قدسية الحياة الإنسانية ورهانات البيوتكنولوجيا المعاصرةThe sanctity of human life and the challenges of contemporary biotechnologie
XML sitemap


Archive of the Arts and Social Sciences magazine


Issue 01 April 2004


Issue 02 May 2005


Issue 3 November 2005


Issue 04 June 2006


Issue 05 June 2007


Issue 06 January 2008


Issue 07 June 2008


Issue 08 May 2009


Issue 09 October 2009


Issue 10 December 2009


Issue, June 11, 2010


Issue 12 July 2010


Issue 13 January 2011


Issue 14 June 2011


Issue 15 July 2012


Issue 16 December 2012


Issue 17 September 2013


Journal of Arts and Social Sciences


Issue 18 June 2014


Issue 19 December 2014


Issue 20 June 2015


Issue 21 December 2015


Issue 22 June 2016


Issue 23 December 2016


Issue 24 June 2017


Issue 25 December 2017


Issue 26 volumes 15 2018


Issue 27 volumes 15 2018


Issue 28 volumes 15-2018


Issue 01 volumes 16-2019


Issue 02 volumes 16-2019


Issue 03 volumes 16-2019


Issue 04 volumes 16-2019


Issue 01 volumes 17-2020


Issue 02 volumes 17-2020


Issue 03 volume 17-2020


Issue 01 volumes 18-2021


Issue 02 volumes 18-2021


Issue 01 volumes 19-2022


About the magazine

advanced

Archive PDF

Issue 01 volumes 19-2022

قدسية الحياة الإنسانية ورهانات البيوتكنولوجيا المعاصرة

The sanctity of human life and the challenges of contemporary biotechnologie
ص ص 56-72
تاريخ الإرسال: 2020-02-06 تاريخ القبول: 2021-10-12

أحمد شوال
  • resume:Ar
  • resume
  • Abstract
  • Auteurs
  • TEXTE INTEGRAL
  • Bibliographie

سنتطرق في موضوعنا هذا إلى العلاقة بين قدسية الحياة الإنسانية والبيوتكنولوجيا المعاصرة. التحليل الأولي أطلعنا على نموذج الفصل بين القيمة والمعرفة وذلك لأسباب تتعلق أساسا بالنموذج الحداثي الذي سيطرت عليه النظرة العلمية الوضعية، التي اتخذت من الجانب المادي للإنسان (الجسد) أساس كل اهتماماتها العلمية  ، ومتجاوزة بذلك الجانب الروحي والأخلاقي للإنسان الذي وصل إلى حد تجاوز قدسية الحياة الإنسانية، وهو الأمر الذي جعل البيوإيتيقا تضع الخطاب الفلسفي المعاصر في مركز النقاشات بهدف تهذيب (أخلقة) الممارسات البيوتكنولوجية، ومنها احترام قدسية الحياة الإنسانية، لأن هذه الأخيرة عرفت تجاوزات خطيرة في ظل الممارسات البيوتكنولوجية المعاصرة، و هو ما سمح لفلاسفة ما بعد الحداثة للاهتمام بهذه المسألة. ذلك وجهنا اهتمامنا لنموذجين فلسفيين معاصرين وهما: الفرنسي "فرانسوا داغونيي"، والألماني "يورغان هابرماس" وهما توجهان مختلفان. كما أننا سلطنا الضوء على عواقب الثورة البيوتكنولوجية على الفرد، الأسرة والمجتمع

الكلمات المفاتيح:

قدسية الحياة الإنسانية، البيوتكنولوجيا، الممارسات البيوتكنولوجية، فرانسوا داغونيي، يورغان هابرماس

Nous allons aborder dans notre sujet, la relation entre la sacralité de la vie humaine et la biotechnologie contemporaine. Une première analyse nous fait apparaître le modèle de séparation entre la notion de valeur et celle de la connaissance, et ce pour des raisons  liées essentiellement au modèle de modernité dominé par l'esprit scientifique positive qui a pris le côté matériel de l'homme (le corps)Comme essentielle de ses préoccupationsScientifiques, dépassant ainsi le coté spirituel et moral de l'homme, et même la sacralité de la vie humaine, ce qui a permis à la bioéthique de mettre le discours philosophique contemporain au centre des débats dans le but de moraliser le pratique Biotechnologique,  et respecter ainsi la sacralité de la vie humaine qui a connu de graves dépassements au nom du progrès de la biotechnologie , ceci a permis aux philosophes  postmodernistes de se pencher sur cette question, à cet égard nous nous sommes focaliser sur deux grands philosophes à savoir le français :  "François Dagognet"  et l'allemand "Jürgen Habermas", dans deux concepts différents, et aussi les conséquences de la biotechnologie sur l'individu, la famille et la société  .

Mots-clés : Sacralité de la vie humaine, biotechnologie, pratique biotechnologique, François Dagognet, Jürgen Habermas

This research discusses the relationship between the sanctity of human life and contemporary biotechnology. The preliminary analysis showed us the model of the separation between value and knowledge for reasons related mainly to the modernist model that was dominated by the positivistic scientific view, which took the material aspect of the human being (the body) as the basis of all its scientific interests, and thus bypassing the spiritual and moral aspects of the human being and even transcending the sanctity of human life. This makes bioethics put contemporary philosophical discourse at the center of discussions with the aim of refining biotechnological practices, including respecting the sanctity of human life, because the latter has known serious transgressions in light of contemporary biotechnological practices, which allowed postmodern philosophers to take care of this issue. Therefore, the study focuses on two contemporary philosophical models: the French François Dagognetand the German Jürgen Habermas, who are of two different orientations. It has also highlighted the consequences of the biotechnological revolution on the individual, family and society.

Key words:Sacredness of human life, biotechnology, biotechnological practice, François Dagognet, Jürgen Habermas

Quelques mots à propos de :  أحمد شوال

جامعة محمد الأمين دباغين. سطيف2 ahmedchoual07@gmail.com

مقدمة

كانت الفلسفات القديمة والحديثة تنظر إلى الإنسان نظرة مزدوجة متمثلة في الجسد والروح حيث يتعالى فيها الجانب الروحي (المعنوي) على الجانب الجسدي (المادي)، فكل القيم كانت ترد إلى الروح، بينما الجسد كانت ترد إليه كل الغرائز الحيوانية، فالروح فهي الجانب المقدس من الذات، لكن مع ظهور البيولوجيا وتطورها بدأت هذه القدسية تتلاشى شيئا فشيئا، وأصبح الإنسان مجرد ظاهرة طبيعية تجرى عليها التجارب، شأنه شأن كل الظواهر الطبيعية الأخرى، ومع تزايد وتطور الاكتشافات العلمية والتكنولوجية أصبح علم الوراثة عموما والتقنيات البيولوجية خصوصا مجتمعة في البيولوجيا المعاصرة تشكل تحديا مشوقا، مثيرا ومخيفا يواجه الجيل الحاضر والأجيال القادمة نتيجة إلحاق الدراسات البيولوجية بالتكنولوجيا المعاصرة، فنتج عن هذا التزاوج مولود جديد هو البيوتكنولوجيا، فرغم حداثة ولادته إلا أنه حقق اكتشافات واختراقات تجاوزت توقعات العلماء أنفسهم، فأصبح الكلام بفضل البيوتكنولوجيا ممكنا عن إزالة اللثام عن جوهر الحياة.

فموضوع هذه المساءلة التحليلية البحثية لقدسية الحياة الإنسانية وعلاقتها بالبيوتكنولوجيا المعاصرة سنحاول من خلالها تجاوز الطرح الكلاسيكي الذي يرد كل المسائل العلمية إلى الأخلاق، وكذلك النظر إلى ما مدى مسايرتها للقيم الإنسانية، إن هذه المساءلة ستقودنا إلى مسائل أساسية للإنسان، وهي الحياة وقدسيتها، أي ما مدى تأثير هذه الاكتشافات البيوتكنولوجية على قدسية الحياة مستقبلا؟ لأن الماضي علم الإنسان أشياء كثيرة من جراء تفجير قنبلتين نوويتين نهاية الحرب العالمية الثانية، وما تبعهما من آثار مازالت بادية إلى يومنا هذا، وما نتج عنهما من تشوهات وراثية لحقت الأجيال المتعاقبة.

وتأتي أهمية هذا الموضوع من راهن البيوتكنولوجيا المعاصرة التي تجاوزت دورها الأصلي وانخرطت في سياق تشكيل رؤية جديدة تعكس في مضمونها مفهوما مخصوصا عن الإنسان حيث أصبح أداة و كائنا نرجسيا غرائزيا، فاحتجبت بفعل هذه الهيمنة العلمية على الحياة الاجتماعية والفردية، فخرجت الأمور عن مسارها الصحيح من مجرد أفكار إلى اكتشافات علمية باسم البيوتكنولوجيا، فأصبح الكلام عن الإجهاض، الموت الرحيم ، اختيار جنس المولود ، واختيار صفاته الجسمانية والعقلية، وانتهى إلى الكلام عن  تخليق الإنسان المماثل عن طريق استنساخه، بل وذهب الخيال إلى أبعد من ذلك، كالكلام عن إنسان آلي مزود بقطع في أصغر مكوناته (النانو تكنولوجيا) ليتعدى إلى الكلام عن آلة إنسان (سيبورغ) بدلا من إنسان آلة ، وتجاوز التفكير إلى محاولة ابتكار بيئة جنينية يولد فيها الإنسان خارج الرحم.

وتحفزنا أهمية هذا الموضوع إلى رصد الأهداف المتوخاة من ملامسة إشكالية العلاقة الممزقة بين البيوتكنولوجيا المعاصرة وقدسية الحياة الإنسانية، والتفكير في بلورة أخلاقيات حاكمة للبيولوجيا المعاصرة والممارسات الطبية متمثلتين في البيوتكنولوجيا متى أردنا أن نعطي معنى لقدسية الحياة الإنسانية، وهذه الأهداف نجليها في الاتي:

-رصد معنى الحياة، وقدسية الحياة في الجانب الديني والفلسفي

-رصد معنى البيوتكنولوجيا وحدودها، وبيان بعض مجالاتها الأساسية

-رصد المحاولات التي قام بها بعض البيولوجيين والأطباء لمعالجة المشكلة

-رصد الخطاب الفلسفي المعاصر، وموقف بعض الفلاسفة والأطباء من الموضوع    

-رصد آثار انفصام القيمة عن الموضوع على الفرد، الأسرة والمجتمع

 الإشكالية المحورية التي يمكن حصر مضمونها في السؤال التالي:

 هل ستحتفظ الحياة الإنسانية بقدسيتها في ظل التطورات البيولوجية المعاصرة؟ وما مدى تأثير البيوتكنولوجيا المعاصرة على الفرد، الأسرة والمجتمع؟

لهذه الدراسة كما يتبدى محطات يجب التوقف عندها، وفي كل خطوة سنركز على جوهر اشكاليتنا ومعاينتها حتى تتكامل الدراسة في نسقية تكتمل معانيها ومفرداتها ليتسم التحليل بمنهجية.

-أولا: رصد معنى الحياة، وقدسية الحياة في الجانبين الديني والفلسفي.

