إشكالية الدراسة
تعاني أغلب المجتمعات المعاصرة من وجود صراع بين عالمين، عالم واقعي والآخر خيالي وافتراضي، أحدهما حقيقي في بوتقة تحكمها وتحددها القوانين والأعراف، أما الثاني فضاء معلوماتي يمكن التصرف فيه بكل حرية ودون خوف أو تردد ودون حواجز أو جوازات (نطلع على ثقافة من نريد، نبحث في أي شيء نرغب، نشارك الآخرين أعمالهم وأحداثهم)، هذا الانفلات مما نملك ونبحث عما يملك الآخرون يجعل أفكارنا ومعتقداتنا وهوياتنا في خطر مما ينعكس على المجال الإجتماعي بالسلب، بحيث يفقد المجتمع آليات ومقومات وجوده الطبيعية.
تكمن أهداف الورقة البحثية في تسليط الضوء على أثر مواقع التواصل الاجتماعي في ثقافة المجتمع الجزائري، نظرا لأن العالم الافتراضي أصبح يعرف حركة دينامكية سريعة من التطور والانتشار الذي أثر بدوره على المجتمع الجزائري، وتحديدا على هويته الثقافية من خلال تأثر هذا المجتمع بالانفتاح على العولمة التكنولوجية، وبالتالي تكمن أهمية الدراسة في تحديد الأثر الذي قد تحدثه مواقع التواصل الاجتماعي في ثقافة المجتمع الجزائري من خلال الكشف عن ايجابيات وسلبيات الفضاء الافتراضي، وانعكاساتها على المجتمع الجزائري،ولكن لا بد من الناحية المنهجية أن نشير بإسهاب إلى المفاهيم السوسيولوجية لكل من الأنثروبولوجيا الإجتماعية والعالم الافتراضي والعلاقة الممكنة بينهما.
1-الأنثروبولوجيا الإجتماعية والعالم الافتراضي
إذا كانت الأنثروبولوجيا عامة تعرف على أنها علوم الإنسان التي تهتم بدراسة كل ما له علاقة بالإنسان بصفة عامة من خبرات وعلوم ومعارف وعلاقات وتأثير وتأثر وتواصل وتفاعل من خلال السعي إلى فهمها ومعرفتها فإن "الأنثروبولوجيا الإجتماعية تدرس كل المجتمعات الإنسانية البسيطة والمركبة، فأي شيء يدرسه هذا العلم في تلك المجتمعات؟ الواقع أن البناء الإجتماعي Sosial structre والعلاقات الإجتماعية sosial Realtionships هما الموضوع الأساسي الذي تدرسه الأنثروبولوجيا الإجتماعية في المجتمع الإنساني"1.
إن موضوع الأنثروبولوجيا الإجتماعية هو المجتمع الإنساني الذي يتطور ويتغير عبر الزمن والتاريخ، حيث تدرس الأنثروبولوجيا الإجتماعية النظم التي تتشكل بواسطتها العلاقات الإجتماعية بين الأفراد كما تسعى إلى معرفة الروابط والتكامل الإجتماعي الموجود بينهم داخل المجتمع في علاقاتهم الإجتماعية المختلفة، "إن الأنثروبولوجيا الإجتماعية تهتم بمجال محدد من مجالات العلوم الإجتماعية وهو دراسة النظم الإجتماعية في إطار البناء الإجتماعي للمجتمع"2، فهي تدرس النظم المختلفة الأسرية والقرابية والإقتصادية والدينية والتربوية في المجتمع وعلاقاتها المختلفة في ما بينها، وكيفية تشكل البناء الإجتماعي في ظل هذه العلاقات الإجتماعية، و"يذهب وينيك Winck في قاموسه لعلم الأنثربولوجيا إلى أن (البناء الإجتماعي نسيج يتكون من العلاقات التي تربط بين أعضاء مجتمع ما)،... أما كيسينج Keesing فهو يرى أن البناء الإجتماعي يمثل (النظم الإجتماعية التي عن طريقها تصل مجموعة من السكان إلى حالة التكامل والترابط وهي الحالة اللازمة لتكوين مجتمع)"3.
