مقدمة
سنح لمفهوم التضحية أن يجد منزلة كبيرة في حياة سورين كيركغارد الدينية، وتلاحم تلاحمًا مثيرًا بكتاباته التي تتابعت فور سفره إلى برلين، حيث استطاع في عام واحد أن يصدر كتابين مهمَّين على إثر الانفصال الغامض عن رجين أولسن عشيقة وخطيبة الفيلسوف سورن كيركجارد أو شمس النساء كما يحبذ نعتها، وهي ابنة مستشار الدولة تركل أولسن وهو واحد من كبار الشخصيات في وزارة المالية بالدنمارك وكان عمرها آنذاك لما طلب يدها أربعة عشر عامًا وكان هو في الرابعة والعشرين من العمر؛ حمل الأول عنوان الرجعى، وتناول فيه دلالات الرجعى الدينية وإمكانات التضحية، أما الكتاب الثاني الذي استلهم قوته منه والذي كان جماع رؤيته الجمالية ومحنته الروحانية، فهو كتاب خوف ورعدة. وسيكون لهذا الكتاب تأثيراته المتتابعة في جل أعماله، وسيكوّن فلسفته الدينية ويطورها لاحقًا. والعمل برمته ما هو في حقانية الأمر إلا إنتاج جمالي شاعري، يروي بصدق واحترافية نضاله المستميت في سبيل النأي عن كل أمل موعود في الفردوس الأرضي المتلاحم بالتجربة الحسية، فقد آمن سورين كيركغارد إيمانًا كبيرًا بقصة النبي إبراهيم والسعي نحو الاستجابة للإرادة الإلهية المطلقة، متخذًا من تضحية إبراهيم المدد الروحاني العميق لاكتناه الحقيقة الإيمانية. عادًّا أرموزة إبراهيم النبي مسعىً ربانيًّا لاختبار إبراهيم، بيد أن سورين كيركغارد يشير أيضًا إلى أمر آخر، وهو أن على كل بشري أن يجرب ذاته في أن يضع نفسه مكان النبي إبراهيم، وهو بذلك أراد أن يناقش باستفاضة موضوعَيِ الحرية والاختيار بوصفهما عملًا فرديًا خالصًا، مرتبطين شديد الارتباط بالمسألة الأخلاقية والدينية، وهو ما يفسر في ما بعد فهمه للإنسان المسيحي الحقاني، بحكم أنك لن تكون مسيحيًا حقانيًا إلا إذا عانيت وعايشت المحنة. ولما كانت التضحية ضربًا عظيمًا من الإيمان، وتعبيرًا صدوقًا عن المحبة عند كيركغارد؛ جاءت دراستنا لتدرس بنوع من الجمالية هذه العلائقية، وتسلط الضوء على منحى فريد من وجودية سورين كيركغارد المتدثر بدثار الفردية المتوحدة.
فما دلالات التضحية عند سورين كيركغارد؟ وما منزلة الرجعى في لاهوته الوجودي؟ وكيف كانت التضحية بالمعشوقة رجين أولسن ضربًا من القربان العظيم؛ بغية تحصيل المحبة الربانية العرفانية؟هل ضحى بها أم تخلت عنه، لغرابته وشذوذه النفسي وشخصيته السوداوية المكتئبة؟ هل اختار الابتعاد بالأصح وأين يتنزل المنحى الإيماني الصدوق في سيرة كيركغارد التراجيدية؟
أولًا، المحنة الأيوبية (أرموزة الرجعى)
"الحب في الرجعى هو وحده الحب السعيد"
سورين كيركغارد (الرجعى)
من المفاهيم الملغزة التي تكتنف مسرح سورين كيركغارد الأنطولوجي مفهوم التضحية الذي يتوالد بطريقة مفارقاتية عن مكابدة روحانية للفرد المنفرد، ولعل أقرب نموذج تضحوي إلى قلب سورين تجسد في شخص أيوب النبي، بوصفه النموذج الأكبري في التعبير عن التضحية المتدثرة بدثار الإيمان المتواشج مع الحقيقة الآفاقية المطلقة، وحضورية أرموزة التضحية الأيوبية تجلت بقوة في كتاب سورين المثير الرجعى (Gjentagelsen)، وفضّلْتُ ههنا اعتماد لفظ "الرجعى" بدل "التكرار"، على الرغم من اعتماد رهط من الباحثين العرب المختصين بكيركغارد لفظ "تكرار" بدل "رجعى"1، وعلى رأسهم عبد الرحمن بدوي، وجاسم قحطان2،ومجاهد عبد المنعم مجاهد، ولكلٍ تبريره في ذلك دلالة وضمنًا، ولكن حينما نعود إلى العنوان الأصلي لكتاب كيركغارد نجده (Gjentagelsen)،ويعتقد سورين أنه لفظ دنماركي خالص، ويهنّئ اللغة الدنماركية على قدرتها على نحت هذا اللفظ3.
يتجلى للمتأمل في هذه الأمثولة؛ أن مقصدها لم يكن يبتغي "تكرار"علاقته برجين أولسن، بقدر ما كان إعادة إحيائها وبعثها والاستمرار فيها. مثله في ذلك كمثل البستاني الذي يترك أشجاره تذبل لفترة؛ لأنه لم يسقها بالماء، ثم يرجع ويعيد سقيها فتبعث بعثًا خلاقًا، وقد اقترح الباحث الفرنسي نيلي فيالانيكس Viallaneix) Nelly) ترجمة لكلمة (Gjentagelsen) في اللسان الفرنسي هي La reprise4، وليس La répétition، فيكون اللفظ العربي الأقرب دلالة لها هو "رجعى"؛ لأن لَفظ رجعى يوحي بالبعث والاسترجاع من جديد بعد الفقد والخسران، فالكتاب صغير في عدد صفحاته إلا أنه نحا إلى وصف حالات صراع الفرد المنفرد بين مواقفه الحياتية الجمالية المثالية والإيتيقية الأخلاقية، ويعتمد سورين نمط كتابة ينعته بـ "بالاتصال غير المباشر"، والذي يهدف من خلاله إلى نزع صفة الشخصية عن الموضوع الذي يطرقه في الكتاب، ويقحم القارئ ويحثه على اتخاذ موقف من القضايا المطروقة، وهي طريقة تشبه طريقة التوليد السقراطية، وفي الكتاب يعتمدها بدرجة خاصة مع الفتاة5، والفزع المريع الذي يسلك بالفرد بمنحى اليأس والحنين لاستعادة المفقود الذي خسره في لحظة زمنية معينة6،صدر الكتاب عام 1843، وهو العام نفسه الذي صدر فيه كتابه الثاني خوف ورعدة7، واعتمد سورين في كتاب الرجعى على اسم مؤلف مجهول يدعى قسطنطين ، إذ إن كيركغارد عوّدنا في كتاباته بعد انفصاله عن رجين أولسن على أن يكتب كتبه بأسماء مستعارة، والرجعى في الأساس عبارة عن رسائل وجدانية حميمية شكلت المنحى السيكولوجي المفارقاتي لدى سورين وعالمه الدخلاني.