1- معنى الحياة :إن تحديد اللحظة التي تبدأ فيها حياة الإنسان هي واحدة من أكثر الموضوعات التي احتدم الجدل حولها في الفلسفة والعلم والأخلاق، ونتائج هذه المناقشة توجت بالأهمية  والحيوية لأنها ستمكننا من التطلع إلى الأسباب الحقيقية حول بعض المسائل الخاصة بالأخلاق العلمية مثل المعالجة الأخلاقية لبعض التقنيات البيولوجية المعاصرة كالاستنساخ، الإجهاض، الإخصاب الاصطناعي، زرع الأعضاء، استئجار الأرحام وتغيير الجنس أو تحسينه ...الخ، هذه المعطيات اصطدمت بمسألة أساسية في الإنسان وهي قدسية الحياة ، لذلك كانت اهتمامات الفلاسفة والعلماء موجهة نحو أسئلة أساسية وهي: متى تبدأ حياة الإنسان؟ وعلى أي أساس يتم تحديدها؟ وما الذي يجعل منها حياة مقدسة؟

ما هي الحياة؟ هي حالة تميز جميع ما يدعى الكائنات الحية من حيوانات ونباتات وبشر وفطريات وحتى البكتريا ومميزة إياها عن غيرها من الأحياء من الكائنات الميتة.

يرى بعض الفلاسفة أن الحياة هي:"... مجموعة من الوظائف الموجودة عند الكائن الحي التي تجعله يتغذى ويطرح وينمو ويتكاثر ويتفاعل مع مختلف المؤثرات التي تحيط به، وهو مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل وغير ذلك. (الحسيني، 2001، صفحة 25)

والحياة أنواع كثيرة: الحياة الخلوية، الحياة النسيجية، الحياة العضوية، الحياة الجسدية والحياة الإنسانية اليقظة.

إن السؤال الشهير: ما الحياة؟ يبدو بسيطا إلا أنه يعد حقلا خصبا لكل الطروحات الفلسفية والعلمية

"...الفلاسفة والبيولوجيون عندما يتكلمون عن الحياة فإنما هم في العادة لا يعنون بذلك ظاهرة المعيشة التي هي نقيض الموت وإنما هم على الأرجح يعنون خاصية الحياة التي هي نقيض انعدام الحياة في أي جماد..". (مايير، 2002، صفحة 38)

 لقد اختلف الفلاسفة حول بداية الحياة، "أرسطو" يرى أن الحياة تبدأ حين يتحرك الكائن البشري حركته الأولى في رحم الأم، في حين هناك من يرى أن بداية الحياة تكون :<<...من لحظة التحام الحيوان المنوي بالبويضة وهو رأي الأطباء وعلماء البيولوجيا، وقد أخذ به رجال الدين ...>>. (عوض، 2011، صفحة 90)

كما أن العالم "جون هاريس"، يرى أن:<< ... الحياة ذاتها لا تبدأ من لحظة بعينها لأن كلا من البويضة غير المخصبة والحيوانات المنوية أحياء ...فالحياة عبارة عن عملية مستمرة نحن بحاجة لمعرفة متى تبدأ؟ بقدر ما نحن بحاجة إلى الإجابة عن السؤال: متى تصبح للحياة قيمة خلقية؟ ....>>. (هاريس، 1978، صفحة 111)

وهنا تكمن الإجابة في تطلعات تقدم البيوتكنولوجيا والحدود التي لا يجب تجاوزها، <<... فلقد كانت غاية التقدم التكنولوجي في الطب هي تخفيف آلام البشر وعلاج الأمراض ولهذا لم يتعرض لأخطار ومحاذير أخلاقية إلا عند ما لمس المنطقة المحظورة، وهي العمل على الأجنة البشرية....>>. (حسونة، 2013، صفحة 05)

فينبغي احترام الحياة وقدسيتها، ويكون ذلك في جوهره أساسيا للأخلاق، <<...واحترام الحياة لا يعني الرجوع إلى مجرد ذات بيولوجية بل أخذ كيفية الحياة بعين الاعتبار، الحياة كما يجب أن يحياها الشخص...>> (روس، 2001، صفحة 46)، فالحياة لا يمكن حصرها في البيولوجيا أو أن تقف عند متطلبات الجسد، بل ينبغي كلا انطولوجيا يشمل كل جوانب الحياة.

1.1- معنى الحياة في الفلسفة: عند الفيلسوف اليوناني "أفلاطون"، معنى الحياة هو الحصول على أقصى درجات المعرفة والإنسان مجبر على السعي نحو الخير ويتحقق له ذلك عن طرق << محبة الحكمة ... التي هي السبيل الوحيد لتحقيق المعرفة الحقيقية.

أما عند الرواقيين، معنى الحياة هو التحرر من المعاناة عن طريق عدم الاستجابة للمشاعر، واعتبروا أن الفلسفة هي عمل الفضيلة وقد قاموا بقياس قيم الأفعال بمقدار اشتراكها في الحياة الأخلاقية. (محمود، 1935، صفحة 281)

 في الفلسفة الحديثة: فلسفات التنوير نظرتها إلى معنى الحياة تغيرت وأصبحت أقل تركيزا على العلاقة بين البشر والإله، بل كان كل تركيزها على العلاقة بين الأفراد ومجتمعاتهم، فأنتجت مثالية كونية مثل: الحب، المساواة، الحرية والحرية الفردية هي أهم صدق في الحياة.

 أما في الفلسفات المعاصرة، معنى الحياة ارتبط بالتغيرات الكبيرة التي عرفها المجتمع الإنساني فأعادت كتابة العلاقة بين الجنس البشري والعالم المادي، فطرحت أسئلة حول معنى الحياة؛ كان الهدف منها إعادة تقييم الوجود البشري من وجهة نظر بيولوجية وعلمية إلى محاولة وضع نظرية تتجاوز حدود الطبيعة، وهي الفكرة التي تلامس موضوع إشكاليتنا، بالنسبة للبرغماتية معنى الحياة يمكن اكتشافه عن طريق التجربة والخبرة، أما الوجودية فيرى أنصارها أن كل إنسان يخلق جوهر حياته <<ماهيته>> ولا يحتاج لمن يوجهه.      

أما "برغسون" فالحياة عنده تستلزم وجود العقل والمادة على أساس المعقولية والمادية، وهما من طبيعة واحدة فيقول :<< ...إن بين العقل والمادة تناظرا وتطابقا وتقابلا ...>>. (برغسون، ب.د.ت، صفحة 35)  فالانسجام والتطابق الحاصل بين العقل والمادة يكافئ استحالة فصل أحدهما عن الأخر، كاستحالة عزل البياض عن الثلج أو فصل الوردة عن عطرها، فلا وجود لحياة بغياب توافق بين العقل والمادة وانسجامهما.

أما "نيتشه" يكشف لنا ماهية الحياة الحقيقية حين وصف نفسه انه فيلسوف الحياة، وأن فلسفته تعلي من نشأة الحياة.

2.1معنى الحياة في الدين: في الديانة اليهودية، معنى الحياة هو خدمة وعبادة الإله الحقيقي والاستعداد للعالم الأخروي، بينما الديانة المسيحية: هو أن يحيى الإنسان كالمسيح، وأن يحيي حياة المسيح نفسه والسعي نحو الخلاص الإلهي. أما معنى الحياة في الدين الإسلامي هو السعي من أجل إرضاء الله والالتزام بأوامره ونواهيه التي نزلت وحيا على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلل الإسلام سبب الحياة بوجود الروح، وسبب الموت هو خروج الروح، وتبقى هذه المسألة شأن إلهي لقوله تعالى: <<ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا >> (قرآن، سورة النساء، 2014، صفحة 290/85)

أما أصل الحياة فهي عملية الخلق الذي هو من صفات الله وحده لقوله تعالى :<< يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا، ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب، لا ينفذون منه شيئا، ضعف الطالب والمطلوب >> (قرآن، سورة الحج، 2014، صفحة 341/73)

إن الشرائع السماوية الثلاث تتفق في ذات المعنى الذي اعتبر التفسير المادي المجرد في أصل الخلق داعيا للإلحاد.

2قدسية الحياة: ترتبط أساسا بالإنسان، الذي هو الكائن المميز الذي يجمع كل الصفات مقارنة بالكائنات الأخرى، فهو الأرقى، لأنه يتميز بالذكاء الخارق، على حد تعبير "برغسون" :<< إن هذه الطبيعة التي حرمت الإنسان من الفرو والمخالب والأنياب أعطته بالمقابل قوة الذكاء، هذا الأخير أعطى بدوره للغريزة عطلة أبدية، وأعلن بذلك سيادته على الطبيعة ...>> (Huissman, 1990, p. 10)

لقد اكتشف الإنسان أن لديه لغة، جند بها كل بني جنسه وابتكر لنفسه منهجا وطرقا لإعادة النظر في كل هذه الطبيعة الساكنة، وتحققت بذلك تنبؤات "ديكارت" حين رفع شعاره قائلا: << لنكن أسيادا وما لكي الطبيعة..>> (Descartes, 1963, p. 168)، فبقي عمل الإنسان مستمرا حتى صنع لنفسه حضارة وثقافة وأصبح عملا متميزا، فازداد شعوره أن الطبيعة والكون إنما سخرا لأجله، فهو يمثل اختيار الآلهة وعنايتهم.

أصبح معنى القدسية مطروحا لأنه يرتبط بالآلهة، فهي كلمة منزهة تمثل الرفعة والتطهر، وكان على الإنسان أن يعلن انه خلق على صورة الله، وهي الفكرة التي أيدتها الديانات السماوية فتحققت أحلام الإنسان، فأنتج معرفة، وجرب كل شيء في الطبيعة، حتى ذاته هو أخضعها لمجهر العلم والتشريح كبقية الكائنات، وهنا وقعت الانتكاسة، فاصطدم الإنسان ذاته بذاته، وبدأ صرح القداسة يتشقق، وقدسية الحياة الإنسانية أصيبت في الصميم، فأزيح الإنسان عن مركزه في الكون، وأصبح يتعارض هذا نفسه مع قدسيته وبدأ يعبث بقدره وأراد أن يقوم مقام من خلقه.

1.2قدسية الحياة في الفكر الديني:<<.. المتفق عليه أن مفهوم قدسية الحياة يعود إلى أصول دينية، بل هناك من يعتبره مصطلحا دينيا، استخدم للتعبير عن حرمة الإنسان، وحقه في الحياة والاستمتاع بها >> (Duncan, 1977, p. 29).ومبدأ قدسية الحياة يطرح دائما كأساس لصياغة القواعد والقوانين المتعلقة بأخلاق الطب، وهو الأكثر استعمالا في الديانات لتبرير القواعد الأخلاقية، وعرف ذلك في الديانات التوحيدية (اليهودية، المسيحية والإسلام)، فمسألة قدسية الحياة تقوم على مبدأ عدم خرق حياة الإنسان.

يرى " كارل بارت ": << أن الحياة لا تنطوي على أي احترام في ذاتها، وإنما إرادة الله هي التي تخلق هذا الاحترام، ولما ربط الإنسان إيمانه بكلام الله ووعيده ...ولذلك يجب اعتبار قيمة الحياة الإنسانية وتقديسها ...وهو يطالب باحترامها لأن الله هو الذي جعل منه إنسانا، وأعطاه هذه الحياة ...> (Barth, 1961, p. 339)

نفس الفكرة يتبناها "بول رامزي" فيقول: <<...الإنسان نفسه لا يمكنه أن يفهم التصور الديني لقدسية الحياة الإنسانية ...وإن أكبر كرامة لا تأتي منه ...فقيمة الحياة الإنسانية صادرة في النهاية من الله ...> (Ramsey, 1971, pp. 11-12)

الديانة المسيحية اعتبرت الحياة من صنع الله، وجاء في العهد القديم << خلق الله الإنسان على صورته...>>، وهذه القدسية أعطت للإنسان الغلبة والسيادة، وجاء في العهد القديم:

<<.... وقال الله: نعمل للإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وجميع الدابات التي تدب على الأرض ...>> (البقصيمي، 1993، صفحة 95)

أما الدين الإسلامي جعل من قدسية الحياة أساسا في العقيدة الإسلامية لأن الإنسان حظي بعناية الخالق وتقديره ونفخ فيه من روحه وسواه خلقا، لقوله تعالى: << ثم سواه ونفخ فيه من روحه ...>>. (قرآن، سورة الاسراء، 2014، صفحة 415/8)

2.2قدسية الحياة في الفكر الفلسفي: لقد ارتبط اهتمام الفلاسفة بفكرة قدسية الحياة مع موضوع الأخلاق محاولة منهم لفهم الإنسان وتحديد مركزه وإعطائه مكانته الحقيقية المتميزة بعقله.