وأياً كان الأمر فإن البناء الإجتماعي يشمل العلاقات الإجتماعية بين الأفراد والنظم التي تتحدد وفقها هذه العلاقات، فالبناء الإجتماعي هو نظام الجماعات الإجتماعية التي تحافظ على وجودها كجماعات في ظل تغيرها وتطورها المستمر، ويمكن القول أن الأنثروبولوجيا الإجتماعية عموما هي "الدراسة التكاملية المقارنة القائمة على ملاحظة السلوك الإنساني في مضمونه الإجتماعي، فهي دراسة تكاملية لأنها تتبنى المنهج الكلي Holistis Method الذي يسعى لإدراك الإطار الإجتماعي العام الذي توجد فيه الظاهرة والإحاطة بالعوامل التي تؤثر فيها وتتأثر بها. وهي دراسة مقارنة Comparative بمعنى أنها تدرس النظام القرابي أو الإقتصادي في مجتمع معين ثم تقارن بين هذا النظام ونظيره في مجتمع آخر...، كما أن الأنثروبولوجيا الإجتماعية دراسة تعتمد على الملاحظة Observation لأن الباحث يستمد مادته من الواقع الذي يدرسه بنفسه ويعايشه"4.
إن دراسة البناء الإجتماعي تبدأ أولا من ملاحظة الواقع الإجتماعي الذي يرتبط بزمان ومكان محددين لمعرفة العلاقات الإجتماعية التي تربط بين الأفراد فيما بينهم أو بين مجموعة من الأفراد في علاقاتهم الإجتماعية التي تقوم على التفاعل والتبادل والتأثير والمصالح، أو من خلال ملاحظة سلوك الإنسان في مجاله الإجتماعي الكلي ومن خلال معرفة النظم التي تتحكم فيه مقارنة بالنظم المؤثرة في مجتمعات أخرى.
إن المتأمل في حال المجتمع الجزائري يدرك أن التغيرات التي يمر بها لا تخضع لإرادة ثقافية مسبقة أو لإستراتيجية حضارية مخطط لها، إن هناك تغيرات عشوائية لا تخضع لمحددات منهجية منظمة، ويمكن أن نلمس هذا في الإستخدام السيئ للتكنولوجيا ومنتجاتها، إن المجتمع الجزائري وإن كان يملك الحصانة الثقافية الكافية لمواجهة مخاطر العالم الافتراضي إلا أنه يفتقد إلى الطريقة أو المنهج الملائم لمواجهة هذه المخاطر والتحديات، فالبنية السوسيولوجية والسوسيو-ثقافية للمجتمع بنية هشة مقارنة بما وصلت إليه المجتمعات الغربية، لأن من شروط الدخول إلى الحضارة والعالمية القدرة على إنتاج التقنية والتكنولوجيا والقدرة على التحكم فيها، وهذا ما ينعكس سلبا على المجتمع الجزائري المعاصر الذي يبقى في موضع المتأثر والمتلقي مما يفقده آلية التحكم والسيطرة على المنتجات العلمية والتقنية، التي تنعكس سلبا على المجتمع وتجعله عرضة للمشكلات والأزمات. إن المجتمع الجزائري لم يستطع بعد أن يتلاءم مع طبيعة المتغيرات العلمية والتكنولوجية، لأن هذه المتغيرات لم تكن نابعة من ثقافة خاصة بالمجتمع الجزائري، وإنما هي متغيرات فرضتها التطورات العلمية في مجال علوم الإنسان والمجتمع في الغرب، يقول أحد السوسيولوجيين في وصف هذه الأزمة"لقد شهدت الأوضاع الجزائرية في العقدين الأخيرين إفرازات خطيرة طالت كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية مما أدى المهتمين بهذه الشؤون إلى توصيف حالة الجزائر بالمتأزمة، حيث شاع تداول عبارة "المجتمع الجزائري المتأزم"، وعبارة "الذات الجزائرية الممزقة"5.