الرجعى هذه المقولة المفارقاتيةذات الأبعاد الفلسفية واللاهوتية والتعاطفية الكبيرة، بطلها شاب غامض محموم برعدة الوجدان، ينحو حثيثًا إلى أفق ارتقابِ رجعى محبوبته التي خسرها لأسباب ملغزة، شخص وصفه كيركغارد بأنه عاطفي جدًّا، وحزين، ويحمل وجدانًا مرهفًا، يلتقي فجأة بالمستشار قسطنطين الذي يتوسم في هذا الشاب المعاناة النفسية مع معشوقته. وبعد محاورات كثيرة معه يكتشف أن هذا الشاب تائه في غياهب الحب، وواقع في عشق فتاة، ولكن بعد ردح من الزمن يتقدم لطلب يدها للزواج، ويعقد القران الروحاني معها، إلا أن هذه الخطبة لم تكن فاتحة خير بالنسبة إليه، بل أيقظت في جوانيته قلقًا وجودانيًا عميقًا، وأوقعته في مشكلة أنطولوجية وخيمة غير محمودة العواقب، تسوقه في النهاية إلى فك الارتباط بهذه الفتاة، وإرجاع خاتم الخطوبة إليها8، ضروب التأويل الممكنة التي يمارسها نص سورين متأثرة بصورة أو بأخرى بالموروث الغربي الفلسفي، من دون أن ننسى الكتاب المقدس والموروث المسيحي، أما انفتاحه الكبير فكان مع الفلسفة الإغريقية؛ فأدوات الحوار والتهكم والنقد تحايث أدوات فلاسفة اليونان (سقراط وأفلاطون وأرسطو)، ولكن في مقابل ذلك، يستعين بالشعرية والغنائية، وهي تجسد السرد المألوف في العقل الغربي عموما (الأنماط السردية اليونانية القديمة مثلاً)9.
المثير أن هذا الشاب فور إقدامه على فسخ الخطوبة تصبح محبوبته ذكرى محبة عابرة، تجوب خاطره بصورة آسرة، ويستحضرها في خلواته دائمًا ويستوحي منها صلواته وابتهالاته، كما لو كانت لقاءً عابرًا على وهاد الوجود، والأدهى من ذلك أنه لا يكتفي باستحضارها في وجدانه المحموم ذكرى حب جميل سعيد، بل يهيم ببصيرته إلى استشراف المستقبل البعيد، متخيلًا نفسه قد غدا شيخًا طاعنًا في السن، عبثت به سنو الدهر الطوال، وقد أرهقت كاهله وعثاء الحياة ونال منه المرض، وهو يستحضر حبه القديم في علاقته الشبابية الحميمية مع فتاة قلبه، فذكراه وهو رجل عجوز مجردة من اللواحق الحسية والنزوات الحسية، وقد خبت لفحة شهوته وعنفوانه الشبابي ونزواته القوية التي كان يتمتع بها وهو شاب صغير في السن، وأثناء استحضاره هذه الذكرى العميقة؛ يصبح شخصًا شاعريًا وجدانيًّا مشبوبًّا بروحانية محضة، ويستيقظ الملكوت الجواني الذي كان قابعًا في نفسه، ويفيض عليه خشوعًا وتقوى دينية كبيرة، يعيشها فردًا مفردًا وحدانيًا في الوجود10.
تتشابك الرجعى الكيركغاردية معرفيًا بصورة كبيرة مع نظرية التذكر الأفلاطونية؛ إذيعتقد أفلاطون أن العالم المادي الذي نتعالق به، ونجربه عن طريق فعل الحواس، هو عالم غير حقاني البتّة، بل هو في الأساس عالم مقارب تصوريًا للعالم الحقاني، وبصورة غير تامة المعالم. ووفقًا لنظريته؛ ففي عالم الشهادة (العالم الدرني الزائل) تتغاير الموجودات، تأتي وتذهب. لهذا؛ هو عالم مليء بالهفوات والمزلات والخطايا، وفي المقابل، يرى أفلاطون أن هناك عالمًا آفاقيًا توجد فيه كل الموجودات على حقانيتها التي تتصف بالكمالية، ولها مثيلاتها التي تشبهها أو تكون عبارة عن صورة طبق الأصل عنها (نسخة منها) في العالم الدرني المحسوس. ونعت أفلاطون هذا العالم بعالم الحقائق المطلقة؛ فهو مستقل عن كل الموجودات ولا يتأثر باللواحق والمتغيرات التي عبثت بالعالم الذي نعايشه بالتجربة المحسوسة المباشرة، ومجد المعرفة الحقانية عند أفلاطون لا تتأتى له سؤدديته القيومية إلا عن طريق التذكر؛ فبه وحده يعود الإنسان إلى عالم المثل ليعيش الحقائق الصادقة الصحيحة11التي لا تبيد، فالمعرفة عند أفلاطون تذكر، وإذن، تكون الرجعى عند الشاب في كتاب كيركغارد ماهي إلا ارتداد إلى الفطرة النقية الصافية، أي إلى المدرج الديني اللاهوتي قبل أن يشوهه المدرج الحسي والجمالي، فالشاب الولهان عن طريق تذكره لمحبته الأولى يسترجع فطرته الأصلانية وفي ذلك بعث لها على نحو خلاق، وحينما نعود إلى أفلاطون نجده يتساءل عن سر هذه المثل الذي تحصل في النفس، على الرغم من أنه ليس بيننا وبين العالم المعقول من اتصال مباشر، ليحدو بنا إلى التأمل الذي نستكشفه في نفوسنا بالتفكير، فلما تعرض لنا قضية تحيرنا في العالم المحسوس ونشعر بالجهالة اتجاهها، يتبين لنا ظن صادق يتحول إلى علم بالتفكير الخاص؛ كأن نسأل شخصًا لا قبل له بالمفاهيم الرياضية الهندسية فيجيبنا إجابات صحيحة ويستنبط من نفسه مبادئ هذا العلم، وبهذا ما دمنا نقتدر من ذواتنا على استخراج مفاهيم ومعارف لم يلقنا إياها أحد، فلا بد أن تكون النفس قد اكتسبتها في حياة سابقة على الحياة الراهنة12، فالبصيرة المعرفة بالنسبة إلى أفلاطون؛ هي اكتشاف حقيقة أن الماضي غير متغير، يجعل من تغيير العالم الحالي ضربًا من الوهم، إذا كنا بحاجة إلى حب، ونحن نعود بتفكيرنا إلى الوراء، أو إلى التذكر المطمئن، والجوهر السرمدي الموجود هناك بالفعل لإحيائنا، لدينا معرفة بالحب طوال الوقت، ولكنها نسيت وقتيًا، ونحن نحاول أن نتذكر الحب الأول عندما كان حيًا ومثيرًا. لهذا نجد قسطنطين يستبدل الرجعى بالتذكر الأفلاطوني13.
