الحضور الأشعري زمن دولة المرابطين (448-541هـ /1056-1147م) قراءة في المواقف والتطورEl Ashaari Attendees in the time of Almoravids (448-541 h) (1056-1147 AC) Reading in attitudes and development.
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 17-2020

الحضور الأشعري زمن دولة المرابطين (448-541هـ /1056-1147م) قراءة في المواقف والتطور

El Ashaari Attendees in the time of Almoravids (448-541 h) (1056-1147 AC) Reading in attitudes and development.
ص ص 65-81
تاريخ الإرسال: 2017-06-28 تاريخ القبول: 12-04-2020

عبد الغني حروز
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

إن المذهب العقدي والفقهي الذي كان سائدا بشكل رسمي في زمن المرابطين ، هو مذهب الإمام مالك-  أهل التسليم والتفويض-  الذي كان له أقطاب يدافعون عنه –الفقهاء على وجه الخصوص-، وممثلون يبسطون مبادئه ومحتوياته؛ ولكن على الرغم من ذلك فقد عرفت هذه الفترة تمثيلا قليلا لأفكار الأشاعرة، حيث انحصر علم الكلام الأشعري وأصبح له ممثلين قلائل، بالمقابل برز علم الكلام السني وازدهر  الفقه الاستدلالي ومن أعلام هذا التوجه ابن رشد الجد (ت520هـ)،كما شهدت هذه الفترة سيطرة كاملة للفقهاء على جميع مناحي الحياة ، وأصدروا قرارات خطيرة على المستوى الديني- حادثة إحراق كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي- التي انعكست نتائجها على المستوى السياسي؛ حيث استغل ابن تومرت هذه الحادثة وانطلق من خلالها ومن خلال اقتصار أفكار هؤلاء الفقهاء على فروع الفقه المالكي ليحارب السلطة المرابطية

الكلمات المفاتيح

 الحضور، الأشعري، دولة المرابطين، المواقف، التطور

Le DOGME qui prévalait à l’époque dans les contextes de sa spiritualité et liturgie à l’époque, qui était reconnu officiellement durant l’ère des MOURABITINES était bien le DOGME de l’IMAM MALEK. Les populations l’avaient adopté tout en lui étant réceptifs et passifs également. Il avait également des pôles qui le défendaient, les THEOLOGIENS en l’occurrence et les disciples prêcheurs qui présentaient ses principes, valeurs et contenus d’une manière facile à sa compréhension. Or malgré cela, cette période avait connu une faible présentation du développement de l’idéal d’EL ACH’ARI, du fait que la science du terme (langage) se limita à quelque représentant peu nombreux.  Par contre sorti vainqueur la science du terme sunnite qui vit l’épanouissement de la science des données. Parmi les hommes qui divulguèrent cette nouvelle science d’orientation IBN ROCHD (El Djed), décédé en l’an 520 de l’hégire. Cette période avait également connue la suprématie de ces hommes sur l’ensemble des modes de vie. Ils avaient pris des décisions dangereuses dans le domaine spirituel. On assista même à la mise au bûcher du livre « la renaissance des sciences religieuses » de l’IMAM EL GHAZALI, dont les résultats de cet acte eurent des répercussions sur le déroulement politique     IBN TOUMERT tira avantage de cet acte, considérant que les théologiens Malékites étaient limités dans leurs idéaux, et ce afin de s’attaquer au pouvoir des MOURABITINES.

Mots-clés : Fréquentation, EL ACH’ARI, l’ETAT des MOURABITINES, Postes, Évolution

 The doctrinal and the doctrinal doctrine which was prevalent and official in the time of Al-moravids is a doctrine of El Imam Malek and the people of delivery delegation which had poles, they defend it- Jurists in particular, the representatives simplified its principals and contents, yet I knew that this period El Ashaari had little representatives. On the other hand, emerged El-sunna and flourished, and the most famous representatives of Sunna are, Ibn El-Rushd the grandfather (520). This period also witnessed full control of the scholars to all the sites of life, they issued dangerous decision in religion- The incident of the burning of the book6 Reviving the science of religion to El Imam El Ghazali whose results were reflected on the political level, Ibn Tomart used this incident to go thoroughly through the ideas of these Jurists to limit the branches of El- Maliki and fight El-Moravids authority

Keywords: Attendees , El-Ashaari , El-Moravids state , attitudes ,  Development

Quelques mots à propos de :  عبد الغني حروز

جامعة محمد بوضياف المسيلةharouz28@gmail.com

مقدمة

عرفت بلاد المغرب الإسلامي مع منتصف القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي بداية تحول تاريخي كبير، أدى إلى تغيير في وجه التاريخ في المنطقة ككل، هذا التحول التاريخي قامت به قبائل من صنهاجة اللثام بإنشائهم دولة المرابطين.

وقد شكلت دولة المرابطين في المغرب الإسلامي مثالا ناجحا في التصدي للخطر النصراني المحدق بالمسلمين بالأندلس، ضاربة بذلك مثلا في أن جذوة الجهاد لن تنطفئ طالما توفرت الإرادة والعزم لدى القادة والجند .كما نجحوا في حفظه من التفكك الداخلي عن طريق إقرار سياسة إدارية وقضائية دقيقة، إلا إن الوحدة الدائمة والاستقرار الحقيقي يجب أن تتوفر له شروط أخرى وذلك ما أدركه المرابطون، فصاروا من أجل هذه الغاية يدعمون أعمال الفقهاء الرامية إلى محاربة كل ما هو خارج عن المذهب المالكي- مذهب الدولة الرسمي- بما في ذلك المذهب الأشعري ، حيث أن هذه الدولة الفتية طالما تجرعت المر من دعوة الموحدين الناشئة التي استهلها "المهدي" بن تومرت بالمناظرات- وفق العقيدة الأشعرية - مع الفقهاء واختتمها بالاقتتال والذي ازداد شراسة واتساعا في عهد عبد المؤمن بن علي الكومي الندرومي.

يعالج هذا البحث إشكالية تتعلق بجدلية التزمين والمواقف اتجاه المذهب الأشعري خلال العهد المرابطي ببلاد المغرب ويمكن صياغتها في تساؤلات فرعية كالأتي: ما موقف فقهاء المرابطين من تسرب ودخول الفكر الأشعري؟ وكيف كان رد فعل السلطة المرابطية من المذهب الأشعري؟ وهل عرف المذهب الأشعري تطورا في هذه الفترة؟

  1- الوضع المذهبي في بداية العصر المرابطي

    لم تعرف بلاد المغرب تنوعا مذهبيا في الفكر العقدي والشرعي مثل التنوع الذي شهده المشرق، فهذه الأرض لم تكن ولودا للمذاهب، ولا منشطة لما يتساقط من المشرق، عزوفا في كلّ ذلك عماّ ينشأ من كثرة المذاهب من اللجاجة والصخب (1) ورغم ولوج أفكــار بعض الفرق إلى بلاد المغرب، ممثلة في كل من الشيعة والمعتزلة وحتى المرجئة وغيرها، إلا أن هذه المذاهب لم يكن لها تأثير يذكر في عقيدة عامّة الأمّة، وسرعان ما آل أمرها إلى الزوال.(2)

    وما تلقّاه المغرب بالقبول وظلّ به شاملا وراسخا على الأيّام إنما هو مذهب السلف في العقيدة، ومذهب مالك في الفقه. وقد أدّى افتقاد حركة الحوار التي يُحدثها تكاثر المذاهب واحتكاكها ببعضها إلى التشبث المفرط بهذين المذهبين والانغلاق عليهما ورفض ما سواهما حتى في نطاق مذاهب أهل السنة نفسها.

   ولما استولى المرابطون(3) على المغرب، وكان المؤسّس الروحي لدولتهم كما رأيناه فقيها مالكيا، ازدادت تلك البنية الثقافية توطّدا بما أصبح لها من السند السّياسي، وأصبح كافة الناس يحملون على السلفية في العقيدة والمالكية في الفقه بتوجيه من الفقهاء الذين كانت لهم السلطة في تقرير النمط الثقافي الذي ينبغي أن يسود.

   وقد أدّى الانغلاق على الفقه المالكي إلى إيثار كتب الفروع المؤلفة في المذهب بعد الإمام  مالك، والاكتفاء بها عن أصولها من آثار مالك نفسه بل الرجوع إلى أصولها من نصوص القرآن والحديث، فساد بذلك واستحكم منهج في الفكر الشرعي يقوم على التقليد باعتماد الأقوال والتفريعات التي أثرت عن أتباع مالك وخاصّة منهم ابن القاسم، وإهمال النظر في الأصول النصية لاستنباط أحكام مناسبة للنوازل المستجدّة، وقد صوّر المراكشي هذا الوضع خير تصوير في قوله: « ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من عِلم الفروع أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمان يعتني بها كلّ الاعتناء ».(4)

    وكما كان هذا المنهج الفروعي حائلا دون الاعتناء بالأصول النصية فقد كان حائلا أيضا دون الاعتناء بالعلوم التي من شأنها أن تربّي الملكة الفقهية المتحرّرة مثل علوم أصول الفقه، وعلم الخلافيات القائم على المقارنة بين المذاهب، بل كانت هذه العلوم تلقى المعارضة الشديدة من قبل سياسة المرابطين الثقافية، فقد ذكر أن أبا الفضل بن النحوي (تـ 513 هـ /1119) لمّا دخل سجلماسة انتصب لتدريس علم أصول الفقه، فمرّ به أحد رؤساء البلد فقال: ما العلم الذي يقرئه هذا؟ فأخبر، فقال: هذا يريد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها، وأمر بإخراجه. (5)

  ولم يكن الفكر العقدي في العهد المرابطي أكثر انفتاحا من الفكر الشرعي بل كان متأثرا به في الاكتفاء بالصور التي أثرت عن السّلف إمرارا للنصوص على ظواهرها على نحو ما قرّره مالك بن أنس في قوله: « الاستواء معلوم ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»(6)، ورفضا لكلّ تأويل أو استدلال عقلي على حقائق العقيدة، ولذلك كانت المقاومة شديدة لعلم الكلام وأهله وهو ما صوّره المرّاكشي في قوله: « ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كلّ من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام، وقرّر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شيء منه، وأنه بدعة في الدّين، وربما أدّى أكثره إلى اختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتّى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كلّ وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شيء منه، وتوعّد من وجد عنده شيء من كتبه ».(7)

    وفي غياب الفكر العقدي الموصّل لمسائل العقيدة، الجامع بين ما يبدو في ظاهره متنافرا من الآيات، المفسّر لما ورد من الصفات الخبرية، ربّما تكون قد نمت بعض الأفهام العقدية في اتجاه التجسيم والتشبيه خاصّة بين أولئك البدو الذين لم يحظوا بثقافة دينية متينة، وهو ما أشار إليه ابن حوقل في وصفه لأهل السوس إذ يقول: « والمالكيون من فظاظ الحشوية »(8) ، وإذا كان وصف أهل المغرب والمرابطين خاصّة بأنهم من المشبهة والمجسّمة يعدّ من مبالغة الموحّدين فإنّ من الثابت أن الفكر العقدي في العهد المرابطي كان يقوم على منهج الأخذ بظواهر النصوص وحرفيتها ، والعزوف عن التأويل والاستدلال، وربّما أدّى ذلك عند البعض إلى ما يقارب التشبيه. وقد كان الفكر الفلسفي يلاقيه الفكر الكلامي استمدادا في ذلك ممّا كان من العداء البالغ بين مالك وأتباعه وبين المنتحلين للعلوم الفلسفية، وقد بلغ عداء أهل المغرب للفلسفة أن «كانت العامّة في المغرب والأندلس كلّما قيل فلان يشتغل بالفلسفة أطلقت عليه اسم زنديق، فإن زلّ في شبهة رموه بالحجارة أو أحرقوه» (9) ولا شك أن هذه الروح كانت بتوجيه من الفقهاء الذين كانوا في عهد المرابطين على الخصوص المحدّدين للمنهج الثقافي للأمّة كما مرّ بيانه

    يبدو مما تقدّم أن الوضع المذهبي بالمغرب أوائل القرن السّادس كان يتصف بخطية في الفكر الشرعي والعقدي ترفق المقارنة والنقد، وتتنكب الحوار بين الوجهات المختلفة، وتبتعد عن التعامل المباشر مع الأصول في سبيل استخلاص رؤى تستجيب لمستجدّات الأوضاع إيثارا في كلّ ذلك للرؤى الشرعية والعقدية الموروثة عن فقهاء المالكية. وربما يكون من أسباب هذا الوضع ما وضعه المرابطون نصب أعينهم من هدف أساسي تمثل في تحقيق الوحدة المغربية، تلك الوحدة التي ظنوا أنها لا تتحقق إلا بهذا الضرب من الخطية والتقليد. (10)

2- الدولة المرابطية والمذهب الأشعري

     لقد كان الإسلام في عهد المرابطين هو الإسلام السني على مذهب الإمام "مالك"، ولكن هناك فارق كبير بين المذهب السني الذي ظهر في المغرب منذ الفتح واستمر أيام الأغالبة وبين التطور الذي شهده أيام المرابطين في القرنين الخامس والسادس.