2-أثر مواقع التواصل الإجتماعي بين الإيجابيات والسلبيات
تُرجع معظم الأبحاث المشكلات التي يعاني منها الفرد الجزائري إلى توتر علاقته بعالم القيم، لأن هناك اضطرابات علائقية يعاني منها الكثير من الأفراد في حياتهم الأسرية والاجتماعية وسبب هذه الاضطرابات يعود إلى ما يتلقونه من قيم وعادات وتقاليد من محيطهم الأسرى والتربوي وبين ما يتأثرون به من مؤثرات تفرضها العولمة في مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، حيث يحدث انفصام في شخصية الأفراد يفقدهم القدرة على التحكم في أفعالهم وتصرفاتهم نتيجة ميلهم إلى التأثر بما يحيط بهم وبما اكتسبوه من وسائل التواصل.
وتبين في هذا الصدد دراسة "بيبيمون كلثوم" تصور ممارسة الهوية الثقافية لدى الشباب الجزائري بين الفضاء الالكتروني والممارسة الواقعية من خلال دراسة ميدانية لعينة من الشباب الجامعي مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي "الفايس بوك" تأثير شبكة التواصل الاجتماعي من خلال أهم أبعادها وهو تأثيرها في الهوية الثقافية لمستخدمي هذه الشبكة من خلال عملية الاتصال مع الأخر، اذ "أن المستخدم يميل الى تقمص عدة هويات أثناء عملية الاتصال بالمقارنة مع الممارسة الواقعية لسلوك المواطنة، ويتجلي هذا في كيفية عرض الهوية الالكترونية طبيعة علاقاته الشبكية على الفايس بوك مقارنة بالواقع، وفي اللغة المتداولة على الفايس بوك"6وكذلك من خلال "التعارض الظاهر بين موقفه على الفضاء الافتراضي وموقفه في الواقع أو بين هويته الإلكترونية وهويته الواقعية والتي تعكس العلاقة بين المتخيل والواقعي"7
وقد "تولدت عن ظاهرة التزاوج بين تكنولوجيـات الاتصـال الحديثة وتطبيقات شبكة الانترنيت ما بات يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي الذي أضافت بعدا ثقافيا واجتماعيـا وسياسيا للتكنولوجية الحدثية وخلقت مجتمعات افتراضية غير تلك المتعارف عليها لدى علماء الاجتماع وهي نتاج التعقيد التقني الذي تشهدها المجتمعات الحالية بفعل التطور التكنولوجي السريع خاصة الانترنيت التي أصـبحت موضوع دراسات وأبحاث العديد من المفكرين"8، حيث تمثل الانترنت المرجع الرئيسي في استخدامات الأفراد وقضاء حاجاتهم البحثية العلمية وحتى الاقتصادية لدرجة تكاد الانترنت تحل محل المكتبة كونها تقدم الحل السريع في الاستكشاف والبحث وسرعة التواصل كما تساعد في التسويق أو اجراء الكثير من المعاملات الاقتصادية دون عوائق جغرافية لدرجة يمكن بها إجراء تعديلات اتجاهات الناس وميولاتهم في مختلف القضايا .ذلك أنها تلبي الكثير من حاجات الناس في ربح الوقت والجهد والتكلفة، يظهر ذلك مثلا في البريد الالكتروني اثناء تبادل الوثائق الرسمية، دون أن نغفل عن صدى وصيت المواقع التي توفر التواصل المباشر القائم على المناقشات والدردشة تبادل الخبرات مثل (الفايس بوك، مسينجر، التويتر، انستغرام...وغيرها).
إن استخدام الأنترنات كوسيلة اتصال بين الأفراد من خلال وسائط (الفيسبوك، التويتر، الأنستغرام، الإيميل، الفايبر، والواتساب السكايب) تجاوز الغاية التي أقيمت من أجلها هذه الوسائل، فعوض أن يجعل الفرد من هذه الوسائط أداة من أجل تحقيق التواصل الإيجابي والفعال الذي يسهل له سبل الدراسة والتعلم وتبادل المعلومات والخبرات والمعارف، إستخدمها في مجال الحق الفردي الذي يخول له أن يستخدمها على حسب ما تمليه عليه أهواءه ورغباته، وما ساعد في مثل هذه الاستخدامات هو عدم وجود الرقابة الكافية على هذه الوسائل، لأن الذي أنتج هذه الوسائل جعل في المقابل آلية التحكم فيها في يد الإنسان الذي يستخدمها بكل حرية، كما زاد انتشارها خاصة عند الشباب في اكتساب عادات وسلوكات دخيلة. كما هو ملاحظ في ظاهرة التباهي بالأجهزة الذكية وكذلك استخدامات الانترنت على مدار الساعة والانخراط الدائم في مواقع التواصل الاجتماعي تماشيا مع الثورة التقنية والتكنولوجية منجذبين نحو الجانب الاجتماعي لمواقع التواصل، فهي تربطهم بأفراد مختلفين اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وحتى سياسيا وتعليميا.