هناك غواية مخضبة بالحزن والشعور بالانعزالية عن العالم، والتعبير بإخلاص عن عقيدة الفرد المنفرد السالك طريق خلاصه بنفسه. وبحكم أن الرجعى الكيركغاردية تترنح بين الجمالية الحسية والدينية، نجد قسطنطين يجسد الحياة الأخلاقية الملتزمة؛ لأنه يهيب بعقد الزواج ويحتكم إليه بالقانون الوضعي أو الإلهي، ويدافع عنه كاختيار عظيم أمام الحضرة الربانية؛ فهو مسؤولية أخلاقية وربانية في الآن عينه14، أما الشاب المتيم فلا يقيم وزنًا لهذه العلاقة، ويفسخها لتصبح بالنسبة إليه ذكرى محبة، لكن يجب أن لا نفهم ههنا أن هذا الشاب يتلاعب بمشاعر حبيبته أو أنه شخصية دونجوانية(نسبة الدون جوان وهو شخصية أسطورية من الفولكلور الاسباني اشتهر بملاحقته واصطياده لقلوب الفتيات، حيث يعشق كل الإناث من دون تمييز وبمجرد ايقاعه بفتاة معينة يعمد إلى قضاء وطره منها ثم ينتقل إلى أخرى تاركاً إياها تندب حظها )، بل بالعكس؛ هو شخص مؤمن، ملتزم أخلاقيًا ودينيًا، ولهذا يلوح في مخيالنا تساؤل حول انفصاله عن محبوبته ما دام يحبها بصدق وإخلاص، لماذا انفصل عنها مادام أنه فرد ملتزم وليس تلاعبيًا؟
يجيبنا سورين في لحظة تتلبس بها التعقيدات المفارقاتية المشبوبة بالحزن مستأنسًا بمقولة بيرون: "الحب هو السماء والزواج هو الجحيم"، مدافعًا عن سر إقدام هذا الشاب على فسخ الخطوبة، معتقدًا أن السر يكمن في التضحية؛ لأن من يريد حالات الوجود الأسمى عليه أن يضحي بحالات الوجود الأدنى، لكنها ليست تضحية بالمفهوم الذي يعقرها جملةً بل يبقى للمدرج الحسي منزلته بحكم مركزيته ولكن من دون المكوث في عوالمه بل لجعله مطية للعروج نحو المدرج الأسمى منه، ومن أراد الإلهي السرمدي فعليه أن يضحي بالبشري الفاني. إن الشاب ضحى بحبه ومحبوبته من أجل الحب السرمدي الإلهي الذي نوقظه في اللحظة التي ننأى فيها عن الحب الحسي، بحكم أنه حب غير خالد، وتتربصه إمكانات الخيانة بين الفينة والأخرى، أما الحب الروحاني لها فهو حب أبدي. صحيح أن الشاب الغامض في كتاب الرجعى ضحى بها على مذبح عالم المحسوس، لكنه فاز بها في عالم الروح، وههنا نتذكر الجملة الغرائبية التي قالها كيركغارد ذات مرة عن محبوبته السابقة بولييت: "لقد شعرت بالميل اتجاه بولييت، فهي قد أثرت فيّ وربما أثرت فيها أنا أيضًا، ولكن ظل حبي لها ذا نبرة روحية خالصة"15.
ضحّى الشاب الغامض، إذًا، بمعشوقته؛ ليفوز بحبها الروحي الذي يكشف له حجب عالم الملكوت اللاهوتي، ويبعث حبه الروحاني نحو الله، حيث المحبة المطلقة. لهذا لم تكن هذه الفتاة إلا وسيلة مثلى للعروج إلى المحبة الإلهية الخالصة الطاهرة، ولا سبيل إلى التعلق بحب الله إلا من خلال تقديم قربان التضحية، وكانت الفتاة هي هذا القربان؛ إذ ضحى بأغلى ما يملك في عالم الملكوت الرباني، ومن يحبه الرب يبتليه ويمتحنه، فكان بلاء هذا الشاب أن فسخ عقد المحبة مع أقرب أنثى إلى فؤاده، وهنا بالضبط تبدأ أمارات الرجعى وإرهاصاتها؛ لأنه كان يعتقد أنه فور تقديم قربان المحبة الحسية كتضحية سيرجع له الرب حبه الحسي ويغدق عليه محبته الملكوتية الآفاقية، ولكن، للأسف، لم يحصل لهذا الشاب الغامض مبتغاه، وفشل في مسعاه، ويقارن كيركغارد في كتابه الرجعى دلالات التضحية التي قام بها هذا الشاب مع دلالات التضحية عند النبي أيوب16.
أثناء تحليل سورين لشخص النبي أيوب؛ يصفه بذلك الفرد الذي ضاع منه كل ما يملكه من متاع الدنيا، وتربص به اليأس والبؤس، من دون أن يكون هناك تفسير سببي لما أصابه، والغريب أن سورين حينما يتحدث عن هذا النبي لا يستحضره كشخصية دينية آفاقية، بل كفرد عادي مندهش من العالم الذي أتينا إليه من دون مشورة، وننتهي منه كذلك من دون مشورة، فنحن نبدؤه بداية غامضة، وننتهي نهاية أشد غموضًا. حاول أحباءه أن يخففوا عنه وقع المصيبة التي حلت به قائلين له: لا تتأوه يا أيوب، إنني ههنا لم اعاقبك لأخطائك، وعليك أن تتحمل هذا العذاب، حتى يتسنى لك أن تطهر نفسك من رجس الخطايا والآثام، لكن هذه المواساة سرعان ما يزدريها بحكم أنهم لا يملكون اليد الطولى لتفسيرها تفسيرًا حقانيًا، ذاك أنه يشعر في دخلانيته المتسعرة جوانيًا أنه على حق، حتى إن كان هذا الحق يحسب ضد الرب في حد ذاته الذي خلقه، لهذا نجد أيوب قوي روحيًا، لأنه مؤمن إيمانًا قطعيًا بأنه على حق في ما يعمل، وهو يُقر بأنه في علاقة صحيحة مع الرب، وأن فؤاده نقي بمنحى الرب والحياة، وأن الرب في المقابل يعلم هذا، لكنه يناقض الوجود ويقف ضده، وتبريرًا لذلك يقول سورين: "السر في قصة أيوب، القوة والحيوية والجوهر، والفكرة هو أن هذا النبي على الرغم من كل شيء هو في حق، هذا الادعاء يجعل منه استثناء من كل الاعتبارات الإنسانية، مثابرته وقدرته على إثبات سلطته وإقراره على تفسير إنساني هو مجرد سوء فهم له، وله فيما يتعلق بالله، كل مشاكله ليست سوى سفسطة، فقط للتأكيد بأنه ليس بإمكانه أن يحلها بنفسه ولكنه يثق بأن الله يمكنه حلها"17.
وفي المقابل؛ على هذا النبي أن يؤمن بالمفارقة المطلقة التي تجسد كونه على حق ومناقضة في الآن عينه للوجود كله، لهذا يتوصل في النهاية إلى أنه يعرف الرب معرفة قليلة جدًا، وأنه لن يقتدر على فهم الله فهمًا كاملًا وكليانيًا، وأن عليه أن يتقبل ما هو غير متقبل عقلًا، لكنه متقبل قلبًا، كما أن أي مفسر حاذق يحاول أن يفسر لغزية هذا النبي فإنه سيصل إلى نتيجة واحدة فريدة؛ هي أن كل شيء يحصل لأيوب هو اختبار، لكن كيف يتأتى للفرد المنفرد أن يكتشف هذا الامتحان؟ يجيبك سورين عن هذا السؤال قائلًا: "أي شخص لديه أي نوع من تصور الوجود، في الفكر والوعي من كونه يدرك بسهولة أن يتم ذلك ليس بتلك السهولة أكبر مما يعمل أو يبقي بهذه السهولة كما يقال، لا بد أولًا من مسح هذا الحدث من سياقه الكوني وأن يحصل على معمودية دينية، واسم ديني ثم لا بد من وضعه في سياق الأخلاق للفحص، ومن ثم يأتي هذا التعبير: اختبار"18.
وفي هذا تكمن قيمة الفرد أيوب وعظمتهُ؛ فقد ناضل وخاض صراعاته على تخوم الايمان، فقد نال حظوة عظيمة وكلها جاءته من طرف أقرانه من البشر، وهذا في النزاع الكلياني بين الرب والإنسان، وعملية ممتدة ومروعة، تنبع من حقيقة أن الشيطان وضع الفتنة بين الرب وأيوب، والتي تنتهي في النهاية إلى الاعتراف بأن كل ما في الأمر هو اختبار، وحينما نحاول اكتناه طبيعة هذا الاختبار ومدرجه الحياتي؛ نجد أنه لا ينتمي إلى الجمالية، ولا حتى إلى الأخلاقية ولا العقائدية، بل هو متسامٍ سؤددي كلياني. وهذا التسامي يضع الفرد أيوب في علاقة شخصية للمعارضة مع الرب19، ولما نجح الفرد أيوب في اختباره مع الرب بارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاده، وزاد الرب على كل ما كان له ضعفًا، ومن ثمّ، حصل على الرجعى، بحيث استعاد حياته ثانية وبأضعاف ما كان يبتغي ويحلم.