ذلك أن الإسلام فيما سبق أيام الأغالبة والأدارسة كان إسلام للزهاد والمتعبدين الذين شغلوا أنفسهم بعلوم الآخرة القائمة على معرفة الله تعالى عز وجل والخوف منه، أما الإسلام في عهد الملثمين (المرابطين) فتغيرت الصورة النقية للإسلام السني، لأنهم انكبوا على فروع الفقه وخاضوا في الخلافيات خوضا جعلهم ينسون كتاب الله وعلوم الحديث وذلك لجهلهم بها وعدم تذوقهم لها. (11)

حيث تمكن المرابطون من القضاء على بقايا المذاهب التي كانت موجودة في المغرب، ومحو أثار المذهبين الإباضي والصفري في ما سواه من بلاد المغرب الأوسط وإقليم سجلماسة (12)، واعتبروا أهل الكلام أهل بدع ولا تقبل لهم شهادة في الإسلام، وأمروا بهجرهم وتأديبهم على بدعهم، ويرجع موقفهم هذا إلى تأثرهم الشديد "بمالك بن أنس" ، حيث روي عنه أنه كان يقول: «الكلام في دين الله أكرهه، ولا أحب إلا فيما تحته عمل، أما الكلام في الله ودين الله فالسكوت أحب إلي... »(13)

كما نجد أن معظم الفقهاءقد اكتفوا بكتب ومؤلفات الفقه المالكي وانصرفوا عن الأصول، من هذه المؤلفات "مدونة سحنون" وكتاب "أبي سعيد بن يونس" و"نوادر أبي زيد ومختصراته" وكتاب "التهذيب للبرادعي"، و"واضحة ابن حبيب" والتي كان معظم الفقهاء يقتصرون عليها وعلى تطبيق ما فيها دون تكليف أنفسهم الرجوع إلى أصول الشريعة وهي الكتاب والسنة، فكان معظمهم لذلك مقلدين قد استغنوا عن الاجتهاد بالتقليد. (14)

وفي هذا الصدد يتحدث صاحب جذوة المقتبس عن التعجب الذي أبداه "عبد الله بن أبي زيد القيرواني" عندما سأل أحد القادمين إلى القيروان من بغداد هل حضرت مجالس أهل الكلام؟ فوصف له مجلس من تلك المجالس اجتمع فيه بعض فرق المسلمين، وجعلوا يتناظرون بحجج العقل والقياس إلا بأدلة النص، هذا ما جعل "عبد الله بن أبي زيد" يتعجب ويقول: «ذهبت حرمة الإسلام وعلماؤه ».(15) ومن هنا يتضح أن الجدل في العقائد لم يكن ظاهرة ذات بال ببلاد المغرب، ولم يكن وجوده إلا قليلا وشاذا، إذ بقيت الساحة الفكرية فيه خالصة لعقيدة السلف عقيدة أهل السنة التي مثلها المذهب المالكي (16)

وعلى هذا الأساس نجد أهل المغرب يتقيدون بأراء "مالك" ولا يكادون يبرحون عنها قيد أنملة، فاشتطوا في ذلك إلى درجة لم يعودوا يرجعون للأصول "القرآن والسنة" عند استنباط الأحكام، وإنما اتجهت عنايتهم إلى كتب الفروع التي صنفها إمام المذهب وأتباعه. (17)

و قد صور لنا"المراكشي" ذلك في قوله: « ...و لم يكن يقرن من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من علم الفروع أعني فروع مذهب الإمام "مالك"، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعُمل بمقتضاها ونُبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء...». (18)

وهذه الصورة الصادقة التي قدمها لنا صاحب "المعجب" وصور لنا فيها اهتمام المرابطين بعلوم فروع الفقه يؤكدها ما نطالعه من تراجم الفقهاء في كتب الطبقات، ويروي لنا "الخشني" في كتاب "طبقات علماء إفريقية" هذه القصة، والتي تبرهن لنا على ما وصل إليه ازدهار الدراسات الفقهية في عهد المرابطين، مع إهمال تام لعلوم الحديث والسنة ، كما يورد لنا الخشني أن مغربيا جمعه الطريق بالحجاز برجل بغدادي، وكان - إذ ذاك- يرى الإمام "مالك"، فقال البغدادي: «رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا» فقال له المغربي: «فيما أنكر مالك لا يرى ذلك»، فقال البغدادي: «شاهدت وجوهكم يا أهل المغرب، تعارضون قول النبي بقول مالك».(19)

ومنه فقد شكل التمكن الفقهي للمغاربة نقطة تحول نحو التمكن في التصور العقدي، وحدة مذهبية تقوم على الانتماء المذهبي العام إلى الإمام "مالك" ومذهبه. (20)

بالإضافة إلى اهتمام المرابطين بعلم الفتاوى والفروع وجمودهم عند الخلافيات الفقهية لجهلهم بأصول الفقه وعلوم الحديث والسنة، فإن ثمة اتجاها أخر يميز فلسفة الإسلام في هذا العهد، ويتمثل في تشدد المرابطين وتورعهم إلى التجسيم، وهذا ما نلمسه في النقد الذي وجهه "ابن تومرت" لهم، وقد أطلق عليهم "حشوية الفروع"، و"ابن تومرت" عندما يصف المرابطين بالتجسيم والتشبيه لا يفصل القول كثيرا في ماهية هذا التجسيم والتشبيه، إلا أننا نشتم من اتجاهه إلى تأويل الآيات المتشابهة في القرآن تأويلا عقليا يذكرنا بتأويل المعتزلة لها، وإنه لم يتجه هذا الاتجاه إلا لأن المرابطين كانوا ينحون في تفسيرها منحى تجسيميا على نحو ما كانت تفعل الحشوية والكرامية مثلا. (21)

-و هنا يمكننا طرح التساؤل الآتي : ما هو موقف علماء الدولة المرابطية من دخول الفكر الأشعري إلي بلادهم؟

2-1- موقف فقهاء المرابطين من تسرب الفكر الأشعري

   إن المذهب العقدي الذي كان سائدا ورسميا في زمن المرابطين كما رأينا هو مذهب أهل التسليم والتفويض الذي كان له أقطاب يدافعون عنه، وممثلون يبسطون مبادئه ومحتوياته؛ ولكن على الرغم من ذلك فقد عرفت هذه الفترة تراكما كميا لأفكار الأشاعرة، كما نلاحظ ممثلين لهذا المعتقد أيضا. (22)

ومع بداية تسرب أفكار المذهب الأشعري لبلاد المغرب، فقد قام علماء المرابطين بالرد على أفكار المذهب سواء على علمائه أو على المصنفات والكتب التي تحمل أفكار الأشعرية لمحاولة طمس أفكاره وأرائه منذ بدايتها.

حيث أن عقيدة المغاربة كانت تنفي كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الغوص في المسائل العقدية، وكانت تقوم على إقصاء المذاهب الأخرى التي تخالفها في الاتجاه، وفي مقدمتها المذاهب الكلامية، ولما كان المذهب الأشعري مذهب كلامي فقد لقي معارضة شديدة من المذهب المالكي الممثل من طرف الدولة المرابطية. (23)

وقد وصف لنا "المراكشي" عداء أهل المغرب للعلوم العقلية الكلامية وخاصة أيام المرابطين فقال: «ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام... وتوعَّد من وجد عنده شيء من كتبه». (24)

إلا أنه إذا حاولنا أن نستقصي سبب هذا العداء، وذلك بناء على ما ورد في بعض المصادر من معطيات سنأتي على ذكر سببين هما:

أحدهما: هو أن ذلك التشديد والمنع من الخوض في علم الكلام إنما كان المقصود به في الأساس حفظ عقائد العامة من جمهور المسلمين وحجزهم عن الوقوع في الشبهات، ونحن نعلم أن درء الفساد عن العقول العامة مهمة كبرى من مهمات العلماء. وهي مهمة قاموا بها في كل أنحاء العالم الإسلامي وعلى مرّ العصور، إلا أن الفارق في عهد المرابطين هو وجود دولة وجهاز حاكم ساند توجيهات الفقهاء المالكيين وطبق تعليماتهم. (25)

ومن العلماء الذين أخذوا على عاتقهم حفظ عقائد العامة بمنعهم من الخوض في علم الكلام نجد الفقيه "أبو الوليد بن رشد"(26)، وعلى الرغم من أنه انتصر لأقطاب المذهب الأشعري في إحدى الأسئلة التي وجهت له، واعتبر كل من قال بجهلهم وضلالهم مبتدع زائغ، إلا أننا نجده فيما بعد يصدر فتوى يمنع فيها العامة من الإقبال على قراءة كتب المتكلمين بما فيهم الأشاعرة، وأكثر من هذا فقد أكد فيما بعد على أن كل مصرّ على ضرورة تعليم عامة الناس المعتقد الأشعري يعتبر كافرا، وقد برر "ابن رشد" موقفه هذا بأن العامة غير قادرين على معرفة الله معرفة صحيحة بطريقة الأشاعرة لغموضها، وأن محاولة خوض العامة في مثل هذا قد يؤدي بهم إلى المروق عن الدين، وفي المقابل أمرهم أن يقتصروا فيما يلزم الاعتقاد على الاستدلال الذي نطق به القرآن الكريم والسنة النبوية. (27)

أما الثاني: فهو خوف الفقهاء من أن يحتل أصحاب علم الكلام المكانة التي كانوا يحتلونها لدى الأمراء المرابطين. وعن المبلغ الذي بلغه الفقهاء المالكيين على عهد المرابطين يحدثنا "المراكشي" فيقول: «.... لم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم وأحكامها صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته، فعظم أمر الفقهاء وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت بذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم». (28) وما حادثة إحراق كتب "الغزالي" وفي مقدمتها كتاب "إحياء علوم الدين"(29) إلا أكبر دليل على ذلك.

فلما كان للفقهاء قوة نافذة في الدولة وفتواهم نافذة في السياسة ونافذة في الدين، فأقدم بعض العلماء المرابطين على التنديد بكتاب "إحياء علوم الدين" وقاموا بالرد عليه، ثم أفتوا بمنعه من التداول، ثم قام نفر منهم وخصوصا علماء قرطبة على رأسهم القاضي "ابن حمدين"(30) باستصدار أمر من الأمير "علي بن يوسف"(31) بإحراق كتاب "إحياء علوم الدين" فتم ذلك سنة 503 هـ/1109م بالمسجد الجامع بقرطبة(32)، واستمر التحريم وجدّد عام 538 هـ/1143م(33)، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أجريت عمليات تفتيش على مستوى المكتبات وتحليف الناس بأغلظ الأيمان أن ليس عندهم نسخ من الإحياء. (34)

وعلى الرغم من تعدد الأسباب التي حذت بالفقهاء المرابطين إلى القيام بعملية حرق هذا الكتاب كاشتماله على أحاديث ضعيفة وأخرى موضوعة، وكذلك احتوائه على أراء فلسفية لم تكن معروفة لدى أهل المغرب الإسلامي، إلا أنّ هناك سببا أخرا يعزز ما نبَّهنا إليه سابقا وهو تعريضه بالفقهاء وتشنيعه عليهم. (35)

ومما قاله الغزالي في هذا الصدد «شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان وإستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد يعاجل حظه مشغوفا» (36)، وإلى غير ذلك من العبارات الجارحة بحق الفقهاء التي ملأ بها الغزالي مقدمة كتابه، وبثها في ثنايا أجزائه.