إن هناك جوانب إيجابية كثيرة للأنترنت فيما يتصل بنهل العلوم والمعارف والتواصل العلمي والمعرفي البناء والهادف بين الأفراد والمجتمعات من خلالها يمكن أن يجد الطالب غايته والمستكشف ضالته في مختلف المجالات.
ولكن هناك في المقابل الكثير من السلبيات تتجلى في الإستخدام السيئ والغير عقلاني لها، لأن الإستخدام المفرط للأنترنات يجعل الفرد يميل إلى العزلة وإلى الانطواء على الذات، حيث يعيش حياة نفسية وهمية نتيجة التأثر بالتقنيات والبرامج التي تسلب الفرد قدرته على التواصل الأسري والإجتماعي.
تشير دراسة للباحثين "طاوس وازي" و"عادل يوسف" في دراسة عينة من أفراد المجتمع الجزائري في يخص تأثير وسائل التواصل التكنولوجية على العلاقات بين الأفراد سنة2013، أن الآثار السلبية لوسائل التواصل التكنولوجي تتمثل في هشاشة العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة، اذ أصبح الفرد ينبهر وينجذب لأحدث وأذكى وسائل التحاور، التي تؤدي إلى افتقاره للتغذية الراجعة وتبادل الأفكار والمشاعر9، وفي ظل الميل المفرط في استخدام وسائل التواصل الإلكترونية والأجهزة والوسائل السمعية والبصرية التي تربط الأفراد بعوالم أخرى تكاد تبعد عنهم بآلاف الكيلوميترات أو بعوالم خيالية وافتراضية لا أساس لها في الواقع، نجد أن العلاقات الأسرية تقل بين الأفراد حيث تحدث العزلة والميل إلى الإنفراد، وتقل المشاعر العاطفية والقيم التي تربط بينهم، كما أن الفرد المتأثر سلبيا بهذه الوسائل يسعى إلى اصطناع شخصية مخالفة لشخصيته الطبيعية، لأن "احتكاك الفرد بعالم الانترنت خاصة مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولة اظهار المستخدم أنه حاضر بصورة دائمة في الانترنت مما يؤدي الى اختلاق شخصية افتراضية غير شخصيته، وذلك بوضع اسم غير اسمه وصور غير صوره، وذلك من أجل التلاعب والدخول في قصص حب مع الجنس الأخر أو عملية اختلاس، أو ممارسة أعمال غير شرعية عبر الانترنت بدون اكتشاف الأخر ذلك"[10]، إن إستنخدام الأنترنت بهذا الشكل يؤسس للمستخدم عالما افتراضيا يلجأ إليه الفرد باستمرار للهروب من عالمه الواقعي الذي يعيشه بواسطة شخصية افتراضية وهمية في مقابل شخصيته الواقعية، يميل المدمن على استخدام الأنترنت بكل حرية إلى تعويض كل النقائص التي عجز عن إشباعها في العالم الواقعي الذي يواجهه بمختلف القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية، كما يسعى إلى التحرر منها بمختلف الطرق ويؤدى هذا النزوع إلى الوقوع في العنف المعنوي وإلى ممارسة السلوكات والأفعال التي تنعكس بشكل سلبي على علاقاته الإجتماعية.
