفاء.

يلتزم ألأستاذ الباحث شأنه في ذلك شأن بقية المواطنين وموظفي الدولة بالامتثال لهذا الواجب عند ممارسته لحريته في التعبير، حيث يمتنع عليه المساس بالأمة أو بثوابتها تحت أي ظرف من الظروف وبأي شكل من أشكال التعبير (الأقوال، الأفعال والكتابات)، وذلك تحت طائلة العقوبات التأديبية والجزائية التي قد يتعرض لها.

تطبيقا لذلك، يشكل تعسفا من الأستاذ الباحث في ممارسة حرية التعبير المكفولة له، وإخلالا بواجب الإخلاص للأمة المفروض عليه كل تعبير عن آراء مضادة للوطن قد يقوم به سواء أثناء الخدمة أو خارجها، مثل ازدراء الثوابت الدستورية للأمة.

الفرع الثالث: ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث

لضمان الممارسة الفعلية لحرية التعبير المكفولة للأساتذة الباحثين، وضع المشرع ضمانات لحمايتها سواء في مواجهة الغير، أو في مواجهة الجهة الإدارية التي ينتمي إليها الأستاذ الباحث.

أولا- ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث في مواجهة الغير

تتعلق هذه الصورة من الحماية بتأمين الأستاذ الباحث ضد المسؤولية المدنية التي قد يواجهها في حالة ارتكابه خطأ من جراء ممارسته لحريته في التعبير يسبب ضررا للغير، كما لو صرح في أعماله العلمية أو البحثية بآراء تناقض حقائق تاريخية أو تقدح في شخصيات معينة، حيث يجوز للجمعيات الناشطة في هذا المجال مثلا أو للشخص المضرور مقاضاته للحصول على تعويضات مدنية موجهة لجبر الأضرار المعنوية اللاحقة بهم.   

تشكل هذه الحماية ضمانة عامة، حيث ورد النص عليها في الأمر رقم 06-03المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية، ومن ثم يستفيد منها كل أسلاك الموظفين وليس فقط أساتذة التعليم العالي. تنص المادة 31من الأمر رقم 06-03المشار إليه أعلاه على أنه: "إذا تعرض الموظف لمتابعة من الغير بسبب خطأ في الخدمة، يجب على المؤسسة أو الإدارة العمومية التي ينتمي إليها أن تحميه من العقوبات المدنية التي تسلط عليه، ما لم ينسب إلى هذا الموظف خطأ شخصي يعتبر منفصلا عن المهام الموكلة له".

يبرز من نص المادة 31أعلاه، وجوب توافر شرطين أساسيين لاستفادة الأستاذ الباحث من هذه الحماية هما:

* أن يكون الخطأ المنسوب ارتكابه إلى الأستاذ الباحث قد وقع في الخدمة، أي مرتبطا بممارسته لمهامه التعليمية أو البحثية، حتى يثبت له الحق في الاستفادة من الحماية ضد العقوبات المدنية التي قد تسلط عليه؛

* ألاّ يكون الخطأ المنسوب إلى الأستاذ الباحث منفصلا عن مهامه، حيث يعتبر في هذه الحالة خطأ شخصيا يرتب مسؤوليته الشخصية.

وعليه، إذا تعرض الأستاذ الباحث لمتابعة قضائية من الغير ترمي إلى إدانته بعقوبات مدنية نتيجة لممارسته لحريته في التعبير، وتحقق الشرطين المنصوص عليهما في المادة 31أعلاه، تعين على الجهة الإدارية التي ينتمي إليها (مؤسسة التعليم العالي) أن تتدخل لحمايته من هذه العقوبات، عن طريق استعمال كل الوسائل المناسبة لذلك، أخصها مساعدته ماليا وقانونيا في الدفاع عن نفسه أثناء الدعوى، وتعويضه عن المبالغ المالية التي قد يحكم بها عليه كتعويض لصالح المدعي، فإذا ما رفضت ذلك دون مبرر، كان للأستاذ الحق في اللجوء إلى القاضي الإداري لطلب إلغاء قرار الرفض، كما له مكنة إخطار قاضي الاستعجال لوقف تنفيذه (AUBY, 2009, pp. 395-396).