  وهكذا لما رأى فقهاء قرطبة في كتاب الإحياء دعوة مباشرة للحد من نفوذهم والثورة عليهم تجندوا ضده وقاد الحملة كما أشرنا من قبل "ابن حمدين" الذي كان شغوفا بتزكية منصبه السياسي، ويذكر "محمد عابد الجابري" أنّه كان على رأس الفقهاء في الأندلس في عصر المرابطين أسرتان "بنو حمدين" و"بنو رشد"، وكان "بنو حمدين" طموحين سياسيا ميالين إلى ترجمة مكانتهم العلمية والاجتماعية إلى نفوذ سياسي مباشر(37)، ومن مظاهر الطموح السياسي لبني حمدين قيام أحد أفراد هذه العائلة وهو أبو جعفر بإعلانه ثورة على والي قرطبة المرابطي، وتنصيب نفسه واليا عليها سنة 539 هـ/1144م(38)

وفي الحقيقة أنه بالرغم من كون الفتوى التي أصدرها "ابن حمدين" في حق "الغزالي" كانت تهدف إلى طمس أفكار وأراء هذا الإمام والحيلولة دونها ودون عقول المغاربة، إلا أن النتيجة التي كان يرجى حصولها كانت نسبية للغاية، فعملية إحراق الكتب دفعت بالكثير من أهل المغرب إلى البحث في حقيقتها واستجلاء مضامينها، وبالتالي فقد ساعدت هذه العملية ولو على المدى البعيد على التعريف بالمذهب الأشعري بالمغرب الإسلامي وليس الحد منه.

و زيادة على ذلك أن كتاب " إحياء علوم الدين" الذي نال القسط الأكبر من سخط "ابن حمدين" وأتباعه هو الذي رفع من شأنه وسما به إلى درجة الحجية في الإسلام (حجة الإسلام)، فهو يبين من ناحية تبحر "الغزالي" في معرفة المذاهب الإسلامية المختلفة من مذاهب أهل السنة والشيعة والمتكلمين، ثم الصوفية، وهو من ناحية أخرى يمثل مشروع "الغزالي" الإصلاحي الذي يهدف إلى لمَّ شمل الفرق الإسلامية المختلفة تحت مظلة واحدة تعيد إلى الدين حيويته وشبابه بفضل التفكير المنطقي الذي يمثل سمة المعرفة العقلية، والشفافية الروحية سمة الوعي القلبي (الصوفي)، وعن طريق التمسك بالعلم الأخرى ونبذ كل ما دونه من العلم الدنيوي الذي لا يبتغى به وجه الله عز وجل بل إرضاء السلاطين والملوك. (39)

لقد كان نفور المغاربة المالكيين من علم الكلام مقرونا بالابتعاد عن الرأي والتأويل وإقرار المتشابهات في الآيات الكريمة ملتزمين بالنص الحرفي أو التفسير الظاهري للآيات الخبرية، ومرجعيتهم التي استندوا عليها فيما ذهبوا إليه هي الإقتداء بالسلف الصالح وعلى رأسهم "الإمام مالك بن أنس"(40)، وقد كان لنزوعهم إلى مثل هذا الاتجاه أن ابتعدوا عن أولئك الذين نحوا منحى مخالفا للظاهر، وتبنوا مقالات جديدة غير تلك التي هي متداولة عندهم. واعتبروهم زنادقة وأهل بدع (41)، بل إنهم كانوا في كثير من الأحيان يحكمون عليهم بالإعدام. (42)

ومن كل ما سبق نستشف أن عداء الفقهاء المالكيين ببلاد المغرب الإسلامي لم يكن موجها للأشاعرة فحسب، بل كان عاما، فالمدرسة المالكية لم تكتف بعدم السماح لأي مدرسة فقهية أخرى بالازدهار فحسب، بل عملت على استبعاد أي تغيير أو تطور فيها، وكانت ترتاب من كل جديد في مجال المبادئ الفقهية والعلوم الدينية. إلا أن بعض المصادر أوردت إشارات متفرقة تدل على أنه كان هناك اتجاه خاص يعادي الأشعرية بالذات، منها ما ذكره "إبن الفرضي" عند حديثه عن أحد الأئمة المالكيين ببلاد المغرب الإسلامي وهو الإمام "القحطاني"(43) أنه عدّ الأشاعرة كفارا وزنادقة، وقال فيهم: «يا أشعرية يا زنادقة الورى». (44)

وفي هذا السياق طرح سؤال على أبي الوليد بن رشد (ت 520هـ/ 1126م) والذي سأل فيه عن رأيه في أئمة الأشعرية أمثال: أبي الوليد الباجي (ت 474هـ /1081م) وأبي المعالي الجويني (ت 478هـ/1085م) وغيرهم ممن ينتحلون الطريقة الأشعرية في العقيدة، اهم أئمة إرشاد أم قادة ضلال؟  وماذا يقول في قوم يسبُّونهم ويسبُّون كل من ينتمي إلى الأشعرية ويكفّرونهم ويتبرؤون منهم، ويحرفون بالولاية عنهم ويعتقدون أنهم على ضلالة، وقد اعتبره أحد الباحثين على أنه دلالة واضحة على وجود إتجاه في المغرب كان أصحابه ينقمون على علماء الأشعرية خصوصا، ومن ينتحل علم الكلام عموما، وقد أدت بهم هذه النقمة إلى سب كبار الأشاعرة والانتقاص من قدرهم. (45)

و علاوة على ذلك الاتجاه العام المعادي للأشعرية وجد اتجاه آخر يمثله بعض الأفراد، كانوا أكثر من شنع على الإمام الأشعري وأصحابه، وفي مقدمتهم "ابن حزم الظاهري"(46) 456 هـ/1064م)، فقد حمل عليهم حملة عشواء، وشنّع عليهم في العديد من مصنفاته، ومن أقواله: «و تقصّينا الرد على هذه المقولة الملعونة (يعني الأشعرية) في كتاب لنا واسمه: "كتاب اليقين في النقض على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر الكافرين" تقصينا فيه كلام رجل من كبارهم من أهل القيروان اسمه "عطاف بن دوناس" في كتاب ألّفه في نصر هذه المقالة». (47)

وفي موضع آخر وصف الأشعرية بالفرقة الملعونة، بل أنه لا يتوانى عن لعنهم بين الحين والآخر، حيث يقول: «لعن "ابن فورك" وأشياعه وأتباعه» (48)، كما أنه وصف "الباقلاني" بالجهل في قوله: «لقد كذب هذا الجاهل وأفك». (49) وانطلاقا من القاعدة التي تقول: «لكل فعل ردة فعل»، لا يمكن تصور الأشاعرة ببلاد المغرب الإسلامي قد وقفوا أمام الحملات التي كانت تشن ضدهم موقف المتفرج، وإنما كان لهم موقفا معاديا، وكانت ردة فعلهم قوية. ومن صور ذلك الموقف المناهض، المناظرة التي جمعت بين "أبي الوليد الباجي" و"ابن حزم"، والتي تمكن فيها "الباجي" من إفحام "ابن حزم"، وعنها يحدثنا القاضي "عياض" فيقول: «... فلما ورد "أبو الوليد" الأندلس وعنده من الإتقان والتحقيق والمعرفة بطرق الجدل والمناظرة ما حصَّله في رحلته، أمنه الناس لذلك، فجرت له معه مجالس كانت سبب فضيحة "ابن حزم"...» (50)

كما أن من صور دفاع أشاعرة بلاد المغرب الإسلامي عن أنفسهم هو وضعهم للمؤلفات والتصانيف لدرء شكوك واتهامات المعادين. من هذه المؤلفات كتاب "إحكام الفصول في أحكام الأصول" "للباجي"، وقد وضعه بعد مناظرته مع "ابن حزم"(51)، وكتاب "النكت القطعية في الرد على الحشوية" للمازري. (52)

2-2- موقف السلطة المرابطية من الأشعرية

يتأكد مما سبق أن علم الكلام الأشعري كان ضمن العلوم المعروفة في أوساط علماء المغرب في العصر المرابطي، لكن إشارة عبد الواحد المراكشي التي يذكر فيها عداء أهل المغرب لمن ظهر عليه الاهتمام بالأشعرية تؤكد من جهتها أن هذا العلم ظل يتحرك في دائرة ضيقة من المهتمين به. في حين كانت القاعدة العريضة من الفقهاء معرضة عن أي نوع من الجدل الكلامي، إما لانعدام الدواعي إليه في البيئة المغربية، التي وصلت بجهود المرابطين إلى تحقيق قدر لا بأس به من الانسجام المذهبي العقدي بعد القضاء على البجليين (53) وبرغواطة (54) وتوحيد المغرب الأقصى سياسيا ومذهبيا، وإما لانحيازها لأطروحة السلطة المرابطية المتحفظة منه. (55)

    لقد عرف المغرب خلال هذا العصر تيارين مالكيين متمايزين، أحدهما يتمثل في التيار المالكي السلفي الذي يشكل استمرارا لمدرسة نفيس ومدرسة عبد الله بن ياسين، وهو التيار الذي كان منحازا إلى المرابطين. التيار الثاني هو التيار المالكي الأشعري الأصولي الذي ظل متوثبا للتواصل مع مستجدات الفكر الإسلامي في المشرق، كما كان منفتحا على التصوف، وخير من كان يمثل هذا التيار في العصر المرابطي أبو بكر المرادي الحضرمي وأبو بكر بن العربي المعافري والقاضي عياض السبتي ومحمد بن تومرت والعلماء الذين ذكروا أعلاه.

    أصبحت السيادة في العصر المرابطي للتيار السلفي لمساندته للسلطة، واستطاع أن يفرض توجهه، ودليل ذلك قول المراكشي الذي تمت الإشارة إليه: «دان أهل ذلك الزمان بتكفير من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام...... وتوعد من وجد عنده شيء من كتبه» (56). يبين هذا النص درجة الحدة التي بلغها رفض علم الكلام عند فقهاء المذهب المالكي المحيطين بأمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، واستغلاهم القرب منه لإقناعه بموقفهم، وتحويله بالتالي إلى موقف رسمي تتبناه الدولة المرابطية وتنشره وتدافع عنه، فظهر الموقف العدائي من الأشعرية بشكل رسمي جماعي لدى الفقهاء ابتداء من عهد هذا الأمير الذي عرف عنه ميله الشديد إليهم.