هذا بالضبط مدلول الرجعى في فلسفة سورين كيركغارد، على الرغم من أنه مدلول غامض، ويرجع ذلك إلى لبس المفاهيم المندرجة في سياق كتاباته، إضافة إلى الكلام الملغز الذي نستشفه ونحن نقرأ كتاب الرجعى. لهذا كان لزامًا على هذا الشاب أن يعيش أزمة وجودية خانقة حتى يهبه الرب إمكانات الرجعى، وأثناء عودتنا إلى الشاب المجهول ومحاولة فهم علاقته بالفتاة، وكذا محاولة فهم رؤيته للحب والزواج، يتساءل الشاب في كتاب الرجعى عما إذا كان الحب سيكلل بالزواج؟ وهل في إمكان هذا العشق أن يتحقق فعلًا عن طريق خيار الزواج؟ وهل هناك إمكان لنقل حركيته من الإمكان إلى الواقع؟
يستعين سورين ههنا بنظرة أرسطو حينما أعلن أن الانتقال من الإمكان إلى الواقع يمثل الحركة والتغير، حيث لا يتحرك المحرك وفق الرؤية الأرسطية إلا وفقاً لطرق ثلاثة هي: الأول طريق عرضي غير جوهري، وثاني جزئي، وثالث مطلق. وهذه الطرق الثلاث تهم المحرك والمتحرك على السواء، وفي الحصيلة، حركة نجدها كذلك تتمظهر في فلسفة شيلينج، وليس فقط في فلسفته الطبيعية، ولكن أيضًا في فلسفته الروحانية، وفي أطروحته حول الحرية، إذ تحرك جزئيًا في إعادة صياغته للنص، فهو يناضل بغية تضمين الحركة، ولهذا نجد أن شخصية قسطنطين في الرجعى لم تستطع -بناءً على وضع مقولة الرجعى في علاقتها بالحركة -أن يستنتج أن الرجعى المتمظهرة في الطبيعة جبلت على هذه الحركية بخلاف الرجعى التي تتم في مجال الروح أصلًا20.
كما نستجلي نموذجًا فلسفيًا آخر يستحضره سورين في كتاب الرجعى؛ ليفسر الإحقاق الإمكاني لهذه الحالة في اللحظة التقدمية، بمنحى الاستشراف المستقبلي، وهي فكرة الوساطة الهيغلية التي من خلالها نفهم التحول التاريخي الممكن للرجعى وتدرجيتها؛ فالتصور الحالي للشاب في الرجعى يتوسط حالة أولانية (ذكرى محبة)، ونقيضها (الحب الاستشرافي وما سيكون عليه في آخر حياته)، واللحظة الراهنة كتوليفة للحظتين ومنها يعقد قرار الشاب. هذا على الرغم من أن قسطنطين يتهكم بالتعاقب الهيغلي الخطواتي (فكرة)، (نقيض فكرة)، (توليفة)21. فهيغل يقول إن الروح تطور ذاتها من خلال عمقها الخاص22، فهي تتطور بذاتها لا بما يربو على تلك الذات، وفي هذا تعبير صريح على تطورية الروح؛ إذ إن ما يتغاير ويتطور من طور إلى آخر، هو هو ذاته، إلا أنه ينتقل من هناك إلى هنالك، قبل أن يعود إلى ذاته مرة أخرى، والأمر عينه في ما يخص الفكرة من حيث هي تطور، وإذا كان الفكر الحر يتجوهر بذاته وهذا ما يجعله حيًا ومتحركًا بذاته، وإذًا، فهذه الخاصية هي ما تنحو به إلى أن تجعله في قابلية لأن ينتج تاريخه الخاص به بذاته أيضًا، وتلك هي حركيته وتغيريته قبل أن يعود إلى ذاته، وهي الحركة التي بسببها يصبح الكائن في ذاته كائنًا هنا ثم كائنًا لذاته، وهي الأطوار الثلاثة التي لا يعلم تعيين الروح في إحداها، إلا بتوسط من تلك الحركة، وهو ما يعني أن هذه الأخيرة هي الماهية الأساسية للفكرة أو العقل بما هو تطور، وفي لحظة استنفاد الحركية، يكون قد حقق كمال ماهيته، وأصبحت إمكاناته الباطنية معروفة لديه، وأصبح يعيها وعيًا كاملًا، على أن هوية الكائن محققة في الأطوار الثلاثة كلها23.
يجد الشاب المجهول نفسه مرعوبًا من أرموزة الزواج، وهنا يخبره المستشار قسطنطين بأنه سيتحول لا محالة إلى شخص مخادع، حاله في ذلك كحال الدون جوان، وألزمه المستشار ضرورة الخنوع لميثاق الزواج، وأن يكف عن التلاعب بمشاعر هذه الفتاة. لكن مع مرور الزمن، يستفيق المستشار قسطنطين على مفارقة كبيرة؛ مفادها أن هذا الشاب لا يعشق هذه الفتاة، وأن كل ما في الأمر أنها أيقظت المنحى الشاعري الجواني الذي كان يستبطنه، واستطاعت أن تجعل منه شاعرًا آهاته وأصوات أنينه يفيض منها لحن عذب يطرب السمع. هنا يحضرنا ما كان يدونه سورين كيركغارد في يومياته؛ إذ تساءل يومًا عن ماهية الشاعر؟ فأجاب قائلًا: "إنه شخص شقي يبطن في فؤاده همًّا عميقًا، إذ قطعت شفتاه بحيث لا يمكن لهما أن تصدرا الزفرات والتنهدات، اللهم إلا على شاكلة أصوات متناغمة. إن مثله في ذلك كمثل التعساء الذين يعذبهم السفاح فالاريس، حينما يدخلهم في ثور عملاق مصنوع من النحاس، وتسعر تحته نار خفيفة، وقد وضع في فتحتي أنف الثور العملاق مزامير؛ بحيث تجعل صراخ وعويل الضحايا، ليست على شكل نواح مريع، وإنما كنوع من الألحان الموسيقية العذبة"24.
كما اكتشف قسطنطين أن هذا الشاب تعلق قلبه روحيًا بها، وأنه لا يقتدر أبدًا على حب فتاة غيرها، كما لا يستطيع أن ينساها، فهو سيبقى دومًا وأبدًا في شوق وحنين نحوها، فقد أصبحت جزءًا من خلوته الروحية وذاته الفردة، إذ أيقظت أصلانيته الذاتية، على الرغم من أنها في الآن عينه وقعت شهادة وفاتها25. ومع هذا الصراع الوجداني المحموم تتربص بالشاب المجهول حالات اليأس والحزن والسوداوية، فيبدأ في التفكير في محاولة إيجاد سبيل يخلصه من طبيعته المهمومة والرعشة الوجودانية التي يعيشها، وما السبيل الناجع للتخلص من هذه الشوكة في اللحم؟ وكيف له أن يستفيق من هذا التيهان والشرود؟
في النهاية؛ يركن هذا الشاب إلى المدد الإلهي، ويرتشف من شَهْد الروحانية المطلقة، ويستنجد بالعون الإلهي، فتحضره فيوضات الابتهالات الأيوبية، داعيًا الله أن يمن عليه بإمكان الرجعى على الشاكلة الأيوبية، لكن هذا الشاب لا تكتب له الرجعى، ولا ينجح في ابتكار الطريقة التي تعيد إنعاش علاقته بالفتاة26.