وينبغي التنويه هنا إلى أن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية لم ينص على حق الموظف في الحماية ضد المتابعات الجزائية التي قد يتعرض لها بسبب الأفعال المرتبطة بمهامه، والأمر ذاتهبالنسبة للقانون الأساسي الخاص بالأستاذ الباحث، حيث خلا كذلك من هذا الحكم بالنسبة للأستاذ الباحث.

نرى أن هذا الفراغ التشريعي غير مبرر، وليس من شأنه سوى إضعاف الحماية التي يستفيد منها الأستاذ الباحث عند ممارسته لحرية التعبير المكفولة له قانونا عند أداء نشاطاته التعليمية أو البحثية، لاسيما وأن هذه الأخيرة غالبا ما تثير متابعات جزائية تأخذ خاصة صورة الاتهام بالقذف.

وعليه، نقترح لتعزيز هذه الحماية، أن يتم تخصيص النص عليها في القانون الأساسي الخاص بالأستاذ الباحث تأكيدا على أهميتها، من جهة، كما نقترح، من جهة ثانية، أن يتم توسيعها لتطال المتابعات الجزائية التي قد يتعرض لها الأستاذ الباحث من جراء ممارسة حرية التعبير المكفولة له بمقتضى القانون عند ممارسته لمهامه التعليمية أو البحثية، وذلك على غرار ما كرسه المشرع الفرنسي مثلا، حيث نص في القانون رقم 83-634المؤرخ في 13جويلية1983والمتضمن حقوق والتزامات الموظفين على ضمان الحماية للموظف من المتابعات الجزائية التي قد يتعرض لها بسبب أفعال مرتبطة بمهامه (المادة 11الفقرة 3من القانون رقم 83-634المذكور أعلاه).

ثانيا- ضمانات حماية حرية التعبير للأستاذ الباحث في مواجهة الإدارة

تثبت هذه الحماية للأستاذ الباحث في الفرضية التي يتعرض فيها إلى تدابير إدارية من الإدارة التي ينتمي إليها (مؤسسة التعليم العالي) ضارة بوضعيته القانونية من جراء ممارسته لحريته في التعبير، كأن تقدم مثلا على توقيع عقوبات تأديبية عليه. يحق للأستاذ في هذه الحالة الطعن أمام القاضي الإداري ضد هذه التدابير أو القرارات طلبا لإلغائها، من جهة، وللتعويض عن الأضرار التي لحقته من جرائها، من جهة ثانية

وبالإضافة إلى هذه الطعون القضائية الموضوعية، يحق للأستاذ الباحث كذلك إخطار قاضي الاستعجال الإداري لتوفير حماية سريعة لحريته في التعبير، وذلك سواء وفق قضاء وقف التنفيذ أو قضاء الاستعجال في مادة الحرية.

* قضاء استعجال وقف التنفيذ le référé-suspension

نص عليه المشرع في المادة 919من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وهو قضاء عام un référé de droit commun، يجوز بمقتضاه للأستاذ الباحث اللجوء إلى قاضي الاستعجال الإداري لالتماس وقف تنفيذ القرار الإداري الذي مس بحريته في التعبير، وذلك إلى غاية الفصل في الدعوى الموضوعية الرامية إلى إلغائه.

وقد قيد المشرع اقتضاء هذه الحماية الاستعجالية بضرورة توافر شرطين موضوعيين هما: وجود حالة استعجالية تبرر طلب الوقف، وقيام شك جدي لدى قاضي الاستعجال حول مشروعية القرار المطلوب وقف تنفيذه. فإذا تحقق هذين الشرطين، جاز لقاضي الاستعجال الأمر بوقف تنفيذ هذا القرار إلى غاية الفصل في دعوى الإلغاء المرفوعة بشأنه.

تظهر أهمية هذا القضاء، من حيث أن يسمح للمدعي (الأستاذ الباحث) بتوفير حماية سريعة لحريته من جهة، كما يحد من قدرة الجهة الإدارية على الإقدام على التنفيذ المادي للقرار قبل الفصل في الدعوى الموضوعية المرفوعة بشأنه، من جهة ثانية.

* قضاء الاستعجال في مادة الحرية le référé-liberté

هو قضاء خاص un référé spécifique، حيث لا يجوز تفعيله إلاّ لحماية حرية موصوفة بالأساسية، نص عليه المشرع في المادة 920من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، يجوز بمقتضاه للمدعي (الأستاذ الباحث) إخطار قاضي الاستعجال الإداري لحماية حريته في التعبير إلى غاية الفصل في الدعوى الموضوعية الرامية إلى إلغاء القرار الماس بها.