    ورغم أن المصادر لا تقدم تاريخا محددا أو تقريبيا لانطلاق حملة محاربة الأشعرية، فإن هذا لا يمنع من القول بأنه تزامن مع بداية اقتحام أفكارها ومقولاتها للأوساط الفقهية المغربية بشكل أكثر نشاطا مع أوائل القرن السادس الهجري. التقت هذه العقيدة مع أفكار الإمام الغزالي الذي كان واحدا من أئمة الأشاعرة وأقطاب الصوفية في نفس الوقت، الشيء الذي كان في حينه تحديا وإحراجا لهؤلاء الفقهاء الذين لم يكن لهم إلمام أو معرفة بمذهب الأشاعرة، وكان لهم في الوقت نفسه عداء للتصوف، فتبنوا موقف الرفض والإنكار للاحتماء به في مواجهة علم الكلام. ولم يترددوا في وصمه بالبدعة وتكفير المروجين له، لمحاصرته وللحد من تأثيره، حفاظا على خصوصيات الانتماء العقدي الذي كان المغاربة عليه منذ قرون، وهو الذي كان بعض أصحاب الخلفيات الاعتزالية والشيعية والفلسفية يطلقون عليه اسم الحشوية (57)

     وبما أن موقف الفقهاء الرافض للأشعرية قد تحول إلى موقف رسمي للدول المرابطية، فقد تم تعميمه بأوامر أمير المسلمين وأصبح منع العلماء من تدريس علم الكلام أسلوبا متبعا في مختلف الجهات، وكأمثلة على ذلك فقد قام أحد رؤساء سجلماسة بمنع العالم الصوفي يوسف بن محمد بن يوسف أبو الفضل بن النحوي (ت 513هـ/1119م) (58)- الذي امتاز عن كثير من معاصريه بالأسفار الكثيرة التي قام بها في أنحاء المغرب، وعاصر الدولة الحمادية بالقلعة(59) وبجاية والزيرية بالمهدية والمرابطية بمراكش ودخل سلجماسة - من التدريس، وسبب ذلك أن ابن النحوي عندما دخل سجلماسة وأقرأ بها الأصلين: أصول الدين وأصول الفقه، تضايق منه أحد رؤساء البلد، وهو عبد الله ابن بسام، فقال: هذا يريد أن يدخل علينا علوماً لا نعرفها، يعني بذلك أبحاث العقائد على طريقة الغزالي، فأمر بإخراجه من المسجد، فقال له أبو الفضل: أمتَّ العلم أماتك الله هنا، فجلس في اليوم الثاني لعقد نكاح في المسجد وقت السحر، فقتل على يد جماعة من صنهاجة .فاضطر لمغادرتها إلى مدينة فاس(60) وانتصب بها للإقراء والتعليم فضايقه قاضيها أبي محمد عبد الله بن دبوس اليفرني (ت 511هـ/1117م)  ومنعه من تدريس هذا العلم بها، وعلى إثر ذلك قرر مغادرة المغرب الأقصى والرجوع إلى بلده(61)، ودعى عليه فأصابته أكلة في رأسه فوصلت إلى حلقه فمات منها، وفي صبيحة يوم وفاته خرج أبو الفضل من فاس وجاء ولد ابن دبوس لتوديعه، فقال له الشيخ: أرجع لتحضر جنازة والدك، فرجع فوجده ميتاً، وكان خروج الشيخ من فاس حوالي سنة 494هـ/1100م .لقد كان أبو الفضل متأثراً كثيراً بالغزالي في أبحاثه في العقائد والتصوُّف وغيرهما، وقد حاول التمكين له من خلال نشره نظرية الغزالي في التصوف بالقلعة(62)

 وبدأ في تطبيقها على نفسه، حيث كان يلازم القيام والصيام والتهجد حتى أنه لا يشعر بما حوله وهذا ما يؤكده ابن مريم في قوله: "كان يصلي أكثر في داره اللغط وارتفعت الأصوات فقال ضيف لابنه أما تشغلون خاطر الشيخ فقال: إذ دخل في الصلاة لم يشعر من ذلك ثم أدنى السراج من عينه فلم يشعر لحضوره مع غيبته مع الخلق"(63)، وكان لشدة زهده لا يقبل من أحد شيء ولا يأكل إلا ما يأتيه من بلده الأصلي، لبس خشن الصوف وقصر جانبيه حتى وصلت إلى ركبتيه(64)، وزهده هذا كان يجلب له نقد الآخرين حيث انتقده قاضي الجماعة بالقلعة أبي عبد الله بن عصمة المفتي الذي مر عليه يوما فلم يسلّم عليه لانشغال خاطره، فعظم عليه ذلك، فلما رجع ناداه محقراً: يا يوسف، فجاءه ثم قال له: يا توزري، صفرت وجهك، ورققت ساقيك وصرت تمرّ ولا تسلّم. فأعتذر له فلم يقبل عذره وأغلظ له، فقال له أبو الفضل: غفر الله لك يا فقيه، يا أبا محمد، ثم أنصرف مغضباً عنه. (65)

    لقد أشيع أنه كان مجاب الدعوة حتى قيل نعوذ بالله من دعوة ابن النحوي (66) وهو مناصر لكتاب الإحياء للغزالي، حيث عارض إحراقه بشدة وكان يرى أن حلف الناس بالإيمان المغلظة على أن كتاب الإحياء ليس عندهم وليست ملزمة لهم. (67)

واستنسخ الإحياء في ثلاثين جزء. (68) ومن صور انتصاره له، انه كان يبث كتبه أينما حل وارتحل، في الوقت نفسه كان قد أفتى فقهاء الأندلس كابن حمدين ومن شايعه من علماء المغرب بإحراق كتاب الأحياء للغزالي وأحرق في صحن مراكش وغيرها. (69)

 ووصل كتاب أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين (500-537هـ) وفيه تحليف الناس بمغلظ الإيمان، أن ليس عندهم كتاب الأحياء فانتصر للشيخ للغزالي وأحيائه، وكتب إلى السلطان برأيه، وأفتى بعدم لزوم تلك الإيمان، ونسخ الأحياء ثلاثين جزءاً، يقوم كل يوم في رمضان بنسخ جزء منها وهو يقول: ((وَدَدْتُ أَنَّنِي لَمْ أَنْظُرْ فِي عُمْرِي سِوَاهُ)) وهكذا كان موقفه من الأحياء نصراً كبيراً له ولمبادئ الغزالي عامة (70)

   عاد أبو الفضل بعد أسفاره بالمغرب إلى قلعة بني حماد، وأخذ نفسه فيها بالتقشف ولبس الصوف، وقصّر جبته حتى كانت لا تزيد عن ركبتيه.  ولما استقر به المقام بقلعة بني حماد أخذ في التدريس والإقراء، وأفاد أهلها كثيرا، وتخرج على يديه جماعة من أعلام القرن السادس في هذه الفترة التي استقر بها بالقلعة، فمنهم القاضي أبو عمران موسى الصنهاجي، ومنهم أبو عبد الله محمد الرمامي الفقيه رئيس الإفتاء بفاس، ومنهم الفقيهان أبو بكر بن مخلوف بن خلف الله ومحمد ابن مخلوف بن خلف الله وغيرهم كثير. (71)

   لقد ضرب أبو الفضل المثل في تقواه وزهده، فكان شديد الخوف من الله، دائم الإستحضار لجلاله، كثير الورع، لا يقبل من أحد شيئا إنما يأكل ما يأتيه من توزر، وقد كان لتشدده في تعبده وزهده يقول:

أَصْبَحْتُ فِيمَنْ لَهُمْ دِينٌ بلاَ أَدبٍ     

ومَنْ لَهُ أَدَبٌ عَارٍ منَ الدِّينِ

أَصْبَحْتُ فِيهمْ غَرِيبَ الشِّكْلِ مُنْفَرِدًا 

 كَبَيْتِ حسَّانَ فِي دِيوَانِ سَحْنُون

ويعني ببيت حسان قوله:

وهان على سراة بني لؤيٍّ        *      حريقٌ بالبُوَيرَةِ مستطيرُ (72)

أجاد ابن النحوي قرض الشعر كما أجاد علوم الدين والفقه والكلام وغيرها، وقد برع في نوع منه وقلّده فيه من أتى بعده وهو شعر التوسُّلات والابتهالات. وأشهر القصائد التي وصلتنا عنه قصيدة جيمية دُعيت بالمنفرجة، من انفراج الأزمة، وقد نالت من معاصريه وممن أتى بعدهم عناية كبيرة، كما نالته قصيدة شيخه الشقراطسي التي دُعيت بالشقراطسية. وعاش ابن النحوي دارساً متعبِّداً بقلعة بني حماد أكثر من ثلاث عشرة سنة كانت عاملاً قوياً على ازدهار الدراسات الفقهية والكلامية على عهد الموحدين فيما بعد، وتوفي كما يقول أبو العباس النقاوسي بالقلعة سنة 513هـ/1119م وقبره بها مشهور. (73)

وينتمي أبو الفضل المعروف بابن النحوي إلى الفكر الجديد الذي سينفتح على كل ما هو جديد، ويرجع ذلك إلى وفائه لمبادئ الغزالي، وسوف يثأر له في المستقبل، وما يزال ضريحه يقام على القلعة التي خربت عن آخرها. (74)

وجاء في كتاب الفاسي:" ...أنه دخل عليه يوما تلميذه ابن الرمامة وهو في مكتبة بيته فوجد عنده أسفار جديدة التسفير (الكتابة)، فسأله عنها، فقال له هي كتاب الإحياء للغزالي ولو اقتنيته قبل هذه الكتب لم أكتب كتابا منها "(75). هذا وقد كان ابن النحوي في بلده بمنزلة أبي حامد الغزالي في العراق علما وعملا (76)

3- تطور الأشعرية في العصر المرابطي

  يرى أحد الباحثين (77) أن تاريخ المرابطين طاله الكثير من التشويه، ولحقه المزيد من التزوير من طرف.  المؤرخين القدامى. وما ذلك إلا لكون تاريخهم لم يكتب إلا زمن خصومهم السياسيين أعني الموحدين، فقد ساد في أفهام الناس، وتكرس لديهم، من خلال هؤلاء المؤرخين أن المرابطين كانوا على عقيدة التجسيم والتشبيه. كما أن مجتمعهم كان من طبيعة أمومية تسيطر فيه المرأة على الرجل. أضف إلى ذلك أن عقيدة أهل الحل (الأشاعرة) لم تعرف طريقها إلى الغرب الإسلامي إلا زمن الموحدين. (78)

          والواقع أنه بقدر ما انتاب تاريخ المرابطين من تحريف وتزوير، بقدر ما ازداد شغف الباحثين وتطلعهم لاستجلاء الوقائع، والكشف عن الحقائق. وتهمنا من جهتنا أن نقف على الجانب العقدي في اللحظة المرابطية لنتحقق هل بالفعل كانت العقيدة السائدة في زمن المرابطين هي عقيدة التجسيم والتشبيه؟ وهل المذهب الأشعري لم يعرف وجوده في هذه الفترة؟

     الحقيقة أن تأسيس دولة المرابطين قام على شيء من الاعتقاد الأشعري، لكن الظروف كانت أقوى من أن تجعل المرابطين يستعيضون بهذا المذهب الجديد عن مذهب عقدي كان قد ترسخ وعرف جذوره في جميع أوساط الغرب الإسلامي. (79)

      لقد أعطى لنا المؤرخ عبد الواحد المراكشي معلومات مفيدة عن وصف وضعية المذهب الأشعري بالمغرب في عصر المرابطين، وأكد أن أهل المغرب في هذا العصر كانوا ينافرون علم الكلام على الطريقة الأشعرية معتبرين إياه "بدعة في الدين"، لأنهم كانوا على خطى «السلف في ترك التأويل وإمرار المتشابهات كما جاءت» (80) يستنتج من هذه الشهادة أن المذهب الأشعري كان موجودا بالفعل خلال هذا العصر، لكن انتشاره كان يعاني من بعض الصعوبات. ومع ذلك نقف في كتب التراجم على أسماء عدد من علماء الكلام بالمغرب الأقصى في هذا العصر ممن درسوا الأشعرية وألفوا فيها، من أشهرهم أحد أئمة هذا العلم وهو أبو بكر بن الحسن المرادي الحضرمي(81) (82)، يعتبره ابن الزيات" من كبار الفقهاء الأصوليين، أصله من القيروان، وقد قربه أبو بكر بن عمر مؤسس دولة المرابطين بأغمات بعد وفاة عبد الله بن ياسين"(83)، وقد رحل من إفريقية إلى الأندلس ثم دخل المغرب الأقصى، وارتسم في سلك الأمير أبي بكر بن عمر اللمتوني ورافقه إلى صحراء المرابطين، وبقي هنالك قاضيا إلى أن توفي بأزكي سنة 489هـ/1096م. كان الإمام الحضرمي « رجلا نبيها عالما وإماما في أصول الدين، وله نهوض في علم الاعتقادات والأصول »(84)، وبسبب تبريزه فيها اعتبره ابن الزيات التادلي « أول من أدخل علوم الاعتقادات إلى المغرب الأقصى »(85). وألف كتابا سماه "التجريد في علم الكلام".

