إن كثيرا من المؤلفات التي تضم دراسات مسرحية، يطالعنا أصحابها بمعلومة مفادها : إمكانية إخراج المسرحية في ذهن القارئ؛ أي يمكن تخيل العرض المسرحي من طرف القارئ.
و لعل هذا يحيل إلى ما يحويه النص الدرامي من معلومات يرصدها الكاتب المسرحي ليعطي تصوره للعملية الإخراجية، و تبقى مجرد اقتراح للقارئ/المخرج/الممثل/و لكل القائمين بالعرض كفنان الإضاءة، المنظر، الإكسسوار...
تسمى هذه المعلومات : الإرشادات الإخراجية، الملاحظات الإخراجية، النصوص غير الكلامية(1)، البناء الدراما تورجي(2)، النص المرافق(3)، كما تسمى أيضا النص الفرعي(4) لتمييزها عن النص الرئيسي المتمثل في حوار الشخصيات.
والإرشادات الإخراجية (Indications scéniques)هي" أجزاء النص المسرحي، التي تعطي معلومات تحدد الظرف أو السياق الذي يُبنى فيه الخطاب المسرحـي. و هذه الإرشـادات تغيب في العرض كنص لغـوي و تتحـول إلى علامات سمعية و بصرية".(5)
فمثلا: في حوار بين توفيق ومريم في مسرحية «أبناء القصبة» لعبد الحليم رايس تقدم الإرشادات معلومات تخص أداء الشخصيات: نبراتها وتنغيم صوتها، كما أنه يصور درجة انفعالها :
" مريم : (بصوت عالي) لكن لما خذيتك ما كانتش الثورة، كي خذيتك ما كانش الشعب يموتو نساه ورجاله، تسقط بالمآت كل يوم، كي خذيتك ما كانتش كما راك اليوم، كنت تصارحني، أما اليوم (تشهق باكية). (6) فجملة (بصوت عالي) ـ إلى جانب ما أفادته بالنسبة لأداء الشخصيةـ تعني أمرا أو إيعازا للممثلة بأن ترفع صوتها عند أدائها للحوار: " ارفعي صوتك وأنت تحاورين توفيق" ويسمى هذا النص : النص الإيعازي. و فضلا عن هذا، فإن ذكر أسماء الشخصيات التي تتحاور بجانب الحوار يدخل ضمن الإرشادات المسرحية.
فالإرشادات الإخراجية، إذن تعتبر أداة من أدوات الكاتب المسرحي، حيث تساهم في تحديد الفعل المسرحي للنص، أي أنه ليس مجرد أداة لغوية (أدبية)، ولكن هو أداة للمسرح أيضا باعتباره نظاما دالا مثله مثل الحوار.
ورغم هذه الوظيفة التي تنطوي عليها الإرشادات الإخراجية بالنسبة للكاتب المسرحي، إلا أنه لم يحظ بالأهمية التي حظي بها الحوار، وهذا راجع إلى أن النصوص المسرحية كان ينظر إليها على أنها نصوص أدبية، في حين نجد " أن النقاد الذين يهتمون اهتماما جادا بالعمليات الدرامية في المسرحية يأخذون بعين الاعتبار الإرشادات المسرحية".(7)
ولعل أهم الدراسات – في حدود علمي- التي اهتمت بالإرشادات المسرحية بموضوعية دراسة (إلين أستون) و (جورج سافونا)، حيث قاما بوضع تصنيف دقيق لها ضمن ست مجموعات(8) هي:
- تعريف الشخصية.
- الوصف الجسماني للشخصية.
- الوصف الصوتي للشخصية.
- تقاليد الإلقاء (اعتبارات شكلية لكلام الشخصية).
- عناصر التصميم.
- العناصر التقنية.
من خلال هذا التصنيف يلاحظ اهتمام كبير بالشخصية، حيث أفرد لها خمس مجموعات، مما يحيل إلى أهمية الإرشادات الإخراجية.
وضمن هذا التصنيف نجد تحديدا للإرشادات الإخراجية التي يقوم بها الحوار حيث وضعها المؤلفان تحت خانة "داخل الحوار"، كما تم وضع خانة الإرشادات التي تكون "خارج الحوار".