فالفلاسفة اليونانيون، اجتهد بعضهم في تحديد معالم المواطن الصالح والفاضل <<...وبحث بعظمهم في السؤال: من هو الإنسان الفاضل؟ فاتفق غالبيتهم حول ثنائية الإنسان التي تحكمها مطالب يتناقض بعضها البعض تقوم بينها حرب شعواء لا تنتهي إلا بانهيار بعضها واستسلام البعض الأخر عنوة ...>> (كانت، 1980، صفحة 33)

-أما الأول: الجسد ويمثل الجانب الحيواني الذي تتحكم فيه الغرائز والشهوات.

- بينما الثاني: الروح ويمثل الجانب المقدس منه الذي يسمو بالحكمة والحياة الفاضلة.

وأحسن صورة لقدسية الحياة في المجال العلمي تتمثل في قسم "أبقراط" الذي حدد من خلاله المبادئ الأخلاقية للممارسات الطبية حيث قال: <<...ولن أعط أي دواء مميت لأي شخص يطلب مني ذلك ولن اقترح استعماله، وكذلك لن أعط أي امرأة إجهاضا علاجيا...>>. (كانت، 1980، صفحة 33)

أما فلسفة القرون الوسطي فكانت متميزة بالطابع الديني، وصورة الإنسان كانت مرتبطة بعلاقته بالله <<...وقد سعوا على كبت الطبيعة البشرية وفصل الإنسان عن ذاته الإنسانية وترسيخ اغترابه عنها، وتشتيت قواه ولجم تطلعاته وتكريس تبعياته...>> (خليل, 1964, p. 68)

لقد كانت القطيعة مع الفلسفة اليونانية على يد الفيلسوف الألماني "كانط" الذي أعاد للإنسان مكانته ومركز سيادته، وطبيعته المتحررة من أي خوف أو ضغط أو شعور بالذنب، وأداء الواجب من أجل الواجب، ومبدأ الكلية هو المسير لكل الأخلاق حسب القاعدة: << افعل بحسب المسلمة التي يمكنها في نفس الوقت أن تجعل من نفسها قانونا عاما ...>> (كانت، 1980، صفحة 33)

كذلك الفيلسوف " هيجل" أضفى قيمة مطلقة على التصور "الكانطي"، وهو ما ورد في كتابه "أصول فلسفة الحق " ونجسد ذلك في مسلمته "كن شخصا واحترم الآخرين بوصفهم أشخاصا" (هيجل، 1983، صفحة 146)

ثانيا- رصد معنى البيوتكنولوجيا وحدودها، وبيان بعض مجالاتها الأساسية

1البيوتكنولوجيا1المعاصرة وحدودها: " لقد اختتمت الإنسانية في القرن العشرين فترة من تاريخها طولها خمسة آلاف عام، فهو وضع شبيه بإنسان ما قبل التاريخ عندما فتح عينيه على دنيا جديدة، لكن المشهد في القرن الواحد والعشرين سيكون مروعا، إنه قرن الثورة البيولوجية والأحياء " (الحفار، 1970، صفحة 16)

إن البيولوجيا بلغت درجة كبيرة من التطور في القرن العشرين بالرغم من الصعوبات التي اعترضت    الباحثين، فكان للمجهر الضوئي ثم الالكتروني، وغيرها من الوسائل كالمضخم الصمامي والأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء والكمبيوتر والمجالات الفيزيائية والكيميائية دورا كبيرا في تطوير البيولوجيا التي أصبحت تعرف أكثر بالبيوتكنولوجيا2، فبقدر تطورها أصبحت تمثل مرحلة خطيرة تواجه الإنسان في كل أطواره، بل وحتى في قدسية حياته نتيجة التغييرات الجذرية التي ألحقت به، وخاصة منها الهندسة الوراثية والجينوم البشري والاستنساخ والموت الرحيم كممارسات طبية تمس هي بدورها بقدسية الحياة الإنسانية .

 2الهندسة الوراثية2والجينوم البشري3:تعد الهندسة الوراثية أهم اكتشافات القرن العشرين ويمثل مشروع الجينوم البشري أو ما يعرف بالخارطة الجينية للإنسان نازلة من أهم النوازل واعقدها، وتتويجا علميا للدراسات البيولوجية، لكن ذلك في حدود ما كان يصبو إليه هذا الاكتشاف في معالجة بعض الأمراض المستعصية وإسعاد الناس، لكن المغامرات والانحرافات والانزلاقات التي استهوت بعض البيولوجيين والأطباء خرجت عن مسارها الصحيح، وأصبحت تمس بحقوق الإنسان وكرامته، بما في ذلك قدسية الحياة .كذلك البيوتكنولوجيا أحدثت طفرة علمية في مجال عملية زرع الأعضاء، تقنية أطفال الأنابيب وتطوير الجينات أو تحويرها، اعتبرت حدثا بالغ الأهمية لأنها تقوم أساسا على مادة الحياة وهي الجينات .

إن أهم ما ميز الهندسة الوراثية هو اكتشاف الحمض النووي "ADN" وكذلك اكتشاف أسرار الشفرة الوراثية، وذلك باكتشاف العناصر الأساسية للحياة وهي الأدنين، الجوانين، السيتوزين، الثايمين، لكن التعديل الوراثي (أو ما يعرف بعملية التلاعب بالمادة الوراثية للكائن الحي)، مكن العلماء من برمجة الجينات وتحويلها إلى مصانع بيولوجية تحقق كل مطالب الإنسان.

 يبقي اكتشاف الجينوم البشري أهم ما وصلت إليه البيوتكنولوجيا المعاصرة، وهذا الاكتشاف مس مباشرة بحرمة الإنسان، وقدسية الحياة، وقيم الأديان، بقدر ما لهذا الاكتشاف من أهمية وما يبعثه من أمل في مجال الاستشفاء والعلاج إلا أنه فتح أبوابا تبعث بالخوف والحذر لما يتم به من تلاعب بالجينات والاتجار بالأعضاء البشرية.

لقد عرف تاريخ العلم ثورات متتالية، فهناك ثورات صناعية عرفت بعصر المكتبة، ثم عصر الثقافة الراقية، عصر الثورة الصناعية التي زودت الإنسان بقدرات عضلية وعقلية ضاعفت حصيلته المعرفية، لكن اخطر ثورة هي تلك التي وفرت له كل متطلباته، وهي الآن تسير بوتيرة متسارعة خاصة في المادة الحية، وأخطر ما فيها الهندسة الوراثية وأبحاث الجينات التي زادت من قوتها تلك الاكتشافات الهائلة في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والتقنيات العلمية المتطورة التي مكنتها من فتح كتاب الإنسان ذاته وأسراره لما يحتويه الجينوم البشري، <<...هذا الكتاب الضخم الذي تستغرق قراءته قرنا كاملا بمعدل كلمة في الثانية ..قد عبأ بإحكام قوة الصبغيات الثلاثة والعشرون زوجا الموجود في كل خلية من خلايا الجسم البشري يتقاسمها الحيوان المنوي من الرجل والبويضة من المرأة مناصفة...>> (ريدلي، 2003، صفحة 11)

إنها ألفية العصر الجينومي ونتيجة ما يبعثه من مستقبل مجهول عرف بعصر" القنبلة الجينومية"، وأول ضحية فيه الإنسان ذاته حين يتطلع إلى الأبجدية التي كتبت فيه قصة الإنسان" (الخلف، 2003، صفحة 11)

كانت الغاية القصوى من الجينوم البشري هي المجال الصحي العلاجي، والمجال الإنجابي التناسلي وفيما يتصل باختيار جنس المولود، ومجال الاستنساخ البشري، والنظام الجنيني للإنسان، وما يمكن أن يؤدي إليه من مخاطر عظيمة على الصحة والبيئة، وكذلك على صعيد العقائد والشرائع والأخلاق." (الخادمي، 2000، صفحة 22)

ومن أخطر الأهداف هو الوصول إلى إنسان مهندس وراثيا عن طريق الاستنساخ أو التنسيل أو التحكم في الجينات بغية صنع كائن بشري حسب الطلب، أو صنع توأم معدل، ووصل الأمر إلى حد تحسين الصفات العقلية والجسدية للأجنة، أو زيادة تطوير الذكاء الإنساني أو إيقاف الشيخوخة، وغيرها من الطموحات التي أصبحت تراود أذهان علماء البيولوجيا " (الخادمي، 2000، صفحة 30)

ومع بداية القرن الواحد والعشرين وتسارع عجلة الثورة العلمية وتطور علوم شفرة الجينوم البشري، أصبح مشروع كتابة موسوعة الحياة يسمح للبيولوجي والطبيب إمكانية الوصول عن طريق الحاسوب إلى بيانات الكروموزمات، انه مشروع يتطلب انجازه المزيد من التقدم في علوم الكيمياء، وفي عتاد البرمجيات نظرا للحسابات المعقدة، ويعد هذا المشروع أول مبادرة كبرى اتخذت من تطوير التكنولوجيا واحدا من أهدافها" (كيفلس، 1997، صفحة 109)

 لقد تم استغلال الجينوم البشري بداية في تغيير الخصائص الوراثية وتحديد الهوية الوراثية، ثم زرع مكون حيواني في جسم الإنسان وذلك بتحديد خلل بعض الجينات المسببة للأمراض والعاهات، يتم فيها الاستعانة بمكونات حيوانية من أعضاء أو أنسجة.

كذلك استخدام الجينوم لتطوير الأبحاث الوراثية، أو استخدامه في عملية إجهاض المشوه خلقيا أو كذلك استخدام الجينوم لأغراض اقتصادية.

1.2مخاطر الجينوم البشري: يقول "مات ريدلي": <<...أي تغيير لترتيب الجينات يؤدي إلى تغيير الصفة أو الوظيفة المسئول عنها الجين، مما يسبب أمراضا وراثية وأمراض سرطانية، أو تشوهات خلقية وهو ما يسمى بالطفرة الوراثية ...>> (ريدلي، 2003، صفحة 248)

ومن المخاطر التي تهدد الإنسان، دعوى الاستفادة من الحيوان لصالح الإنسان من خلال نقل الأعضاء، الخلايا، الأنسجة والدم ووضعها في الكائن البشري، فذلك لا يخلو من الأخطار من نقل للأوبئة والفيروسات الخطيرة" (مصباح، 1999، صفحة 117)

ومن أبرز مخاطر الجينوم البشري: تهديد الكرامة الإنسانية والحقوق المعنوية، وهتك الحرمة البشرية وثوابت الشخصية، وقدسية الحياة الإنسانية، نتيجة التطلع على الأمراض والعاهات المحتملة مستقبلا، وإفشائها، مما ينشر الرعب والفزع في أوساط عامة الناس والعلماء، على حد تعبير" ألبرت اينشتاين :<< الجينوم هو الوحش المعاصر >> وكذلك تفويت حق العمل والكسب وحق الانخراط في المؤسسات الاجتماعية نتيجة التطلع إلى الخارطة الجينية.