وخلافا لقضاء وقف التنفيذ، قيدت المادة 920من قانون الإجراءات المدنية والإدارية اقتضاء هذه الصورة من الحماية بضرورة توافر شروط مشددة، هي:

- أن تكون الحرية المطلوب حمايتها موصوفة بالأساسية، وهو ما ينطبق على حرية التعبير لأستاذ التعليم العالي، كونها مضمونة، كما سبق القول، بمقتضى نص دستوري؛

- أن يكون الانتهاك الواقع على هذه الحرية موصوفا بالخطورة وعدم المشروعية الواضحة؛

- أن يكون القرار الذي انتهك هذه الحرية مما يدخل في نطاق السلطات المخولة للجهة الإدارية، لأنه في الحالة العكسية يصبح تعديا une voie de fait، ومن ثم يختص به قاضي الاستعجال وفق أحكام نظرية التعدي المنصوص عليها في المادة 921/2من قانون الإجراءات المدنية والإدارية وليس وفق قضاء استعجال الحرية.

تظهر أهمية هذا القضاء من حيث أنه يسمح للمدعي بالحصول على حماية فائقة السرعة لحريته في التعبير، حيث أوجب المشرع على قاضي الاستعجال في هذه الحالة أن يفصل في الطلب خلال أجل ثمان وأربعين (48) ساعة من تقديمه.

خاتمـة

أعطى المشرع للأساتذة الباحثين حرية واسعة في التعبير مقارنة ببقية أسلاك الموظفين العموميين مبررة بخصوصية المهمة والأهداف المنوطة بمرفق التعليم العالي، حيث وبوصفه مرفقا لنشر العلم والمعرفة في المجتمع وترقية المستوى العلمي والثقافي للمواطن، يفترض تمتع كوادره البشرية، ممثلة خاصة في الأساتذة بقدر واسع من الحرية في التعبير عن آرائهم عند ممارسة مهامهم التعليمية أو البحثية.

شيد المشرع الجزائري نظاما قانونيا متوازنا لحرية التعبير المكفولة للأستاذ الباحث، يقوم، من جهة، على توسيع دائرة ممارسة هذه الحرية من طرف الأستاذ مقارنة بباقي موظفي الدولة، ومن جهة ثانية، على عدم إطلاق ممارستها دون حدود أو قيود. من شأن هذا المنهج التشريعي تحقيق المصالحة بين متطلبي تمكين الأستاذ الباحث من الممارسة الفعلية لحرية التعبير المضمونة له وعدم إساءة استخدامها للإضرار بالحقوق والحريات المعترف بها للآخرين.

تم من خلال هذه الدراسة الركون إلى جملة من النتائج والاقتراحات، نوجزها فيما يلي:

 

 

* النتائج

- منح المشرع لأساتذة التعليم العالي حرية تعبير واسعة لها الأفضلية على واجبي الحياد والتحفظ الذين يخضع لهما موظفي الدولة؛

- ينحصر نطاق حرية التعبير الواسعة المكفولة قانونا لأساتذة التعليم العالي بممارستهم لنشاطاتهم التعليمية والبحثية فقط، أما خارجها فيعود لواجب التحفظ كل قوته التقييدية لهذه الحرية؛

- رفع المشرع الحرية الأكاديمية، التي تشكل حرية التعبير جزءا منها، إلى مصاف المبادئ الدستورية، وذلك تأكيدا على أهميتها وسمو قيمتها؛

- لا تكتسي حرية التعبير المكفولة لأساتذة التعليم العالي طبيعة مطلقة، بل تحدها قيود ترمي لمصالحة ممارستها مع متطلبات حسن سير المرفق العمومي للتعليم العالي. ترتد هذه الحدود إلى قيود خاصة تتمثل في مراعاة مقتضيات التسامح، الموضوعية والآداب والأخلاقيات، وقيود عامة تتمثل في الالتزام بحد أدنى من واجب التحفظ، ومراعاة واجب الولاء للأمة؛

- ضيق المشرع من نطاق الحماية المقررة للأستاذ الباحث في مواجهة الغير عند التعبير عن آرائه، حيث حصرها فقط في الحماية ضد المتابعات المدنية التي قد يتعرض لها دون الحماية من المتابعات الجزائية؛

- يشكل قضاء الاستعجال في مادة الحرية آلية في غاية الأهمية لحماية حرية التعبير المكفولة قانونا لأساتذة التعليم العالي، لما يتيحه من سرعة في التدخل.