 وصاحب كتاب" الإشارة إلى أدب الإمارة" الذي اشتهر بهذا الكتاب وصنف ضمن العلماء الذين أسهموا في علم السياسة العربي الإسلامي. لكن في مجال العقائد ظل الالتباس يحوم حوله، بحيث لا يدري الباحثون أهو من أهل التسليم والتفويض أم من الأشاعرة؟ (86)

    والحقيقة أن النصوص لتضن علينا في استجلاء موقف هذا الرجل العقدي والبت في انتمائه الكلامي، فكل ما ترويه عنه بعض النصوص القديمة أنه كان «أول من أدخل علوم الاعتقادات بالمغرب الأقصى» (87) علما أن علوم الاعتقادات كانت تعني في هذه الفترة علم الكلام الأشعري في مقابل أصول الديانة التي كانت تعني معتقدا أهل التسليم والتفويض.

       بالإضافة إلى ما سبق فإن تلميذه المباشر الذي اختص به ولازمه، وخلفه في علوم الاعتقادات كما يؤكد على ذلك صاحب التشوف هو أبو الحجاج يوسف بن موسى الضرير (ت 520 هـ/1126م) كان أشعري العقيدة بلا جدال ولا ممارة، كما سنرى لاحقا.

 ويؤكد أحد الباحثين أشعرية الحضرمي بقوله:"...ومما يزيد في تأكيد أشعرية المرادي الحضرمي – من جهتنا – هو أنه في زمنه وقع بالأندلس نقاش محتدم حول كلام الله هل هو حال في أحرف القرآن؟ وبالتالي فالكلمات والأصوات المنطوقة في القرآن هي كلام الله. وكان صاحب هذه الفكرة رجل من ألمرية بالأندلس يدعى وليد النفري الذي كان قد جمع إلى رأيه هذا جمعا كبيرا من الناس والأتباع. واختلف الناس في ذلك حتى صار «يكفر بعضهم بعضا، ويبرأ الوالد من ولده» فما كان من المعتصم بالله بن صمادح إلا أن استنجد من الأندلس بالفقيه المتكلم أبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي في المغرب كي يتولى الرد عليه «فذهب إلى أن يعبر البحر فهال عليه وكتب إلى ابن صمادح: «مسألة التلاوة والمتلو مبنية مفسرة مشروحة» وكأنه يحيل إلى ما قاله الأشاعرة في هذا الباب، لكنه لم يتوقف بل اتبع ذلك بقصيدة يرد فيها على وليد النفري يقول فيها:

لا در در سخافة                                         شنعاء جاء بها وليد

كفر تكاد لها الجبا                                 ل – على ثقالتها – تميد

وحماقة ممزوجة                                           بمقيت جهل لا يفيد

أكلام ربك أحرف                                     منظومة حمر وسود؟

لو باعها العطار أحـ                                يانا لجارتها الجلود "(88)

وهذا النص يحتوي على مجموعة من العلامات ويكفينا منها علامة المضمون المباشر التي تدور حول كلام الله. فإذا علمنا أن الأشاعرة يقولون بصدد خلق القرآن بأن المعنى قديم، واللفظ محدث مخلوق، فإن هذا هو الذي نجده مضمنا في هذه القصيدة. (89)

ومما يجعلنا أكثر يقينا بأشعرية الحضرمي، لما اطلعنا على نص آخر مشهور يورده القاضي عياض يقول فيه " عن أبي منصور الثعالبي، أنشدني أبو بكر المرادي لنفسه في الحجة على إثبات القدر" يقول فيه:

علمي يقبح المعاصي حين أركبها

يقضي بأني محمول على القدر

لو كنت أملك نفسي وأصرفها 

 ما كنت أطرحها في لجة العذر

كلفت فعلا ولم أقدر عليه ولم

أكن أفعل أفعالا بلا قدر

وكان في عدل ربي أن يعذبني 

فلم أشاركه في نفع ولا ضرر

إن شاء نعمني أو شاء عذبني

أو شاء صورني في أقبح الصور

يا رب عفوك عن ذنب قضيت به

عدلا علي فهب لي صفح مقتدر (90)

    وهذا النص أيضا - وإن كان لا يصرح بمفهوم الكسب الأشعري – فإننا نلحظ فيه ذلك التبرير العقلي الذي يسلكه الأشاعرة في هذا السياق استدلالا على أن فعل الله وخلقه لأفعال العباد هو فضل وعدل.

و يثبت أحد الباحثين أشعرية الحضرمي عندما ينفي كل الشكوك من طرف الباحثين الذين ينسبون المرادي إلى أهل التسليم والتفويض فيقول:"... إن هناك من الباحثين المعاصرين من يشكك في أشعري هذا الرجل، وينسبه إلى مذهب أهل التسليم والتفويض واعتمادا على نص منقول عن ابن تيمية نقله من كتاب للمرادي عنوانه «الإيماء إلى مسألة الاستواء » عن معنى استواء الرحمن على العرش فقال: « قول ابن أبي زيد القيرواني المالكي، والقاضي عبد الوهاب المالكي، وجماعة من شيوخ الحديث، والفقه، وهو ظاهر بعض كتب الباقلاني، وأبي الحسن الأشعري، وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته. وأطلقوا في بعض الأماكن فوق على عرشه، وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين في مكان، ولا كون فيه ولا مماسة».

       فها نحن أمام موقفين من انتماء المرادي العقيدي أحدهما ينسبه إلى الأشعرية، والآخر إلى مذهب أهل التسليم والتفويض. إلا أنه من جهتنا، لا يسعنا إلا أن نرجح الموقف الأول وحجتنا في ذلك أنه موقف رواه وأكده من هو أقرب إلى المرادي زمانا ومكانا. فابن الزيات صاحب كتاب التشوف عندما نسب المرادي إلى الأشعرية كان أقرب إليه زمانا إذا علمنا أن ابن الزيات توفي سنة 617 هـ/1220م ومكانا إذ كلاهما من مفكري الغرب الإسلامي. أما الموقف الثاني فقد جاء على لسان من هم أبعد من المرادي زمانا ومكانا. علاوة على أن النص المروي عنه يحمل أوجه في القراءة والتأويل، ويحتمل تأويلات تزكي ما نذهب إليه لا سيما وهو يربط بين ما يقره الباقلاني وأبو الحسن الأشعري. (91)

كما شهد تاريخ المعتقد الأشعري في الغرب الإسلامي في العهد المرابطي ظهور أول عقيدة أو نص يلخص العقيدة الأشعرية في هذه المنطقة، ويتعلق الأمر بعقيدة المفكر التونسي أبو الطيب سعيد بن أحمد بن سعيد الأسفاقسي 501 هـ/1107م) عنوانها " العقيدة السنية أو عقيدة الصالحين أو العقيدة الأسفاقسية". والمتوفر من هذه العقيدة الجزء الثاني فقط، وضع شرح له بعنوان «مشارق المهتدين في شرح عقيدة الصالحين» لشارح اسمه القطب الصنهاجي نرجح أن يكون من أعلام القرن الثامن الهجري. وقد تتبع الباحث أحد الباحثين مضمون هذا النص وحدد أبرز معالم عقيدة الأسفاقسي فيقول:"... ولقد قمنا من جهتنا بتتبع هذا الشرح لتجريد بعض مضامين هذه العقيدة فاتضح لنا بما لا يدع أي مجال للشك أنها أشعرية المضمون والمنهج. فالأسفاقسي يصدر في هذه العقيدة عن قناعة تامة بتنزيه الذات الإلهية عن الجهة، والمكان، والمحاذاة، لأن هذه الصفات في صفات المخلوقات ويستعمل في استدلاله على هذه القناعة قياس الغائب على الشاهد فهو يقول: «إذا كان النوم واليقظة، موجودين غير محدودين، هما مخلوقان ولا كائنان في مكان، وجهة، ولا أطراف لهما، ولا حدود. وإنما الحد لقبيل من المخلوقات، وهي الجواهر والأجسام. وإذا كان في المخلوقات موجود بهذه الصفات، فالخالق أحرى وأولى أن لا يجوز عليه ذلك ».(92)

       فإذا كان النوم واليقظة في الشاهدة لا يتصفان بالجهة، ولا بالمكان، ولا بالمحاذاة وهما مخلوقان من مخلوقات الله، فإنه من باب أولى وأحرى أن يكون في الغالب موجود غير مخلوق منزها عن هذه الصفات، ولذلك فالله منزه عن الجهة، والمكان، والمحاذاة. وهذا كما نرى أشعري المضمون والمنهج. أما فيما يتعلق بإثبات وحدانية الله، فإننا نرى الاسفاقسي يحدد أربعة أوجه تعكس هذه الوحدانية وتؤشر عليها، وهي:

1- الوجه الأول: أنه واحد غير محدود، وغير منقسم، لا تجوز عليه التجزئة والتقسيم.

2- الوجه الثاني: أنه واحد في ملكه ولا شريك له.

3- الوجه الثالث: أنه واحد في صفات الكمال لا أحد له صفات كصفاته.

4- الوجه الرابع: أنه واحد في الاختراع، لا أحد يخترع معه شيئا.

   فالوحدانية كما يستدل عليها الأسفاقسي وحدانية كمية، ووحدانية كيفية، فالله واحد غير مركب، ولا تجوز عليه القسمة والتجزئة فهذه وحدانية كمية. أما باقي الأوجه الدالة على وحدانيته فهي صفات كيفية ينفرد بها الباري لا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته..." (93)

أما بصدد الصفات الإلهية فإن الأسفاقسي يثبتها ويؤكد أنها قديمة بقدم الذات الإلهية. أما بصدد كلام الله الذي هو صفة من صفاته تعالى فإن الأسفاقسي يرى أنه كلام ليس بأصوات، ولا قائم بلسان، ولا  لاهوت وهو ما يصطلح عليه الأشاعرة باسم الكلام النفسي.

      إضافة إلى أن الإقرار بصفة البصر للذات الإلهية هو إقرار بأن الله مبصر لكن بغير مقلة ولا سواد. وبالجملة فإن الأسفاقسي يخلص في هذا الموضوع إلى تنزيه الذات الإلهية تنزيها أشعريا فيقول: إنه «تعالى عن الأضداد، والأولاد، ومشابهة الأجساد». وفي نفس الوقت نلخص إلى القول بأن هذه العقيدة المختصرة ذات الطبيعة الأشعرية اعتبرت من أوائل ما كتب في العقائد الأشعرية في الغرب الإسلامي. لكنها لم يكتب لها الشهرة، والذيوع فظلت بذلك مغمورة مجهولة، لا يعرفها حتى المهتمون ناهيك بغيرهم. وهي كفيلة بدراسة مفصلة ببحث أكاديمي يعرف بصاحبها، وبسياقها ومضامينها."(94)

ومن أعلام الأشعرية في هذا العهد الزاهد أبو الحجاج يوسف بن موسى الكلبي الضرير (95) ". تلميذ الحضرمي والذي لم تفصح لنا المصادر عن تاريخ ميلاده على وجه التحديد، في حين نجد ابن الزيات يذكره في كتابه فيقول:".... أصله من سرقسطة وسكن مراكش، وبها توفي سنة عشرين وخمسمائة. من أشياخه أبو مروان بن سراج وأبو علي الجباني.... كما أنه خلف المرادي في علوم الاعتقادات، وغلب عليه الزهد في الدنيا وأهلها "(96)، وقد نظم أرجوزة مطولة في العقيدة، واستقر بالمغرب الأقصى إلى وفاته سنة(520هـ/1126م)، واعتكف على تدريس علم الكلام بأغمات. وصفه تلميذه القاضي عياض بأنه «... كان من المشتغلين بعلم الكلام على مذهب الأشعرية ونُظار أهل السنة، عارفا بالنحو والأدب له تصانيف مشهورة، وسكن بلدنا مدة وتردد بالأندلس والمغرب، وكان آخر المشتغلين بعلم الكلام. قرأت عليه أرجوزته الصغرى التي ألف في الاعتقاد وحدثني بالكبرى وبكتاب التجريد لأبي بكر المرادي وأجازني أرجوزته الكبرى وجميع تواليفه ورواياته منها تآليف الفقيه أبي بكر المرادي، شيخه وعنه كان أكثر أخذه ومن ذلك كتاب فقه اللغة للثعالبي...» (97)