3الاستنساخ4: بالمعنى البيولوجي يعني معالجة خلية جسمية من كائن معين كي تنقسم وتتطور إلى نسخة مماثلة لنفس الكائن الحي الذي أخذت منه، والاستنساخ بوجه عام ينقسم إلى نوعين رئيسيين:

-الاستنساخ الجنسي: أو ما يسمى بالاستنساخ الجنيني (تكثير النطفة).

-الاستنساخ الجسدي: أو ما يسمى باستنساخ الخلية (التناسل اللاجنسي).

إن تاريخ تجارب الاستنساخ في القرن العشرين كانت بدايته الفعلية ابتداء من سنة 1944، وتم تتويجه في سنة 1996بنجاح تجربتين:

الأولى: نجاح الاستنساخ الجسدي (اللاجنسي) وولادة النعجة "دوللي".

 والثانية: ولادة توأم من قردة الريزوس وهما أقرب الثدييات للإنسان بطريقة الاستنساخ الجنسي.

إن ممارسات استنساخ البشر ستتم لا محالة، والحصول على المادة الوراثية للإنسان الموجودة في كل خلية من خلايا أنسجته، مثل: الجلد، اللثة، بصيلة الشعر أو نقطة دم ...إذ يمكن أخذها منه دون أن يدري، في عيادة الأسنان أو صالون الحلاقة أو في الطريق العام، ثم يتم استنساخها فيما بعد" (فتحي، 2003، الصفحات 8-9)

 كان العالم " ريتشارد سبيد" فجر قنبلة علمية 1998، حين تفاوض مع إحدى عيادات الخصوبة أنه سيستنسخ نفسه، وأن زوجته هي من تحمل البويضة، وكان رد البيت الأبيض الأمريكي أن "ريتشارد سبيد": "إنسان غير مسئول ولا أخلاق له".

لكن ومع ذلك هناك من يؤيد عملية الاستنساخ البشري بدعوى أنها تفيد الإنسان في حالات عدة منها: في أطفال الأنابيب وجود عدة نسخ يزيد من نسبة نجاح العملية.

وفي حالة وجود أمراض وراثية فوجود عدة نسخ يساعد العلماء على اكتشاف أسباب المرض.

وجود عدة نسخ يوفر قطع غيار أدمية للطفل الأول في حالة إصابته.

وجود عدة نسخ تسمح للأم أن تلد توأما متطابقا بعد سنوات.

يمكن التركيز على الأشخاص الذين يحملون صفات متميزة وتحقيق إنسان متفوق (سوبرمان).

لكن مع ذلك لا يختلف العلماء حول أضرار الاستنساخ خاصة عندما يتدخل العلماء ويلعبون دور الإله يغيرون أساس صفات الخلق، وتتداخل الصفات الوراثية في الأجناس وتختلط الأنساب وتضيع الهوية، فذلك يرفضه العقل والضمير والدين، وهو ما نبهنا إليه الله تعالى أن هناك من يأتي يعبث بخلق الله ويدعي لنفسه الخلق حيث قال <<...فتبارك الله أحسن الخالقين ...>> (مصباح، الإستنساخ بين العلم والدين، 1999، الصفحات 45-48)

فكل ما يحدث من استنساخ ليس خلقا جديدا، فالخلية الحية من خلق الله، والرحم الذي توضع فيه من خلق الله، بالرغم مما حققته البيوتكنولوجيا من تقدم في القرن العشرين، إلا أنها بقيت عاجزة عن شفاء المرضى الميؤوس منهم للعودة إلى حياة عادية، مما يولد الرغبة في وضع حد لحياتهم، فيتم اللجوء إلى تقنيات طبية تعرف بالموت الرحيم " (بلجبل، ب دت، صفحة 254)، الذي أثار مشكلة أخلاقية بالأساس تلغي حقوق الإنسان، والضمير الإنساني.

4الموت الرحيم5: إن كلمة الموت الرحيم في حقيقتها هي " القتل الميسر "، لأنه ليس في القتل رحمة مهما كانت الأسباب والتسميات، فهو موت يسلب الحياة لشخص مريض لا يرجى شفاؤه". (قشقوش، 1996، صفحة 70)

فالموت الرحيم هو تيسير الموت لمريض بناء على رغبة ملحة منه لطبيب أو بطلب من أهله.

القتل الرحيم أصناف: قتل رحيم مباشر متعمد (فعال وسلبي)، والانتحار المساعد.

وينسب القتل الرحيم إلى الطبيب والفيلسوف "روجيه فرانسوا بيكون " في القرن السابع عشر في كتابه <<علاج المرضى الميؤوس شفاءهم >>، تكون مسؤولية الطبيب هي تخفيف المعاناة عن المريض، فيقول: " ...على الأطباء أن يعملوا على إعادة الصحة إلى المرضى وتخفيف آلامهم، ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم لا أمل فيه، فعليهم أن يهيئوا موتا هادئا وسهلا ...وفي رأيي أن عليهم أن يطفئوا بأيديهم الآلام والنزع الأخير ...>>. (سويحة, 2016, p. 02)

وجد هذا القتل عند اليونان، في كتاب الجمهورية (أفلاطون) الذي يطلب عناية للمواطنين الأصحاء جسما وعقلا، أما الذين تنقصهم سلامة الأجسام فيجب أن يتركوا للموت.

أما سقراط فكان موقفه << التدبير الذاتي للموت بشرف << الذي طبقه على نفسه بالرغم من أن طلابه هيئوا له الوضع لتهريبه من السجن فرفض ذلك وتجرع السم ليموت بشرف...>>. (عطية, 2016, p. 01)

في عالمنا اليوم شرعت بعض الدول للموت الرحيم وتم تطبيقه على العديد من الحالات مثلما هو في بلجيكا، هولندا، سويسرا، وأخرهم فرنسا. إن مؤيدو فكرة الموت الرحيم يستندون إلى ثلاثة تبريرات هي: المبرر الإنساني، المبرر الاجتماعي والمبرر الاقتصادي.

لكن الآراء الرافضة للموت الرحيم كانت من وجهات النظر الدينية باستثناء حالات محددة، فالشريعة الإسلامية عنت بحفظ النفس عناية فائقة، وجعلتها مقصدا من مقاصدها وهو ما أكده حجة الإسلام "الغزالي" حين بين: <<...أن مقصود الشرع من الخلق يجب حفظها: الدين، النفس، العقل، النسل والمال وحفظها هو مصلحة، وما دون ذلك مفسدة ...>> (الغزالي، ب د ت، صفحة 251)علماء الإسلام يحرمون قتل النفس بأي طريقة كانت، بما في ذلك القتل الرحيم، لقوله تعالى << ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما ...>> (قرآن، سورة النساء، 2014، صفحة 4/93)وقوله عليه الصلاة والسلام: << ...فإن دماءكم وأمولكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا...>> (مسلم، 2010، صفحة 1218)

إضافة إلى ما سبق تعالت أصوات أخرى رافضة للقتل الرحيم ومطالبة بضرورة التفكير مليا في هذه العملية ومعاينة حالتها وحالات أصحابها قبل الشروع فيها، وهو ما تأكد عند بعض علماء الاجتماع وعلماء النفس، وحتى عند بعض المرضى الميؤوس من حالاتهم فهم ينتظرون من يقول لهم << أرجوك لا تمت إننا   نحبك >> فهم لا يقررون الموت عن إرادة ووعي، وبالتالي ليسوا موضوعا للقتل الرحيم" (ماركس, 2016, p. 01)

حتى لو أن المجتمع يكون قد شرع الموت الرحيم، فقد يكون ذلك ذريعة سيستغلها أطراف مع أطباء لإنهاء حياة المريض، ويصبح بذلك موتا غير رحيم وبأهداف غير إنسانية.

حتى لمن يتذرع أن الموت الرحيم يوفر إنفاقا على الحكومة، أليس من الأجدر لها أن توفر أموالا في نفقات التسلح والحروب تقتل فيها أشخاصا أصحاء يطلبون الحياة لا الموت؟

 وهنا يتبين لنا أن الموت الرحيم هو استهتار بأهمية وقيمة الحياة الإنسانية، والتشريع للموت الرحيم يحط من قدسية الحياة الإنسانية، ويجعلها رخيصة تخضع لتحديات الغرائز الإنسانية، ويمكن تحديد ذلك على سبيل المثال على سبيل الحصر في الأسباب التالية:

-لا يمكن سلب أي إنسان كرامته.

-لا يمكن ضمان كرامة الإنسان بإعطائه الموت.

-الموت الرحيم هو استقالة جماعية للمجتمع بكل أطيافه.

-الموت الرحيم هو اختيار مجتمع مادي وأناني لا يقبل حالات الضعف.

-الموت هو لحظة حياة يجب احترامه في الإنسان، يجب تنظيم لحظات الموت لا التعجيل له.

ثالثا- رصد الخطاب الفلسفي المعاصر، وموقف بعض الفلاسفة والأطباء من الموضوع   

1- إشكالية قدسية الحياة في الخطاب الفلسفي المعاصر

إن إشكالية قدسية الحياة  وجدت لها نصيبا كبيرا عند كبار الفلاسفة  والعلماء، وذلك نتيجة ما أطلعتنا عليه البيوتكنولوجيا المعاصرة من حقائق مذهلة أخلت بتوازن حياة الإنسان لما انقلبت الأدوار، وأراد المخلوق أن يلعب دور الخالق، وبدأ يعبث بمصيره في ظل هذه التقنيات:  (الهندسة الوراثية، الاستنساخ، الخارطة الجينية، النسالة...)، فنتج عن ذلك خطابات  فلسفية معاصرة مختلفة ومتباينة بين الفلاسفة في المدرسة الواحدة وبين الأستاذ وتلميذه، ولقد تحددت هذه الإشكالية على وجه الخصوص في المجتمع الإنساني المعاصر، وذلك بسبب الثورة التقنية العلمية  والبيولوجية، وما حققته من نتائج لم يتوقعها العلماء أنفسهم، خاصة في الهندسة الوراثية وعملية الاستنساخ وتحديد الخارطة الجينية، حيث مكنت العلماء من التحكم في الجنين ونوعيته واستبدال أعضاء بأخرى، وهي عمليات أصبحت تبعث بالخوف والقلق، فإذا كان جزء من العلماء قلقون خوفا على مستقبل الإنسان ومصيره، فالجزء الآخر يبرر ذلك بدعوى صحوة ضمير، وخوفا من جنون بعض العلماء أو فضول البعض الآخر، من مجرد التطلع إلى حقائق قد تفلت من قبضتهم

إن التخوف الذي أبداه العالم "ستانلي كوين " Stanley Queenكان مميزا حين قال: "...كان خبر زرع الجراثيم...قد انتشر بين مجتمع العلماء ...والذي كان يثير قلقي، هو أن لبعض الاستعمالات أخطارا غير مرتقبة لذلك كنت قبل الموافقة ...اطلب بأن تحدد هذه التجارب ولا تترك بدون مراقبة، مما أعطاني إحساسا مزعجا، بأني كنت أقوم بدور الرقيب أو الشرطي...>> (البقصيمي، 1993، صفحة 200)

إن هذه المخاوف التي أحدثت شرخا بين العلماء أنفسهم وانتقلت إلى عامة الناس مردها هو الخوف من المجهول، والشعور بالقلق، فماذا بقي أمام الإنسان الذي يتطلع نحو مستقبل زاهر، وهو يرى أنه مهدد، ولا يمتلك الحرية التي ينزع بها نحو المستقبل، وهو الأمر الذي أكدته الدراسات النفسية، أن الإنسان لا يخاف مما يعرفه، وإنما يخاف مما يجهله، وأشدها: ماذا لو وقعت هذه التكنولوجيا بين ''يدي عالم مجنون؟؟ أو عالم ديكتاتوري؟؟ إن سبب الخوف هو أن الإنسان موجود في صلب عملية التجارب البيولوجية، فهي تهدد كيانه، وقدسيته التي بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، وأصبح الإنسان مجرد رقم أو شفرة وراثية يتم التحكم فيها، أو تعديل صفاته أو حتى تحويله إلى مخلوق آخر، فلم تعد لمقولة " سارتر" الشهيرة: "الإنسان هو الحرية " أي أثر، فهو بصدد فقدان إنسانيته ومعها قدسيته.