* الاقتراحات

لضمان حماية فعالة للأستاذ الباحث عند ممارسته لحرية التعبير المكفولة له قانونا، نقترح:

-  تخصيص النص على هذه الحماية في القانون الأساسي الخاص بالأستاذ الباحث تأكيدا على أهميتها؛

-  توسيع هذه الحماية لتطال المتابعات الجزائية التي قد يتعرض لها الأستاذ الباحث من جراء ممارسة حرية التعبير المكفولة له بمقتضى القانون. 

قائمة المصادر والمراجع

أولا: باللغة العربية

* النصوص الرسمية

1-  دستور الجمهورية الجزائرية لسنة 1996المعدل والمتمم.

2- القانون رقم 99-05المؤرخ في 4أفريل 1999المتضمن القانون التوجيهي للتعليم العالي (ج.ر.ج.ج.د.ش، العدد 24المؤرخة في 7أبريل 1999).

3- الأمر رقم 06-03المؤرخ في 15يوليو 2006المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية (ج.ر.ج.ج.د.ش، العدد 46المؤرخة في 2006).

4- القانون رقم 08-09المؤرخ في 25فبراير 2008المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية، (ج.رج.ج.د.ش، عدد 21المؤرخة في 23أفريل 2008).

5- القانون رقم 16-01المؤرخ في 6مارس 2016المتضمن التعديل الدستوري، (ج.رج.ج..د.ش، عدد 14المؤرخة في 7مارس 2016).

6- المرسوم الرئاسي رقم 20-442المؤرخ في 30ديسمبر 2020المتعلق بإصدار التعديل الدستوري المصادق عليه في استفتاء أول نوفمبر سنة 2020، (ج.ر.ج.ج، العدد 82المؤرخة في 30ديسمبر 2020).

7- المرسوم التنفيذي قم 08-130المؤرخ في 3مايو 2008المتضمن القانون الأساسي الخاص بالأستاذ الباحث (ج.ر.ج.ج.د.ش، العدد 23المؤرخة في 4مايو 2008).

ثانيا: باللغة الأجنبية:

*OUVRAGES:

-1PLANTEY Alain et PLANTEY Marie-Cécile, 2012, La fonction publique, 3éd., Lexis Nexix, Paris.

2- AUBIN Emmanuel, 2010, Droit de la fonction publique, 4èmeéd., Gualino éditeur, Paris.

3- AUBY Jean-Marie et autres, 2009, Droit de la fonction publique, 6éd., Dalloz, Paris.

4- VINCENT J.-Y. et autres, 2001, Droit public général, 5éd., Lexis Nexis, paris.

5- CHAPUS René, 1995, Droit administratif général, Tome 2, 8éd., Montchrestien, Paris.

6- BEN SALAH Tabrizi, 2003, Droit de la fonction publique, 2éd., Armand Colin, Paris.

* THESES:

1- SAKR Haitham, 2008, « les droits et libertés du fonctionnaire dans les jurisprudences du conseil d’Etat libanais et du conseil d’Etat français », Thèse de Doctorat, faculté de droit et des sciences sociales, Université de Poitiers, France.

2- BENSMAINE-COEFFIER Sophie,2016,« Le principe d’autonomie des universités françaises », Thèse de Doctorat, Université Grenoble Alpes.

* ARTICLES:

1-C. M. Jean. et autres, 2010, «Commentaire de la décision n° 2010-20/21QPC – 6août 2010 », Les Cahiers du Conseil constitutionnel, n° 30.

2- FOMBEUR Pascal, mars-avril 2001, « concl. sur CE, set., 28février 2001, Casanova », R.F.D.A, , n° 2.


                                                                                                  

@pour_citer_ce_document

بشير الشريف شمس الدين / سميحة لعقابي, «النظام القانوني لحرية التعبير للأستاذ الباحث في ظل القانون التوجيهي للتعليم العالي »

[En ligne] ,[#G_TITLE:#langue] ,[#G_TITLE:#langue]
Papier : ص ص 166-175,
Date Publication Sur Papier : 2022-04-29,
Date Pulication Electronique : 2022-04-29,
mis a jour le : 29/04/2022,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=8639.