وقد تم التوصل إلى خمس وسبعين (57) وظيفة تقوم بها هذه الأداة.
ولأجل وضع هذا التصنيف، اختار المؤلفان عشر (10) مسرحيات تمثل عصورا ومدارس مختلفة، فكانت نصوص كلاسيكية، بورجوازية وراديكالية، وذلك ابتداء من «أوديب ملكا» (لسوفوكليس) إلى« فتيات قمة» لصاحبتها (تشرشل).
وكانت النتيجة أن تم التأكيد على أن : " النص الكلاسيكي" يعمل في مستوى النص الرئيسي، فهو يحتوي على الحوار أساسا. والحوار يؤدي في الوقت نفسه دور الإرشادات المسرحية".(9)
بينما "يعمل النص" البرجوازي" عند مستوى كل من النص الرئيسي والنص الفرعي الصريح".(10)
و "يعمل النص "الراديكالي" عند كلا المستويين أيضا، ولكن هنا يختلف النص الراديكالي عن البورجوازي في أن الإرشادات تعمل على صنع شكل من المسرحية يجذب الانتباه إلى وضعها كمسرحية ".(11)
أي أنها تبرز في العرض وتعلن صراحة. ونجد هذا التعامل أكثر في أعمال المسرحي (برتولد بريخت) الذي استعملها كعنصر من عناصر التغريب، حيث يتم هدم جدار الإيهام وخلق علاقة متفاعلة بين خشبة المسرح والمتفرج.
وقد تم أخيرا إيراد بعض الاستثناءات بالنسبة لبعض النصوص التي قد تخرج عن الإطار العام للشكل المسرحي الذي تنتمي إليه لظرف ما، أو لخصوصية في الكتابة المسرحية.
من خلال هذا العمل يظهر أن ثمّة خصوصية لوضع أنماط الإرشادات الإخراجية تبعا لشكل النصوص.
و في هذا البحث تم اختيار تسمية (النص المرافق) بديلا عن تسمية الإرشادات الإخراجية، لأن هذه الأخيرة لا تنطبق على خصوصية تموضعها في نصوص عبد القادر علولة، فعند اطلاعنا عليها لا نجد أسلوب الطباعة الخاص بهذه الإرشادات، والذي اعتدنا وجوده في النصوص العادية(*)، وبالتالي نجد أن تسمية (نص مرافق) تلائم فكرة تضمن مثل هذه المعلومات في نسيج الحوار الرئيسي (سرد القوال، حوار الشخصيات)، وتبقى عملية استخراجها مجرد قرارات شخصية تحمل فكرة التوقع بدل اليقين.
من هنا نستطيع رفض فكرة انتفاء الحاجة لمثل هذا النص في أعمال عبد القادر علولة، باعتبار أن عبد القادر علولة المؤلف هو عبد القادر علولة المخرج، بل نشير إلى أن مثل هذا الطرح هو قِصَر نظر نقدي، لأن مثل هذه الأعمال تحوي فعلا نصوصا مرافقة ولو أنها لا تؤدي إلى وضع نظرة شاملة وتفصيلية لكل جوانب الأداء والإخراج، إلا أن أهميتها تبقى واردة إذا ما أريد إعادة إخراج هذه الأعمال.
إن عبد القادر علولة يؤكد أن " التمثيل يخضع للنص، لنص يعمل عمل توليفة موسيقية، توليفة أساسية لعدة سنفونيات، فهناك توظيف أقصى داخل النص بواسطته، حول اختيار الكلمات ونسق العبارات والألوان الصوتية والنبرات والحركات والوضعيات إلى غير ذلك".(12)
وبالتالي فإن استقراء أعمال علولة لأجل استخراج النصوص المرافقة لها يعد عملا منطقيا رغم أنه يكون ضمنيا.