2- نماذج من الفلسفة المعاصرة

 1.2الفيلسوف والطبيب الفرنسي "فرانسوا داغونيي": في نظره العلاقة بين قدسية الحياة والبيولوجيا المعاصرة تتجلى من خلال العلاقة الوطيدة بين الإنسان والطبيعة، فيقول في ذلك: <<...الحياة هي المخبر الأول للطبيعة. >> (Dagognet, 1988, p. 22)، فالإنسان هو كل شيء في الطبيعة، فهو الذي يعطيها معنى، ومن خلالها يعطي معنى للحياة، وهو ما جسده في كتابه " الإنسان سيد الحياة ".

في نظر "داغونيي" لا يوجد أي مبرر فلسفي يمنع باسمه التقدم التقني البيولوجي، فهذا الأخير يحرر

 الإنسان من الطبيعة وقيودها التي خضع لها لفترة طويلة من الزمن، ولا يتم ذلك إلا بالتحكم في الطبيعة وما تحتويه من موجودات بما في ذلك الإنسان، وتمثل التقنية المتطورة الأدوات الأساسية المعبرة عن عبقرية الإنسان وقدرته على صنع الأشياء والسيطرة على الطبيعة، وأهم ما فيها التحكم في الحياة.

يرى "داغونيي" أن اهتمامات الفيلسوف لا يجب أن تنحصر في عالم الفكر والميتافيزيقا، بل كذلك بالكائن الحي والنظر في مكوناته، وطبيعته وحقيقته، والوصول إلى أبعد حدود في فهم الحياة". (Dagognet, L'homme maitre de la vie, 1988, p. 10)

كما يرى أن التجارب البيولوجية لا تخلو من المخاطر، وعليه يجب وضع إطار جديد للبيولوجيا المعاصرة لا يستبعد المجال الأخلاقي، وتنظيمها يكون في إطار << فلسفة البيولوجيا >> وهي الفكرة التي مازالت غامضة في أعين العديد من الفلاسفة، ولتوضيح ذلك يطرح داغونيي علينا السؤال التالي:

لماذا نلجأ إلى الإجهاض؟ جواب الطبيب هو: الإجهاض هو عملية قتل الجنين، ومبرراته لذلك هي: أن الجنين محكوم عليه بالموت بعد الولادة، فمن الأفضل قتله قبل ذلك.

يرى "داغونيي: " أن المشكلة الأخلاقية توجد بالضبط قي قلب البيولوجيا ..." (Dagognet، L'homme maitre de la vie، 1988، صفحة 159)، لذلك لا يمكن ترك التطورات البيولوجية في متناول الأفراد والجماعات، لأن ذلك يؤدي إلى انزلا قات خطيرة، وعليه فالدولة هي التي تمثل الجميع وتحدد الإطار الذي تمارس فيه كل النشاطات البيولوجية، فيصبح الأمر في إطار الدولة يتعلق بالسياسة البيولوجية، وفيها يتم وضع حد لبعض المحاولات التي تهدف إلى الخرق والتعدي على الحياة " (Dagognet، L'homme maitre de la vie، 1988، صفحة 170)

لا ينكر داغونيي بعض الممارسات السلبية في البيوتكنولوجيا المعاصرة فمثلا: الإخصاب الصناعي، كانت الغاية منه التغلب على العقم، لكن تطبيقاته عقدت المسألة عندما ألحق بأصناف أخرى كالعازبة والأرملة والشاذات جنسيا، وهي ممارسات اعترضتها مواقف معارضة قوية، منها ما هو ديني، كالإخصاب بمني متطوع يجعله يفقد معنى الأبوة، فنكون أمام أب بيولوجي وأب اجتماعي". (Dagognet, L'homme maitre de la vie, 2003)

كذلك الإخصاب بعد الموت، فما هو مصير طفل يولد من أب ميت؟ في حين يسمح بتبني رضيع تخلت عنه امرأة عازبة أو أرملة؟؟، الأمر نفسه يؤدي إلى تمزق معنى الأمومة، فهناك امرأة أعطت بويضة، وثانية تقبل حملها (رحم مستأجر)، وثالثة تتبناها (أم اجتماعية)، ويتم تلقيح البويضة بمني رجل غريب، فالطفل هنا خرج من معمل معقد ...لكن ماذا لو ولد الطفل مشوها؟؟ المستأجران لا يقبلانه لأنه لا يوافق طلبهما؟ والمستأجرة تلقت مقابل عملها؟ فيبقى مصير المولود مجهولا؟؟

يبدو موقف داغونيي واضحا: الحياة ليست مقدسة ويمكن تغييرها، ولا أحد هو طبيعي: الكائن الحي، الأسرة، الجسم، فالتغير يعبر عن حقيقة الإنسان وبالتالي تغيير الكائن الحي.

يذهب "داغونيي" إلى أبعد من ذلك بالاكتشافات البيولوجية، فما حققته الهندسة الوراثية وتحديدا الخارطة الجينية حيث أصبح بإمكاننا معرفة بعض التشوهات أو الإعاقات العقلية والحركية والسؤال هنا: هل نحتفظ بالمولود أم نتخلص منه (إجهاضه) ومن يتحمل مسؤوليته مستقبلا؟

فيقول :<<أنا إذن مع الإجهاض، وليس الإجهاض السهل المريح، المهم هو مدى إرادة استقبال المولود>> (المحمداوي، 2014، صفحة 73).ومع ذلك يرفض "داغونيي" بعض الاكتشافات البيولوجية مثل:

-الاستنساخ: لأنه يبقي النوع المستنسخ على حاله، وما يجب في الكائن هو التغيير.

-تحسين النوع الإنساني: لأننا لا نعرف ما نحصل عليه من نتائج.

أما بالنسبة للموت الرحيم، فيرى أنه كما أن للبيولوجي الحق في أن يتدخل في حياة المولود، فله كذلك الحق في أن يقرر الموت، باعتبار أن الموت حق في كل إنسان، فله الحق في اختيار وقته، والموت الرحيم مثله، مثل تقنية منع الحمل أو الإجهاض.

2.2- يورغان هابرماس

 وهو أحد أقطاب الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت ، جاء موقفه معارضا لفلاسفة ما بعد الحداثة مع "جاك دريدا" ، كان هدف "هابرماس" هو إعادة بناء النظرية النقدية، ففي كتابه "التقنية والعلم كإيديولوجيا" ، أراد كشف الغطاء عن الوهم العلموي والتقنوي الذي يجعل النموذج التكنوقراطي النموذج الاسمي في العلاقة بين القرار السياسي والمعرفة العلمية، فأراد إبراز الأطروحة التي دافع عنها "ماركيوز" وهي الاعتقاد أن التكنولوجيا تضفي على الأشياء صفة الأدوات وتحولها إلى مجرد وسائل فتنقلب إلى عائق أمام التحرر، فيتحول الإنسان نفسه فيها إلى أداة، فيصبح خاضعا لجهاز تقني <<...ان العلاقة التكنولوجية لا تضع شرعية السيطرة موضع اهتمام، وإنما هي تحميها بالأحرى، والأفق الأداتي الوسيلاتي النزعة للعقل يقود إلى مجتمع كلياني مستبد و قد أضيفت إليه الصفة العقلانية ...>>. (ماركيوز، 1971، صفحة 195)

إن التحولات الطبية والبيولوجية والعلمية في مجال الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزئية طغت بدورها على فكر "هابرماس" نظرا لما ألحقته من تغير نوعي في طبيعة الإنسان فأصبحت كل التساؤلات ممكنة ومسموحة، فهل أصبح مصير الإنسان مهددا نتيجة ما حققته التكنولوجيا المعاصرة من معرفة أسرار الكائن الحي؟ وكذلك تحديد الخارطة الجينية التي أطلعت الإنسان المعاصر على خفايا لم يكن يتوقع العلماء معرفتها إلى وقت قريب.

في نظر "هابرماس"؛ الفلسفة مؤهلة أكثر من غيرها في النظر للتداعيات التي ألحقتها البيوتكنولوجيا على الإنسان وذلك بحكم معرفتها بالإنسان ونظرتها النقدية لهذه الاكتشافات التقنية.

يرى "هابرماس" أن الأمر ازداد تعقيدا مع وصول تقنية التشخيص ما قبل الزرع التي تخضع الجنين إلى اختبار وراثي تقديري، والتصرف هنا يكون لمصلحة الأهل الذين يتمنون تحاشي وجود أمراض وراثية "...وإذا ما صح وجود خطر لا يزرع الجنين في رحم الأم " (هابرماس، 2006، صفحة 125)

لم يخف "هابرماس" تخوفه من الأداتية والتشيؤ الذين أصابا بيولوجيا الإنسان، أن البحث الوراثي البيولوجي وجد نفسه ضمن ميثاق يتحد فيه ربح المستثمر، وضغط الحكومات التي تعلن نجاحها، أما تطور التقنيات البيولوجية فيظهر ديناميكية تهدد بضياع ضرورة التوضيح وغياب الحدس والمنظور" (هابرماس، 2006، صفحة 27)

 يرى "هابرماس" بضرورة التدخل في الجينات الإنسانية عند الحدود التي ينذر تجاوزها بتغيير الخصائص الوراثية وتحسينها ضدا على طبيعتها الأصلية والكرامة الإنسانية، لكن في حدود المعقول يرى "هابرماس" أن الكرامة الإنسانية ليست ملكية الطبيعة كالذكاء مثلا: فالكرامة الإنسانية من وجهة نظر أخلاقية وقانونية تخضع لعلاقات اجتماعية متبادلة بين أعضاء جماعة يسطرون بينهم بحرية الحقوق والواجبات المشتركة، فالأخلاق نجد جذورها في المجتمع وليس في الطبيعة، فالكرامة لا يمكن أن تتم خارج هذا الإطار فهي سمة هذه العلاقات بين أشخاص في الاعتراف المتبادل والعلاقات القائمة على قدم المساواة بينهم .

والهندسة الوراثية في نظر هابرماس لها فائدة عندما يتعلق الأمر بإصلاح وتقويم واستبدال خلايا أو أجنة مشوهة، وبذلك فالتدخل في طبيعة الإنسان البيولوجية وتعديلها ايجابيا يقف عند حدود عدم المساس باستقلالية الفرد، فمثلا حق الطفل الوليد في حرية كذات مستقلة يجب عدم المساس به مطلقا.

لقد اهتم “هابرماس" كثيرا بفكرة تحسين النسل التي تعد أكبر الرهانات المرتبطة بتطور أبحاث الهندسة الوراثية وتداعياتها المستقبلية على الإنسان، وهي تقنية طبية للمواليد وكيفية تناسل جديدة قد تحدث تصادما بين حرية الآباء وحرية الأطفال مستقبلا، إضافة إلى أنها تقنية قد تسمح بالولوج في العالم البيولوجي الخاص بالإنسان وتعديله كما يريد أصحابها.