حينما نطلع على المخطوط الأصلي الذي كتبه سورين كيركغارد لكتاب الرجعى؛ نجده ينهيه نهاية مأساوية بالإعلان عن انتحار الشاب المجهول، لكنه يتراجع في ما بعد، بعد سماعه بزواج الفتاة27، وبهذا عاش الشاب بقية حياته كما وصفه سورين كيركغارد، أنه: "فارس حزين من ذكرى حبه السعيد الوحيد"28، والغريب حقًا أن طريقة كيركغارد في بسطه لمدلول الرجعى كانت ذات طابع فكاهي كوميدي هزلي، ولا يشعر قارئها البتة في البداية بأنها تنضح بكل هذه المعاني الوجودية الرحبة، بخلاف كتابه مفهوم القلق الذي كان سوداويًا، قاتمًا وعنيف الدلالات، وهو تتويج لكتاب الرجعى، وشرح مستفيض لما ورد فيه، وقد استنبط كيركغارد الكثير من مفاهيمه من كتاب الرجعى.
يجد المتأمل لكتاب الرجعى أنه عمل يسعى لرسم خريطة أنطولوجية للسبل الخفية التي تفرضها المعاناة الذاتوية الوحدانية، ويقترح في المقابل سبلًا للنجاة، فالرجعى الكيركغاردية هي بمنزلة مرآة للقلق في حياتنا الخالصة المتواترة، مع المدارج الوجودية الحياتية المتصاعدة، ويقحمنا سورين في دهاليزه الداكنة بحيث يمكننا أن نؤدي دورًا بصورة أو بأخرى، من أجل التفاوض حول شدة التوترات السيكولوجية والوجودية التي نترنح فيها بين ماهو أخلاقي وماهو جمالي حسي. صحيح أن أمثولة الرجعى بسطها سورين في قصة قصيرة تنضح باللغزية وتقلبات مصير الذات، على الرغم من أن جل الدارسين للمسرح الكيركغاردي يقرؤون الأمثولة على أنها بحث تقني حول مفهوم شبه ميتافيزيقي يسمى "الرجعى"؛ ففي الجزء الأول من كتاب سورين يقدم لنا المفارقة الممكنة بين الرجعى والمفهوم الأفلاطوني القديم للتذكر (نظرية التذكر الأفلاطونية)، فالمسرح الأفلاطوني يقر بأن العقل البشري يمتلك أبجديات المعرفة التي يحتاجها فهي موجودة بصورة قبلية في عقولنا، وما على العقل إلا تذكر ما كان يعرفه ونسيه في لحظة فارقة لما تلبس باللواحق الحسية، وفور أن نبدأ في إعمال قوة المعقولية يكون لدينا وميض من الأفكار البدهية القابعة في عقولنا، ومن ثمّ ما علينا سوى تذكر الحقائق التي ذهلنا عن استحضارها، والسبيل الأوحد في ذلك هو الحث على التذكير والتذكر، إلا أن المستشار قسطنطين المؤلف المستعار الرمزي لكتاب الرجعى يقول إن الأزمنة الحديثة تحتاج إلى مفهوم جديد؛ هو الرجعى، فهو الصلة الإدراكية الممكنة للمعرفة والأخلاق، وليس من خلال الحث على التذكر وفق النهج الأفلاطوني، وبصورة غير متوقعة بتاتًا كهبّة تُمنح لنا من المجهول، وبوصفها وحيًا من المستقبل، فالرجعى الكيركغاردية ماهي إلا تمظهر وانبجاس يتدثر في بعض الأحيان ما هو قديم بلباس جديد، ويقدمه على أنه جديد، ويمنحه في بعض الأحايين شيئًا جديدًا بصورة راديكالية29.
إلا أنه وفي النصف الثاني من كتاب الرجعى يتجلى المنحى الرسائلي الوعظي بين قسطنطين والشاب المجهول المتيم، فينهمك هذا الشاب في البحث عن إلهام جواني، يقتدر من خلاله على إثلاج قلبه، وجعل حزنه الكبير ينحو إلى اليسر والراحة، ليقصد طريقه إلى المستشار قسطنطين بغية أن يستشيره بالحكمة الوعظية التي تخلصه من الوعود الزائفة للحب جملةً وتفصيلًا، إنه يريد مكانًا هادئًا ومريحًا يستكين فيه ويستقر، كما يحتاج إلى فرجة ومكان آمن وسالم يتقبل حقيقة مفادها أنه قد هجر معشوقته الغالية، هذا إضافة إلى إبقاء النار المسعِّرة لعشقه لها ملتهبة لا تخمد البتة. وفي النهاية، يستقر على سعادة تغمره بصورة غريبة، وعلى نحو نشوة مبالغة، لأنها منحته في النهاية حريته عن طريق عقدها القران مع رجل آخر. جعله تلقيه لهذا الخبر يعيش ضربين من الشعور الغامض؛ الأول ينحو به إلى السعي لوضع حد لحياته القاسية المدمرة، والضرب الثاني الذي اختاره في النهاية هو السعادة والفرح بخبر إطلاق سراحه، لكننا لا ندري بالفعل؛ أكانت هذه السعادة التي تجلت على محيا الشاب المتيم المجهول، عن طيب خاطر منه، أم كانت تزييفًا منه وادعاءً للشجاعة وهو في حقانية الأمر مكدود ينزف قلبه دمًا في دخلانيته الملتهبة حرقة وألمًا؟ إنه على أية حالة في حاجة ملحة إلى استرداد حياة يمكن أن تعاش فعلًا، وهي "الرجعى"؛ هذه الأمثولة القادرة وحدها على إنهاء عذاب فؤاده30.
لكن المثير والمفارق في الآن عينه، هو طريقة استجابة المستشار قسطنطين لقضية الشاب المجهول؛ فهو يستقبل حالته بنوع من البرود والاسترخاء، فتوتر صديقه المدثر بالخطيئة والذنب وحصره؛ مسألة مثيرة بالنسبة إليه كثيرًا، ومن المشكوك فيه أنه كان لديه نوع من الشفقة على حالة هذا الشاب المتيم المتألم، وهو يلمح إلى وجود حيلة قاسية وعنيفة لتدمير أي ارتباط عالق بالفتاة التي أخذت بتلابيب عقله، قد لا يزال لديها، فهو متهكم من هذا الحب جملةً، متسائلًا بمرارة: هل حالة هذا الشاب المتيم ميؤوس منها؟ وفي النهاية ستكون الرجعى هي الحل الوحيد الكفيل باسترجاع الحب، ولا بد لنا أن نفهم ههنا أن الرجعى مفهوم غامض، وقد نقرأ بعض دلالاته في قصة إبراهيم النبي، وكذا أيوب، اللذين عايشا مرحلتين (خسارة واستعادة)، فإبراهيم أوشك أن يفقد ابنه بيديه، وأيوب فقد صحته وثروته وأولاده وأصدقاءه من دون سبب قابل للفهم، والشاب المجهول في الرجعى يفقد حبيبته، وحرقة كبيرة في قلبه، فهو ليس غاوي أو شخص سيء على الرغم من الغموض والصعوبة التي نجدها حينما نسعى لتفسير السبب الذي حدا به إلى ترك هذه الفتاة، على الرغم من حبه الكبير لها، ولماذا لا يزال على الرغم تركه لها يتخيل نفسه معها، مع استمرار رسائله في منحاها كأنها في مقام زوجته فعلًا.