والحقيقة أنه لم يصلنا من عطاءات هذا الرجل العقدية إلا منظومة عقدية شهيرة سميت بمنظومة" التنبيه والإرشاد في علم الاعتقاد"، ولكننا نرجح أن تكون له مؤلفات أخرى في هذا الفن بدليل أن أبا علي عمر السكوني (ت 717هـ/1317م) ينقل عنه هذه المناظرة التي جرت بينه وبين أحد أحبار اليهود، يقول فيها على لسان الضرير" حضرني يوما بعض أحبار اليهود فتكلم في التعديل والتجوير، وجاء بتخليط كثير، وكان مما أحاله وأنكره أن يكون الله تعالى يأمر بما لا يريد كونه. فقلت: أليس قد أمر الخليل أن يذبح ابنه؟ فقال: بلى، فقلت: فهل أراد ذبحه؟ فقال: لا، فانقطع لوقته وأمسك لحيته. قال الأستاذ أبو الحجاج:" وهم في هذه المسألة إخوان المعتزلة، وقد بسط القول فيها أئمة؟ أهل السنة والحمد لله ولي الطول والمنة"(98)

لقد سار الضرير على تنظيم قريب من التنظيم الذي نظم به الجويني مضامين كتابه الإرشاد، لأن هذا الكتاب كانت له سلطة معرفية كبيرة لكن هذا لا يعني أنه نهج نفس نهجه، والذي يهمنا هو أن هذه المنظومة هي في عقيدة الأشاعرة ، وأن صاحبها الضرير راعى فيها السهولة والتقريب إلى إفهام الناس وعقولهم وما ذلك إلا تحت وطأة الصراع الذي كان قائما بين ممثلي الأشاعرة، والمدافعين عن مذهب أهل التسليم والتفويض(99)، مما كان يدفع المفكرين الأشاعرة إلى التسهيل حتى يتمكن المبتدءون، والعامة من فهمها، والاعتقاد بها، والتمسك بما جاء فيها، فتتفشى أكثر في أوساطهم وتنتشر. وهذا ما دفع الضرير إلى نهج أسلوب الأراجيز السهل المنال، والذي يطلع على منظومة " التنبيه والإرشاد" يجدها مستوعبة لجميع ما أثاره علم الكلام الأشعري من دقائق الأمور، وكبيرها. فهي تحتوي على تسع وتسعين بابا، بداءا من باب الكلام، وانتهاء بباب ترتيب الصحابة. وقد خول لها استيعابها لكل ما يطرح من أمور العقيدة الأشعرية، كذلك بساطة مضامينها، وصياغتها الرجزية أن تنهض بدور مهم وكبير في عملية انتشار المذهب الأشعري وتغلغله، وتكريسه مذهبا رسميا للغرب الإسلامي، فالضرير تولى تدريسها بنفسه في مراكش، وقد أخذها عليه مجموعة من كبار علماء المغرب في هذه الفترة. (100) ومن بينهم تلاميذه أبو عبد الله مالك ابن مروان اللجوسي الضرير أخذ عنه وعن أبي بكر بن العربي (101). وعلماء الأندلس وتتالت عملية تدريسها بعد الضرير في جوامع الأندلس والمغرب وغيرها، ويسهر على تدريسها جمع كبير من كبار الأئمة في هذا المذهب، فقد تولى تدريسها بالأندلس تلميذه المباشر أبو عبد الله محمد بن خلف القرطبي الشهير الإلبيري (ت 537هـ/1143م) الذي «كان حافظا لكتب الأصول والاعتقادات واقفا على مذهب أبي الحسن الأشعري وأصحابه» (102) وألف تآليف عدة في الموضوع منها الرد على أبي الوليد ابن رشد في مسألة الاستواء (103). ومن تلاميذه عيسى بن يوسف بن عيسى بن علي الأزدي المدعو بابن الملجوم (ت 543هـ/1148م) (104) وبعده أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الفخار (من أعلام القرن السابع الهجري)، ومحمد بن خليل السكوني صاحب أربعون مسألة في أصول الدين. (105)

 ويشير بعض الباحثين إلى:" أن هذه المنظومة العقدية شكلت أوائل العقائد التي كتب لها أن يهتم بها من جاء بعد الضرير من المفكرين وأن تسهم بقسط وافر في تكريس هذا المذهب الأشعري مذهبا رسميا في الغرب الإسلامي"، فما هي إذن أهم الأراء التي وردت في هذه المنظومة؟

الواقع أن كل ما ورد في منظومة الضرير يحمل طابعا أشعريا لا غبار عليه، لكن ما ينبغي الوقوف عنده هو ما يلي:

- النظر : وفيه يرى الضرير ضرورة تعليم علم الكلام الأشعري لعامة الناس دون استثناء حين يعتبر النظر العقلي واجبا عينيا على كل مسلم ومسلمة، فلا يصح إيمان المرء إلا باعتقاده عن طريق النظر العقلي أمور العقيدة الأشعرية، فالإيمان عنده كما هو عند سائر الأشاعرة، تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، على أن العمل بالجوارح ليس شرطا أساسيا من شروط الإيمان، وإنما اعتبر إضافته من المجوزات فقط فحتى إذا ما ظهر شخص يقر بلسانه إيمانه إلا أن أعماله لا تتطابق مع معتقده. يقول الضرير:

((فهو مؤمن بحكم الظاهر    وغيبه عند العلم القاهر)) (106)

حدوث العالم : يعتمد الضرير في إثبات هذه المسألة على نفي السببية. فما دامت السببية غير موجودة في ظواهر الكون بحيث لا يمكن للأشياء أن تخلق نفسها بنفسها، أو تخلق بعضها، ولا تكون سببا لبعضها فإن الله وحده هو الخالق، والسبب الأوحد في هذا الكون، فالزناد مثلا لا يتضمن نارا ولكنه يشعلها لا باعتباره سببا ولكن لعادة شاءها الله وأبدعها فيه. يقول الضرير:

وحدث النار عيانا يشهد                      إذ ليس في الزند نار توقد

وإنما يبدعها الإله                                 عند اقتداح الزند أو سواه

أراد أن يكون هذا عادة                          من فعله يفعل ما أراده

  - خلق الأفعال (الكسب) : يخصص الضرير بابا في منظومته لمسألة خلق الأفعال يتكلم بصراحة عن نظرية الكسب الأشعري فهو يثبت للإنسان القدرة على فعل ما يدخل تحت مقدوراته، فهو يقول :

والعبد يكتسب صفاته                      ما هو من أجناس مقدوراته

وهذه القدرة والمقدور                     كلاهما ببدعة القدير (107)

الإمامة : يرى الضرير وجوب قيام الإمامة في مجتمعات المسلمين، لأن في ظلها تقام حدود الله، ويتمكن المؤمنون من الجهاد والدفاع عن الحياض، والإمام الذي يتولى شؤون المسلمين ينبغي أن يكون عاقلا، عالما، مستقيما، سليم الحواس والتمييز بين الأمور، وشجاعا مقداما وأن يكون قرشي النسب. لكنه في حالة ما عدا إذا وجد إمام يأمر بالظلم، أو يأمر بإتيان الحرام جملة، فلا يحل للمسلمين طاعته، لكن بشرط أن يكون في ذلك مأمون السطوة والمكر. أما إذا كان في زجره وتخويفه فتنة للمسلمين، فلا لجوء إلى ذلك بل إن القيام عليه يصبح حراما لأن فيه نقضا لعهد، والله يأمر في كتابه بالوفاء بالعهود. وعلى العموم فأن أبا الحجاج الضرير تطرق في منظومته هذه إلى مجموع ما طرحته العقيدة الأشعرية من أمور سواء كانت أصلية أم فرعية. وأيا ما كان من الأمر فإن هذه المنظومة" التنبيه والإرشاد" قامت بدور كبير في عملية تغلغل المذهب الأشعري والسير به نحو الترسيم نظرا لطبيعتها التعليمية، ولقرب فهمها من طرف المتعلمين فاكتسبت من هذا الجانب أهميتها التاريخية، حيث مثلت طلائع العقائد التي دخلت في تكوين هذه المرحلة. (108)

     وذكر القاضي أبو الفضل عياض في فهرسته الموسومة بالغنية عددا آخر من المتكلمين، منهم أبو القاسم المعافري الذي اعتكف بسبتة على تدريس الأصول والكلام طول حياته. وذكر أيضا شيخه أحمد بن محمد الجذامي المعروف بالزنقي، ووصفه بـ «شيخ المتكلمين على مذهب أهل الحق في وقته». وقد روى عياض عن هؤلاء الشيوخ عددا من الكتب في علم الكلام والعقيدة من تآليفهم ومما كانوا يرونه. ومما يستحق أن يذكر هنا هو أن أكثر المتعاطفين مع الأشعرية كانوا من ذوي الميول إلى الزهد والتصوف. (109) فهل تعتبر تلك مقدمات تحالف صوفي أشعري لمواجهة المرابطين الذين وقفوا ضد التوجهين معا؟

خاتمة

من خلال تناولنا لبحث الحضور الأشعري زمن دولة المرابطين، فقد توصلنا للنتائج التالية:

   أولا: أن مرحلة دخول المذهب الأشعري في المغرب الإسلامي استغرقت مدة طويلة ابتدأت بأوائل من كان له السبق في هذا المجال في أواخر القرن الرابع الهجري لتستمر إلى بداية القرن السادس الهجري..

     ثانيا: عكس ممثلي الفكر الأشعري في هذه المرحلة في الغرب الإسلامي التأثير الواضح لمتقدمي الأشاعرة وبخاصة تأثير أبي بكر الباقلاني وأبو المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، فجعل أشاعرة هذه المنطقة الذين سافروا إلى المشرق واحتكوا وتلقوا عنهم الأصلين، أو عمن كانت له صلة وطيدة معهم، فأفرز لنا ذلك جيلا من الأشاعرة يتميز بما تميز به متقدمو الأشاعرة مضمونا ومنهجا.

   ثالثا: أن كثير بعض الباحثين المعاصرين حينما تحدثوا عن ظهور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي ركزوا على منطقة دون أخرى، فجعلوا من المغرب الأدنى مثلا المنطقة التي مثلت الشرارة الأولى لانطلاق هذا المذهب وحضوره في كامل الغرب الإسلامي. ونحن من جهتنا لا ننكر الدور الذي قامت به هده المنطقة وبخاصة القيروان في هذا المجال عندما كانت منبعا ثقافيا فياضا، وملتقى فكريا احتضن مجموعة من المفكرين المتطلعين نحو التغيير والإصلاح، وتجديد الفكر وتطويره، فكان منهم رجال قاموا بأدوار في نشر هذا المذهب بإفريقية، والمغرب، والأندلس. ولكن هذا لا يعني أن المغرب الأدنى وحده هو الذي قام بهذا الدور. وهناك من يجعل من المغرب الأقصى بمدنه فاس ومراكش وسبتة مرجعا أساسيا في الحديث عن الفكر الأشعري وممثليه وانتشاره وتطوره، ونحن نقول أن كل من: دراس بن إسماعيل، و القابسي، والطلمنكي، المرادي وأبو عمران الفاسي، وأبو الفضل النحوي، و الباجي ...وغيرهم كثير. كل هؤلاء هم تونسيون، وجزائريون ومغاربة، لكن بكلمة واحدة أصح هم مفكرون أنتجتهم تربة واحدة هي تربة المغرب الإسلامي.