لقد كان قلق هابرماس مشروعا لما وصلت إليه البيوتكنولوجيا المعاصرة من تطورات في الهندسة الوراثية وتقنية الأرحام المصطنعة، فيتحول الإنسان من كائن طبيعي إلى كائن ثقافي <<...وبالفعل فان غيظ الإنسان يتمرد، والذي ييأس من أن يكون هو نفسه، له غيظ موجه ضد شخص آخر، وبالمقابل فإن ما ليس عليه أي مأخذ، نحن الأشخاص القادرين على الكلام والفعل، فنحن مرتبطون بقلقنا بعد النجاح كما نأمل، وأنه ليس بمقدورنا إلا الانطلاق من مقدمات ما بعد ميتافيزيقية مع الله في الزمان...>> (هابرماس، 2006، صفحة 18)

إن التدخل في الجينوم وطاقمه الوراثي سيغير من جوهر الإنسان، فيمكن زرع أجهزة ثانوية متطورة فينتج عن ذلك عدة فوارق بين الخلق العضوي والإنتاج التقني، أي بين ما هو حي وما هو مصطنع، ويرى "هابرماس" أن يعنيه العلم تقنيا بتصرفنا هذا "...يجب أن يكون خاضعا لرقابة أخلاقية تجعلنا بالمقابل، ولأسباب معيارية غير قادرين على التصرف بها على هوانا". (هابرماس، 2006، الصفحات 23-24)

في نظر هابرماس الهندسة الوراثية لا تنطلق من الشخص كشخص وإنما من الواقع البيولوجي للجسد، انطلاقا من أعضائه وخلاياه ونسيجه الخلوي ثم من وظائف تقوم بها، ليتوجه بعد ذلك إلى تخزين النطاف أو الأجنة وبنوك الخلايا التي قد تصلح لإنتاج قطع غيار منفصلة عن الجسد.

ما يهم في فلسفة التواصل النقدية عند "هابرماس" هو ما يعيق التواصل بين الأب المبرمج والابن المبرمج، أو أن يشعر الأب أنه خلق نسخة مطابقة، أو يشعر الابن مستقبلا أنه يخضع لبرنامج تم اختياره، لا يستطيع الخروج عنه، فهو عديم الإرادة وعديم الحرية، تم تحقيقه في يوم مضى بإرادة وحرية آخرين، مجتمع بأكمله، اشترك فيه الوالدان، الطبيب والسلطة السياسية.

لأجل ذلك كله يجب إعادة تقييم الهندسة الوراثية والاستنساخ والإخصاب الصناعي وغيرها من التقنيات البيولوجية المعاصرة، والنظر إلى البيولوجيا المعاصرة والبيوتكنولوجيا على أنها مجرد تمديدات ذكية للتطور ذاته، والهندسة الوراثية والمعلوماتية هي بدورها وسائل جديدة لمجتمع إنساني جديد يتطلب قيما جديدة.

رابعا- رصد آثار انفصام القيمة عن الموضوع على الفرد، الأسرة والمجتمع

 1- أثر البيوتكنولوجيا على الإنسان كفرد

كانت الإنسانية تنتظر من تقدم العلم والتقنيات البيولوجية تحقيق سعادة الإنسان، لكن النتائج جاءت مخيبة، وأكدت فكرة تداولتها الفلسفات القديمة والحديثة، وهي فكرة النهايات: نهاية الإله، نهاية التاريخ، نهاية الفلسفة، نهاية المثقف، نهاية الجغرافيا، نهاية الكتاب، نهاية المكتبة، نهاية المدرس، نهاية المعجم الورقي ...الخ، "...فأصبحت كلمة "نهاية" مرادفة لكلمة الموت، فيكون الإنسان بذلك بلغ عصرا جديدا ليعبر عن نهاية عصر اتسم فيه الفكر بخصائص معينة ليقوم على أنقاذه فكر آخر يقدم إجابات عن أسئلة عالقة" (شوقي، 2002، صفحة 119)

" كلمتا الموت والنهاية ترادفان كلمة "الكاسحة " "ما بعد" (post) وهذا التقارب يجعلها كلها تدل على نهاية تحول جوهري كامل" (المسيري، 2001، صفحة 295)

لقد كانت فكرة "الكوجيتو" الديكارتية إعلانا لميلاد عهد جديد، جعلت من الذات الإنسانية منطلقا للتطلع على سيادة العالم (لنكن أسيادا ومالكي الطبيعة)، وهي بمثابة النشأة الرمزية للإنسان المفكر، ونهاية الكنيسة، ومعها نهاية تاريخ البشرية المظلم، والشاهد على ذلك تواليا الإصلاح الديني، وعصر النهضة،

وظهور العقلانية، والفلسفة التنويرية والثورة الفرنسية "...وهي كلها إعلان بدايات وميلاد إصلاح العلم والدين والكنيسة" (حنفي، 2002، صفحة 79)

لكن مع القرن 20أصبح الموت أو النهاية منطلقا نحو مستقبل مبهم، وعلى حد تعبير "شبنلغر" <<...إنها حضارة الرجل الفاوستي..>>.

إن مقولة "فرانسيس فوكوياما" الشهيرة "نهاية الإنسان المؤنسن" تجسد لنا تصورا حقيقيا لواقع الأزمة التي وصل إليها الإنسان المعاصر، فهي النهاية المعرفية الرمزية للإنسان لتفسح المجال لولادة قيصرية لمعرفة علمية وتكنولوجية جعلت مخترعها يفقد القدر الضئيل من الهوية التي بقيت له، ويفقد بذلك مركزيته وسيادته بل وحتى قدسيته، "... فكانت بذلك نهاية الإنسان الوصي، وبداية  الإنسان الوسيط الذي يعتبر نفسه جزءا من الطبيعة ومحاورا لها لا سيدا عليها، ويقوم بعلاقة مع غيره من الأفراد على اختراع الوسائط وخلق الأوساط من أجل التواصل والتعايش". (حرب، 2002، صفحة 194)

إنسان ما بعد الحداثة أصبح إنسانا بيولوجيا، وهو ما أكده " فوكوياما" حين عبر عن الإنسان ما بعد البيولوجيا قائلا: <<...إن المعرفة العلمية التي سخرت لفهم الطبيعة والتحكم فيها تم استخدامها أيضا للتحكم في الإنسان بمعنى أن منطق النظام الذي تصوره الإنسان للسيطرة على الطبيعة ثم نقله بالكامل للتحكم بالأفراد والجماعات...>>. (بوتوبور، 1998، صفحة 64)

لقد أصبح الإنسان شيئا باهتا لا حياة فيه، وبدلا من السيطرة على الطبيعة تمت السيطرة على الإنسان، لقد تشيأ وأصبح "إنسانا ذو بعد واحد" على حد تعبير "ماركيوز"، إن الصراع من أجل الوجود واستغلال الإنسان والطبيعة أصبحا يكتسبان صبغة علمية وعقلانية أكبر دائما ...>>. (المسكيني، 2005، صفحة 46)

لقد ازداد قلق الإنسان لما علم أنه أصبح قابلا للتعديل كأي نظام في الحياة، والهندسة الوراثية زادت من وجس الفلاسفة والعلماء، وهو ما حذر منه "فوكوياما" في مشروعه الجديد حول بداية تاريخ جديد ما بعد الإنسانية، حيث يقول: << ...إن هدفي هو أن أبين أن "هوكسلي" كان على حق، أن أخطر ما تهددنا به البيوتكنولوجيا المعاصرة هو احتمال أن تتغير الطبيعة، ومن ثم يدفع بنا إلى ما بعد البشرية من التاريخ"

لقد أصبح الإنسان المقدس موضوع روايات من الخيال العلمي، كعالم جديد شجاع، (أدولس هوكسلي)، و "فرانك أينشتاين، (ماري شللي)، والشرطي الآلي ("بول فيرهوفن)" ومسرحية الإنسان الآلي (كاريل تشابيك). وفي عالم الهندسة الوراثية، الاستنساخ يعكس يوتوبيا جديدة، تحلم بإنسانية غامضة، إنسانية تلغي الفردية كما تلغي الغيرية، تجر الإنسانية إلى صدام نتيجته القضاء على الإنسان بما يحمله من قيم دينية وأخلاقية وقانونية " (الشقوري، 2000، صفحة 32)

ومنها سنكون مستقبلا أمام كائن تكنولوجي محض، بمعنى أنه سيكون "الإنسان الآلة الذي يعد جانبه الآلي جزءا من كيانه الذاتي.

2- أثر البيوتكنولوجيا على الأسرة

تعد الأسرة المجال الأول الذي ينمو فيه الإنسان، وهي نواة المجتمع، وتمثل طموح كل إنسان يسعى لتكون أسرته الخاصة، البيوتكنولوجيا كانت سندا لها من خلال الإخصاب الصناعي الذي مكنها من إيجاد حل لمشكلات العقم التي عانت منها الإنسانية لوقت طويل، وذلك باستخدامها وسائل تقنية << مكنت العلماء من إنتاج أجنة متعددة ومتطابقة يطلق عليها اسم نسخ جينية يمكن إعطاؤها لسيدات يمكن تأجيرهن >> (الحفار، 1970، صفحة 88)

إن الإخصاب الاصطناعي يعد أول منزل أخلاقي أدى إلى قلب الموازين والقيم في المجتمع، وعلى حد تعبير " بول رامزي" :<<.. إننا في اللحظة التي نسمح فيها بإجراء عملية إخصاب خارج الرحم.. نكون قد قبلنا إمكانية حدوث سلسلة متوالية من السلوك اللاإنساني.. تجبرنا أن نتقدم خطوات أخرى لا نعرف عواقبها...>> (البقصيمي، 1993، صفحة 162)

إن الإخصاب الاصطناعي سيولد أسرة مفككة مكونة من مجموعة أفراد التقنية الحيوية، تنقصها الروابط الشرعية والأخلاقية وما سيزيد الأمر تعقيدا هو: ماذا لو استطاع العلماء من خلق نسخ للأفراد عن طريق الاستنساخ البشري؟ فيتعدى الأمر عندئذ من مجال الفرد إلى الأسرة، وعندها نطرح تساؤلات مذهلة؟؟ فماذا لو كان للأب نسخة؟ وللأم نسخة؟ فما هي نظرتهما للأخر؟ وماذا لو استبدل أحدهما بالأخر؟؟؟

إن هذه التساؤلات وغيرها من الأسئلة الشائكة، تجعلنا نسلم أنه لم يبق للأسرة المعاصرة في ظل الثورة البيولوجية تلك النظرة التي كانت تتمتع بها سابقا، فهل سيبقى للأم من مكانه؟  <<...إذا أصبح في مقدور العلماء حضانة طفل في أنبوب اختبار؟ فإن دور الأم سيزول وسيخرج الجنس من أحشائها الحيوية إلى أحشاء الآلة التقنية...>> (البقصيمي، 1993، صفحة 169)

عملية الإخصاب الاصطناعي خارج الرحم بين الزوج والزوجة لا تطرح أي مسائل أخلاقية، لكن ماذا لو تدخل طرف ثالث في العملية؟ سواء كان متطوعا (بالسائل المنوي) أو متطوعة بالحمل (الأم البديلة) فهنا تطرح المسألة الأخلاقية بقوة، فهل سيتقبلها المجتمع؟

ألم تتحول العملية إلى تجارة وسوق للربح مثلما أعلنته السيدة "كوتن" حين استأجرت رحمها انه كان بهدف الحصول على المال لتغيير ستائر وأثاث منزلها؟