أ- الهويـة :
في مسرحية «الأقوال» لا يرد تفصيل كامل لشخصيتي قدور وغشام ولكن من خلال حوار (مونولوج) كل واحد منهما يظهر:
- الوضع المهني بالنسبة لقدور وهو سائق في شركة وطنية :
" قدور السواق اليوم يخرج من الشركة الوطنية... واليوم يردم... يدفن نهائيا الصداقة اللي كانت رابطاته تمنطاعش سنة بالسي الناصر المدير..." (13)، فرغم أن (القوال) أشار في (تمهيده) بأن قدور يعتبر سائقا، فإن كلام هذا الأخير كان أوضح بأن حدد مكان العمل، بل وحتى درجة صديقه (السي ناصر) فهو مدير هذه الشركة، كما يحدد هذا الإرشاد في الوقت نفسه علاقة هاتين الشخصيتين فهما صديقان منذ (18 سنة)، لكن باعتبار أن قدور يريد الاستقالة من الشركة ومن الصداقة، تبرز للمتفرج العلاقة الجديدة بينهما، والتي انحرفت عن مسارها السابق بسبب ابتعاد (السي ناصر) عن مساره النضالي والثوري الذي عرف به.
- الوضع المهني بالنسبة لغشام: وهو عامل في مصنع، تم إحالتة على التقاعد لسبب صحي: "... الطبيبة متاع المعمل اليوم الصباح اعطاتلي ورقة وقالت لي ... درسنا القضية متاعك على مستوى المديرية وقررنا باش توقف الخدمة نهائيا... مريض من الصدر وما تقدرش تزيد تخدم..." (14)
ثم تأتي كل المعلومات المتعلقة بـ: سنه، حالته العائلية، مسيرته المهنية تدريجيا من خلال سياق حديثه.
إن عدم إيراد تفصيلات تخص الجانب الجسماني لهاتين الشخصيتين يحيل إلى عدم أهميته إذا ما قورن بالمسيرة المهنية لكليهما، والتي تعكس من جهة مسيرة كل الفئة العاملة في الجزائر مشاكلها ودورها عبر المراحل التاريخية المختلفة، ومن ناحية أخرى يمكن أن يساعد في توضيح مسيرة العاملين بالنسبة للمتفرج بأن يربط بين ماضيهما والحالة التي ألا إليها.
وعليه يمكن أن نؤكد أن اختيار الممثلين لهذين الدورين لا يكون على أساس التفصيلات الجسمانية، فأي ممثل يستطيع أداء هذين الدورين، شريطة أن يتوفر فيهما مظهر السن (الذي فُهم من سياق حديثهما وهو سن التقاعد)، وأيضا على أساس القدرة على الحكي (السرد)، بالإضافة إلى القدرة على الإيماء، إذ إننا لسنا أمام سرد محض خال من الحركة الدالة.
وفي المقطع الثالث من هذه المسرحية، نجد القوال يحكي عن زينوبة، فيورد تفصيلا دقيقا لكل ما يخص هذه الشخصية، ولعل المصادفـة أوقعتنـا في توافق كلي بين هذه المعلومات وبين التصنيف الذي يخص جانب الشخصية الذي وضعه (أستون وسافونا)، فنجد إرشادا يخص هويتها فهي "زينوبة بنت بوزيان العساس"، سنها: 12 سنة، أوصافها الجسمانية " قاصفة في القيمة تقول مولات تمن سنين وقليلة في الصحة، درعيها ورجليها رقاق وارهاف وجها حلو ظريف طابعينه عينيها. عينيها كبار لونهم قرفي حين يزغدوا زغيد يتسكجوا حين ما تغضب ويبتسموا حين ما تضحك" (15)، " زينوبة بنت بوزيان العساس مريضة من القلب والأطباء ما جبرولها دواء".(16)
الوظيفة (مستواها الدراسي) : " زينوبة بنت بوزيان العساس يمثلوا بيهـا في الثانوية من مستواها الدراسي ناحية السيرة والذكاء".(17)
الأوصاف الرئيسية : " زينوبة بنت بوزيان العساس ذكية حساسة بالكثير شوفتها غازرة تقرى في الداخل الإنسان بكل سهولة".(18)
العلاقة بالشخصيات الأخرى : " الأساتذة مستعجبين فيها والتلاميذ ساعة يغيروا منها ساعة تشفهم لما يزير عليها قلبها"(19)، " والديها ما ينهضوا فيها ما يدسوا عليها معلينها كالكبير وفي كل الشيء يشاوروها".(20)
إن هذا التفصيل لم يقف عند حدود شخصية زينوبة، إنما استمر في كامل المقطع، من خلال تعيين الأمكنة بدقة (بيتها، المحطة، القطار، بيت خالها...)، إبراز ردود الأفعال، الحالة الاجتماعية للمحيطين بها، وهذا الأسلوب يقدم للمتفرج فرصة إخراج هذا المقطع في مسرح من مخيلته، باعتبار أن القوال هو الذي يسرده.