 وفي الأخير فإن ما يمكننا التأكيد عليه أكثر هو أن المذهب الأشعري عرف في هذه المرحلة بالغرب الإسلامي طابعا فرديا. يمثله أفرادا عادوا من المشرق وقد احتكوا بممثلي هذا المذهب هناك، فيعملون على نشره بين أفراد آخرين تجمعهم بهم علاقات تعليمية وثقافية فلم يقووا على الظهور بمظهر جماعي، فظل هذا المذهب إلى حين ظهور الدولة الموحدية. مذهب نخبة عالمة، تسعى من جانبها إلى نشره بين الناس؛ لكن مع قيام الدولة الموحدية سيعرف المذهب تغلغله وتفشيه الكبير، لأنه مثل بالنسبة لها الشعار الإيديولوجي، بحيث سيصبح المذهب الرسمي لهذه الدولة الجديدة، ولباقي الدول التي ستتعاقب الحكم في الغرب الإسلامي. فكيف صار هذا المذهب العقدي الجديد مذهبا رسميا للموحدين؟ وهل سيعرف في ذلك تطورا؟

1- عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت (الحركة الموحدية بالمغرب أوائل القرن السادس الهجري)، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هيرندن- فرجينيا ،1995، ص50.

2- المرجع نفسه، ص50.

3- تعددت الروايات التاريخية التي تروي نسب المرابطين، فقد ذكرت أنهم من قبائل صنهاجة، وهذه الأخيرة تنضوي تحتها أكثر من70 قبيلة بربرية أشهرها لمتونة وجدالة ولمطة ومسوفة وهي القبائل التي تشكلت على أساسها دولة المرابطين، ويقر بعض المؤرخين أمثال ابن عذاري بنسب المرابطين إلى لمتونة أحد بطون صنهاجة التي ترأست بقية القبائل، لذا اختصت لمتونة بلقب الملثمين، ثم صار هذا اللقب شعار يطلق على كل من ساند لمتونة. ويرى ابن عذاري المراكشي أن نسب أمراء دولة المرابطين ينتمي إلى جد مشترك يدعى منصور ، وافترقت أفخاذهم من الجد « ترجوت بن ورتاسنبن منصـور بن مصالة بن أميـة بن وانمالي الصنهاجي »، وتفرق من أولاد ترجوت الثلاثة ( محمد ،حميد ، إبراهيم ) بطون كثيرة ، ويرجع ابن عذاري أصل الصنهاجيين إلى حميـر بقولـه: « إن صنهاجة من ولد عبد شمس بن وايل بن حميـر » ينظر: مجهول : مفاخر البربر ، تحقيق : عبد القادر بوباية ، ط1 ، دار أبي رقراق ، الرباط ، 2005 ، ص 144 ؛ مجهول : الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية ، تحقيق : سهيل زكار وعبد القادر زمامة ، ط1 ، دار الرشاد الحديثة ، الدار البيضاء ، 1979 ، ص17 ؛ ابن عذاري المراكشي : البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، تحقيق : إحسان عباس ، ط3 ، دار الثقافة ، بيروت ، 1983 ، ج4 (قسم المرابطين ) ، ص 17 ؛ ابن الأثير أبو الحسن علي الجزري : الكامل في التاريخ ، تحقيق : محمد يوسف الدقاق ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1987 ، ج8 ، ص 327 وما بعدها ؛ علي محمد الصلابي : دولة المرابطين ، دار ابن الجوزي ، القاهرة ، 2007، ص09.

4- عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق: عمران المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ص236؛ عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح في حركة المهدي بن تومرت، ص51.

5- عبد المجيد النجار: المرجع نفسه، ص51.

6- نفسه، ص52.

7- المراكشي: المعجب، ص151؛ عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح، ص52.

8- أبي القاسم ابن حوقل النصيبي: صورة الأرض، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، 1992، ص 90؛ عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح، ص53.

9- أحمد بن محمد المقري التلمساني: نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، ط1، مطبعة السعادة: مصر، ،1949م ج1، ص102؛ عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح، ص53.

10- عبد المجيد النجار: تجربة الإصلاح، ص ص: 53، 54.

11- يحي هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة العصرية، القاهرة، 1966م، ج 1، ص ص: 201، 202.

12- حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته، ط1، العصر الحديث للنشر والتوزيع، بيروت، 1992م، ج 2، ص:110.

13- إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة، مؤسسة الرسالة، بيروت،2005، ص: 107.

14-  حسين مؤنس: تاريخ المغرب وحضارته، ج 2، ص ص: 140، 141.

15- أبو عبد الله بن محمد بن أبي نصر الحميدي: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، الدار المصرية للتأليف، القاهرة، 9661م، ص ص: 109،110.

 16- ابن رشد: مسائل أبي الوليد ابن رشد، تحقيق محمد الحبيب النجكاني، ط1، دار الآفاق الجديدة، الدار البيضاء 1992، ج1، ص: 34.

 17- أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، ط10، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1995م، ج4، ص185.

 18- عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص: 151.

19- الخشني: طبقات علماء افريقية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ب.ت.، ص: 214.

20- عبد المجيد النجار: فصول في الفكر الإسلامي بالمغرب، ط 1، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 9921م، ص ص: 42، 43.

21-  يحي هويدي، المرجع السابق: ج 2، ص ص: 208 - 212.

22- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة اليديني، الرباط، المملكة المغربية، 2003، ص61.

23 - محمد عبد الهادي شعيرة: المرابطون وتاريخهم السياسي (430 - 539)، ط1، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة، ،1969م، ص ص 15-37.

24 - عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ص: 151.

25 - عبد الله بن بيه: الأثر السياسي للعلماء فى عصر المرابطين، ط 1، دار الأندلس الخضراء، المملكة العربية السعودية، 2000، ص: 120.

26- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي، تفقه على يد أبي جعفر أحمد بن رزق، توفي سنة 520 هـ،و  كان فقيها عالما حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره نافذا في علم الفرائض والأصول من أهل الرياسة في العلم والبراعة وقد تولى قضاء قرطبة تحت إلحاح أمير المسلمين علي بن يوسف وكان ابن رشد كارها لهذه التولية فاستعفى منها بعد أربع سنوات من ممارسته لها التي سار فيها بأحسن سيرة وأقوم طريقة ورجع إلى نشر العلم فرحل الطلبة إليه من أقطار الأندلس للتفقه وقد اجمع من ترجموا له بأنه كان ناسكا عفيفا سهل الحجاب وأستاذا بطبعه يحب التدريس ويحسن طرق التبليغ تسعفه مادة علمية غزيرة وتفكير منظم وحرص على نفع الطلب وقد أعطاه كل ذلك مكانة مرموقة عند الخاصة والعامة فكان مقدما عند أمير المسلمين علي بن يوسف عظيم المنزلة عنده معتمدا على فتواه استخدم ابن رشد هذه المكانة الرفيعة لرعاية أهل بلده وخدمتهم فكان الناس يلجئون إليه ويعولون في مهماتهم عليه كثير النفع لأصحابه جميل العشرة لهم كثير البّر بهم. وكانت له مواقف عظيمة مثل موقفه وبلاءه في إخماد ثورة أهل قرطبة وأواخر سنة 514هـ وقد أثرى ابن رشد الميدان الفقهي بمؤلفاته نذكر منها على سبيل المثال "البيان والتحصيل" وهو أهم مؤلفاته وهو كتاب جليل يعتبر احد أهم أمهات كتب المذهب المالكي ومن أهميته أن ابن رشد طلب الإعفاء من القضاء لأجل إملاء هذا الكتاب على الطلبة وكذلك كتاب المقدمات المهمات. ينظر: ابن بشكوال: الصلة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1966، ج2، ص:546. 547؛ محمد بن مخلوف: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة،1349هـ، ج1، ص:129؛ القاضي عياض: الغنية، تحقيق: ماهر زهير جرار، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان،1982 ص:118؛ المقري: نفح الطيب، ج2، ص:272؛ عصمت عبد اللطيف دندش: الأندلس في نهاية المرابطين ومستهل الموحدين عصر الطوائف الثاني، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1988، ص390.

 27- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري، ص ص: 72- 73.

28 - عبد الواحد المراكشي: المعجب، المصدر السابق، ص: 150.

29- للمزيد حول نظرة الغرب الإسلامي أيام المرابطين والموحدين لهذا الكتاب ينظر: محمد المنوني: حضارة الموحدين، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،1989، ص191- 199.

 30- أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين الأندلسي المالكي، قاضي قرطبة على عهد الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين، توفي سنة508 هـ. ينظر ترجمته: الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناوؤط، ط2، مؤسسة الرسالة،1982م، ج 20، ص: 422.

 31- علي بن يوسف بن تاشفين، رابع الأمراء المرابطين (500 - 533 هـ)، راجع: محمد شعيرة، المرجع السابق: ص: 87.

32 - ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق:ج.س.كولان وإ. ليفي بروفنسال، ط3، دار الثقافة، بيروت، لبنان،1983، ج 4، ص: 59.

 33- محمد شعيرة: المرجع السابق: ص251.

34 - رابح بونار: المغرب العربي تاريخه وثقافته، ط2, الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر, 1981م، ص 270.

35 - محمد بيه: المرجع السابق، ص: 126.

36 - أبو حامد الغزالي: إحيـاء علوم الدين، تحقيق: السحـاب الطحان وعبد الله المنشاوي، ط1، مكتبة الإيمان، القاهرة، 1996، ج1، ص:08.

 37-محمد عابد الجابري: ابن رشد- سيرة وفكر- دراسة ونصوص، ط 2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001م، ص: 26

38 - عبد الكريم تواتي: مأساة انهيار الوجود العربي في الأندلس، ط 1، مكتبة الرشاد، الدار البيضاء، 9671م، ص ص: 359 - 361.

39 - سعد زغلول عبد الحميد: تاريخ المغرب العربي، مطبعة أطلس، القاهرة، 1990، ج4، ص: 416.

 40- أحمد محمود صبحي: في علم الكلام- دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين-الأشاعرة، ط5، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان،1985، ج 2، ص: 229.

 41- انخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية، بورسعيد، (د. ت)، ص ص: 430 - 431.

42 - ماريا إيزابيل فييرو: الزندقة والبدع في الإسلام، ضمن كتاب جماعي "الحضارة العربية الإسلامية بالأندلس" بإشراف سلمى خضراء الجيوسي، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998م، ج 1، ص: 1254.

 43- أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي. انظر ترجمته: أبو الوليد عبد الله بن محمد ابن الفرضي: تاريخ علماء الأندلس، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة،1966م، ج2، ص89.

 44- المصدر نفسه: ج 2، ص: 89.

 45- كمال السيد أبو مصطفى: دراسات أندلسية في التاريخ والحضارة، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية، 9971م، ص:26.

46 - ابن حزم بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، كان صاحب حديث وفقه وجدل، كان شافعيا ثم صار ظاهريا، ولبث عليه إلى أن مات سنة 456 هـ من مؤلفاه "أخلاق النفس" و"طوق الحمامة". انظر ترجمته: المقري: نفح الطيب، ج2، ص: 283.

47 - أبي محمد علي بن احمد الأندلسي ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق محمد ابراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، ط2، دار الجيل، بيروت،1996، ج4، ص: 207.

 48- ابن حزم: المصدر السابق، ج 4، ص: 221.

 49-المصدر نفسه: ج1، ص:112.

50 - القاضي عياض: ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة رجال مالك، تحقيق: أحمد بكير محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت 1967، ج 2، ص 805.

51- ماريا إيزابيل فييروا: المرجع السابق: ج2، ص 1246.

52 - إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة، ص 271.