يحاول قسطنطين أن يجعل الرجعى ممكنة، وكأنها نوع من الاستكانة والرضوخ للمعنى المفروض في الأمثولة، ويجهد في أن يحث الشاب المجهول المتيم على الرجوع إلى ملكة قلبه، وذلك بحثه على تتبع خطواته في مدينة برلين، فهو يتوق إلى خبرة جديدة تعيد إليه خبرة سابقة كان قد عاشها قبلُ، بحكم أن الرجعى تنتظر دومًا الجديد الخلاق، والمتأمل لنصائح قسطنطين للشاب الولهان يجد أن المستشار كأنه يعتمد نموذج أفلاطون في التذكر، ولكأنه يعود في حركة نكوصية إلى الوراء ليتذكر حبه المطمئن ليحييه من جديد، ومن ثم، يصير لدى الشاب معرفة ذات ديمومة مستمرة مع الحب، لكنها نسيت موقتًا، وكلما فكر الشاب اقتدر على استدعاء حبه القديم وإحيائه من جديد إحياءً خلاقًا، لكن قسطنطين يستبدل بالتذكر الأفلاطوني مدلولًا آخر يشابهه، لكنه ذو حمولة فلسفية جديدة هو الرجعى، الحركية السيكولوجية والوجودية لكل من التذكر والرجعى، تسير على الشاكلة والحركية ذاتهما، ولكن في اتجاهين متعاكسين، وتأكيدًا لذلك يقول سورين كيركغارد في كتاب الرجعى شارحًا وموضحًا هذه الحركية: "إن الحياة كلها سوف تنحل إلى فراغ، إلى ضوضاء بلا معنى"31.
ونفهم من ذلك أنه من خلال التذكر والرجعى؛ نصل إلى معنى واحد يجتمعان عليه معًا، بحيث يمكن أن نجمع شملهما معًا في ميلاد جديد؛ ففي الرجعى يجمع المعنى قبل أن يتم تقبله بعد، فمثلًا، يوشك المعنى الموسيقي لمعزوفة معينة على الوصول إلى ذروته في عبارة لم تقلها الآلة الموسيقية (البيانو مثلًا)، فطالب الرجعى يسير قدمًا إلى المستقبل الاستشرافي وهو ينتظر المفاجأة الشديدة الأهمية، والتي قد تكشف في أية لحظة أثناء التقدم بمنحى المستقبل، فالشاب مندفع نحو المنحى الاستشرافي المستقبلي لعلاقته بالفتاة مع توهج لهيب إمكان الرجعى (زواج منها أو صداقة معها أو فراق أو استرجاعها مرة أخرى في علاقة جديدة استمرارية تصاعدية فضلى)، لهذا يبقى متوقع الرجعى في حالة إغراء دائم، والشاب لن يمل أبدًا بحكم أنه لا يزال في حالة تذكر لماضيه المحمول بذكرى حبه السعيد الوحيد مع ملكة قلبه؛ فهو يلهث نحو ما وجده النبي أيوب والنبي إبراهيم من تحويل لعاصفة مدمرة أو تدخل مفاجئ من ملك كريم يزرع اليقظة لوعود المستقبل، فهذا الشاب يعيش على احتمالية شديدة لاستعادة العالم الذي خسره، بالاستعادة عن طريق الزواج بهذه الفتاة التي انفصل عنها بطريقة غامضة ومبهمة، أو بالتحرر من هذا الحب تمامًا، وفي كلتا الحالتين سيكون سعيدًا وستتحقق الرجعى32.
إن المتأمل الحصيف للحالة التي يعيشها الشاب المجهول في أرموزة الرجعى يجده شابًا متلهفًا منتظرًا لعاصفته الرعدية، وهو في ذلك يحاكي بطريقة تهكمية شخصية أيوب على الرغم من أن معاناته وآلامه لا تقارن بهذا النبي طبعًا، فمعاناته عبارة عن حدس هزلي ينتظر عودة وسط الركام، ويتحدث عن الزواج لكنه في المقابل يرحب كذلك بالتحرر من الزواج والقران بالفتاة التي ملكت قلبه، وارتقاب الرجعى ههنا ليس رغبة زائفة، ولكنها ثقة كبيرة في استعادة الإنجاز، وليس لدى هذا الشاب الولهان سوى قدر ضئيل من هذه الثقة، فهو يقول إنه يرتقب الرجعى، إلا أن يأسه يمكن أن يتجلى لنا كتصنع أو بالأحرى مسرحية تظهر أنها صادقة على نحو ما، وماهي يا ترى تلك الاستعادة التي يرتقبها؟ هل يريد فعلًا الفتاة التي يحبها؟ ربما هو في الحقيقة يريد أن ينساها ليتخلص من الذنب أو بالأحرى الشعور بالذنب الذي يكتنفه ويسحبها معه إلى رهان الحرية، ينعته قسطنطين بعد ذلك بالشاعر الحزين الذي يوشك على التدين.
ثانيًا، التضحية الإبراهيمية (الخوف والرعدة):
"عندما سأرقد في مثواي الأخير، سيكون كتاب خوف ورعدة وحده كافيا ليمنحني توصيف الكاتب الأبدي، وسيقرأ الناس الكتاب، وسيترجم إلى ألسنة عديدة، سيصاب قرائي بالرعشة من العاطفة الجياشة التي تغدق الكتاب"
سورين كيركغارد، اليوميات.
التضحية الابراهيمية وفق المسرح الكيركغاردي هي أعظم نموذج للتضحية الأرضية على الإطلاق، وهي السبيل الايماني الأوحد للتعبير عن الإخلاص الحقيقي للرب والاستجابة لندائه المستور. أرموزة إبراهيم النبي مع ابنهإسحاق33هي بالنسبة إلى كيركغارد، المثل الأعلى للعلاقة مع الرباني الخالد في مقابل الدهراني الزائل، وقد عبر الباحث المختص بفكر كيركغارد، وولتر لوري، عن هذه المحنة في مقدمة ترجمته الإنكليزية لكتاب خوف ورعدة، مقتبسًا تدوينة ذات دلالة موحية؛ تعبّر عن مشروع هذا الكتاب وتجمله إطلاقًا، فلنتصور أن إسحاق في قصة النبي إبراهيم كان يعرف أن موضوع الرحلة التي كان عليه أن يقطعها مع والده إلى جبل المريا، هي بمنزلة تقديمه كقربان، ولو تصورنا أن هناك شاعرًا كان يعيش على هذا الجبل المقدس من جيلنا، لاقتدر أن يقص علينا من أنباء ما حصل بين إبراهيم وإسحاق، ومن روحانية الحديث المستور الإلهي الذي دار بينهما أثناء هذه الرحلة الشاقة، كما يمكن أن يتصور الفرد منا أيضًا أن حياة النبي إبراهيم السالفة لم تكن بتاتًا حياة إيمانية غير متدثرة بالإثم وأحاديث الخطيئة، وربما نحت به الآن إلى أن يهمس في كوامن نفسه؛ أن هذا الصعود الجبلي هو بمنزلة عقاب رباني في حقانية الأمر34. بل ربما جعله المرء عرضة لأن تخطر في باله هذه الخاطرة المأساوية؛ أنه يتوجب عليه إلزامًا أن يستجيب لأمر الله لتأتيه العقوبة أثقل وأبلغ، كما يمكننا أن نتصور كذلك أن النبي إبراهيم قد تبصر في بادئ الأمر ولده إسحاق بكل ما أوتي من حميمية وحب أبوي، وأنه يهيب تبجيلًا بابنه إسحاق الذي استجاب عن حسن نية وطيب خاطر لهذا المصير، بكل صبر واحتساب، ليستل السكين ويقول لإسحاق: إن كنت تعتقد أنني أفعل هذا في سبيل الله، فأنت مخطئ، أنا رجل وثني، وقد استيقظت في نفسي الرغبة من جديد، وأريد أن أقتلك، فهذه مشيئتي وقدري، فأنا أفظع من أي آكل للحوم البشر، فليدثرك اليأس يا ابني إسحاق الأحمق، الذي يتصورني أبًا له، فأنا في الحقيقة لست إلا قاتلك وهذه مشيئتي35، وأقعد الولد إسحاق على ركبتيه وصاح مستغيثا يا إلهي الرحيم ارحمني، وهنا بالضبط، تراتلت التسابيح الوجدية في روح إبراهيم بهمس خافت، هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فمن الأفضل بعد كل هذا أن تعتقد يا إسحاق أنني وحش ضار، وأن تلعنني لأنني كنت والدك، بدلًا من أن يعرف أن الله هو الذي قضى بهذا الامتحان الصعب، فلربما ضاع رشده حينذاك، وربما صب لعنته على الرب.