وانطلاقا من هذا نستطيع القول إن أي محاولة لتمثيل هذه الدلالات السردية، خاصة منها المتعلقة بالأحداث والأفعال وإخراجها فوق الخشبة المعروفة، يعتبر تمزيقا بل إبادة لوحدة النص ككل، لأن نظام التراتب الهرمي للأدوات الدرامية والمسرحية في مسرح عبد القادر علولة يفيد بأن السرد هو المهيمن ضمن هذا النظام.
في لوحة عكلي ومنور، يصور لنا الكاتب/ المخرج على لسان القوال ما يشبه المقارنة بين هاتين الشخصيتين، حيث أورد كل المعلومات الخاصة بهما بطريقة متوازية جدا :
عكلــي |
منــور |
- طباخ
- متوفي "ولكن بالنسبة لمنور مازال يخدم ويفيد ولو بصفة غير مباشرة "
- " طويل القامة وسمين شوية الشلغمة مبرومة والصوت عالي في النغمة"
- " تخرج الكلمة من فمه صافية موزونة ما ملفه ما مكمسة"
|
- بـواب
- حـي
- " قصير وصغير على عكلي بعشر سنين"
- " كابر في البادية ومازال محافظ على القيم اللي في صغره شربها"
|
إن (تعمد) وضع مثل هذه المقارنة المتوازية في البداية بين هاتين الفقرتين من الإرشادات، تدعونا إلى تفكير مقارن للشخصيات وعلاقتها منذ البداية، بل إن هذه العلاقة واردة أصلا وبكثافة ،حيث يؤكد عليها النص في كل مرة، وعلى تميزها بالمتانة والاستمرارية حتى بعد وفاة عكلي، حيث يصبح منور اليوم "الحارس الظنين على بقايا الصديق".(21)
والمعلومات الواردة في البداية عن الصديقين تعتبر خلفية لإمكانية قيام علاقة مستمرة بهذا الشكل مثل : "...مازال محافظ على القيم اللي في صغره شربها".
بالنسبة لعكلي فإن المعلومة المتعلقة به: " تخرج الكلمة من فمه صافية موزونة ما ملفه ما مكمسة" تحيل إلى طبيعة الموقف الذي اتخذه، والذي لا رجعة فيه والمتمثل في ترك هيكله العظمي كهبة للثانوية وذلك لحل مشكل نقص الوسائل التعليمية.
ورغم أن اتخاذ مثل هذا الموقف يعكس لنا حماس هذه الشخصية لمواصلة الدفاع عن الاختيارات الاشتراكية، فهو ثوري ممتاز في أثناء الثورة، كما أصبح ينشط نقابيا بعد الاستقلال، إلا أن هذا الموقف يستنتج منه نوع من الانسحاب مادام اختار أن يكون مجرد رمز تاريخي ولم يلتزم بالخط الثوري الذي كان عليه.
وبغض النظر عن كل هذا نستطيع أن نلتمس نوعا آخر من التعامل بين الصديقين انطلاقا من المعلومات الواردة في النص المرافق، إذ يلاحظ أن عكلي يعتبر الموجه بالنسبة لمنور، وهذا انطلاقا من فارق السن، ومن تجربة وخبرة الأول بالنسبة للثاني: ويظهر مثل هذا التوجيه من خلال:
" المنور: النهار الأول نبهني المسكين شافني دهشان عاد كيف خارج من البادية قال لي : المطرق ديره على الدراع، هكذا خليه معلق كالقائد واللا الصماصري ما تحكمش هكذا كالراعي تخلع الدراري... راك حر اليوم اتنعم..." (22) وغيرها من الأمثلة التي تؤكد خبرة عكلي وإيمانه بالاشتراكية إذا ما قورن بمنور، هذا الأخير يلاحظ وجود تلازم بين التصوير الخارجي له وبين تصرفاته وردود أفعاله، حيث ينعكس كل ذلك في المصير الذي آل إليه عندما اكتفى بجعل ثورته داخلية نفسية، ولم يسع إلى تغيير الواقع المتردي الماثل أمامه بطريقة فعلية وجادة.