53- البجليين: وهم قوم من الشيعة الرافضة استقروا في تارودانت- قاعدة بلاد السوس- يقال لهم البجلية نسبة إلى علي بن عبد الله البجلي الرافضي- ارتحل إلى بلاد السوس أيام قيام عبيد الله الشيعي بافريقية- فأشاع هناك مذهب الرافضة فتوارثوه عنه جيلا بعد جيل وعضوا عليه، قضي عليهم من طرف عبد الله بن يلسين وأبو بكر بن عمر وبذلك عادت بلاد تارودانت إلى مذهب السنة والجامعة، للمزيد ينظر: أبو العباس أحمد بن خالد الناصري: الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى- الدولتان المرابطية والموحدية-، تحقيق:جعفر الناصري ومحمد الناصري،دار الكتاب، الدار البضاء المغرب،1954،ج2،ص13.

54- برغواطة: وهم أخلاط من قبائل شتى من البربر المصامدة، اجتمعوا إلى صالح بن طريف، كانت مواطنهم بين بسائط تامسنا وريف البحر، حيث ادعى النبوة أيام هشام بن عبد الملك، وأطلق على أتباعه أصحاب النحلة أو الديانة البراغواطية...للمزيد ينظر: ابن عذاري المراكشي: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ج1، ص 56، 57؛ ألفرد بل: الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981.، ص-ص، 173-179.

55- محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، فصل من كتاب التاريخ والفقه- أعمال مهداة إلى المرحوم محمد المنوني- تنسيق محمد حجي، ط1، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،2002، ص142.

56- المراكشي: المعجب، ص151؛ محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص141.

57- نعت ابن حوقل المالكيين من أهل السوس الأقصى في القرن 4هـ/10م بقوله: «والمالكيون من فضاض الحشوية»، صور الأرض، ص.91؛ أما ابن رشد الحفيد (ت595هـ) فرأى أن الحشوي يعتقدون «أن طريق معرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل»، الكشف عن مناهج الأدلة، ص:101-102؛ كما تعرف الحشوية: «الحشوية هم الذين يروون الأحاديث المحشوة أي التي حشاها الزنادقة في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقبلونها ولا يتأولونها، وهم يصفون أنفسهم بأنهم أصحاب الحديث وأنهم أهل السن والجماعة، ولا مذهب لهم منفرد. وأجمعوا على الخير والتشبيه، وحسموا وصوروا وقالوا بالأعضاء، وقدم مابين الدفتين من القرآن. ويدعون أن أكثر السلف منهم، وهم برآء من ذلك. وينكرون الخوض في علم الكلام والجدل، ويعملون على التقليد وظواهر الآيات»، ينظر هامش: محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص144.

58- توزري الأصل، عكف على طلب العلم في صغره بافريقية حتى نبغ فيه، وقد أخذ صحيح البخاري عن اللخمي، ويحكى أنه لما لقيه طالب علم سأله: ما جاء بك؟ فقال له: جئت لأنسخ تأليف " التبصرة " فقال له: إنما تريد أن تحملني في كفك إلى المغرب، أو كلاماً هذا معناه" , وقد أشار بذلك إلى أن عمله كله في هذا الكتاب, وأخذ أيضا عنده أعلام ذلك العصر كالمازري صاحب الصيت البعيد وأبي زكريا الشقراطسي وعبد الجليل الربعي، وكان أبو الفضل بن النحوي عارفا بأصول الدين والفقه وأحد أعلام القرآن العاملين بحلاله وحرامه, ويميل إلى النظر والاجتهاد, وقد ترك تأليف حسنة . أخذ عنه جماعة من علماء ذلك العصر, أشهرهم: أبو عمران موسى ابن حماد الصنهاجي الذي كان معجباً به كثيراً حتى قال عنه: إنه في بلادنا بمنزلة الغزالي في العلم والعمل.للمزيد ينظر: أبي يعقوب بن يحي التادلي ابن الزيات: التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي،تحقيق أحمد توفيق،ط2،كلية الآداب الرباط،1997، ص-ص:95-101؛ أبو عبد الله محمد ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، مراجعة محمد بن أبي شنب، المطبعة الثعالبية، الجزائر،1907 ،ص-ص:299-304؛ أبي العباس أحمد الخطيب ابن قنفد القسنطيني: أنس الفقير وعز الحقير، نشر محمد الفاسي وأدولف فور، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي،الرباط،1965،ص107،108؛ ابن القاضي: جذوة الاقتباس ،ج2،ص 552، 553؛ أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج في تطريز الديباج، تقديم عبد الحميد عبد الله الهرامة، ج 1و2، ط1،منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس،1989،ص-ص:622-625؛ ابن مخلوف: شجرة النور الزكية،ص126؛ محمد المغراوي: فتوى لأبي الفضل بن النحوي حول إحياء علوم الدين للغزالي، ضمن متنوعات محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت،1998،ص-ص:116-121.

59- يرجع الفضل في اختطاط وتأسيس مدينة قلعة بني حماد عام 398هـ/1007م إلى الأمير حماد بن بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي (تـ 419هـ/1028م) الذي اتخذها عاصمة لإمارته التي انفصلت عن الدولة الزيرية. وفي ذلك يقول ابن خلدون: «...واختط مدينة القلعة بجبل كتامة سنة ثمان وتسعين، وهو جبل عجيسة، وولى العهد قبائل عياض من عرب هلال. ونقل إليها أهل المسيلة وحمزة وخربهما. ونقل جراوة من المغرب وأنزلهم بها، وتم بناؤها وتمصيرها على رأس المائة الرابعة. وشيد من بنيانها وأسوارها، واستكثر فيها من المساجد والفنادق فاستبحرت في العمارة واتسعت بالتمدن. ورحل إليها من الثغور والقاصية والبلد البعيد وطلاب العلوم وأرباب الصنائع لنفاق أسواق المعارف والحرف والصنائع بها» ينظر: ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ج6، ص 202؛ عيسى بن الذيب وآخرون: الحواضر والمراكز الثقافية في الجزائر في العصر الوسيط، ص،ص 74، 75 ؛أحمد أبو عبد الرزاق: الأدب في عصر دولة بني حماد ، الأدب في عصر دولة بني حماد ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، الجزائر ،1979م،ص66.

60- ابن الزيات: التشوف إلى رجال التصوف، ص.98-99؛ محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص144.

61- محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص144، 145.

 62- الطاهر بونابي: التصوف في الجزائر - خلال القرنين 6 و7 الهجريين، 12 و13 الميلاديين-، دار الهدى للطباعة، عين مليلة، 2004، ص117.

63- ابن مريم: البستان في ذكر الأولياء، ص301.

64- التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، ص623، 624.

65 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص211.

66- التنبكتي: المصدر السابق، ص624، 625.

67- علي الفاسي ابن أبي زرع: الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972، ج2، ص41.

68- التنبكتي: المصدر السابق، ص624.

69- رابح بونار : المرجع السابق، ص186.

70- التنبكتي: المصدر السابق، ص624.

71- عبد الغني حروز: الحياة العلمية في قلعة بني حماد 408-461هـ/1017-1070م، مذكرة ماجستير، المدرسة العليا للأساتذة، الجزائر،2011، غير منشورة، ص104، 105.

72- رابح بونار: المرجع السابق، ص. ص186، 187.

73- رابح بونار: المرجع السابق، ص ص 187، 188.

74- جورج مارسيه: بلاد المغرب وعلاقاتها بالمشرق الإسلامي في العصور الوسطـى، ترجمة: محمود عبد الصمد هيكل، مطبعة الانتصار، الإسكندرية، 1991، ص 220.

75- أبي عبد الله محمد محمد بن عبد الكريم الفاسي التميمي: المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد، تحقيق محمد الشريف، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، 2002م، ص350.

76- عبد الحميد الخالدي: نبذة مختصرة لبعض علماء الجزائر في العهد الحمادي، مجلة الثقافة، العدد 112، وزارة الثقافة والاتصال، الجزائر، 1999م، ص ص158-159.

77- يوسف أحنانة: أستاذ وباحث وأكاديمي مغربي متخصص في التاريخ الوسيط، خاصة التاريخ المذهبي لبلاد المغرب، له عدة مؤلفات أهمها كتاب تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي.

78- يوسف أحناتة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص61

79- المرجع نفسه، ص61.

80- المراكشي: المعجب، ص.172.

81- محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص140.

82- يحتمل أحنانة إمكانية أن يكون أبو بكر الحسن بن المرادي تلميذا للإمام أبو عمران الفاسي فيقول:" ...إن نبوغ أبي عمر الفاسي وتضلعه في الفقه المالكي، والعقيدة الأشعرية دفعه إلى تأسيس دولة جديدة بالمغرب الأقصى كان يهدف منها أن تكون عقيدتها الرسمية هي عقيدة الأشاعرة لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد تأسست فعلا دولة المرابطين الملثمين وفق تخطيطه وهندسته لكنه لم يعاصر ولم يواكب هذا التأسيس، حتى يتمكن من الإشراف عليه، وتوجيهه الوجهة التي يرتضيها. فقد مات قبل قيام هذه الدولة، لكن شخصا من المحتمل أن يكون تلميذا له هو الذي سيتولى هذه المواكبة والتنظير لهذه الدولة الجديدة وتوجيهها توجيها سياسيا، ويتعلق الأمر بأبي بكر محمد بن الحسن الحضرمي المرادي..." تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص65.

83- ابن الزيات التادلي: التشوف إلى رجال التصوف، ص106.

84- محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص141.

85-  ابن الزيات: التشوف، ص106؛ القاضي عياض: الغنية، ص226؛ محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص141.

86- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص66.

87- ابن الزيات: التشوف إلى رجال التصوف، ص106.

88-  يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي،ص 66، 67.

89- المرجع نفسه:ص 67، 68.

90- القاضي عياض: الغنية، ص227؛ يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص 68.

91- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص 68، 69.

92- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص 69؛ محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص138، 139.

93- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص 70؛ محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص138، 139.

94- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص70، 71.

95- ينظر ترجمته: القاضي عياض: الغنية، ص 226؛ ابن شكوال: الصلة، ج2، ص. 644؛ أحمد بن يحي بن احمد بن عميرة الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، مكتبة المثنى، بغداد، مؤسسة الخانجي، مصر، 1884م، ص 492؛ ابن الزيات التادلي: التشوف، ص.105، 106.

96- ابن الزيات: التشوف إلى رجال التصوف، ص105، 106.

97- القاضي عياض: الغنية، ص 226؛ ابن شكوال: الصلة، ج.2، ص. 644؛ ابن عميرة الضبي: المصدر السابق، ص. 492؛ ابن الزيات التادلي: التشوف، ص.105، 106.

98- عمر السكوني: عيون المناظرات، تحقيق سعد غراب، منشورات الجامعة التونسية، 1976، ص290.

99- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص83.

100- القاضي عياض: الغنية، ص 226.

101- ابن الزيات: التشوف، ص266.

102- محمد المغراوي: تطور المذهب الأشعري بالمغرب الأقصى إلى حدود العصر المرابطي، ص141.

103- المرجع نفسه، ص142.

104- جمال علال البختي: عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية (دراسة لجانب من الفكر الكلامي بالمغرب من خلال البرهانية وشروحها)، ط1، دار أبي الرقراق للطباعة والنشر، الرباط،2005، ص130، 131.

105- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، ص84.

106- المرجع نفسه، ص86.

107- يوسف أحنانة: تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي: ص86.

108- المرجع نفسه، ص88، 89.

109- وكان القاضي عياض قد لقيه بقرطبة وأخذ عنه سنة 507هـ/1113م ، ينظر: القاضي عياض: الغنية، ص: 117 و226؛

@pour_citer_ce_document

عبد الغني حروز, «الحضور الأشعري زمن دولة المرابطين (448-541هـ /1056-1147م) قراءة في المواقف والتطور»

[En ligne] مجلةالآداب والعلوم الاجتماعيةRevue des Lettres et Sciences SocialesJournal of Arts and Social Sciences العدد 01 مجلد 17-2020Issue 01 volumes 17-2020N°01 VOL 17-2020
Papier : ص ص 65-81,
Date Publication Sur Papier : 2020-04-22,
Date Pulication Electronique : 2020-04-22,
mis a jour le : 22/04/2020,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=6704.