إن القارئ المؤمن لأمثولة النبي إبراهيم التضحوية يحضره حنين الفداء والاستجابة الخالدة لإرادة الرب، ففور قراءتنا لمستهل كتاب خوف ورعدة نبدأ في التعرف إلى إرهاصات الفداء الرباني، وكيف ودع النبي إبراهيم زوجته سارة، وشق طريقه مع ابنه لتقديمه قربانًا للرب، وهذه المسيرة دامت ثلاثة أيام وفقًا للمعتقد المسيحي36، رحلة يشوبها الحزن والخوف والوجل، والجميل في كتاب خوف ورعدة قدرة كيركغارد التصويرية الشاعرية، إذ ينظر إبراهيم إلى الجبل، وروحه ترتعش، ويشخص ببصره إلى السماء ملبيًا النداء، حيث أنشده المنادي ليقدم أغلى ما عنده؛ فلذة كبده، لينحو بنا بعد ذكر كيركغارد إلى تصوير رحلة العودة مع الابن، وطريق العود هذا جسد بحق الهبة الربانية والرجعى العظيمة لمن أسلم وتله للجبين، وسلم أمره إلى النداء الرباني، ونجح في الامتحان الصعب. يقول سورين تصويرًا لروحانية المشهد: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له يا إبراهيم، فقال ها أنذا، قال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا واصعده، هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك"، وتبريرًا لإيمان إبراهيم يقول سورين: "وبالايمان خرج إبراهيم من أرض آبائه، وأصبح مقيمًا في أرض الميعاد، ترك شيئًا واحدًا وراءه، وأخذ شيئا واحدًا معه. ترك فهمه الدنيوي وأخذ معه الإيمان"37، ويقول سورين كيركغارد في موضع آخر: "أما إبراهيم، فأنا لا أستطيع أن أفهمه38ولا أستطيع أن أتعلم منه شيئًا، بمعنى من المعاني إلا الدهشة، ولو تخيل الناس أنهم بتأمل حصيلة هذه القصة قد يتركون أنفسهم للتأثر بالإيمان، فإنهم يخدعون أنفسهم، ويريدون أن ينتزعوا الله في أول حركة للإيمان، وهي التسليم اللامتناهي، إنهم بذلك يمتصون الحكمة الدنيوية من المفارقة، وربما نجح واحد أو أكثر في ذلك، لأن عصرنا ليس مهيئًا للوقوف على الايمان، وعند معجزته في تحويل الماء إلى نبيذ، وإنما يمضي إلى أبعد من ذلك، فيقوم بتحويل النبيذ إلى ماء"39.
ويضرب لنا سورين كيركغارد مثالًا غاية في الروعة عن الطريقة التي ينفصل فيها التواشج الروحاني الجامع بين النبي إبراهيم وابنه إسحاق، مشبهًا لحظة الانفصال بالفطام بالنسبة إلى الطفل في علاقته مع ثدي أمه40؛ طفل صغير تقربه أمه من صدرها في مشهد حميمي تعاطفي ليرضع ثديها، ثم يكبر هذا الطفل، وتأتي اللحظة التي ينفصل فيها عن ثديها، ويتوقف هذا التعالق الروحاني والجسماني في الآن عينه، وحينما يقترب موعد الفطام، تعمد الأم إلى تخضيب ثديها بالسواد؛ إذ إنه من العار قطعًا أن يظهر الثدي مغريًا حينما لا يقتدر الطفل على الوصول إليه، يؤمن الطفل ايمانًا راسخًا بأن ثدي أمه قد تغير، ولكن تبقى الأم كما هي لم تتغير، وحبها الوجداني نحو ابنها بقي كما هو لم يأفل ولم يضمحل، وبقيت تنظر إلى ابنها بعاطفة الأمومة عينها، كم هو محظوظ فعلًا ذلك الفرد الذي لا يحتاج إلى وسائل مخيفة لكي يفطم طفله41.
وهي بالفعل الحالة التي كانت تجمع الابن إسحاق بوالده إبراهيم، وهذا بالضبط الامتحان العسير الذي خاض غماره النبي إبراهيم. يعلق سورين كيركغارد على هذه الأمثولة قائلًا:"والشخص الذي يقتدر على تفسير هذا اللغز يكون قد فسر حياتي برمتها، ولكن أين من بين معاصريّ من فهم هذا؟"42.
وهنا يحضرنا سؤال مركزي مفاده: من هو الفرد المفرد القادر على فك طلاسم هذا اللغز الكيركغاردي المحير؟ إنه ببساطة الفرد المؤمن، وبرهانًا على ذلك يقول كيركغارد في كتابه الرجعى على لسان المستشار قسطنطين في وصفه للشاب المجهول :"إن مثله كمثل كلمنت ألكسندريوس، يكتب بطريقة بحيث لا يفهمه الكفار"43، فسورين ههنا يستحضر شخصية كلمنت ألكسندريوس، وهو واحد من آباء الكنيسة اليونانية بمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وأبرز ما ميز تعاليمه؛ ربطه وتوحيده بين الفلسفة اليونانية واللاهوت المسيحي، فكانت جل كتاباته على العموم موجهة إلى العالم الهيليني والثقافة اليونانية، فقد جاهد إلكسندريوس لكي يبرهن للعالم أن المسيحيين ليسو برابرة غير متعلمين، فأعماله تتحدث عن فلسفة مسيحية متقدمة وهي معروفة للحاذقين روحيًا وذهنيًا ويمارسونها، لكنها غير معروفة للعامة من المسيحيين، وهو بهذا الصدد يشبه الغنوصيين، وهو في الحقيقة يصف الحكيم المسيحي بالغنوصي، ولكن في الآن عينه الذي ادعى فيه الغنوصيون امتلاكهم تعليمًا سريًا نهلوه من الرسل، اعتقد إلكسندريوس أن الفلسفة المسيحية المتقدمة كانت متاحة للعامة في الكتاب المقدس، لكنه جادل أولئك الذين يمتلكون بصيرة روحية عميقة، ووحدهم كانوا قادرين على النظر إلى ما وراء المعنى البسيط للكلمات، وتفهم المعنى الأعمق لكلمات الكتب المقدسة44، وبذلك نفهم أن في استحضار إلكسندريوس من طرف سورين دليلًا على تأثره بالمذهب الغنوصي الصوفي لهذا الأخير، وكذا إشارة واضحة إلى أن الرجعى ذات حمولة غنوصية صوفية عميقة، ولهذا نجده يطمس بعض أرموزاته بلغزية المشهد وغياب حذقه من الناس العاديين من غير الغنوصيين، حتى إننا نجد كيركغارد يصف النبي ابراهيم في كتابه خوف ورعدة على لسان يوحنا الصامت :"لا يوجد من هو بعظمة إبراهيم، من له القدرة على فهمه"45، ليسرد لنا بعد ذلك نضال النبي إبراهيم لأجل الأبدية، وهو النبي المؤمن غير الشاك، حتى إن جال في عقله شيء من مغالبة الظنية، فإنه - بحسب اعتقاد كيركغارد - شك من أجل شيء جليل، إذ إن النبي المصطفى كان على علم يقيني بأن الله هو الذي طلب منه أن يذبح ابنه، وكان على علم راسخ لا يتزعزع بأن هذا هو البلاء المبين، وأقصى تضحية ممكنة في عالم الفناء والمحسوس، وأظهر السكين وقد تجلت اليد التي كانت بالأمس تربت على كتف الولد إسحاق هاهي اليوم تريد ذبحه، وههنا نستحضر نصًا جماليًا رائعًا أورده كيركغارد في كتاب خوف ورعدة :"يا إبراهيم، أيها الوالد العظيم في سبيلك الذي نهجت من الجبل إلى بيتك، لا تحتاج البتة إلى ترانيم وجدية تشيد بك، لقد فزت بكل شيء، وفوق ذلك أرجع اليك ابنك ولم يأخذه منك الرب، والأجمل أنك في المقابل من ذلك مكثت معه في الخيمة يغشاك الحبور، ولكأنك في بسطتك تلك تعيش ذلك العالم السرمدي حيث الظل الظليل الأبدي"46.