إن العمل الذي يشغله كل واحد من الصديقين يعكس بساطة الشخصيات التي تمثل عينات من الطبقة العاملة، ولكن يضعنا المؤلف بين النقيضين، فهذه البساطة تحيل إلى محدودية العلم والثقافة السياسية، ولكن في الوقت نفسه نجدها تدافع عن الاختيارات الاشتراكية من عدالة اجتماعية وغيرها بكل حماس وخاصة فيما يتعلق بـ (عكلي).
مثل هذه المعلومات التي تخص الصديقين تجعل المستمع/المتفرج يتخيل شخصية عكلي في ذهنه فهو متوفى، كما يستطيع أن يتوقع شخصية المنور حارسا للثانوية من الطبقة البسيطة.
وهناك إرشاد آخر يساعد في بناء شخصية المنور أكثر، وهو يُستنتج من حديث الشخصيات الأخرى عنها وسلوكها نحوها ويتعلق بالمعلمة :
"... السي المنور المحترم هو الذي سيأتي لنا عن قريب بالهيكل ... كان البواب الصديق العزيز للمرحوم، وأصبح اليوم الحارس الظنين على بقايا الصديق... السي المنور معروف لدى الجميع ويتميز في تعبيره بطريقة حارة في السرد في الرواء على وقائع عكلي...". (23)
فمظهر وسمات المنور سواء المتعلقة بالجانب الجسماني، أو جانب أنماط الكلام، أو حتى أسلوب تفكيره لها فائدة كبيرة بالنسبة للممثل الذي يقوم بهذا الدور.
وإذا انتقلنا إلى شخصية جلول الفهايمي نجد أن المؤلف لا يورد أي إرشاد يتعلق بالجانب الجسماني له، ولكن كان الحديث من خلال كلام القوال عن علاقة جلول الفهايمي بالمحيطين به (أفراد العائلة، الجيران، إدارة المستشفى التي يعمل فيها،...)، كما تحدث عن مسيرته المهنية والمصالح التي عمل فيها إلى أن انتهى به الأمر في مصلحة حفظ الجثث مكلف بمراقبة أجهزتها، وحدد سنه بسن التقاعد: " مصلحة حفظ الجثث بابها يعطي لخارج المستشفى وبالنسبة لجلول آخر مصلحة يخدم فيها جلول الفهايمي بولاد أولاده وقريب يخرج في تقاعد"(24)
ولكن أهم إرشاد يمكن أن يساعد صاحب هذا الدور فيما بعد يتعلق بالبناء النفسي لشخصية جلول، فهو يتميز بالتعصب وسرعة النرفزة، هذه السمة أوردها القوال في كل مرة يتحدث فيها عن جانب من حياة جلول، كما ذكرها هذا الأخير من خلال حواره الذاتي، وأكدها أيضا زملاؤه في العمل عند حديثهم عنه :
" جلول الفهايمي ماد يده باستمرار لقراينه يوقف بحزم وقت الشدة ويساهم بكل ما يقدر عليه ضد الغبينة، دقيق في السيرة وذكي في الخطة ولكن فيه ضعف: عصبي: يتقلق تتغلب عليه النرفزة يزعف ويخسرها".(25)
وقد بنيت اللوحة ككل على أسلوب اتخذه جلول طريقة لإطفاء عصبيته وهي (الجري): "جلول: اللا ... راني نبرد في جنوني... نجرب في هذا العفسة باش نتغلب على أعصابي... باش ما نخسرش".(26).
ويمكن أن يقودنا هذا الفعل إلى سمة أخرى يتميز بها جلول وهي قدرتـه على الحكي، حين يسرد مشاكل المستشفى، بل كل قطاع الصحة في الجزائر بالموازاة مع فعل الجري.
ونجد تقريبا الأسلوب نفسه الذي عُرّف به جلول في مسرحية « اللثام »، حيث ركز المؤلف على أهم سمة في شخصية برهوم وهي الخجل فبدأ بها، ويؤكدها في كل مرة: " برهوم ال