فعندما يكون السؤال أين أمي؟  فالأمومة ليست نوعا من شقشقة اللسان، بل قدسية تنبعث بنفسها من صميم الحياة، تتوقف على العلاقات التي تربط الطفل بأمه، وماذا يكون على الأجيال القادمة عندما تكون بصدد شرح معنى الأمومة للأطفال؟، وهذا الفيض من العاطفة والوجدان الذي لا تملكه إلا الأم. وأخطر أمر سيطرح مستقبلا هو: كيف ستحدد هوية الطفل إذا كان بين أطراف متعددة فماذا لو كانت بويضة مجهولة، وحيوان منوي غريب؟ ورحم مستأجر؟ وتلقيح مصطنع؟ وأبوين غريبان عن كل الفاعلين لمسرحية أطرافها لا علاقة لهم بها؟

ثم ماذا لو أراد الطفل معرفة أصله البيولوجي؟ وهو حق طبيعي.. ألن يتساءل عما إذا كان الآخرون يخدعونه أم لا؟؟؟

إن رغبة الإنسان في أن يعيش، سيقبل العيش بالرغم من كل الأضرار التي قد تصيبه بمعرفة أصوله، ومسألة الهوية وفق دلالاتها السيكولوجية نتاج تطور الفرد في مسار وجوده، لأنها تأخذ في الحسبان نسقا منتظما ومتدرجا لمجموعة من الثوابت المعرفية والعاطفية ...>>. (التريكي، 2010، صفحة 44)

إن الأسرة في ظل الثورة البيولوجية ستعرف تزحزحا كبيرا، فالمفهوم التقليدي للمحافظة على الحياة والانتظام المتواصل بين الأجيال ووحدة الهوية، تحول كل ذلك في ظل الثورة البيولوجية، وأصبحت مجرد أفكار وذكريات ثم تمزيقها وتحطيمها، فماذا يكون الأمر عندما يصبح للطفل أكثر من والد؟ فهذا ما عبر عنه "ليدن جرج" في كتابه (التحول المقبل على العالم) قائلا: << إن الأسرة تقترب من نقطة الانقراض التام بفعل منجزات التغير والجدة في نطاق تحسين النسل وهندسة الوراثة" (الحفار، 1970، صفحة 99)

إن الكلام عن الأسرة بأعين البيوتكنولوجيا والهندسة الوراثية وما حققته تكنولوجيا الإنجاب الجديد سيذهلنا مستقبلا خاصة إذا علمنا أنه بإمكان العلماء التحكم في جنس المولود، والقدرة على تصميم ذكائه وملامحه وحظوظ شخصيته، وإمكانية إنجاب الأطفال بالعدد الذي يطلبه صاحبه (أطفال بالطلب)، وسيذهلنا الأمر أكثر من ذلك عندما نكون أمام واقعة جديدة هي << إنجاب دون جنس، وجنس دون إنجاب.. >> . سيطرح حينها سؤال خطير، يواجه الأسرة في صميم كيانها، وهو: ما مصير الأمومة إذا كان وليد الأم ليس ابنها في الحقيقة، وإنما هو نتاج بويضة ذات خصائص وراثية أعلى تم انتقاؤها، وزرعت في رحمها بعدما أخذت من رحم امرأة أخرى؟" (الحفار، 1970، صفحة 100)، إنها مسائل ستفتح تجاذبات بين علماء الأخلاق وفقهاء القانون، انطلاقا من تحديد الوالدين؟؟ ثم تحديد الأم الطبيعية والأم البيولوجية؟؟ أيهما الأم الحقيقية؟

والأخطر من ذلك: ماذا لو أطلعتنا البيولوجيا المعاصرة على نماذج جديدة للأسرة المعاصرة تكون بديلة للأسرة التقليدية، وهو ما تجسد عند بعض العلماء الذين صمموا أربعة نماذج من الأسرة، انطلاقا من الأسرة الموسعة (عصر ما قبل التصنيع)، الأسرة المضيقة (عصر التصنيع)، الأسرة المشدبة (عصر ما بعد التصنيع) وأخيرا أسرة ما بعد التقاعد (مجتمع المستقبل) " (الحفار، 1970، صفحة 102)هذه الأخيرة لم يعد فيها الإنجاب مبكرا ضرورة مثلما هو في الأسرة التقليدية، وإنما يكون بعد التقاعد، فيطلب الأبوان ما يريدانه من أجنة، لأنها تكون جاهزة، ويكون المتقاعدون أكثر اهتماما في تنشئة الأطفال؟

3- الثورة البيولوجية وأثرها على المجتمع

إن أهم ما يميز الإنسان انه كائن اجتماعي، وهي مصدر الخصائص الأخرى المميزة للإنسان، كالعقل والفكر والكلام، لكن مع ذلك هناك فروق فردية أملتها الطبيعة وأصبحت حقا طبيعيا، هي التي تحدد الاختلافات الموجودة بين الأفراد في المجتمع، وهو ما يؤدي إلى التكامل بين أفراده، فكل فرد يقدم ما له فالعالم علمه، والمفكر تفكيره، والقائد بصيرته، والعامل عمله، فتكون حاجات المجتمع مؤمنة ...>> (العوا، 2003، صفحة 106)

 إن هذا التفاوت يعد ضرورة لتكامل المجتمع، لكن ما أطلعتنا عليه البيولوجيا المعاصرة وبالأخص البيوتكنولوجيا جاء مخالفا لما تعارفت عليه البشرية، فالاستنساخ البشري أصبح يهدف إلى جعل كافة الأفراد متساوين ومتشابهين الصفات الوراثية، البيولوجية، المهارات والقدرات، مجتمع يتشابه أفراده في كل شيء، إن مثل هذا التصوير سيؤدي إلى الاختلال داخل المجتمع، لأنه سينتج كائنات بنفس الصفات والطموحات ويقضي على التنوع.. وبالتالي يؤدي إلى تمزق العلاقات الطبيعية بينهم.. “ (الجواري، 1997، صفحة 115)  كذلك قد يتحول المجتمع إلى مجتمع آلي تنعدم فيه القيم المتعارف عليها، فيفقد فيه الإنسان هويته، فيصبح أكثر اهتماما بالطبيعة ووسائل السيطرة عليها وعلى الآخرين من البشر، فيتحول عندئذ الناس إلى إحصائيات وأرقام ووسائل لتحقيق رغبات الأقلية التي تحكم ..." (البقصيمي، 1993، صفحة 196)

إن عملية الاستنساخ ستحتكرها الدول المتطورة التي تمتلك عناصر القوة والتكنولوجيا، فيصبح لها كل الحق في فرض القوة والسيطرة.." (الكرمي، 1978، صفحة 216)،  ومنها فالبيولوجيا المعاصرة ستعود بنا إلى عصر قديم هو مجتمع السادة والعبيد، وتعود بنا إلى الفوضى والحروب.

يبدو أن التقهقر الذي ألحقته البيوتكنولوجيا بقيمة الإنسان والأسرة والمجتمع، فحتى الأخلاق ذاتها باتت مهددة ومن ورائها قدسية الإنسان وهو ما عبر عنه المفكر الكبير "محمد عابد الجابري" قائلا: <<.. إن الأزمة التي تعرضت لها الأخلاق في أواخر القرن الماضي (القرن العشرين) كان مصدرها ذلك التقدم الهائل الذي تحقق في علم الأحياء، والذي وضع الأخلاق في أزمة أسس حقيقية، قوضت الصرح العقلاني الذي شيده فيلسوف التنوير المعروف << ايمانويل كانط >> قبل ذلك بقرون.. “ (الجابري، 1997، صفحة 93)

إن البيولوجيا المعاصرة ستبعث بشعور جديد في الأفراد والمجتمعات، فالإنسان أصبح مجرد رموز وراثية، يستطيع أي إنسان التطلع إليها، ثم التحكم فيها بالكيفية التي يريدها، ومعها تتلاشى قدسية الإنسان، فأسرار حياته، وحياة أسرته يتداولها جميع الناس، وقد تستغل لأغراض خاصة رغما عن صاحبها.

إن تفكك المجتمع قد يبدأ من أول شعور قد ينتاب الأم أنها هي كل شيء، وأن الحيوان المنوي الذي زرع في رحمها لم يكن للزوج (الأب) أي دور فيه " (صبحي، ب د ت، صفحة 150)، وكيف يكون شعور الأب، وهو ينظر إلى هذا الطفل انه ليس ابنه؟؟ ثم هذا الطفل سيطلب عندما يكبر كل الحقيقة، ومنها سيكون له الحق في رفض أبوة والديه.

إنها الانتكاسة؟  فالهندسة الوراثية والاستنساخ الحيوي ومجمل التقنيات البيولوجية وما أحدثته الثورة البيولوجية المعاصرة لا تفرق بين الإنسان والحيوان في أبحاثها وتجاربها، ولا مجال فيها للكلام عن قدسية الحياة، التي حاور بخصوصها الله ملائكته في عالم الغيب قبل خلق الإنسان لقوله تعالى: <<... ولقد كرمنا بني آدم...>> (قرآن، سورة الاسراء، 2014، صفحة 17/70)

خاتمة

كخلاصة لمحاولة بحثنا هذا ، نكون قد وضعنا صورة لمفهومي الحياة و القدسية و كذلك جانبا من البيولوجيا المعاصرة و بعض أهم تقنياتها ، دون التطرق إلى الآليات العلمية التي تتحكم فيها ، لأن ذلك يبقى من خصوصيات العلماء و التقنيين المتخصصين في البيولوجيا بحكم معرفتهم و درايتهم بالموضوع  و أغلب الضن أن ميلهم و تعاطفهم سيكون إلى جانب البيولوجيا ، و الاكتشافات الكبيرة التي حققتها ، لأنها تمثل جزءا كبيرا من أعمالهم و اجتهاداتهم ، وكذلك ثمرة علمهم و عملهم ، وهذا ما جعلنا نعود إلى الفلسفة ، و مجالاتها  وروادها ، و نخص بذلك آراء الفلاسفة المعاصرين الذين  واكبوا هذه التطورات ، حتى و إن كانت آراؤهم متباينة و أحيانا أخرى متناقضة ، لكن أفكارهم تصب في معظمها في اتجاه واحد و هو الحفاظ على حياة الإنسان و عدم المساس بقدسيتها.

فلقد خلصنا إلى أن العديد من التقنيات البيولوجية المعاصرة كانت محل اعتراض، لكننا لا نستطيع منع من أفنى حياته في البحث والكشف عنها، أن يكف عن ذلك، لأن حجته هي: أليست الديانات السماوية والمعارف الإنسانية كلها تدعوا إلى المزيد من العلم؟؟ ثم أليس عقل الإنسان ذاته مفطور على طلب العلم وحب المعرفة؟

كذلك ما خلصنا إليه هو أن مفهوم القيمة لا يمكن حصره على حقل معرفي مخصوص ( الحق ، الجمال    والأخلاق ...) بل تمديد هذا المفهوم ليشمل عناصر الوجود كلها و من بينها ما يتعلق بالإنسان في جانبه المادي (أي الجسد )، الذي اطلعنا عليه تطور العلم والتكنولوجيا أنه يمثل جزءا كبيرا من مفهوم الحياة    وقدسيتها اللذان كانا حكرا على الدين و الفلسفة ، لكن الخلل في هذه المسألة يكمن في هيمنة أبستمولوجيا الفصل التي هيمنت على النظريات المعرفية والقيمة التي ألحقتها بها النظرة المادية عموما و الفلسفة الوضعية على اختلاف توجهاتها خصوصا.

 لذلك توجهنا يذهب إلى ضرورة إعادة الصلة الممزقة بين الأخلاق والبيولوجيا المعاصرة باعتبارهما يمثلان الإطار الجامع الذي تجتمع فيه كل معاني حياة الإنسان، الذي تحدده البيولوجيا في شقها المادي، والأخلاق باعتبارها المسلك الروحي للإنسان في جانبها المعنوي...