تبين دراسة "عبدالي ريم" والتي جاءت بعنوان "العنف على مواقع التواصل الاجتماعي- دراسة انثوغرفية حول مستخدمي الفايسبوك في الجزائر"، من خلال بحثها في العنف المعنوي الممارس داخل شبكات التواصل الاجتماعي التي تضم أكبر عدد من المجتمعات الافتراضية أن الفيسبوك كوسيلة تواصل يفتح الباب واسعا للتعبير والنقاش الحر عن طريق النشر والتواصل، وهذا ما أتاح الفرصة للكثير من المستخدمين في التعبير عن أرائهم بدون أي سلطة رقابية، وإبداء وجهات نظرهم التي قد تقلل من احترام الأخر لتكون حدة التخاطب والإساءة والانزلاق في سفه القول11.
إن وسائل الاتصال الحرة التي لا تخضع لضوابط قانونية ولا إلى رقابة فوقية مباشرة تكون نتيجتها فقدان الأفراد لقيمهم ولأخلاقهم الطبيعية التي نشؤ عليها، مما يفقدهم القدرة على التفاعل والتواصل الإجتماعي مع بقية الأفراد، كما أن تنوع وسائل الاتصال زاد من انعزال الأفراد وانطوائهم على ذواتهم، والسؤال الذي يطرح نفسه ما المواقع التي يتفحصها مترددي المقاهي أو متصفحي الانترنت؟ تبين دراسة جزئية على عينية من مجتمع ولاية باتنة أن" 60 % يقضون أوقاتهم في المحادثة «chat» ومواقع التعارف والصداقة 20 % من المستخدمين للمواقع الثقافية، وأخيرا 20 % مواقع طبية حاسوبية تجارية وسياسية"12، وتبين هذه النسب أن النسبة الغالبة في استخدام الأنترنات تكمن في التواصل والمحادثة التي تربط الفرد بالأخرين من خلال الصداقة والتعارف، حيث يقضي الكثير من الأفراد خاصة الشباب منهم أكثر أوقاتهم أمام الأنترنات مما ينعكس على علاقاتهم وتواصلهم الإجتماعي الطبيعي، وبالتالي يؤثر على مردودهم في الدراسة والإنتاج والإبداع في أعمالهم وقدراتهم الشخصية التي تربطهم بمحيطهم الإجتماعي وكما تبين الدراسة أن النسبة الأقل تخصص للمواقع الثقافية والتعليمية والعلمية ذات الفائدة، وهذه المؤشرات تدل على فقدان المجتمع الجزائري لقيمه الباعثة التي يتزود بها الأفراد بفقدانهم للقيم الثقافية والأخلاقية التي اكتسبوها في محيطهم الطبيعي، وكل هذا ينعكس سلبا على المجتمع، "أشار كاتز katz في نظريته "الاستخدامات والاشباعات" الى عملية التأثير التي تتحدد من طبيعة الاستخدام وأطلق مقولته: ينبغي أن نتوقف عن سؤال أنفسنا ماذا تفعل وسائل الاعلام بالناس؟ لنسأل أنفسنا ماذا يفعل الناس بوسائل الإعلام؟ كما أكدت نظرية مدى قدرة وسائل الإعلام على العالم الثقافي لجورج غيربنر G.Gebner [إلى القول بأنها تفرض] واقع تعليمي وثقافي وقيمي معين لمشاهديها وقرائها، بحيث يحل واقع وسائل الإعلام محل الواقع الطبيعي للمشاهدين"13.