ويصل بذلك كيركغارد إلى نتيجة مفادها أن في أمثولة النبي إبراهيم نتائج مفارقاتية عجيبة، تبرز لنا المفهوم الحقاني للحظة الإيمانية الخالصة، وتجسيد العلاقة السرية للفرد مع الرب المستور عن عيون الخلائق، والنأي بتاتًا عن أي وساطة برانية مهما كان نوعها، نركن فيها إلى التسليم بالقلب، ونضع العقل جانبًا؛ لأنه غير قادر على فهم مثل هذه الأمور وحذقها، فإبراهيم ضحى بالمدرجين الحسي والأخلاقي الكلياني في استجابته للنداء الديني، إذ لا معنى للمدرج الحسي الجمالي، وكذا الأخلاقي الكلي، أمام الحضرة اللاهوتية المطلقة. وبهذا تكون هذه اللحظة تضحية وخلاصًا من كل ارتباط دنيوي للتوجه إلى المطلق السرمدي. إنها اللحظة التي يقبل فيها إبراهيم على ذلك الفعل، ويقول: كلا لن يطوي النسيان أبدًا من كان عظيمًا في هذا العالم، من هؤلاء العظماء كان عظيمًا على طريقته وكل منهم كان عظيما بالنسبة إلى العظمة التي أحبها47.
واللحظة الأشدّ إبهارًا في مفارقة إبراهيم وسر إيمانه، تكمن في أنه كان يعتقد اعتقادًا راسخًا أن الرب قادر على فعل كل شيء مستحيل، فإن إبراهيم في الوقت الذي كان يريد القيام بالتضحية بولده إسحاق، كان على يقين راسخ بأن ولده سيرجع ويعود إليه، وذلك بحكم أن الرب كان قد وعد إبراهيم أن يجعل نسله في صلب إسحاق، وطبقًا لهذا الوعد الرباني، كان النبي إبراهيم يؤمن بالمستحيل، وكان ينشد المحال عند الرب، وكان المحال ههنا يتمثل في الحفاظ على سلامة إسحاق وإعادته إليه حيًا، وكان هو بنفسه مندهشًا من يقينه بما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف، ولكن من خلال حركة مزدوجة، عاد الايمان إلى حالته السابقة، وحصل على إسحاق على نحو أشدّ سعادة من الحالة الأولى48.كما أن النبي إبراهيم كان في غنى عن إقامة البرهان العقلي على ما حصل له، لأن هذا ضرب من الايمان كما يقول عبد الجبار الرفاعي في كتابه: الدين والظمأ الأنطولوجي:"الايمان هو حالة أنطولوجية لا تستطيع الإطاحة بها، حتى لو قررت التخلي عنها، إنها تنحو من الاشراق الروحي الذي لا يمكن توصيفه بوضوح، لأنه مما يوجد لا مما يدرك، وكما نصطلح في المنطق هو نوع من الحضور الوجودي الذي يتوطن القلب، وليس نوعًا من العلم والتصور والفهم المرتسم في الذهن"49.
لكن يجب أن نلفت إلى قضية مهمة جدًا، وهي طبيعة الإيمان الذي حصله إبراهيم في لحظة الصعود إلى الجبل للتضحية بابنه إسحاق، فلربما يفهم على أنه نوع من التجرد التام والمطلق من عالم الدُنيوة والعبور إلى العالم الأخروي، لكنه كان بخلاف ذلك تمامًا، فتحصيل الرجعى الدنيوية ضرورية لإتمام معنى الإيمان الحقيقي، وكذلك إحقاق كامل للرجعى في مدرجيها الحسي والديني، وتأكيدًا لذلك يقول سورين: "ظل إبراهيم على إيمانه، وكان يؤمن بهذه الحياة الدنيوية، أجل، لو كان إيمانه قاصرًا على أن يكون إيمانًا بحياة أخرى، لكان ألقى بكل شيء حتى يسارع بالخروج من هذه الحياة التي لا ينتمي إليها، غير أن إيمان إبراهيم لم يكن بهذا النوع، وإن كان لمثل هذا الإيمان وجود، فالحق أن هذا ليس إيمانًا، ولكنه أبعد إمكانية للإيمان الذي يشعر بموضوعه في الحد الأقصى من الأفق، ومع ذلك ينفصل عنه بهوة عميقة يقوم اليأس بداخلها بلعبته، فأما إبراهيم فكان يؤمن حقًا بهذه الحياة الدنيا، وبأنه سيهرم في أرض آبائه وسيقوم الشعب بتكريمه وسيتذكره الناس إلى الأبد في إسحاق"50.
خاتمة
و نلخص في النهاية إلى حقيقة جوهرية مفادها أن أرموزة الرجعى كانت هي الخيط الناظم المفسر لجل فلسفة سورين كيركجارد، فهذا اللاهوتي الدانماركي عمد إلى التضحية بالسيدة أولسن كعربون محبة آفاقية لا يمكن فهمها بالطريقة الدنيوية في تعقل الأشياء ، لأنها مسألة روحانية خالصة مشبوبة برعدة الخوف والقشعريرة، ولكن يبقى مفهوم الفداء أقنوم جوهري في المعتقد المسيحي كضرب من التكفير عن الخطيئة، لكن اللاهوتي والفيلسوف سورين اغدق عليه بعداً تعاطفياً أكثر من خلال علاقته برجين أولسن، فطالما كان سورن يتغنى بالمذبح، ويحلم بأن يقيم مذبحاً كرمزية دينية تعبر عن النزوع الفدائي لأجل الرب في قيوميته وكبرهان واقعي عملي للمحبة المتواشجة مع التضحية، من منظور أن الحب من دون تضحية وبرهان عياني لا يساوي شيئاً في العالم الروحاني، كما اعتبر كيركجارد أن الرجعى مقولة فلسفية هامة وجوهرية، فمثلها كمثل البستاني الذي يترك أزهاره تذبل لأنه لم يسقيها بالماء لفترة معينة ، ثم يسقيها فتبعث من جديد بعثاً خلاقاً، لهذا تكون هذه المقولة الفلسفية ليست تكراراً لعلاقة أو حياة فاشلة، بل هي إعادة تجديد وبعث وخلق العلاقة من جديد والاستمرار فيها،و لعل سورين إذا لم يحالفه الحظ العاثر في الذود برجين في عالم الزوال سيستردها في عالم الأبدية