كذلك ما يتطلبه الأمر هو تفعيل أراء العلماء و الفلاسفة في مجال البيوتكنولوجيا ، و ذلك بإخراج المسألة من جانب التنظير إلى مجال الممارسة ، ابتداء من وضع برامج تعليمية في المناهج الدراسية انطلاقا من تدرجات تعليمية تبدأ من معرفة الجسد وحقيقته، والاكتشافات البيولوجية المعاصرة ، وأهم التقنيات البيولوجية ، ليصل الأمر إلى أعلى مستويات البحث العلمي، وموازاة لذلك يجب أن يتشبع الطالب والباحث بمبادئ القيم الأخلاقية والدينية التي تمكنه من التحكم في المعاني الكبرى للقيم، وذلك في ظل توجه علمي أخلاقي يحافظ من خلاله على معالم هويته الثقافية والحضارية .

وأهم ما يجب الإشارة إليه في خلاصة كلامنا هو الخوف والقلق من هذه الاكتشافات الكبيرة والمحددة في البيوتكنولوجيا المعاصرة التي ستكون لا محالة في ذلك أهم سلاح الألفية الثالثة، انه خوف مشروع، لكن هل يجعلنا نضحي بمقدسات أخرى عاش لأجلها الإنسان، ومات من أجلها عباقرة عظام، أنها حرية البحث العلمي التي تعد حقا من حقوق الإنسان في التفكير والحياة.

ونقول في آخر المطاف أن خوف العلماء على علمهم، والمجتمع على أفراده وحياتهم، يعد حقا مشروعا وهو موقف يتطلب ضوابط عقلية وشرعية وعلمية، قد يكون مفتاح حلها عند كبار الفلاسفة والعلماء، على غرار ما سبق ذكره من أمثال " داغونيي" و "هابرماس"، وغيرهم مثل "هانس يوناس"، "كنغلهم" و "فوكو" و"المسيري" و "الجابري" وطه عبد الرحمان" و"رشيد دحدوح" و"محمد جديدي" ونورة بوحناش" والعمري حربوش...   والقائمة طويلة في ذلك وهي أراء تعد منارة في بداية مشوارها نسبه إلى الدرب الطويل الذي سلكه الإنسان في البحث والمعرفة

الهوامش

1.مفهوم البيوتكنولوجيا (التقنية الحيوية): هي كلمة مكونة من مقطعين، الأول:((BIOوهو مشتق من الكلمة اللاتينية , Bios أما الثاني Technology  و يعني الطريق المنظمة لعمل الأشياء (systematic Technology) .وهي بذلك: أية تطبيقات تكنولوجية تستخدم النظم البيولوجية والكائنات الحية أو مشتقاتها.

2.مفهوم الهندسة الوراثية: هي التقنية التي تتعامل مع الجينات البشرية منها والحيوانية، بالإضافة إلى جينات الأحياء الدقيقة، أو الوحدات الوراثية المتواجدة على الكروموسومات فصلا أو وصلا، وإدخالا لأجزاء منها من كائن لآخر بغرض إحداث حالة تمكن من معرفة وظيفة " الجين"، أو بهدف زيادة كمية المواد الناتجة عن التغيير عنه بهدف استكمال ما نقص منه في خلية مستهدفة.

3.مفهوم الجينوم البشري: هو كامل المادة الوراثية من الحمض الريبي النووي منزوع الأكسجين، وهو يحتوي على ما بين 20-25"(مورثات)موجودة في نواة الخلية مرتبة على هيئة ثلاثة وعشرين زوجا من الكروموسومات (الصبغيات).                                 

4.مفهوم الاستنساخ: هو الحصول على كمية كبيرة من جين معين بغرض دراسة، ويتم عبر ادخال هو وضع حد لحياة إنسان الجين الذي يراد استنساخه من كائن حي معين، إلى المادة الجينية لخلية تدعى "فيكتور" والتي قد تكون بكتيرية أو فطريات أو فيروسات، ثم يتم وضع "الفيكتور" بالمخبر في ظروف مناسبة مما يؤدي إلى تكاثره، وبالتالي استنساخ كمية كبيرة من المادة الجينية المرغوبة

5. مفهوم الموت الرحيم: مريض لا يرجى شفاؤه، أو هو تسهيل موت شخص مريض ميؤوس من شفائه بناء على طلب من طبيبه المعالج أو أقربائه.

المصادر والمراجع

Duncan. (1977).Dictionnaire de médecine.London: Dalton.

François Dagognet. (1988).L'homme maitre de la vie.Paris: éditions Bordas.

François Dagognet. (1988).remartérialiser, matière e materialisme.Paris: Librairie philosophique.

François Dagognet. (2003).L'homme maitre de la vie.Paris: 2003.

Huissman, A. V. (1990). Cours de philosophie. France: Nathan.

Karl Barth. (1961).église dogmatique.Allemagne: Edition Edimbourg.

Paul Ramsey. (1971).La mralité de l'avortement.Mississipi: ed. John Rachel.

René Descartes. (1963).Discours de la méthode.Paris: édition de la pléiade.

أبو حامد الغزالي. (ب د ت). المستصفى. مصر: مكتبة الجندي.

أحمد القاسمي الحسيني. (2001). علامات الحياة والممات بين الفقه والدين. الجزائر: دار الخلدونية.

أحمد أمين - زكي نجيب محمود. (1935). قصة الفلسفة اليونانية. القاهرة: دار الكتاب المصرية.

أحمد محمود صبحي. (ب د ت). في فلسفة الطب. بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر.

ارنست مايير. (15يناير, 2002). هذا هو علم البيولوجيا. دراسة في ماهية الحياة والأحياء. (عفيفي محمود عفيفي، المترجمون) الكويت: سلسلة عالم المعرفة.

الإمام مسلم. (2010). صحيح مسلم (المجلد 2). بيروت: دار الكتاب العلمية.

ايمانويل كانت. (1980). تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. (عبد الغفار النكاوي، المترجمون) القاهرة: دار الكتاب.

توم بوتوبور. (1998). مدرسة فرانكفورت. (سعاد هاجوس، المترجمون) طرابلس: دار أوبا.

جاكلين روس. (2001). الفكر الأخلاقي المعاصر. (د. عادل العوا، المترجمون) بيروت: عويدات للنشر.

جون هاريس. (1978). قيمة الحياة. الكويت: سلسلة عالم المعرفة.

حامد خليل. (1964). مشكلات فلسفية. دمشق: المطبعة الجديدة.

حسن حنفي. (/ /, 2002). في تأويل حديث النهايات،. مجلة المنطق الجديد(04)، صفحة 79.

دانيال كيفلس. (1997). الجينوم البشري. (أحمد مستجير، المترجمون) الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

زهير الكرمي. (1978). العلم ومشكلات الإنسان المعاصر. الكويت: المجلس الوطني للقافة والفنون والآداب.

سلام حمار عطية. (0103, 2016). فكرة للحق في الموت. تم الاسترداد من www.m.hemar.org.

عادل العوا. (2003). الإستنساخ جدل العلم والدين والأخلاق. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

عادل عوض. (2011). الأصول الفلسفية لأخلاقيات الطب. الاسكندرية: دار الجامعة الجديدة.

عباس الجواري. (1997). الإنسان بين العجز عن خلق الله والمحاولة العابثة لإستنساخ نفسه. الرباط: أكاديمية المملكة المغربية.

عبد اللطيف الشقوري. (/ 03, 2000). العولمة ورهان البيوتيقا. مجلة فكر ونقد، صفحة 32.

عبد الهادي مصباح. (1999). الإستنساخ بين العلم والدين. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.

عبد الهادي مصباح. (1999). الإستنساخ بين العلم والدين. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية.

عبد الوهاب المسيري. (2001). الصهيونة والنازية ونهاية التاريخ. القاهرة: دار الشروق.

عتيقة بلجبل. (ب دت). القتل الرحيم بين الإباحة والتجريم. (جامعة بسكرة، المحرر) مجلة الفكر جامعة بسكرة(06)، 254.

علي حرب. (2002). حديث النهايات، فتوحات العولمة ومأزق الهوية. المغرب: المركز الثقافي العربي.

علي عبود المحمداوي. (2014). البيوتيقا والمهمة الفلسفية. أخلاق البيولوجيا ورهانات التقنية. لبنان: الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة.

فتحي التريكي. (2010). الهوية ورهاناتها. (نور الدين السلفي وزهير المدنيين، المترجمون) الرباط: الدار المتوسطية للنشر.

فتحي المسكيني. (2005). الفيلسوف والإمبراطورية في تنوير الإنسان الأخير. المغرب: المركز الثقافي العربي.

قرآن. (2014). سورة الاسراء. مكة: الدار العالمية للتجليد.

قرآن. (2014). سورة الحج. مكة: الدار العالمية للتجليد.

قرآن. (2014). سورة النساء. مكة: الدار العالمية للتجليد.

مات ريدلي. (2003). الجينوم. (مصطفى ابراهيم فهمي، المترجمون) الكويت: وزارة الثقافة والفنون والآدب.

محمد حسونة. (20مارس, 2013). استنساخ البشر 2060. مجلة العربي العلمي(15)، صفحة 05.

محمد سعيد الحفار. (1970). البيولوجيا ومصير الإنسان. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

محمد شوقي. (بيروت يوليو, 2002). جدلية العلم والفلسفة، نقد لمقال الفلسفة تدور في الفراغ. مجلة كتابات معاصرة، صفحة 119.

محمد عابد الجابري. (1997). قضايا في الفكر المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

محمد فتحي. (2003). الإستنساخ. القاهرة: دار اللطائفللنشر والتوزيع.

موسى الخلف. (2003). العصر الجينومي. الكويت: وزارة الثقافة والفنون والآداب.

ناهدة البقصيمي. (1993). الهندسة الوراثية والأخلاق. الكويت: دار المعرفة الكويت.

نور الدين بن مختار الخادمي. (15مارس, 2000). الجينوم البشري وحكمه الشرعي. سلسلة إصدارات جامعة الامارات العربية، صفحة 22.

هاربرت ماركيوز. (1971). الإنسان ذو البعد الواحد. (جورج طرابيشي، المترجمون) بيروت: المكتبة الشرقية.

هدى قشقوش. (1996). القتل بدافع الشفقة. القاهرة: دار النهضة العربية.

هنري برغسون. (ب.د.ت). الفكر والواقع المتحرك. (سامي الحروبي، المترجمون) دمشق: دار الأوابد.

هيجل. (1983). أصول فلسفة الحق. (إمام عبد الفتاح، المترجمون) بيروت: دار التنوير.

ي . ماركس. (1602, 2016). القتل الرحيم. تم الاسترداد من http:/www.arabworldbook.com.

ياسين سويحة. (1202, 2016). الموت الرحيم. قرار بين الفلاسفة والأخلاق والدين والعلم. تم الاسترداد من http:www.syxiahgawoche.com.

يورغان هابرماس. (2006). مستقبل الطبيعة البشرية، نحو نسالة لبيرالية. (جورج كتورة، المترجمون) بيروت: المكتبة الشرقية.

 


@pour_citer_ce_document

أحمد شوال, «قدسية الحياة الإنسانية ورهانات البيوتكنولوجيا المعاصرة»

[En ligne] ,[#G_TITLE:#langue] ,[#G_TITLE:#langue]
Papier : ص ص 56-72,
Date Publication Sur Papier : 2022-04-27,
Date Pulication Electronique : 2022-04-27,
mis a jour le : 29/04/2022,
URL : http://revues.univ-setif2.dz/revue/index.php?id=8495.