يظهر الجانب السلبي في انعكاس العالم الافتراضي بشكل أكثر وضوحا على المجتمع في تسويق الأفلام السينمائية الخيالية والمسلسلات الإجرامية التي تجعل الفرد مستلب الوعي ومتفاعلا مع عوالم خيالية ليس لها وجود في الواقع، أما بالنسبة للأفلام الكرتونية العالمية المشهورة التي تسوق للأطفال فهي في أكثرها من إنتاج العالم الغربي الذي يقوم بتسويقها من أجل تمرير أهدافه وأغراضه الثقافية والحضارية التي تؤثر في ذهنية الأطفال وتجعل نموهم الطبيعي يخضع لمؤثرات خيالية تسلب الطفل وعيه وتجعله متفاعلا مع عوالم غير طبيعية، حيث تتكون بشكل غير مباشر خلفية ثقافية لدي الطفل يكتسبها دون شعور منه من شاشة التلفزيون ويعمل على استخدامها ومحاولة تطبيقها بالمثل نفسه في العالم الخارجي، ومن وظيفة المحيط الأسري والإجتماعي فرض الرقابة والحماية، ولكن المجتمع لا يملك الحصانة الكافية لوقاية الأطفال من هذا التأثر وغالبا نجد أن أكثر الأسر اليوم لا تملك أن تعزل الأطفال عن الوسائل التكنولوجية التقنية كما أن التوعية الأسرية لا يمكنها أن تعزل الطفل عن محيطه الذي يعيش فيه بشكل مباشر وفي ظل هذا يبقي الطفل في حالة صراع بين عالمه الخيالي والإفتراضي الذي اكتسبه وبين تنشئته الإجتماعية الطبيعية التي نشأ عليها، لأن ما يكتسبه الطفل تساهم فيه الوسائل التكنولوجية والتقنية بشكل كبير عن ما يكتسبه من محيطه الأسري والإجتماعي الذي يعيش فيه، كما أن آليات التحكم في وسائل الاتصال ليست أمرا إراديا يخضع بشكل مباشر لإرادة المجتمع وإنما هي تخضع لرغبات وأهواء الأفراد بالشكل نفسه.
يفهم هنا أن تأثير العالم الافتراضي على المجتمع المدني الجزائري زاد من خطورة فقدان المجتمع لخصوصيته وهويته الثقافية، وهذا بفعل تأثير العولمة الثقافية، فالعولمة اختراق ثقافي أمريكي لمختلف المجتمعات على هذا الكوكب، تحركه وسائل الاعلام الجماهيرية عبر خضوعها لشركات أمريكية وأوربية تفرض صورتها القوية وأصواتها النافذة على الشعوب غير المحصنة، خاصة أن العولمة الثقافية لها الأثر الأعظم في بناء الهويات وتغيير المجتمع العالمي وعولمة المشكلات الاجتماعية14، ولا يقتصر الأمر في تأثير العولمة على الهويات الثقافية للمجتمع وفقط، وإنما نجدها تؤثر في النظم والمؤسسات الإجتماعية وكل ما يتصل بها من البنى والأنساق الثقافية للمجتمع، وكما "أشار المجلس الأوربي للثقافة سنة 1998أن زمن العولمة هو زمن تهديد الهويات والثقافات، وكذا طمس ملامح الخصوصيات الثقافية، وإن لم تتمكن من اضعاف الهويات الوطنية فهي على الأقل تضعها على المحك"15، بل أن العولمة الثقافية بفعل تأثيراتها العالمية اخترقت النظم والجمعيات والمنظمات الإجتماعية التي يعتمد عليها في بناء المجتمع والحفاظ على هويته وخصوصيته الثقافية، فــــــ"المجتمع المدني يعتمد على نشاط الجمعيات والمنظمات الإجتماعية غير الحكومية التي تقوم على قيم ومبادئ اجتماعية خاصة تحقق من خلالها أهدافها وأغراضها الإجتماعية من خلال تحقيق تلك القيم والمبادئ في الواقع الإجتماعي من تفاعل وتواصل وغيرها16فقد اهتم المواطن الجزائري بتشكيل الجمعيات والمنظمات والروابط والنوادي التي تهتم بالقضايا الاجتماعية، ولكن على الرغم من سبق الجزائر من حيث العدد في مجال تأسيس الجمعيات فإنها تفقد هذا الموقع في مجال حيوية ونشاط وتطور المجتمع أمام فاعلية الحركة الجمعوية في لبنان ومصر واليمن والمغرب والأردن وفق التصنيفات التي ذهبت إليها بعض المنظمات الغير الحكومية17
لعل سبب قلة فعالية المنظمات الإجتماعية والجمعيات المجتمعية في الجزائر هو افتقادها لآليات التفاعل الإجتماعي وفقدانها للإمكانيات الحضارية اللاَّزمة، كما أن سبب قلة فاعلية الحركة الجمعوية في الجزائر على كثرة عددها يعود أولا وقبل كل شيء إلى أن هذه الكثرة المعلنة غير صحيحة، لأن كثيرا من الجمعيات المسجلة لا وجود لها على أرض الواقع، لأنها انقطعت عن النشاط أو لم تنشط أصلا منذ تأسيسها ولم يتخذ قرار إداري أو قضائي بحلها18، وبالتالي فإن الجانب الكمي الظاهر في ما يخص الجمعيات لا ينفع في إخراج المجتمع من أزماته الحضارية، إذ ما الفائدة من تواجد الكثير من الجمعيات والمنضمات دون فعالية أو تأثير اجتماعي واضح، إن كثرة المنظمات والجمعيات المجردة من الفعالية الإجتماعية يدل على وهن العالم الثقافي والسياسي الذي ينعكس لا محالة على الوضع الاجتماعي.
إن "إشكالية الوضعية الثقافية في الجزائر تطرح بمعنى مضاعف في الوضع الجيوبوليتيكي والأنثروبولوجي وكذلك في الجانب الاجتماعي التاريخي خاصة في المرحلة ما بعد الاستعمارية"19، لأن عدم فعالية الثقافة في المجتمع الجزائري المعاصر ناتج عن وجود هوة عميقة تفصل بين المثقف والمجال الإجتماعي العام، ولعل الأمر ناتج عن عدم الفهم الصحيح لمهمة الثقافة وأدوارها الاجتماعية، إذ لا فائدة من الثقافة إذا كانت لا تمس حقائق ووقائع اجتماعية ملموسة، لأن الفهم الذي يُنظر للثقافة على أنها تخص المجرد والنظري المكثف في العلم والمعرفة دون وجود جسور تواصل بينها وبين الواقع الاجتماعي، إنما هو تجاهل وعدم الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتق المثقف، إن "المهمة التي يبقى المفكر الجزائري منوطا بها هي الأخذ بأخلاقية الارتحال عبر جغرافيات المعنى والرموز والقيمة التي يسكنها الوعي الجمعي، والتي من شأنها تحويل الأفكار المنتجة إلى قيم ممارسة تحقق كيانها في الواقع النفسي والاجتماعي"[20]، لأن المجتمع يحمل في بعض الأحيان بذور فنائه من الداخل، لأن بعض المجتمعات التاريخية فقدت مكانتها الحضارية بسبب عجز فكرها الاجتماعي عن قيادة المجتمع والمجتمع الذي يفتقد لمرجعية فكرية وثقافية أصيلة ينزاح نحو نوع من الوهم الكاذب في اتجاه تغيرات تفرضها الشروط التاريخية الحاضرة دون وعي ثقافي مسبق، إذ لا يمكن النظر إلى المجتمع الجزائري بمعزل عن المجال الثقافي الذي يتشكل فيه المجتمع.
يرى دنيس كوش أنه "تجب دراسة العلاقات الثقافية إذا ضمن مختلف أطر العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تيسر علاقات الاندماج أو التنافس أو النزاع (....)، ومن الواجب إعادة موضعة ظواهر التآلف الثقافي والتمازج الثقافي، بل الاستيعاب أيضا في أطر بنينتها أو إعادة بنينتها الاجتماعية[21]، لأن الثقافة هي التي تبقى تغذي المجتمع وتدفع به إلى الاستمرار في عجلة التاريخ، إن "علم الاجتماع الحديث يميل من خلال صوره العلمية إلى الإقلاع عن الفكرة القائلة بوجود سبب مهيمن للتغير الاجتماعي، أي أنه يعترف بتعدد وكثرة أنماط التغير"22والحال أنه لا يمكن لدراسة سوسيولوجية أن تستوفي بمفردها كل المتغيرات التي تطرأ على المجتمع الجزائري، لأن المقاربات التي يتم تبنيها في هذا المجال تعد مجرد إسقاط على موضوعات محددة، وبالتالي يتعذر إيجاد المركب السوسيولوجي الذي يفسر كل المتغيرات التي تحصل في المجتمع.
إن المجتمع الجزائري يبقى بحاجة ملحة إلى تحقيق دور تفاعلي بين الأفراد، لأن التواصل التفاعلي هو الذي تحقق من خلاله الذوات الاجتماعية كيانها الاجتماعي من خلال الصورة الكلية التي تجعل الذات في حالة مستمرة من التكون والتفاعل الاجتماعي، والذات التي تبقى حبيسة ذاتها وفي عزلة اجتماعية بسبب تأثير وسائل الاتصال لا يمكنها أن تحقق كيانها الذاتي إلا من خلال الاندماج الاجتماعي23.
لقد حلت في المجتمع الجزائري بدلا من القيم الفعالة قيما ظرفية مؤقتة سيدة نفسها على العالم الثقافي وأضحت تتحكم في زمام الأمور، وهذا منذ أن عجز المجتمع عن تمثل مبادئ وقيم العالم الثقافي الأصيل، فالمجتمع الجزائري يعاني اليوم أكثر من أي وقت مضى من عدم القدرة على تمثل القيم الثقافية التي من شأنها تغيير أوضاعه الاجتماعية، وهذا ما يفرض على المجتمع الجزائري البحث عن الحصانة الثقافية التي تمنعه من الانحلال في معادلات اجتماعية دخيلة، لأن الرهان الذي يبقي يفرض نفسه باستمرار على الفكر الجزائري هو كيفية تفعيل المبادئ والقيم في المجال الاجتماعي24.
إن ضرورة التأسيس لعلم اجتماع جديد في العالم الإسلامي -والمجتمع الجزائري خاصة- تتأتي وفق تصور المفكر الجزائري "مالك بن نبي" من ضرورة التأكيد على أهمية البعد الإسلامي، لأن المآل الذي انتهى إليه المجتمع الإسلامي عامة والمجتمع الجزائري خاصة هو نتيجة حتمية لانفصال العنصر الروحي عن العنصر الاجتماعي، أو لأن هناك افتراق بين المبدأ والحياة25، أي أن هناك هوة عميقة بين القيم والمبادئ التي يعتقد بها الإنسان المسلم –الجزائري- وبين حياته العملية الاجتماعية التي تربطه بعالم الآخرين من خلال العلاقات والسلوك، يعيد مالك بن نبي الأهمية للبعد الروحي في عملية التنمية والبناء الإجتماعي، فالحاجة ملحة إلى التجديد في المنظومة الثقافية للمجتمع من خلال التركيز على الأدوار الحضارية التي يجب أن تحققها العلوم الإجتماعية26.
خــاتمة
إن هناك حقيقة لابد من الاقتناع بوجودها، وهي أن لا يمكن أن نعيش بمعزل عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال بشكل عام ولا يمكن أن نعزل أنفسنا عنها بشكل مطلق، لأن العولمة والعالم التكنولوجي التقني في تقدم وتطور دائم، فهي تفرض نفسها بشكل مستمر يوما بعد يوم ولا سبيل إلى إلغائها أو رفضها، وإلى جانب السلبيات الناتجة عن استخدام التكنولوجيا ووسائل الاتصال نجد الكثير من الإيجابيات التي لا يمكن الاستغناء عنها من أجل تحديث المجتمع والدفع به للدخول في عجلة الحضارة. ولكن في المقابل لا بد من السعي إلى تفعيل المشروع الثقافي الذي يحصن المجتمع الجزائري من المخاطر التي تنجر عن الإستخدام السلبي والمفرط للتكنولوجيا ولوسائل الإعلام والاتصال وللاستخدامات الناتجة عنها التي أفقدت المجتمع خصوصيته وأفرغت الأفراد من قيمهم الأخلاقية والتربوية.
ولكن تفعيل العالم الثقافي الذي من شأنه معالجة قضايا الإنسان والمجتمع ليس امرأ إراديا وإنما يخضع لشروط ولظروف وعوامل ينتجها المجال الثقافي والحضاري المناسب، والمجتمع الجزائري شهد عدة محاولات في بناء عالمه الثقافي بما يتوافق مع مستجدات العلم والتكنولوجيا، ولكن هذه المحاولات تشكل لحظة البدء والانطلاق فقط، فهي إمكانية حاضرة دائما تحتاج بالضرورة إلى مقومات معينة تخرجها من حيز الإمكان إلى الوجود الفعلي وتحدد في الآن نفسه أبعادها الجوهرية.